النص المفهرس

صفحات 501-520

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
على رأسِهِ ثلاثاً، ثمَّ يدلكُ ما أقبلَ مِنْ بدنِهِ وما أدبرَ ، ويخلَّلُ شعرَ الرأسِ
واللحيةِ، ويوصلُ الماءَ إلى منابتِها ما كثفَ منهُ أوْ خفَّ .
وليسَ على المرأةِ نقضُ الضفائرِ ، إلاَّ إذا علمتْ أنَّ الماءَ لا يصلُ إلى
خللِ الشعرِ .
ويتعهَّدُ معاطفَ البدنِ ، وليتقِ أنْ يمسَّ ذكرَهُ في أثناءِ ذلكَ ؛ فإنْ فعلَ
ذلكَ .. فليعدِ الوضوءَ، وإنْ توضَّأَ قبْلَ الغسلِ .. فلا يعيدُهُ بعدَ الغسلِ.
فهذهِ سننُ الوضوءِ والغسلِ ، ذكرْنا منها ما لا بدَّ منهُ لسالكِ طريقٍ
الآخرةِ مِنْ علمِهِ وعملِهِ ، وما عداهُ مِنَ المسائلِ يحتاجُ إليها في عوارضٍ
الأحوالِ ، فيُرْجَعُ فيها إلى كتبِ الفقهِ .
والواجبُ مِنْ جملةِ ما ذكرناهُ في الغسْلِ أمرانِ : النيّةُ ، واستيعابُ البدنِ
بالغَسْلِ .
وفرضُ الوضوءِ : النيَّةُ، وغسلُ الوجهِ ، وغسلُ اليدينِ إلى المرفقينِ ،
ومسحُ ما ينطلقُ عليه الاسمُ مِنَ الرأسِ ، وغسْلُ الرجلينِ إلى الكعبينِ ،
والترتيبُ .
وأمَّا الموالاةُ .. فليستْ واجبةً .
والغسلُ الواجبُ أربعةٌ : الغسلُ لخروج المنيِّ ، ولالتقاءِ الختانينِ ،
والحيضِ ، والنفاسِ .
وما عداهُ مِنَ الأغسالِ سنَّةٌ ؛ كالغسْلِ للجمعةِ والعيدينِ والإِحرامِ ،
٥٠
حجز تن
ن:
حرة

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
ولوقوفِ عرفةً ومزدلفةً ، ولدخولِ مكَّةَ ، وثلاثةِ أغسالٍ أيامَ التشريقِ ،
ولطوافِ الوداع على قولٍ ، والكافرِ إذا أسلمَ غيرَ جنبٍ ، والمجنونِ إذا
أفاقَ، ولمنْ غسَّلَ ميِّاً ، فكلُّ ذلكَ مستحبٌّ .
كيفية الثَّم
مَنْ تعذّرَ عليهِ استعمالُ الماءِ بفقدِهِ بعدَ الطلبِ ، أَوْ بمانع لهُ عَنِ الوصولِ
إليهِ مِنْ سَبْعِ أوْ حابسٍ ، أوْ كانَ الماءُ الحاضرُ يحتاجُ إليهِ لعطشهِ أوْ عطشٍ
رفيقِهِ ، أوْ كانَ مُّلْكاً لغيرِهِ ولمْ يبعْهُ إلَّ بأكثرَ مِنْ ثمنِ المثلِ ، أَوْ كانَ بهِ
جراحةٌ أوْ مرضٌ وخافَ مِنِ استعمالِهِ فسادَ العضْوِ أوْ شدَّةَ الضنى .. فينبغي
أنْ يصبرَ حتَّى يدخلَ عليهِ وقتُ الفريضةِ ، ثمَّ يقصدَ صعيداً طيِّباً عليهِ ترابٌ
طاهرٌ خالصٌ لَيِّنٌ بحيثُ يثورُ منهُ غبارٌ ، ويضربَ عليهِ كفَّيهِ ضامّاً بينَ
أصابعِهِ ، ويمسحَ بهما جميعَ وجهِهِ مرَّةً واحدةً ، وينويَ عندَهُ استباحةً
الصلاةِ .
ولا يتكلَّفُ إيصالَ الغبارِ إلى ما تحتَ الشعورِ ، خفَّتْ أوْ كَثُفَتْ ،
ويجتهدُ أنْ يستوعبَ بشرةً وجهِهِ بالغبارِ ، ويحصلُ ذلكَ بالضربةِ الواحدةِ ؛
فإنَّ عرْضَ الوجهِ لا يزيدُ على عرْضِ الكفينِ ، ويكفي في الاستيعابِ غالبٌ
الظنِّ ، ثمَّ ينزِعُ خاتمَهُ ويضربُ ضربةً ثانيةً يفرِّجُ فيها بينَ أصابعِهِ ، ثمَّ يلصقُ
ظهورَ أصابع يدِهِ اليمنىُ ببطونِ أصابع يدِهِ اليسرىُ بحيثُ لا يجاوزُ أطرافَ
فرع
٥٠٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
الأناملِ مِنْ إحدى الجهتينِ عرْضَ المسبِّحَةِ مِنَ الأخرى ، ثمَّ يُمِزُّ يدَهُ اليسرى
مِنْ حيثُ وضعَها على ظاهرِ ساعدِهِ اليمنى إلى المِرفَقِ ، ثمَّ يقلبُ بطْنَ كفِّهِ
اليسرى على باطنِ ساعِدِهِ اليمنىُ ويُمِرُّها إلى الكوع ، ويُمِرُّ بطنَ إبهامِهِ
اليسرى على ظاهرِ إبهامِهِ اليمنى ، ثمَّ يفعلُ باليدِ اليسرى كذلكَ ، ثمَّ يمسحُ
كفَّيِهِ ويخلِّلُ بينَ أصابعِهِ .
