النص المفهرس

صفحات 561-580

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
كن
ويُروى عنِ ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أَنَّهُ قالَ : قالَ داوودُ عليه السلامُ
في مناجاتِهِ : إلهي ؛ مَنْ يسكنُ بينَكَ وممَّنْ تتقبّلُ الصلاةَ؟ فأوحى اللهُ
إليهِ : يا داوودُ؛ إنَّما يسكنُ بيتي وأقبلُ الصلاةَ منهُ مَنْ تواضعَ لعظمتي ،
وقطعَ نهارَهُ بذكري ، وكفَّ نفسَهُ عنِ الشهواتِ مِنْ أجلي ، يطعمُ الجائعَ ،
ويُؤوي الغريبَ ، ويرحمُ المصابَ ، فذلكَ الذي يضيءُ نورُهُ في السماءِ
كالشمسِ ، إِنَّ دعاني ليَّتُهُ ، وإنْ سألني .. أعطيتُهُ، أجعلُ لهُ في الجهلِ
حِلماً ، وفي الغفلةِ ذكراً ، وفي الظلمةِ نوراً ، وإنَّما مثلُهُ في الناسِ
كالفردوسِ في أعلى الجنانِ، لا تيبسُ أنهارُها، ولا تتغيَّرُ ثمارُها(١).
ويُروىُ عَنْ حاتم الأصمِّ رضيَ اللهُ عنهُ أَنَّهُ سئلَ عنْ صلاتِهِ فقالَ : ( إذا
حانتِ الصلاةُ .. أسبغتُ الوضوءَ، وأتيتُ الموضعَ الذي أريدُ الصلاةَ
فيهِ ، فأقعدُ فيهِ حتَّى تجتمعَ جوارحي ؛ ثمَّ أقومُ إلى صلاتي ، فأجعلُ
الكعبةَ بينَ حاجبيَّ ، والصراطَ تحتَ قدميَّ ، والجنةَ عنْ يميني ، والنارَ
عنْ يساري ، وملكَ الموتِ ورائي ، وأظنُّها آخرَ صلاتي ، ثمَّ أَقومُ بينَ
الرجاءِ والخوفِ ، وأكبِّرُ تكبيراً بتحثُّنِ ، وأقرأُ قراءةً بترتيلٍ ، وأركعُ
ركوعاً بتواضع ، وأسجدُ سجوداً بتخلُّع ، وأقعدُ على الوَرْكِ اليسرى ،
وأفرشُ ظهرَ قدمِها ، وأنصبُ القدمَ اليمنى على الإبهام ، وأتبعُها
(١) بنحوه مرفوعاً في ((الحلية)) (١٨/٤)، وابن أبي الدنيا في (( التواضع والخمول))
(٨٦) والخطاب فيه لسيدنا موسى عليه السلام .
٥٦١

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
الإخلاصَ ، ثمَّ لا أدري: أقبلتْ منِّي أمْ لا)(١).
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( ركعتانِ مقتصدتانِ في تفكّرٍ خيرٌ مِنْ
قيامٍ ليلةٍ والقلبُ ساءٍ)(٢).
(١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٧٥/٨) بنحوه.
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ٢٨٨).
٥٦٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
فضيلة المسجد وموضع الصلاة
قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ بَنَى اللهِ مسجداً ولوْ كَمَفْحَصِ قطاةٍ ..
بنى اللهُلَهُ قصراً في الجنَّةِ ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ ألفَ المسجدَ .. أَلِفَهُ اللهُ تعالى))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا دخلَ أحدُكمُ المسجدَ .. فليركعْ
ركعتينٍ قبلَ أنْ يجلسَ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ))(٤).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُمْ ما دامَ في
مصلاَهُ الذي يصلِّي فيهِ ، تقولُ : اللهمَّ؛ صلِّ عليه، اللهمَّ ؛ اغفرْ لهُ ،
اللهمَّ؛ ارحمْهُ ، ما لمْ يحدِثْ أوْ يَخرِجْ مِنَ المسجدِ))(٥) .
(١) رواه ابن ماجه (٧٣٨) وأصله في (( الصحيحين))، ومفحص القطاة: مكان رقودها
على بيضها ، وهي لا تتخذ ذلك من الشجر بل على التراب ، ولهذا خص ذكر هذا
الطائر .
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ٦٣٧٩).
(٣) رواه البخاري (٤٤٤)، ومسلم ( ٧١٤ ) .
(٤) رواه الدارقطني في ((سننه)) (٤١٩/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٤٦/١)،
وجار المسجد هو الذي يسمع النداء كما جاء مصرحاً في بعض الروايات .
(٥) رواه البخاري (٤٤٥)، ومسلم ( ٦٤٩ ) .
٥٦٣