وغرضُ هذا التكليفِ تحصيلُ الاستيعابِ إلى المرفقينِ بضربةٍ واحدةٍ ،
فإنْ عَسُرَ عليهِ ذلكَ .. فلا بأسَ بأنْ يستوعبَ بضربتينٍ وزيادةٍ .
فإذا صلَّى بهِ الفرْضَ .. فلهُ أنْ يتنفَّلَ كيفَ شاءَ، فإنْ جمعَ بينَ
فرضينٍ .. فينبغي أنْ يعيدَ التيقُّمَ للثانيةِ، وهكذا يفردُ كلَّ فريضةٍ بتيهُّم ،
واللهُ أعلمُ .
حر
٥٠٣

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
القِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ النّظَافَة
التنظيف عن الفضلات الظاهرة
وهي نوعان: أوساخ ، وأجزاء)
النوع الأول: الأوساخ والرطوبات المرشحة
وهي ثمانية
الأوّلُ : ما يجتمعُ في شعرِ الرأسِ مِنَ الدَّرَنِ والقمْلِ ، فالتنظيفُ عنْهُ
مستحبٌّ بالغسْلِ والترجيلِ والتدهينِ ؛ إزالةً للشعَثِ عنهُ .
وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يدهنُ الشعرَ ويُرَجِّلُهُ غِبَّاً ، ويأَمرُ بهِ ويقولُ
عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((ادَّهنوا غِبّاً))(٢).
(١) فالأوساخ: ما تطرأ من خارج، والأجزاء: تكون من البدن نفسه. انظر ((الإتحاف))
(٣٩٥/٢) .
(٢) الغبُّ: أصله: ورود الإبل الماء يوماً وتركه يوماً، ثم استعمل فيما ذكر ، وإنما جاء
النهي عن الترجل إلا غبّاً لأن إدمانه يشعر بمزيد الإمعان في الزينة والترفه ، وذلك إنما
يليق بالنساء؛ لأنه ينافي شهامة الرجال. انظر ((الإتحاف)) (٣٩٥/٢)، والحديث
رواه العسكري في ((تصحيفات المحدثين)) (ص ٣٦٠)، وروى الترمذي في
((الشمائل)) (٣٣) عن أنس رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يكثر دهن رأسه ، وتسريح لحيته ، ويكثر القناع ، حتى كأن ثوبه ثوب زيَّات ) .
ـكن
تن
٥٠٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ كانَ لهُ شعرةٌ .. فليكرمهَا)) (١) أي:
ليصنْها عَنِ الأوساخِ .
ودخلَ عليهِ رجلٌ ثائرُ الرأس أشعتُ اللّحيةِ، فقالَ: ((أما كانَ لهذا
دُهْنٌ يُسَكِّنُ بهِ شعرَهُ؟))، ثمَّ قالَ: ((يدخلُ عليَّ أحدُكُمْ كأنَّهُ
شيطانٌ؟!))(٢).
ـحن
الثاني : ما يجتمعُ مِنَ الوسخ في معاطفِ الأَذُنِ ، والمسحُ يزيلُ ما يظهرُ
منهُ، وما يجتمعُ في قعْرِ الصماخ ، فينبغي أنْ ينظّفَ برفْقٍ عندَ الخروجِ مِنَ
الحمَّام ، فإنَّ كثرةَ ذلكَ ربَّما تضرُّ بالسمعِ .
الثالثُ : ما يجتمعُ في داخلِ الأنفِ مِنَ الرطوباتِ المنعقدةِ الملتصقةِ
بجوانبهِ ، ويزيلها الاستنشاقُ والاستنثارُ .
الرابعُ : ما يجتمعُ على الأسنانِ وأطرافِ اللسانِ مِنَ القَلَح ، ويزيلُهُ
السواكُ والمضمضةُ ، وقدْ ذكرناهُما .
(١) رواه أبو داوود (٤١٦٣)، ولفظ المصنف في ((القوت)) (١٤٤/٢).
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٤٩/٢)، وأبو داوود ( ٤٠٦٢).
ثرة.
٥٠٥

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
الخامسُ : ما يجتمعُ في اللحيةِ مِنَ الوسخِ والقمْلِ إذا لمْ يتعهَّدْ ،
ويستحبُّ إزالةُ ذلكَ بالغسْلِ والتسريحِ بالمُشْطِ ، وفي الخبرِ المشهورِ أنَّهُ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ لا يفارقُهُ المُشْطُ والِمِدْرَى والمرآةُ في سفَرٍ
ولا حضرٍ (١) ، وهيَ سنَّةُ العربِ .
وفي خبرٍ غريبٍ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يسرِّحُ لحيتَهُ في اليومِ
مرَّتين(٢)، وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كثَّ اللحيةِ(٣)، وكذلكَ كانَ
أبو بكرٍ ، وكانَ عثمانُ طويلَ اللحيةِ رقيقَها ، وكانَ عليٌّ عريضَ اللحيةِ قدْ
ملأَتْ ما بينَ منكِبیهِ .
وفي حديثٍ أغربَ منهُ قالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : اجتمعَ قومٌ ببابِ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فخرجَ إليهِم ، فرأيتُهُ يطلعُ في الحُبِّ
يسوِّي مِنْ رأسِهِ ولحيتِهِ ، فقلتُ : أوَتفعلُ ذلكَ يا رسولَ اللهِ ؟! فقالَ :
(( نعم، إنَّ اللهَ يُحِبُّ منْ عبدهِ أنْ يتجَمَّلَ الإخوَانِهِ إذا خرجَ إليهِمْ))(٤).