٢٠
كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يأتي في آخرِ الزمانِ ناسٌ مِنْ أُمتي يأتونَ
المساجدَ فيقعدونَ فيها حلقاً حلقاً ، ذكرهُمُ الدنيا وحُبُّ الدنيا ،
لا تجالسوهُمْ؛ فليسَ للهِ بِهِمْ حاجةٌ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ في بعضِ الكتبِ : إنَّ
بيوتي في أرضِي المساجدُ ، وإنَّ زُؤَّاري فيها عُمَّارُها ، فطوبى لعبدٍ تطهَّرَ في
بيتِهِ ثمَّ زارني في بيتي، فحقٌّ على المزُورِ أنْ يُكرمَ زائرَهُ))(٢).
G
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( إذا رأيْتمُ الرجلَ يعتادُ المساجد ..
فاشهدُوا لهُ بالإيمانِ))(٣).
وقالَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ : ( مَنْ جلسَ في المسجدِ .. فإنَّما يجالسُ
ربّهُ، فما أحقَّهُ ألاَّ يقولَ إلا خيراً)(٤).
ويروى في الأثرِ أَوْ في الخبرِ : ( الحديثُ في المسجدِ يأكلُ الحسناتِ
كما تأكلُ البهيمةُ الحشيشَ )(٥) .
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٢٣/٤)، والطبراني في ((الكبير)) (١٩٨/١٠)،
وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٩/٤).
(٢) روى صدره أبو نعيم في الحلية)) (٢١٣/١٠) بنحوه، وآخره الطبراني في (( الكبير))
(٢٥٣/٦) بلفظ: (( من توضأ في بيته، فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد .. فهو
زائر الله ، وحق على المزور أن يكرم الزائر».
(٣) رواه الترمذي (٢٦١٧)، وابن ماجه ( ٨٠٢ ).
ـون
(٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤١٦).
حر
(٥) لم يصرح المصنف بكونه حديثاً، وانظر ((كشف الخفاء)) (٤٢٣/١)، ويفيد معناه =،
٥٦٤
كرة
كن

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
حر
وقالَ النخعيُّ : ( كانوا يرونَ أَنَّ المشيَ في الليلةِ المظلمةِ إلى المسجدِ
موجبٌ للجنَّةِ )(١) .
وقالَ أنسُ بنُ مالكِ : ( مَنْ أسرجَ في مسجدٍ سراجاً .. لمْ تزلِ الملائكةُ
وحملةُ العرْشِ يستغفرونَ لهُ ما دامَ في ذلكَ المسجدِ ضوءُهُ )(٢).
وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ : ( إذا ماتَ العبدُ .. بكى عليهِ
مصلاَهُ مِنَ الأرضِ ومصعدُ عملِهِ مِنَ السماءِ )، ثمَّ قرأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَهِمُ
السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنَظَرِينَ﴾(٣).
وقالَ ابنُ عباس : ( تبكي عليهِ الأرضُ أربعينَ صباحاً )(٤).
وقالَ عطاءٌ الخراسانيُّ : ( ما مِنْ عبدٍ يسجدُ للهِ سجدةً في بقعةٍ مِنْ بقاع
الأرضِ إلا شهدتْ لهُ بها يومَ القيامةِ، وبكتْ عليهِ يومَ يموتُ )(٥) .
وقالَ أنسُ بنُ مالكِ : ( ما مِنْ بقعةٍ يذكرُ اللهُ عزَّ وجلَّ عليها بصلاةٍ أوْ
ذكرٍ إلا افتخرتْ على ما حولَها مِنَ البقاع ، واستبشرتْ بذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ
حديث: (( فيقعدون حلقاً ، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا ، فلا تجالسوهم)) السابق.
=
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٢٤)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٦٥٠٠)،
وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٥/٤).
(٢) رواه عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً الحارثُ بن أسامة في ((مسنده)) ( ١٢٧).
(٣) رواه ابن المبارك في (( الزهد)) (٣٣٦).
(٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٣٨).
(٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٤٠).
٥٦٥

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
إلى منتهاها مِنْ سبع أرضينَ ، وما مِنْ عبدٍ يقومُ يصلِّي إلا تزخرفتْ لهُ
الأرضُ )(١) .
ويقالُ : ( ما مِنْ منزلٍ ينزلُهُ قومٌ إلا أصبحَ ذلكَ المنزلُ يصلِّي عليهِمْ أوْ
يلعنُهُمْ)(٢).
:درة شع
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٣٩).
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٣٤).
٥٦٦
٥٠

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
البَابُ الثَّاني
في كيفية الأعمال الظاهرة من الصّلاة
والبداية بالتكبير وما قبله
ينبغي للمصلِّي إذا فرغَ مِنَ الوضوءِ ، والطهارةِ منَ الخبثِ في البدنِ
والثيابِ والمكانِ ، ومِنْ سترِ العورةِ مِنَ السرَّةِ إلى الركبةِ :
أنْ ينتصبَ قائماً متوجهاً إلى القبلةِ، ويراوحَ بينَ قدميهِ ولا يضمَّهُما(١)؛
فإنَّ ذلكَ ممَّا كانَ يستدلُّ بهِ على فقْهِ الرجلِ ، وقدْ نَهىُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
عنِ الصفْنِ والصفْدِ في الصلاةِ(٢) ؛ والصفدُ : هوَ اقترانُ القدمينِ معاً ، ومنهُ
قولُهُ تعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ فِى الْأَصْفَادِ﴾، والصفنُ : هوَ رفعُ إحدى الرجلينِ ،
(١) أي : بين كعبيه في القيام ، ولكن يجعل بين قدميه مقدار أربع أصابع ، هكذا قرره
الأردبيلي في ((الأنوار)) (٨٨/١)، وأصل المراوحة في العملين : أن يعمل هذا مرة
وهذا مرة ، وتقول : راوح بين رجليه ؛ أي: قام على إحداهما مرة وعلى الأخرى
مرة. ((إتحاف)) (٣٢/٣).
٢٦٠٠
(٢) ذكره ابن الأثير في ((النهاية)) (٣٥/٣، ٣٩)، وروى النسائي (١٢٨/٢) عن
عبد الله بن مسعود : أنه رأى رجلاً يصلي قد صف بين قدميه فقال : ( أخطأ السنة ، ولو
راوح بينهما كان أعجب إليَّ)، قال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف) ( ٨٩/٣):
( وأصل هذا في كتاب ((القوت)) [٩٦/٣]، وهو الذي فسر معنى الألفاظ، وتبعه من
جاء بعده ) .
٥٦٧

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
ومنهُ قولُهُ تعالى: ﴿الصَّفِنَتُ لِيَادُ ﴾، هذا ما يراعيهِ في رجليهِ عندَ
القيامِ .
ويراعي في ركبتيهِ ومعقدٍ نطاقِهِ الانتصابَ، وأمَّا رأسُهُ فإنْ شاءَ .. تركَهُ
على استواءِ القيام ، وإنْ شاءَ .. أطرقَ ، والإطراقُ أقربُ للخشوع وأغضُّ
للبصرِ.
وليكنْ بصرُهُ محصوراً على مصلاهُ الذي يصلِّي عليهِ، فإنْ لمْ يكنْ لهُ
مصلّىَ .. فليقربْ مِنْ جدارٍ أوْ ليخطَّ خطّاً، فإنَّ ذلكَ يقصِّرُ مسافةَ البصرِ
ويمنعُ تفرُّقَ الفكرِ ، وليحجرْ على بصرِهِ أنْ يجاوزَ أطرافَ المصلَّى وحدودَ
الخطِّ ، وليدمْ هذا القيامَ كذلكَ إلى الركوعِ مِنْ غيرِ التفاتِ . هذا أدبُ
القيامِ .
فإذا استوى قيامُهُ واستقبالُهُ وإطراقُهُ كذلكَ .. فليقرأ : ( قل أعوذ برب
الناس ) تحصُّناً بهِ مِنَ الشيطانِ، ثُمَّ ليأتِ بالإقامةِ ، وإنْ كانَ يرجو حضورَ
مَنْ يقتدي بهِ .. فليؤذِّنْ أَوَّلاً، ثمَّ ليحضرِ النيةَ، وهوَ أنْ ينويَ في الظهرِ مثلاً
ويقولَ بقلبهِ : أؤدِّي فريضةَ الظهرِ لله، ليميِّزَها بقولِهِ : ( أؤدِّي ) عنِ
القضاءِ ، وبـ( الفريضةِ) عنِ النفلِ ، وبـ(الظهرِ) عنِ العصرِ وغيرِهِ،
ولتكنْ معاني هذهِ الألفاظِ حاضرةً في قلبهِ ؛ فإِنَّهُ هُوَ النيةُ ، والألفاظُ
مذكِّراتٌ وأَسبابٌ لحضورِها ، ويجتهدُ أنْ يستديمَ ذلكَ إلى آخرِ التكبيرِ حتَّى
لا يعزبَ .
كة
٥٦٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
فإذا حضرَ في قلبهِ ذلكَ .. فليرفعْ يديهِ إِلى حذْوِ مَنْكبيهِ بعدَ إرسالِهِما
بحيثُ يحاذي بكفيهِ مَنْكبيهِ ، وبإبهاميهِ شحمتي أذنيهِ ، وبرؤوسِ أصابعِهِ
رؤوسَ أُذنيهِ ؛ ليكونَ جامعاً بينَ الأخبارِ الواردةِ فيهِ ، ويكونُ مقبلاً بكفيهِ
وإبهامَيْهِ إلى القبلةِ ، ويبسطُ الأصابعَ ولا يقبضُها ، ولا يتكلَّفُ فيها تفريجاً
ولا ضمّاً ، بلْ يتركُها على مقتضى طبعِها ؛ إذْ نقلَ في الأثرِ النشرُ والضمُّ ،
وهذا بينَهُما ، فهوَ أولى .
فإذا استقرتِ اليدانِ في مقرِّهما .. ابتدأَ التكبيرَ معَ إرسالِهِما وإحضارِ النِيَّةِ،
ثمَّ يضعُ اليدينِ على ما فوقَ السرَّةِ وتحتَ الصدْرِ ، ويضعُ اليمنى على اليسرىُ
إكراماً لليمنى ؛ بأنْ تكونَ محمولةً ، وينشرُ المسبِّحةَ والوسطى مِنَ اليمنى على
طولِ الساعدِ ، ويقبضُ بالإبهامِ والخنصرِ والبنصرِ على كوع اليسرى .
وقَدْ رُويَ التكبيرُ معَ رفع اليدينِ، ومِعَ استقرارِهِما ، ومعَ الإِرسالِ ،
وكلُّ ذلكَ لا حرِجَ فيهِ، وأراهُ بالإرسالِ أليقَ؛ فإنَّهُ كلمةُ العقدِ(١) ، ووضعُ
إحدى اليدينِ على الأخرى في صورةِ العقدِ ، ومبدؤُهُ الإرسالُ، وآخرُهُ
الوضعُ، ومبدأ التكبيرِ الألفُ، وآخرُهُ الراءُ ، فيليقُ مراعاةُ التطابقِ بينَ
الفعلِ والعقدِ . وأمَّا رفعُ اليدِ .. فكالمقدمةِ لهذهِ البدايةِ .
ثمَّ لا ينبغي أنْ يدفعَ يديهِ إلى قدَّامِ دفعاً عندَ التكبيرِ ، ولا يردّهما إلى
(١) أي: يعقد قلبه على معناها من إثبات الكبرياء والجلال والعظمة الله تعالى. ((إتحاف))
(٣٩/٣ ) .
٥٦٩