والجاهلُ ربَّما يظنُّ أنَّ ذلك مِنْ حبِّ التزيُّنِ للناسِ ، قياساً على أخلاقٍ
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٢٣٨)، وابن طاهر في (( صفوة التصوف))
(ص ٣٩٢) ، والمِذْرَى : القرن الذي يحك به الرأس .
(٢) تقدم عند الترمذي في ((الشمائل)) (٣٩) أنه كان يكثر تسريح لحيته .
(٣) رواه النسائي (١٨٣/٨).
(٤) قال العراقي: ( أخرجه ابن عدي في (( الكامل)))، والحُب : وعاء كالخابية فيها ماء .
ومعنى ( أن يتجمَّل لإخوانه): أن يريهم أثر جمال الله تعالى. انظر (( الإتحاف))
(٣٩٦/٢)، وسياق المصنف عند صاحب ((القوت)) (١٤٤/٢).
٥٠٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
غيرِهِ ، وتشبيهاً للملائكةِ بالحَدّادِينَ ، وهيهاتَ! فقدْ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ مأموراً بالدعوةِ ، وكانَ مِنْ وظائفِهِ أنْ يسعى في تعظيمِ أمرِ نفسِهِ في
قلوبِهمْ؛ كيلا تزدريَهُ نفوسُهُمْ ، وتحسينِ صورتِهِ في أعينِهِمْ ؛ كيلا
تستصغرَهُ أعينُهُمْ فينفْرَهُمْ ذلكَ ، ويتعلَّقَ المنافقونَ بذلكَ في تنفيرِهِمْ ،
وهذا القصْدُ واجبٌ على كلِّ عالمٍ تصدَّى لدعوةِ الخلْقِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ،
وهوَ أنْ يراعيَ مِنْ ظاهرِهِ ما لا يوجبُ نفرةَ الناسِ عنهُ ، والاعتمادُ في مثلِ
هذهِ الأمورِ على النيّةِ ؛ فإنَّها أعمالٌ في أنفسِها تكتسبُ الأوصافَ مِنَ
القُصُودِ ؛ فالتزيُّنُ على هذا القصْدِ محبوبٌ ، وتَرْكُ الشعَثِ في اللحيةِ
إظهاراً للزهدِ وقلَّةِ المبالاةِ بالنفسِ محذورٌ، وتركُهُ شغلاً بما هوَ أهمُّ منهُ
محبوبٌ(١).
وهذهِ أحوالٌ باطنةٌ بينَ العبدِ وبينَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، والناقدُ بصيرٌ ،
والتلبيسُ غيرُ رائجٍ عليهِ بحالٍ .
وكمْ مِنْ جاهلٍ يتعاطى هذهِ الأمورَ التفاتاً إلى الخلقِ ، وهوَ يلبُِّ على
نفسِهِ وعلى غيرِهِ ، ويزعمُ أنَّ قصدَهُ الخيرُ ؛ فترى أنَّ جماعةً مِنَ العلماءِ
يلبسونَ الثيابَ الفاخرةَ ويزعمونَ أنَّ قصدَهُمْ إرغامُ المبتدعةِ والمخالفينَ ،
والتقرُّبُ إلى الله تعالى بهِ !
وهذا أمرٌ ينكشفُ يومَ تُبْلَى السرائرُ ويومَ يُبعثرُ ما في القبورِ، ويُحَصَّلُ
(١) انظر ((الإتحاف)) (٢/ ٣٩٧).
٥٠٧

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
ما في الصدورِ ، فعندَ ذلكَ تتميّزُ السبيكةُ الخالصةُ مِنَ البهرج ، فنعوذُ باللهِ
مِنَ الخزيٍ يومَ العرْضِ الأكبرِ .
السادسُ : وسخُ البراجمِ ، وهيَ معاطفُ ظهورِ الأناملِ ، كانتِ العربُ
لا تكثرُ غسْلَ ذلكَ ؛ لتركِها غسْلَ اليدِ عقيبَ الطعام ، فيجتمعُ في تلكَ
الغضونِ وسخٌّ، فأمرَهُمْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بغسْلِ البراجمِ (١).
السابعُ: تنظيفُ الرواجبِ، أمَرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ العربَ
بتنظيفِها(٢) ، وهيَ رؤوسُ الأنامِلِ، وما تحتَ الأظفارِ مِنَ الوسخ ؛ لأنَّها
كانتْ لا يحضرُها المِقْراضُ في كلِّ وقتٍ ، فتجتمعُ فيها أوساٌ ، فوقَّتَ لهُمْ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَلْمَ الأظفارِ، ونتْفَ الإبطِ، وحَلقَ العانةِ
أربعينَ يوماً(٣).
لكنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمرَ بتنظيفِ ما تحتَ الأظفارِ(٤) ، وجاءَ في
(١) رواه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص٤٥) ويفيد معناه ما سيأتي من حديث
جبريل .
(٢) سيأتي من حديث جبريل الآتي .
(٣) رواه مسلم (٢٥٨)، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (( شرح صحيح مسلم))
(١٤٩/٣): (معناه - أي: التوقيت -: لا يترك تركاً يتجاوز به أربعين، لا أنهم وُقِّتَ
لهم الترك أربعين ، والله أعلم ) .
(٤) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٢ /١٤٧) .