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
خلفِ مَنْكبيهِ ، ولا ينفضَهُما عنْ يمين وشمالٍ نفضاً إذا فرغَ مِنَ التكبيرِ ،
ويرسلُهُما إرسالاً خفيفاً رفيقاً ، ويستأنفُ وضْعَ اليمينِ على الشمالِ بعدَ
الإرسالِ .
وفي بعضٍ الرواياتِ: أَنَّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ إذا كَبَّرَ .. أرسلَ
يديْهِ ، فإذا أرادَ أنْ يقرأ .. وضعَ اليمنى على اليسرىُ، فإنْ صحَّ هذا .. فهوَ
أولى ممَّا ذكرناهُ .
وأمَّا التكبيرُ : فينبغي أنْ يضمَّ الهاءَ مِنْ قولهِ : (اللهُ) ، ضمةً خفيفةً مِنْ
غيرِ مبالغةٍ ، ولا يدخلُ بينَ الهاءِ والألفِ (١) شبهَ الواوٍ ، وذلكَ ينساقُ إليهِ
بالمبالغةِ ، ولا يدخلُ بينَ باءِ : (أكبرْ) ورائِهِ ألفاً كأَنَّهُ يقولُ : ( أُكبارْ) ،
ويجزمُ راءَ التكبيرِ ولا يضمُّها .
فهذهِ هيئةُ التكبيرِ وما معَهُ .
القراءة
ثمَّ يبتدىءُ بدعاءِ الاستفتاح ، وحسنَ أنْ يقولَ عَقيبَ قولِهِ : ( اللهُ
أَكْبَرُ) : ( كبيراً، وَالحمدُ للهِ كثيراً، وسُبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلاً(٢) ، وجهتُ
(١) من لفظ : ( أكبر ) .
(٢) رواه مسلم ( ٦٠١ ).
٥٧٠

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
وجهيَ) ... إلى قولِهِ: (وأنا مِنَ المسلمينَ)(١)، ثمَّ يقولُ: (سبحانَكَ
اللهمَّ وبحمدِكَ ، وتباركَ اسمُكَ، وتعالىُ جدُكَ، وجلَّ ثناؤكَ، ولا إلهَ
غَيرُكَ )(٢)؛ ليكونَ جامعاً بينَ متفرقاتِ ما وردَ في الأخبارِ(٣)، وإنْ كانَ
خلفَ الإمام .. اختصرَ إنْ لمْ يكنْ للإمام سكتةٌ طويلةٌ يقرأُ فيها الفاتحةَ .
ثمَّ يقولُ: أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ ، ثمَّ يقرأ الفاتحةَ(٤) ، بتمام
تشديداتِها وحروفِها ، ويجتهدُ في الفرقِ بينَ الضادِ والظاءِ ، ويقولُ :
( آمينَ ) في آخرِ الفاتحةِ، ويمدُّها مدّاً ، ولا يصلُ ( آمينَ ) بقولِهِ : ( ولا
الضالينَ ) وصلاً(٥).
ويجهرُ بالقراءةِ في الصبح والمغربِ والعشاءِ(٦) إلا أنْ يكونَ مأموماً ،
ويجهرُ بالتأمينِ .
(١) رواه مسلم (٧٧١)، وهو : ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً
وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك
له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ) .
(٢) رواه أبو داوود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، والنسائي (١٣٢/٢)، وهو عند مسلم
(٣٩٩) موقوفاً على عمر رضي الله عنه .
(٣) كذا في ((القوت)) (٩٤/٢)، و((الأذكار)) (ص٩٩).
(٤)
في هامش (ز): ( يبتدىء فيها بسم الله الرحمن الرحيم ) .
(٥) بل بعد سكتة لطيفة جداً؛ ليعلم أن (آمين) ليست من (الفاتحة). ((الأذكار)»
(ص١٠٨) .
(٦) في الأوليين من المغرب والعشاء وجميع الصبح، إماماً كان أو منفرداً. ((الخلاصة ))
( ص ١٠٠ ).
٥٧١

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
ثمَّ يقرأُ السورةَ أوْ قَدْرَ ثلاثِ آيَاتٍ مِنَ القرآنِ فما فوقَها ، ولا يصلُ آخرَ
السورةِ بتكبيرِ الهويِّ ، بل يفصلُ بينَهما بقدْرِ قولِهِ : ( سبحانَ اللهِ ) .
CG
ق
ويقرأُ في الصبحِ مِنَ السورِ الطوالِ مِنَ المفصَّلِ ، وفي المغربِ مِنْ
قصارِهِ ، وفي الظهرِ والعصرِ والعشاءِ نحو : ( والسماءِ ذاتِ البروج )
وما قاربَها ، وفي الصبح في السفرِ : ( قلْ يا أيُّها الكافرونَ )، و( قلْ
هوَ اللهُ أحدٌ ) ، وكذلكَ في ركعتي الفجرِ والطوافِ والتحيةِ ، وهوَ في جميعِ
ذلكَ مستديمٌ للقيامِ ووضع اليدينِ كما وصفَنا في أوَّلِ الصلاةِ .
الركوع ولواحقه
ثُمَّ يركعُ ويراعي فيهِ أموراً : أنْ يكبِّرَ للركوع ، وأنْ يرفعَ يديهِ معَ تكبيرةٍ
الركوع، وأنْ يمدَّ التكبيرَ مدّاً إلى الانتهاءِ إلى الركوع ، وأنْ يضحَ راحتيهِ
على ركبتيهِ في الركوع وأصابعُهُ منشورةٌ موجهةٌ نحوَ القبلةِ على طولٍ
الساقِ، وأنْ ينصبَ ركبتيهِ ولا يَثِيَهُما ، وأنْ يمدَّ ظهرَهُ مستوياً ، وأنْ يكونَ
عنقُهُ ورأسُهُ مستويينٍ مع ظهرِهِ كالصفيحةِ الواحدةِ ، لا يكونُ رأسُهُ أخفضَ
ولا أرفعَ ، وأنْ يجافيَ مرفقيهِ عنْ جنبيهِ ، وتضمُّ المرأةُ مرفقيها إلى
جنبيها .
وأنُ يقول : ( سبحانَ ربيَ العظيم ) ثلاثاً ، والزيادةُ إلى السبعةِ وإلى
العشرةِ حسنٌ إنْ لمْ يكنْ إماماً .
ـح
٥٧٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
حن
ثُمَّ يرفعُ مِنَ الركوع إلى القيامِ ، ويرفعُ يديهِ ويقولُ: ( سمعَ اللهُ لمنْ
حمدَه )، ويطمئنُّ في الاعتدالِ ويقولُ: (ربنا لكَ الحمدُ(١)، ملْءُ
السماواتِ وملْءُ الأرضِ وملءُ ما شئتَ مِنْ شيءٍ بعدُ)(٢) ، ولا يطوِّلُ هذا
القيامَ إلا في صلاةِ التسبيحِ والكسوفِ والصبحِ .
ويقنتُ في الصبح في الركعةِ الثانيةِ بالكلماتِ المأثورةِ قبلَ السجودِ(٣)
السجود
ثُمَّ يهوي إلى السجودِ مكبِّراً، فيضعُ ركبتيهِ على الأرضِ ، ويضعُ
جبهتهُ وأنفَهُ وكفّيهِ مكشوفةً ، ويكبِّرُ عندَ الهويِّ ، ولا يرفعُ يديهِ في غيرِ
الركوعِ .
3
وينبغي أنْ يكونَ أولَ ما يقعُ منهُ على الأرضِ ركبتاهُ ، وأنْ يضعَ بعدَهُما
(١) كذا بإسقاط الواو في النسخ إلا (ب): (ولك) قال الرافعي في ((العزيز))
(٥١٢/١): (والروايتان معاً صحيحتان)، قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص
الخبير)) (٦٩٤/٢): (فأما الرواية بإثبات الواو .. فمتفق عليها، وأما بإسقاطها ..
ففي (( صحيح أبي عوانة )) ) .
(٢) كما في ((مسلم)) ( ٤٧١).
(٣) وهي التي رواها البيهقي في (( السنن الكبرى)) (٢٠٩/٢)، وهي عند أصحاب السنن
مخصوصةً بالوتر : ( اللهم ؛ اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن
توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، إنك تقضي ولا يقضى عليك ،
وإنه لا يذل من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت ، وصلى الله على النبي وآله وسلم ) .
انظر ((العزيز شرح الوجيز)﴾ (٥١٦/١).
٥٧٣