٥٠٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
الأثرِ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ استبطأَ الوحيَ ، فلمَّا هبطَ عليهِ جبريلُ
عليهِ السلامُ .. قالَ لهُ: كيفَ ننزلُ عليكمْ وأنتمْ لا تغسلونَ براجمَكُمْ،
ولا تنظُّفونَ رواجبَكُمْ، وقُلْحاً لا تستاكونَ؟ مرْ أمَّتَكَ بذلكَ(١).
والأُفُّ : وسخُ الظفرِ ، والُّتُّ: وسخُ الأذن(٢)، وقولُهُ عزَّ وجلَّ:
﴿فَلَا تَقُل لَُّمَا أُنٍ﴾ أي: لا تعبْهُما بما تحتَ الظفرِ مِنَ الوسخ ، وقيلَ :
لا تتأذَّ بهما كما تتأذَّى بما تحتَ الظفرِ(٣).
الثامنُ : الدرَنُ الذي يجتمعُ على جميعِ البدنِ برشْحِ العرَقِ وغبارٍ
الطريقِ ، وذلكَ يزيلُهُ الحمَّامُ ، ولا بأسَ بدخولِ الحمَّامِ(٤) ؛ دخلَ أصحابُ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حمَّاماتِ الشامِ .
وقالَ بعضُهُمْ: ( نعمَ البيتُ بيتُ الحمَّامِ ؛ يطهِّرُ البدنَ ويذكِّرُ النارَ ) ،
(١) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (١٨١٦).
(٢) وقيل بالعكس، وهو ما ذكره الحافظ الزبيدي في (( تاج العروس)).
(٣) في ((مفردات الراغب)) ( ص٧٩): ( أصل الأف: كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر
وما يجري مجراها، ويقال ذلك لكل مُستَخفِّ به استقذاراً له ؛ نحو: ﴿ أُفِي لَّكُمْ وَلِمَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾)، وانظر ((الجامع لأحكام القرآن)) (٢٤٢/١٠).
(٤) أي : الذي في الأسواق، وسيأتي تفصيل القول فيه، وقد أفاد المؤلف كثيراً من (قوت
القلوب)) (٢٦٠/٢)؛ إذ عقد الإمام أبو طالب المكي فيه فصلاً سمّاه: ( كتاب ذكر
دخول الحمام ) .
٥
٥٠٩
ثوم

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
رُوي ذلكَ عَنْ أبي الدرداءِ وأبي أيوبَ الأنصاريِّ رضيَ اللهُ عنهما(١).
وقالَ بعضُهُمْ : ( بئسَ البيتُ بيتُ الحمَّام ؛ يبدي العورةَ ، ويُذهِبُ
الحياءَ)(٢).
فهذا تعرَّضَ لآفتِهِ ، وذلكَ تعرَّضَ لفائدتِهِ ، ولا بأسَ بطلبٍ فائدتِهِ عندَ
الاحترازِ منْ آفتِهِ .
ولكنْ على داخلِ الحمَّام وظائفُ من السننِ والواجباتِ ، فعليهِ واجبانِ
في عورتِهِ ، وواجبانِ في عورةٍ غيرِهِ .
أمَّا الواجبانِ في عورته : فهوَ أنْ يصونَها عَنْ نظرِ الغيرِ ، ويصونَها عَنْ
مسِّ الغيرِ ، فلا يتعاطى أمرَها وإزالةً وسخِها إلا بيدِهِ ، ويمنعُ الدلاَّكَ مِنْ
مسِّ الفخذِ وما بينَ السرَّةِ إلى العانةِ ، وفي إباحةِ مسرِّ ما ليسَ بسوءةٍ لإزالةِ
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١١٧٣، ١١٧٦، ١١٧٩) عن أبي الدرداء
وأبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم، والبيهقي في (( السنن الكبرى)) (٣٠٩/٧) عن
أبي الدرداء وابن عمر رضي الله عنهم .
(٢) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (١١٧٢ ) عن سيدنا علي مجتزاً ، والبيهقي في
((السنن الكبرى)) (٣٠٩/٧) عن أبى الدرداء أيضاً، والأمر كما قال الإمام أبو طالب
رحمه الله تعالى في ((القوت)) (٢٦٠/٢): (وقد اختلف مواجيد الصحابة في
دخوله ، و کلُّ فيه قدوة وهدىً ) .
٥١٠

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
الوسخ احتمالٌ، كنَّ الأقيسَ التحريمُ؛ إذْ أُلحِقَ مسُ السوءتينِ في
التحريمِ بالنظرِ ؛ فكذلكَ ينبغي أنْ تكونَ بقيَّةُ العورةِ ؛ أعني الفخذيْنِ .
والواجبانِ في عورةِ الغيرِ : أنْ يغضَّ بصرَ نفسِهِ عنْها ، وأنْ يَنهى عنْ
كشفِها ؛ لأنَّ النهيَ عَنِ المنكرِ واجبٌ ، وعليهِ ذكرُ ذلكَ ، وليسَ علیهِ
القبولُ ، ولا يسقطُ عنهُ وجوبُ الذكرِ إلا لخوفِ ضربٍ أو شتمٍ أو ما يجري
عليه ممَّا هو حرامٌ في نفسِهِ ، فليسَ عليهِ أنْ ينكرَ حراماً يُرهقُ (١) المنكَرَ علیهِ
إلى مباشرةِ حرامٍ آخرَ ، فأمَّا قولُهُ : ( أعلمُ أنَّ ذلكَ لا يفيدُ ولا يعملُ بهِ ) ،
فهذا لا يكونُ عذراً ، بلْ لا بدَّ مِنَ الذكرِ ؛ فلا يخلو قلبٌ عنِ التأثّرِ بسماع
الإنكارِ ، واستشعارِ الاحترازِ عندَ التعبيرِ بالمعاصي ، وذلكَ يؤثّرُ في تقبيح
الأمرِ في عينِهِ وتنفيرِ نفسهِ عنهُ ، فلا يجوزُ تركُهُ .