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
يديهِ ، ثمَّ يضعَ بعدَهُما وجهَهُ ، وأنْ يضعَ جبهتَهُ وأنفَهُ على الأرضِ ، وأن
يجافيَ مرفقيهِ عنْ جنبيهِ ، ولا تفعلُ المرأةُ ذلكَ ، وأنْ يفرِّجَ بينَ رجليهِ ،
ولا تفعلُ المرأةُ ذلكَ ، وأنْ يكونَ في سجودِهِ مخوياً على الأرضِ ، ولا تكونُ
المرأةُ مخويةً ، والتخويةُ : رفعُ البطنِ عنِ الفخذينِ والتفريجُ بينَ الفخذينِ(١)،
وأنْ يضعَ يديهِ على الأرضِ حذاءَ مَنْكِبِيهِ ، وألا يفرِّجَ أصابعَهُما ، بلْ يضمُّهُما
ويضمُّ الإِبهامَ إليها ، وإنْ لمْ يضمّ الإبهامَ .. فلا بأسَ ، ولا يفترشُ ذراعيهِ على
الأرضِ كما يفترشُ الكلبُ ؛ فإنَّهُ منهيٌّ عنهُ، وأنْ يقولَ : ( سبحانَ ربيَ
الأعلى ) ثلاثاً ، فإنْ زادَ .. فحسنٌ ، إلا أنْ يكونَ إماماً .
ثُمَّ يرفعُ مِنَ السجودِ ، فيطمئنُّ جالساً معتدلاً ، فيرفعُ رأسَهُ مكبراً ،
ويجلسُ على رجلِهِ اليسرى ، وينصبُ قدمَهُ اليمنى ، ويضعُ يديهِ على
فخذيهِ والأصابعُ منشورةٌ ، ولا يتكلَّفُ ضمَّها ولا تفريجَها ، ويقولُ : ( ربِّ
اغفرْ لي ، وارحمني ، وارزقني ، واهدني ، واجبرني ، وعافني ، واعفُ
عنّي)(٢) ، ولا يطوِّلُ هذهِ الجلسةَ إلا في سجودِ التسبيحِ ، ويأتي بالسجدةِ
الثانيةِ كذلكَ ، ويستوي منها جالساً جلسةً خفيفةً للاستراحةِ في كلِّ ركعةٍ
لا تشهُّدَ عقيبَها ، ثمَّ يقومُ فيضعُ يديهِ على الأرضِ ، ولا يقدِّمُ إحدى رجليهِ
في حالةِ الارتفاع ، ويمدُّ التكبيرَ حتَّى يستغرقَ ما بينَ وسطِ ارتفاعِهِ منَ
ـون
(١) في (هـ): ( والتفريج بين الفخذين والركبتين)، وفي ( و): ( الركبتين ).
(٢) رواه أبو داوود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه ( ٨٩٨).
٥٧٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
حن
القعودِ ، إلى وسطِ ارتفاعِهِ إلى القيام ؛ بحيثُ تكونُ الهاءُ مِنْ قولِهِ: ( اللهُ)
عندَ استوائِهِ جالساً ، وكافُ ( أكبرْ) عندَ اعتمادِهِ على يديهِ للقيامِ ، وراءُ
( أكبرْ) في وسطِ ارتفاعِهِ إلى القيام ، ويبتدىءُ في وسطِ ارتفاعِهِ إلى القعودِ
حتّى يقعَ التكبيرُ في وسطِ انتقالِهِ ، ولا يخلو عنهُ إلا طرفاهُ ، وهوَ أقربُ إلى
التعميمٍ ، ويصلَّ الركعةَ الثانيةَ كالأولى ، ويعيدُ التعوُّذَ كالابتداءِ .
التشهد
ثُمَّ يتشهَّدُ في الركعةِ الثانيةِ التشهُدَ الأوَّلَ ، ثمَّ يصلِّي على رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعلى آلِهِ ، ويضعُ يدَهُ اليمنى على فخذِهِ اليمنى،
ويقبضُ أصابعَهُ اليمنى إلا المسبِّحَةَ ، ولا بأسَ بإرسالِ الإبهام أيضاً ، ويشيرُ
بمسبِّحَةِ يمناهُ وحدَهَا عندَ قولِهِ : (إِلا اللهُ)، لا عندَ قولِهِ: ( لا إلهَ).
ويجلسُ في هذا التشهدٍ على رجلِهِ اليسرى كما بينَ السجدتينِ .
وفي التشهدِ الأخيرِ يستكملُ الدعاءَ المأثورَ بعدَ الصلاةِ على النبيِّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١)، وسننُهُ كسننِ التشهُّدِ الأوَّلِ، لكنْ يجلسُ في
الأخيرِ على وركِهِ الأيسرِ ؛ لأنَّهُ ليسَ مستوفِزاً للقيام ، بلْ هوَ مستقرّ ،
(١) والمأثور كثير، منه ما رواه مسلم (٥٨٨ ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا تشهد أحدكم .. فليستعذ بالله من أربع ، يقول :
اللهمّ ؛ إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا
والممات ، ومن شر فتنة المسيح الدجال )).
٥٧٥
.22

كتاب أسرار الصلاة
ـمة.
ربع العبادات
ويضجعُ رجلَهُ اليسرىُ خارجةً مِنْ تحتِهِ ، وينصبُ اليمنىُ ، ويضعُ رأسَ
الإبهام إلى جهةِ القبلةِ إنْ لمْ يشقَّ عليهِ، ثمَّ يقولُ: ( السلامُ عليكُمْ
ورحمةُ اللهِ ) ويلتفتُ يميناً بحيثُ يَرى خدَّهُ الأيمنَ مَنْ وراءَهُ مِنَ الجانبِ
اليمينِ ، ويلتفتُ شمالاً كذلكَ ، ويسلِّمُ تسليمةٌ ثانيةً ، وينوي الخروجَ
بالسلامِ مِنَ الصلاةِ ، وينوي بالسلام على مَنْ على يمينهِ مِنَ الملائكةِ
والمسلمينَ في الأولى ، وينوي مثلَ ذلكَ في الثانيةِ ، ويجزمُ التسليمَ
ولا يمدُّهُ مداً ؛ فهوَ السنَّةُ .
وهذهِ هيئةُ صلاةِ المنفردِ .
ويرفعُ صوتَهُ بالتكبيراتِ ، ولا يرفعُ صوتَهُ إلَّ بقدرِ ما يُسمعُ نفسَهُ .
وينوي الإمامُ الإمامةَ لينالَ الفضلَ ، فإنْ لمْ ينوٍ .. صحَتْ صلاةُ القوم إذا
نوَوُا الاقتداءَ ، ونالُوا فضلَ الجماعةِ .
ويُسرُّ بدعاءِ الاستفتاح والتعوذِ كالمنفردِ ، ويجهرُ بالفاتحةِ والسورةِ في
جميعِ الصبحِ وأوليَي العشاءِ والمغربِ ، وكذلكَ المنفردُ .
ـكن
ويجهرُ بقولِهِ : ( آمينَ ) في الصلاةِ الجهريَّةِ ، وكذلكَ المأمومُ ، ويقرنُ
المأمومُ تأمينَهُ بتأمينِ الإمام معاً لا تعقيباً، ويسكُتُ الإمامُ سكتةً عقيبَ
الفاتحةِ ؛ ليثوبَ إليهِ نَفَسُهُ، ويقرأَ المأمومُ الفاتحةَ في الجهريةِ في هذهِ
السكتةِ ؛ ليتمكّنَ مِنَ الاستماع عندَ قراءةِ الإمام ، ولا يقرأُ المأمومُ السورةَ
في الجهريَّةِ إلَّ إذا لمْ يسمع صوتَ الإمامِ .
حن
٥٧٦
٠٠٠

فته
ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
ويقولُ الإِمامُ : ( سمعَ اللهُ لمَنْ حمدَهُ) عندَ رفع رأسِهِ مِنَ الركوعِ ،
وكذا المأمومُ ، ولا يزيدُ الإمامُ على الثلاثِ في تسبيحاتِ الركوعِ
والسجودِ ، ولا يزيدُ في التشهُّدِ الأولِ بعدَ قولِهِ : ( اللهمَّ ؛ صلِّ على محمدٍ
وعلى آلِ محمدٍ ) ويقتصرُ في الركعتينِ الأخيرتينِ على الفاتحةِ ، ولا يطوِّلُ
على القوم ، ولا يزيدُ على دعائِهِ في التشهُّدِ الأخيرِ على قدرِ التشهِّدِ والصلاةِ
علىُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
وينوي عندَ السلام السلامَ على القوم والملائكةِ ، وينوي القومُ بتسليمِهِمْ
جوابَهُ .
ويثبتُ الإمامُ ساعةً حتَّى يفرغَ الناسُ مِنَ السلامِ ، ويُقبلُ على الناسِ
بوجهِهِ، والأَولى أنْ يثبتَ إنْ كانَ خلفَ الرجالِ نساءٌ ؛ لينصرفْنَ قبلَهُ ، ولا
يقومُ واحدٌ مِنَ القومِ حتَّى يقومَ ، وينصرفُ الإمامُ حينَ يشاءُ مِنْ يمينِهِ
وشمالِهِ ، واليمينُ أحبُّ إليَّ .
ولا يخصُّ الإمامُ نفسَهُ بالدعاءِ في قنوتِ الصبح، بلْ يقولُ: ( اللهمَّ
اهدِنا ... ) ويجهرُ بهِ، ويؤمِّنُ القومُ، ويرفعونَ أيديَهُمْ حذاءَ الصدورِ ،
ويمسحُ الوجهَ عندَ ختْمِ الدعاءِ ؛ لحديثٍ نُقُلَ فِيهِ (١)، وإلاَّ .. فالقياسُ ألاَّ
يرفعَ اليدَ كما في آخرِ التشهُّدِ .
(١) وهو ما رواه الترمذي (٣٣٨٦): ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في
الدعاء .. لم يحطّهما حتى يمسح بهما وجهه). وانظر (المجموع)) (٤٦٢/٣ -
٤٦٣ ) .
٥٧٧
من
حن