ولمثلِ هذا صارَ الحزمُ تركَ دخولِ الحمَّام في هذهِ الأوقاتِ ؛ إذْ
لا تخلو عن عوراتٍ مكشوفةٍ ، لا سيما ما تحتَ السرَّةِ إلى ما فوقَ العانةِ ،
إذِ الناسُ لا يعدُّونَها عورةً، وقدْ ألحقَها الشرعُ بالعورةِ وجعلَها كالحريمِ
لها ، ولهذا يستحبُّ تخليةُ الحمّام .
وقالَ بشرُ بنُ الحارثِ : ( ما أعنِّفُ رجلاً لا يملكُ إلا درهماً دفعَهُ ليخلّى
لهُ الحمَّامُ) (٢).
(١) يرهق: يَحْمِلُ ويُلجىءُ.
(٢) قوت القلوب (٢/ ٢٦٠) بنحوه .
٥١١

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
ورُئِي ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما في الحمَّامِ ووجهُهُ إلى الحائطِ ، وقدْ
عصبَ عينيهِ بعصابةٍ (١).
وقالَ بعضُهُمْ : ( لا بأسَ بدخولِ الحمَّامِ ولكنْ بإزارينِ : إزارٍ للعورةِ ،
وإزارٍ للرأسِ يتقنَّعُ بهِ ويحفظُ عينيهِ )(٢)
وأمَّا السننُ .. فعشرةٌ :
- فالأولُ : النيّةُ، وهوَ ألاَّ يدخلَ الحمامَ لعاجلِ دنيا ، ولا عابثاً لأجلِ
هوىَّ ، بلْ يقصدُ بهِ التنظُّفَ المحبوبَ تزيُّناً للصلاةِ .
- ثمَّ يعطي الحماميَّ الأجرةَ قبلَ الدخولِ ؛ فإنَّ ما يستوفيهِ مجهولٌ ،
وكذا ما ينتظرُهُ الحماميُّ ، فتسليمُ الأجرةِ قبلَ الدخولِ دفعٌ للجهالةِ مِنْ أحدٍ
العوضينِ ، وتطييبٌ لنفسِهِ .
- ثمَّ يقدمُ رجلَهُ اليسرىُ عندَ الدخولِ .
- ويقولُ : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، أعوذُ باللهِ مِنَ الرجسِ النجسِ ،
الخبيثِ المُخْبِثِ ، الشيطانِ الرجيمِ .
- ثمَّ يدخلُ وقتَ الخلوةِ، أوْ يتكلَّفُ تخليةَ الحمّام ؛ فإنَّهُ وإنْ لمْ يكنْ
في الحمامِ إلا أهلُ الدينِ والمحتاطونَ للعوراتِ .. فالنظرُ إلى الأبدانِ
(١) قوت القلوب (٢٦٠/٢).
(٢) قوت القلوب (٢٦١/٢) بنحوه .
٢٥
٥١٢
0

ربع العبادات
حن
كتاب أسرار الطهارة
مكشوفةً فيهِ شائبةٌ مِنْ قلَّةِ الحياءِ ، وهوَ مذكِّرٌ للتأمُّلِ في العوراتِ ، ثُمَّ
لا يخلو الناسُ في الحركاتِ عَنِ انكشافِ العوراتِ بانعطافٍ في أطرافٍ
الأَزُرِ ، فيقعُ البصرُ على العورةِ مِنْ حيثُ لا يدري ، ولأجلِهِ عصبَ ابنُ عمرَ
رضيَ اللهُ عنهُما عينيهِ .
ـن
- ويغسلُ جناحيهِ عندَ الدخولِ .
- ولا يعجِّلُ بدخولِ البيتِ الحارِّ حتَّى يعرقَ في الأوَّلِ .
- وألَّ يكثرَ صبَّ الماءِ ، بلْ يقتصرُ على قدْرِ الحاجةِ ؛ فإنَّهُ المأذونُ فيهِ
بقرينةِ الحالِ ، والزيادةُ عليهِ لوْ علمَهُ الحماميُّ .. لكرهَهُ ، لا سيَّما الماءُ
الحارُّ ؛ فلهُ مؤنٌ وفيهِ تعبٌ .
- وأنْ يتذكَّرَ حزَّ النارِ بحرارةِ الحمَّامِ ، ويقدِّرَ نفسَهُ محبوساً في البيتِ
الحارِّ ساعةً ، ويقيسَهُ إلى جهنَّمَ ؛ فإنَّهُ أشبهُ بيتٍ بجهنَّمَ ، النارُ مِنْ تحتُ
والظلامُ مِنْ فوقُ، نعوذُ باللهِ مِنْ ذلكَ ، بلِ العاقلُ لا يغفُلُ عنْ ذَكْرِ الآخرةِ
في لحظةٍ ؛ فإنَّها مصيرُهُ ومستقرُّهُ ، فيكونُ لهُ في كلِّ ما يراهُ مِنْ ماءٍ أوْ نارٍ أوْ
غيرِهِما عبرةٌ وموعظةٌ ، فإنَّ المرءَ ينظرُ بحسَبِ همَّتِهِ .
فإذا دخلَ بزازٌ ونجارٌ وبنَّاءٌ وحائكٌ داراً معمورةً مفروشةً ؛ فإذا
تفقَّدتَهُمْ .. رأيتَ البزازَ ينظرُ إلى الفرشِ ويتأمَّلُ قيمتَها ، والحائكَ ينظرُ إلى
الثيابِ يتأمَّلُ نسجَها ، والنجارَ ينظرُ إلى السقفِ يتأمَّلُ كيفيةَ تركيبها ، والبنَّاءَ
ينظرُ إلى الحيطانِ يتأمَّلُ كيفيةَ إحكامِها واستقامتِها ؛ فكذلكَ سالكُ طريقٍ
٥١٣

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
الآخرةِ ، لا يرىُ مِنَ الأشياءِ شيئاً إلاَّ ويكونُ لهُ موعظةٌ وذكرى للآخرةِ ، بلْ
لا ينظرُ إلى شيءٍ إلَّ ويفتحُ اللهُ عزَّ وجلَّ لهُ طريقَ عبرةٍ ، فإنْ نظرَ إلى
سوادٍ .. تذكَّرَ ظلمةَ اللحدِ ، وإنْ نظرَ إلى حيَّةٍ .. تذكَّرَ أفاعيَ جهنَّمَ ، وإنْ
نظرَ إلى صورةٍ قبيحةٍ شنيعةٍ .. تذكَّرَ مُنْكراً ونَكِيراً والزبانيةَ ، وإنْ سمعَ صوتاً
هائلاً .. تذكَّرَ نفخةَ الصورِ، وإنْ رأى شيئاً حسناً .. تذكَّرَ نعيمَ الجنَّةِ ، وإنْ
سمعَ كلمةَ ردِّ أوْ قَبولٍ في سوقٍ أوْ دارٍ .. تذكَّرَ ما ينكشفُ مِنْ آخرِ أمرِهِ بعدَ
الحسابِ مِنَ الردِّ أوِ القبولِ .
وما أجدرَ أنْ يكونَ هذا هوَ الغالبَ على قلبِ العاقلِ ؛ إذْ لا يصرفُهُ عنهُ
إلا مهمَّاتُ الدنيا ، فإذا نَسَبَ مدةَ المُقام في الدنيا إلى مدَّةِ المُقامِ في
الآخرةِ .. استحقرَها إنْ لمْ يكنْ ممَّن أُغفلَ قلبُهُ وأُعميتْ بصيرتُهُ .
- ومنَ السننِ: ألَّ يسلِّمَ عندَ الدخولِ، وإنْ سُلِّمَ عليهِ .. لمْ يجبْ بلفظِ
السلام، بلْ يسكتُ إنْ أجابَ غيرُهُ، وإنْ أحبَّ .. قالَ: عافاكَ الله (١).
ولا بأسَ بأنْ يصافحَ الداخلَ ويقولَ : عافاكَ اللهُ لابتداءِ الكلامِ ، ثمَّ
لا يكثرُ الكلامَ في الحمّام ، ولا يقرأ القرآنَ إلا سرّاً ، ولا بأسَ بإظهارٍ
الاستعاذةِ مِنَ الشيطانِ .
(١) أي: محا عنك الذنوب والأسقام، وقد صارت هذه الكلمة معروفة في خطاب من
يخرج من الخلاء ، أو يقول : عوفيت وشفيت ، أو نعيماً لكم ، أو ما أشبه ذلك .
(«إتحاف )) ( ٢ / ٤٠٤ ) .
ـة
٥١٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
ويكرَهُ دخولُ الحمَّامِ بينَ العشاءينِ وقريباً مِنَ الغروبِ ؛ فإنَّ ذلكَ وقتُ
انتشارِ الشياطينِ .
ولا بأسَ بأنْ يدلكَهُ غيرُهُ ؛ فقدْ نُقِلَ عَنْ يوسفَ بنِ أسباطِ أنَّه أوصى بأنْ
يغسِّلَهُ إنسانٌ لمْ يكنْ مِنْ أصحابِهِ ، وقالَ : إنَّهُ دلَّكَنِي في الحمَّامِ مرَّةً ،
فأردتُ أنْ أكافئَهُ بما يفرحُ بهِ ، وإنَّهُ ليفرحُ بذلكَ(١).
ويدلُّ على جوازِهِ ما رَوَى بعضُ الصحابةِ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ نزلَ منزلاً في بعضٍ أسفارِهِ ، فنامَ على بطنِهِ وعبدٌ أسودُ يغمزُ ظهرَهُ ،
فقلتُ : ما هذا يا رسُولَ اللهِ؟ فقالَ: ((إنَّ الناقةَ تَفَخَّمَتْ بي))(٢).
ثمَّ مهما فرغَ مِنَ الحمّام .. شكرَ اللهَ تعالى على هذهِ النعمةِ ؛ فقدْ
قيلَ: ( الماءُ الحارُّ في الشتاءِ مِنَ النعيمِ الذي يُسألُ عنهُ)(٣)، وقالَ ابنُ
عمرَ رضيَ اللهُ عنهما : ( الحمَّامُ مِنَ النعيمِ الذي أحدثوهُ)(٤).
هذا من جهةِ الشرعِ .
أمَّا مِنْ جهةِ الطبِّ .. فقدْ قيلَ: الحمَّامُ بعدَ النُّورةِ أمانٌ منَ الجذامِ (٥).
وقيلَ : ( النُّورةُ في كلِّ شهرٍ مرةً تطفىءُ الحرارةَ وتنقِّي اللونَ، وتزيدُ في
٥
(١) قوت القلوب (٢٦١/٢).
(٢) رواه الطبراني في ((الصغير)) (٨٣/١)، تقخّمت: رمتْ بي من على ظهرها.