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
المْهيّات
نهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الصلاةِ عَنِ الصفْنِ والصفْدِ ، وقد
ذكرْناهما (١)، وعنِ الإِقعاءِ (٢)، وعنِ السَّدْلِ(٣)، والكفِّ (٤)، وعنِ
الاختصارِ(٥)، وعنِ الصَّلْبِ(٦)، وعنِ المواصلةِ، وعنْ صلاةِ الحاقنِ والحاقبِ
والحازقِ(٧) ، وعن صلاةِ الجائع والغضبانِ والمتثِّمِ ؛ وهوَ سترُ الوجهِ .
أمَّا الإقعاءُ : فهوَ عندَ أهلِ اللغةِ : أنْ يجلسَ على وركيهِ وينصبَ
ركبتيه ، ويجعلَ يديهِ على الأرضِ كالكلبِ .
وعندَ أهلِ الحديثِ : أنْ يجلسَ على ساقيهِ جاثياً وليسَ على الأرضِ منهُ
إلا رؤوسُ أصابع الرجلينِ والركبتانِ .
وسيأتي تفسير من المصنف لهذه المنهيات فيما يلي .
(١)
(٢) كما روى الترمذي (٢٨٢)، وابن ماجه (٨٩٤) مرفوعاً: ((لا تُقع بين السجدتين)).
(٣) كما روى أبو داوود (٦٤٣)، والترمذي ( ٣٧٨).
(٤) في (ب): (الكفت) وكلاهما صحيح ، والكفت والكف : ضم الشيء بعضه إلى
بعض ، وسيأتي الخبر الوارد فيه .
(٥) كما هو عند البخاري (١٢٢٠)، ومسلم ( ٥٤٥ ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
( نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل مختصراً ) .
(٦) كما هو عند أبي داوود ( ٩٠٣)، والنسائي (١٢٧/٢) عن زياد بن صبيح الحنفي
قال : ( صليت إلى جنب ابن عمر ، فوضعت يدي على خاصرتي ، فلما صلّى .. قال :
هذا هو الصلب في الصلاة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه ) .
(٧) كما هو عند مسلم (٥٦٠) مرفوعاً: ((لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يُدافعُهُ
الأخبثان))، والحازق - كما سيبين المصنف - في معنى هذا من ذهاب الخشوع.
٥٧٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
وأمَّا السدلُ : فمذهبُ أهلِ الحديثِ فيهِ : أنْ يلتحفَ بثوبِهِ ويدخلَ یدیهِ
مِنْ داخلٍ ، فيركعُ ويسجدُ كذلكَ ، وكانَ هذا فعلَ اليهودِ في صلاتِهِمْ ،
فنهوا عنِ التشُّهِ بِهِمْ ، والقميصُ في معناهُ ، فلا ينبغي أنْ يركعَ ويسجدَ ويداهُ
في بدنِ القميصِ ، وقيلَ : معناهُ : أَنْ يضعَ وسَطَ الإزارِ على رأسِهِ ويرسلَ
طرفيهِ عنْ يمينِهِ وشمالِهِ منْ غيرِ أنْ يجعلَهُما على كتفيهِ ، والأوَّلُ أقربُ(١).
وأمَّا الكفُّ : فهوَ أنْ يرفعَ ثيابَهُ مِنْ بينِ يديهِ أَوْ مِنْ خلفِهِ إذا أرادَ
السجودَ ، وقدْ يكونُ الكفُّ في شعرِ الرأسِ ، فلا يصلينْ وهوَ عاقصٌ
شعرَهُ، والنهيُّ للرجالِ، وفي الحديثِ: ((أُمرتُ أنْ أسجدَ على سبعةِ
أعضاءٍ، ولا أكفَّ شعراً ولا ثوباً)) (٢).
وكره أحمدُ ابنُ حتبلٍ أَنْ يأتزرَ فوقَ القميصِ في الصلاةِ ورآهُ مِنَ الكفِّ (٣).
وأمَّا الاختصارُ : فأنْ يضعَ یدیهِ على خاصرتِهِ .
وأمَّا الصَّلْبُ : فأنْ يضعَ يديهِ على خاصرتيهِ ويجافيَ بينَ عضديهِ في
القيام .
(١) وقيل : هو الإسبال للثوب حتى يلامس الأرض ، وعن المعنى الثاني قال إمام أهل اللغة
الزبيدي : ( وليس بشيء عندي). ((إتحاف)) (٩١/٣ ).
(٢) رواه البخاري (٨٠٩)، ومسلم (٤٩٠).
(٣) قال ابن قدامة في ((المغني)) (٢/ ٣٠٠): ( فأما شد الوسط في الصلاة ؛ فإن كان
بمنطقة أو مئزر أو ثوب أو شد قباء .. فلا يكره ، روايةً واحدة ... ، وإن كان بخيط أو
حبل مع سرَّته وفوقها فهل يكره ؟ على روايتين ؛ إحداهما : يكره ؛ لما فيه من التشبه
بأهل الكتاب ) .
٥٧٩

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وأمَّا المواصلةُ : فهيَ خمسةٌ ؛ اثنانِ على الإمام : ألا يصلَ قراءتَهُ
بتكبيرة الإحرام ، ولا ركوعَهُ بقراءتِهِ ؛ واثنانِ على المأموم : ألا يصلَ
تكبيرة الإحرامِ بتكبيرةِ الإمامِ ، ولا تسليمَهُ بتسليمِهِ ؛ وواحدةٌ بينهما : ألا
يصلَ تسليمةَ الفرضِ بالتسليمةِ الثانيةِ ، وليفصلْ بِينَهُما .
وأمَّا الحاقنُ : فمِنَ البولِ ، والحاقبُ : مِنَ الغائطِ، والحازقُ :
صاحبُ الخفِّ الضيِّقِ ، فإنَّ كلَّ ذلكَ يمنعُ الخشوعَ ، وفي معناهُ : الجائعُ
والمهتمُّ، وفُهمَ نهيُ الجائع مِن قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( إذا حضرَ
العَشاءُ وأقيمتِ الصلاةُ .. فابدؤوا بالعَشاءِ))(١) ، إلا أنْ يضيقَ الوقتُ أَوْ
يكونَ ساكنَ القلبِ .
وفي الخبرِ : (( لا يدخلنَّ أحدُكُمُ الصلاةَ وهوَ مقطِّبٌ، ولا يصلِينَّ
أحدُكُمْ وهوَ غضبانُ))(٢) .
وقالَ الحسنُ : ( كلُّ صلاةٍ لا يحضرُ فيها القلبُ فهيَ إلى العقوبةِ
أسرعُ )(٣) .
وفي الخبرِ : (( سبعةُ أشياءَ في الصَّلاةِ مِنَ الشيطانِ : الرُّعافُ ،
والنعاسُ، والوسوسةُ، والتَّاؤُبُ، والحكاكُ، والالتفاتُ، والعبثُ
ـنى
٠٠٠٠
(١) رواه البخاري (٥٤٦٥)، ومسلم ( ٥٥٧) .
(٢) هكذا أورده صاحب ((القوت)) (٩٧/٢) وقال العراقي: (لم أجده). («إتحاف))
(٩٤/٣ ) .
(٣) رواه الطوسي في ((أربعينه)) (١١)، وهو في ((القوت)) (٩٧/٢).
٥٨٠