(٣)
قوت القلوب ( ٢٦١/٢)، ولطائف الإشارات (٧٦٣/٣).
(٤)
قوت القلوب ( ٢٦١/٢ ) .
(٥) قوت القلوب (٢٦١/٢) وفيه: (الحَّاء) بدل (الحمَّام)، وانظر «سير أعلام النبلاء)) (٣٩٣/٩)
٥١٥

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
الجماع ) ، وقيلَ : ( بولةٌ في الحمام قائماً في الشتاءِ أنفعُ مِنْ شربةِ دواءٍ ) ،
وقيلَ : ( نومةٌ في الصيفِ بعدَ الحمام تعدلُ شربةَ دواءٍ ، وغسلُ القدمينِ
بماءٍ باردٍ بعدَ الخروجِ مِنَ الحمَّامِ أمانٌ مِنَ النقرسِ )(١).
ويكرَهُ صبُّ الماءِ الباردِ على الرأسِ عندَ الخروج ، وكذا شربُهُ . هذا
حکمُ الرجالِ .
G
وأمَّا النساءُ: فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يحلُّ للرجلِ أنْ يُدخِلَ
حليلتَهُ الحمَّامَ وفي البيتِ مُستحَمٌّ))(٢).
والمشهورُ أنَّهُ حرامٌ على الرجالِ دخولُ الحمام إلا بمنزِرٍ ، وحرامٌ على
المرأةِ دخولُ الحمام إلاَّ نفساءَ أوْ مريضةً(٣) .
M
ودخلتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها حمَّاماً مِنْ سقم بها (٤) ، فإنْ دخلتْ
لضرورةٍ . . فلا تدخلُ إلا بمئزرٍ سابغٍ .
ويكرَهُ للرجلِ أنْ يعطيَها أجرةَ الحمَّام، فيكونَ معيناً لها على المكروهِ(٥).
ـتى
(١) ذكر ذلك كله الإمام أبو طالب في ((قوت القلوب)) (٢٦١/٢).
(٢) رواه الترمذي ( ٢٨٠١) .
(٣) رواه أبو داوود (٤٠١١) بلفظ: ((إنها ستفتح لكم أرض العجم ، وستجدون فيها بيوتاً يقال
لها الحمامات ، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزُر ، وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء».
(٤) كذا في ((قوت القلوب)) (٢٦١/٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٣٨٢) عن
عائشة رضي الله عنها : ( ما يسرُّ عائشة أن لها مثل أحد ذهباً وأنها دخلت الحمام ) .
(٥) قوت القلوب (٢٦١/٢) .
G
٥١٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
النوع الثّاني: مَما يُحذف من البدن: الأجزاء
وهي ثمانية
حن
ـحن
الأوّلُ : شعرُ الرأسِ : ولا بأسَ بحلقِهِ لمَنْ أرادَ التنظيفَ ، ولا بأسَ
بتركِهِ لمَنْ يدَّهِنُ ويُرجِّلُ ، إلاَّ إذا تركَهُ قَزَعاً ؛ أي : قطعاً ، فهوَ دأبُ أهلٍ
الشطارةِ ، أَوْ أرسلَ الذوائبَ على هيئةِ أهلِ الشرفِ حيثُ صارَ ذلكَ شعاراً
لهُمْ ؛ فإنَّهُ إذا لمْ يكنْ شريفاً .. كانَ ذلكَ تلبيساً .
الثاني: شعرُ الشاربِ: وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((قُصُوا
الشواربَ))، وفي لفظٍ آخرَ: (( جُزُّوا الشوارِبَ))، وفي لفظٍ آخرَ: (( حُفُّوا
الشوارِبَ واعْفُوا اللَّحَى))(١) أي: اجعلوها حفافَ الشفَةِ ؛ أي : حولَها،
وحفافُ الشيءِ: حولَهُ، ومنهُ قولُهُ تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَبِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلٍ
اَلْعَرَشِ﴾، وفي لفظٍ آخرَ: ((احْفُوا))، وهذا يشعرُ بالاستئصالِ، وقولُهُ :
((حُقُّوا)) يدلُّ على ما دونَ ذلكَ؛ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِن يَسَْلْكُمُوهَا
فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ﴾ أي : يستقصي عليكُمْ .
(١) رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩، ٢٦٠).
٥١٧

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
وأمَّا الحلقُ .. فلم يَرِدْ (١) ، والإحفاءُ القريبُ مِنَ الحَلْقِ نُقِلَ عنِ
الصحابةِ ؛ نظرَ بعضُ التابعينَ إلى رجلٍ قدْ أحفى شاربَهُ فقالَ : ذكرتني
أصحاب رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
9
وقالَ المغيرةُ بنُ شعبةَ : نظرَ إليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقدْ
طالَ شاربي فقالَ: (( تعالَ؛ فقَصَّهُ لي على سِواكِ))(٢).
ولا بأسَ بتركِ سباليهِ ، وهما طرفا الشاربِ ، فعلَ ذلكَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ
وغيرُهُ ؛ لأنَّ ذلكَ لا يسترُ الفمَ ، ولا يبقى فيه غمَرُ الطعام ، إذْ لا يصلُ إليهِ .
وقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اعْفُوا اللَّحَىْ)) أي: كَثِّرُوها .
وفي الخبرِ: ((إنَّ اليهودَ عْفُونَ شواربَهُمْ ويقصُّونَ لحاهُمْ، فخالفوهُمْ))(٣).
وكرهَ بعضُ العلماءِ الحَلْقَ ورآهُ بدعةً (٤).
الثالثُ : شعرُ الإِبْطِ : ويستحبُّ نتفُهُ في كلِّ أربعينَ يوماً مرَّةً ، وذلكَ
(١) ولعل ما ورد في ((السنن الكبرى)) للنسائي (٩) من حديث أبي هريرة مرفوعاً:
((خمس من الفطرة)) وذكر: ((وحلق الشارب)) يحمل على الإحفاء القريب من
الحلق؛ لئلا تتضادَّ الروايات. ((إتحاف)) (٢ / ٤٠٨) بتصرف.
(٢) رواه أبو داوود ( ١٨٨).
(٣) روى أحمد في ((المسند)) (٢٦٤/٥) في أثناء حديث لأبي أمامة رضي الله عنه :
فقلنا : يا رسول الله ؛ إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ، ويوفرون سبالهم ، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (( قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب)).
(٤) وهو الإمام مالك، فقد عدَّ حلقه بدعة ومثلة. انظر ((مواهب الجليل)) (١/ ٣١٣).
٥١٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
سهلٌ على مَنْ تعوَّدَ في الابتداءِ نتفَهُ، فأمَّا مَنْ تعوَّدَ الحِلْقَ .. فيكفيهِ
الحلْقُ ؛ إذْ في النتْفِ تعذيبٌ وإيلامٌ ، والمقصودُ النظافةُ ، وألاَّ يجتمعَ
الوسخُ في خللِها ، ويحصلُ ذلكَ بالحلْقِ .
الرابعُ : شعرُ العانةِ : ويستحبُّ إزالةُ ذلكَ إمَّا بالحلْقِ أوْ بالنورةِ ،
ولا ينبغي أنْ يتأخرَ عنْ أربعينَ يوماً .
جيد
الخامسُ : الأظفارُ : وتقليمُها مستحبٌّ لشناعةِ صورتِها إذا طالتْ ،
ولِما يجتمعُ فيها مِنَ الوسخ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا أبا
هريرةَ ؛ قَلِّمْ أظفارَكَ ؛ فإنَّ الشيطانَ يقعُدُ على ما طالَ منها)) (١).
ولوْ كانَ تحتَ الظُفرِ وسخٌ .. فلا يمنعُ ذلكَ صحَّةَ الوضوءِ؛ لأنَّهُ
لا يمنعُ وصولَ الماءِ ، ولأنَّهُ يُتساهلُ فيهِ للحاجةِ ، لا سيما في أظفارِ
الرجْلِ ، وفي الأوساخ التي تجتمعُ على البراجمِ وظهورِ الأرجُلِ والأيدي
مِنَ العربِ وأهلِ السوادِ (٢)، وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يأمرُهُمْ
(١) كذا هو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٤٥٧٩) عن علي رضي الله عنه، وروى
الخطيب في (( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (٥٨٩/١): ((خللوا لحاكم ،
وقصوا أظافيركم ؛ فإن الشيطان يجري ما بين اللحم والظفر )" .
(٢) أراد بالعرب سكان البادية ، وبالسواد سكانَ القرى والريف ، وغالباً ما يستعملها
المصنف بهذا المعنى .
٥١٩

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
بالقلْمِ ، وينكرُ ما يرىُ تحتَ أظفارِهِمْ مِنَ الأوساخ ، ولمْ يأمرْهُمْ بإعادةِ
الصلواتِ ، ولوْ أمرَ بهِ .. لكانَ فيهِ فائدةٌ أخرى ، وهيَ التغليظُ والزجرُ عَنْ
ذلكَ .
ولمْ أَرَ في الكتبِ خبراً مروياً في ترتيبٍ قلْم الأظفارِ ، ولكنْ سمعتُ أنَّهُ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بدأَ بمسبِّحتِهِ اليمنى ، وختمَ بإبهامِ اليمنى ، وابتدأً في
اليسرىُ بالخنصَرِ إلى الإبهامِ .
ولمَّا تأملتُ في هذا .. خطرَ لي منَ المعنى ما يدلُّ على أنَّ الروايةَ فيهِ
صحيحةٌ ؛ إذْ مثلُ هذا المعنى لا ينكشفُ ابتداءً إلا بنورِ النبوَّةِ، وأمَّا العالِمُ
ذو البصيرةِ .. فغايتُهُ أنْ يستنبطَهُ مِنَ العقلِ بعدَ نقلِ الفعلِ إليهِ .
والذي لاحَ لي فيهِ والعلمُ عندَ اللهِ سبحانَهُ : أنَّهُ لا بدَّ مِنْ قَلْمِ أظفارِ اليدِ
والرجلِ ، واليدُ أشرفُ مِنَ الرجْلِ ، فيبدأُ بها ، ثمَّ اليمنى أشرفُ مِنَ اليسرى
فيبدأُ بها ، ثمَّ على اليمنى خمسةُ أصابعَ ، والمسبِّحَةُ أشرفُها ؛ إذْ هيَ
المشيرةُ في كلمتي الشهادةِ مِنْ جملةِ الأصابع ، ثمَّ بعدَها ينبغي أنْ يبتدىءَ
بما على يمينِها ؛ إذ الشرعُ يستحبُّ إدارةَ الطهورِ وغيرِهِ على اليمينِ ، وإنْ
وضعتَ ظهرَ الكفِّ على الأرضِ .. فالإبهامُ هوَ اليمينُ ، وإنْ وضعتَ بطنَ
الكفُّ(١) .. فالوسطى هيَ اليمنى(٢)، واليدُ إذا تركتْ بطبعِها .. كانَ الكفتُّ
(١) أي : على بطنها.
(٢) أي : باعتبار المسبِّحة .
٥٢٠