النص المفهرس
صفحات 441-460
ربع العبادات كتاب قواعد العقائد فهذا تصريحٌ بأنَّ الإيمانَ لهُ وجودٌ، ثمَّ بعدَ الوجودِ يختلفُ حالُهُ بالزيادة والنقصانِ . فإنْ قلتَ : فالإشكالُ قائمٌّ في أنَّ التصديقَ كيفَ يزيدُ وينقصُ وهوَ خصلةٌ واحدةٌ ؟ ن فأقولُ : إذا تركنا المداهنةَ ولمْ نكترثْ بتشغيبِ مَنْ تشغَّبَ وكشفْنا الغطاءَ .. ارتفعَ الإشكالُ؛ فنقولُ: الإيمانُ اسمٌ مشتركٌ يُطلقُ مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ : الأوَّلُ : أَنَّهُ يُطلقُ للتصديقِ بالقلبِ على سبيلِ الاعتقادِ والتقلیدِ مِنْ غیرِ كثْفٍ وانشراحِ صدْرٍ ، وهوَ إيمانُ العوامّ ، بلْ إيمانُ الخلْقِ كلِّهِمْ إلا الخواصَّ . وهذا الاعتقادُ عقدةٌ على القلبِ ، تارةً تشتدُّ وتقوى ، وتارةً تضعفُ وتسترخي ؛ كالعقدة على الخيطِ مثلاً . ولا تستبعدْ هذا ، واعتبرْهُ باليهوديِّ في صلابتِهِ في عقيدتِهِ التي لا يمكنُ نزوعُها منهُ بتخويفٍ وتحذيرٍ ، ولا تخييلٍ ووعظٍ ، ولا تحقيقٍ وبرهانٍ ، وكذلكَ النصرانيُّ والمبتدعةُ ، وفيهِمْ مَنْ يمكنُ تشكيكُهُ بأدنى كلام ، ويمكنُ استنزالُهُ عنِ اعتقادِهِ بأدنى استمالةٍ أَوْ تخويفٍ ، معَ أنَّهُ غيرُ شاكٌّ في عقدِهِ كالأوَّلِ ، ولكنَّهُما متفاوتانِ في شدَّةِ التصميمِ ، وهذا موجودٌ في الاعتقادِ الحقِّ أيضاً . ٤٤١ محں ـةحن كتاب قواعد العقائد ربع العبادات والعملُ يؤثِّرُ في نماءِ هذا التصميمِ وزيادتِهِ كما يؤثِّرُ سَفْيُ الماءِ في نماءِ الأشجارِ ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًا﴾، وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا مَّعَ إِيَمَنِهِمْ﴾. وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما رُوِيَ في بعضِ الأخبارِ: ((الإيمانُ يزيدُ وينقصُ))(١)، وذلكَ بتأثيرِ الطاعاتِ في القلبِ، وهذا لا يدركُهُ إلا مَنْ راقبَ أحوالَ نفسِهِ في أوقاتِ المواظبةِ على العبادةِ والتجرُّدِ لها بحضورِ القلبِ معَ أوقاتِ الفتورِ وإدراكِ التفاوتِ في السكونِ إلى عقائِدِ الإيمانِ في هذهِ الأحوالِ حتَّى يزيدَ عقدُهُ استعصاءً على مَنْ يريدُ حلَّهُ بالتشكيكِ ، بلْ مَنْ يعتقدُ في اليتيمِ معنى الرحمةِ إذا عملَ بموجَبِ اعتقادِهِ ، فمسح رأسَهُ وتلطَّفَ بهِ .. أدركَ مِنْ باطِنِهِ تأكُّدَ الرحمةِ وتضاعفَها بسببِ العملِ ، وكذلكَ معتقدُ التواضع إذا عملَ بموجَبِهِ مقبّلاً أوْ ساجداً لغيرِهِ .. أحسَّ مِنْ قلبهِ بالتواضع عندَ إقدامِهِ على الخدمةِ . وهكذا جميعُ صفاتِ القلبِ تصدرُ منها أعمالُ الجوارح ، ثمَّ يعودُ أثرُ الأعمالِ عليها فيؤكِّدُها ويزيدُها ، وسيأتي هذا في ربع المنجياتِ والمهلكاتِ عندَ بيانِ وجهٍ تعلّقِ الباطنِ بالظاهرِ ، والأعمالِ بالعقائدِ والقلوبِ ؛ فإنَّ ذلكَ مِنْ جنسٍ تعلّقِ المُلْكِ بالملكوتِ ، وأعني بالمُلْكِ عالَمَ الشهادةِ المدركَ بالحواسِّ ، وأعني بالملكوتِ عالَمَ الغيبِ المدركَ بنورِ (١) رواه ابن ماجه ( ٧٥) من قول ابن عباس وأبي هريرة وأبي الدرداء رضي الله عنهم. ٤٤٢ - ربع العبادات کتاب قواعد العقائد البصيرةِ ، والقلبُ من عالم الملكوتِ ، والأعضاءُ وأعمالُها مِنْ عالم المُلكِ ، ولطفُ الارتباطِ ودقتُّهُ بينَ العالمينِ انتهى إلى حدٍّ ظنَّ بعضُ الناسِ اتحادَ أحدِهِما بالآخرِ ، وظنَّ آخرونَ أنَّهُ لا عالمَ إلا عالمُ الشهادةِ ، وهوّ هذهِ الأجسامُ المحسوسةُ، ومَنْ أدركَ الأمريينِ وأدركَ تعدُّدَهُما ثمَّ ارتباطَهُما .. عبَّرَ عنهُ وقالَ(١): [من الكامل] رَقَّ الزُّجاجُ وَرَقَّتِ الْخَمْرُ فَتَشْابَها فَتَشْاكَلَ الأَمْرُ وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلا خَمْرُ فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَلا قَدَحٌ 3 ولنرجعْ إلى المقصودِ ، فإنَّ هذا اعترضَ خارجاً عنْ علمِ المعاملةِ ، ولكنْ بينَ العلمينِ أيضاً اتصالٌ وارتباطٌ ، فلذلكَ ترى علومَ المكاشفةِ تتسلَّقُ كلَّ ساعةٍ على علوم المعاملةِ إلى أنْ تكفَّ عنها بالتكلُّفِ . فهذا وجهُ زيادةِ الإيمانِ بالطاعةِ بموجَبِ هذا الإطلاقِ ، ولهذا قالَ عليٌّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: ( إنَّ الإيمانَ ليبدو لمعةً بيضاءَ ، فإذا عملَ العبدُ الصالحاتِ .. نمتْ فزادتْ حتَّى يبيضَّ القلبُ كلُّهُ، وإنَّ النفاقَ ليبدو نكتةٌ سوداءَ ، فإذا انتهكَ الحرماتِ .. نمتْ وزادتْ حتَّى يسودَّ القلبُ كلُّهُ، فيُطبعَ على قلبهِ، فذلكَ الختمُ)، وتلا قولَهُ تعالى: ﴿كَلَّا بَلٌّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ الآية(٢) . (١) البيتان للصاحب بن عباد في (( ديوانه)) (ص ١٧٦). (٢) قوت القلوب (١٣٥/٢)، وبنحوه رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٧). ٤٤٣ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات الإطلاقُ الثاني : أنْ يُرادَ بهِ التصديقُ والعملُ جميعاً ؛ كما قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( الإِيمَانُ بضْعٌ وسبعونَ بَاباً))(١)، وكما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يزني الزاني حينَ يزني وهوَ مؤمنٌ)) (٢). ـوى وإذا دخلَ العملُ في مقتضى لفظِ الإيمانِ .. لمْ تخفَ زيادتُهُ ونقصانُهُ ، وهلْ يؤثِّرُ ذلكَ في زيادةِ الإيمانِ الذي هوَ مجرَّدُ التصديقِ ؟ هذا فيهِ نظرٌ ، وقدْ أشرنا إلى أنَّهُ يؤثِّرُ فيهِ . تَبـ الإطلاقُ الثالثُ : أنْ يُرادَ بهِ التصديقُ اليقينيُّ على سبيلِ الكشّفِ وانشراحٍ الصدْرِ والمشاهدةِ بنورِ البصيرةِ ، وهذا أبعدُ الأقسام عنْ قبولِ الزيادةِ . ولكنِّي أقولُ : الأمرُ اليقينيُّ الذي لا شكَّ فيهِ تختلفُ طمأنينةُ النفسِ إليهِ ، فليسَ طمأنينةُ النفسِ إلى أنَّ الاثنينِ أكثرُ منَ الواحدِ كطمأنينتِها إلى أنَّ العالمَ مصنوعٌ حادثٌ ، وإنْ كانَ لا شكَّ في واحدٍ منهما ؛ فإنَّ اليقينياتِ تختلفُ في درجاتِ الإيضاحِ ، ودرجاتِ طمأنينةِ النفسِ إليها . وقدْ تعرضْنا لهذا في فصلِ اليقينِ مِنْ كتابِ العلمِ ، في بابِ علاماتِ علماءِ الآخرةِ ، فلا حاجةَ إلى الإعادةِ . وقدْ ظهرَ في جميع الإطلاقاتِ أنَّ ما قالوهُ مِنْ زيادةِ الإيمانِ ونقصانِهِ (١) رواه الترمذي (٢٦١٤) بلفظه، وبلفظ: ((شعبة)) بدل ((باباً)) عند البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) . (٢) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم ( ٥٧) . ٤٤٤ ربع العبادات ـحن كتاب قواعد العقائد متن حقٌّ، وكيفَ لا وفي الأخبارِ أنَّهُ ( يخرجُ منَ النارِ مَنْ كانَ في قلبهِ مثقالُ ذرّةٍ مِنَ الإيمانِ))، وفي بعض المواضع في خبرٍ آخرَ: ((مثقالُ دينارٍ))(١) ، فأيُّ معنىً لاختلافِ مقاديرِهِ إنْ كانَ ما في القلبِ لا يتفاوتُ ؟! مَثَالَّ [قوله: أنا مؤمنٌ إنْ شاءَ اللهُ] فإنْ قلتَ : ما وجهُ قولِ السلفِ : ( أنا مؤمنٌ إنْ شاءَ اللهُ)، والاستثناءُ شكّ ، والشكُّ في الإيمانِ كفرٌ ، وقدْ كانوا كلُّهمْ يمتنعونَ عنْ جزمِ الجوابِ بالإيمانِ ويحترزونَ عنهُ، فقالَ سفيانُ الثوريُّ رحمَهُ اللهُ: ( مَنْ قالَ : أنا مؤمنٌ عندَ اللهِ .. فهوَ مِنَ الكذَّابينَ، ومَنْ قالَ: أنا مؤمنٌ حقّاً .. فهوَ بدعةٌ )(٢) ، فكيفَ يكونُ كاذباً وهوَ يعلمُ أنَّهُ مؤمنٌ في نفسِهِ ، ومَنْ كانَ مؤمناً في نفسِهِ .. كانَ مؤمناً عندَ اللهِ، كما أنَّ مَنْ كانَ طويلاً أَوْ سخياً في نفسِهِ وعلمَ ذلكَ .. كانَ كذلكَ عندَ اللهِ ، وكذا مَنْ كانَ مسروراً أوْ حزيناً أوْ سميعاً أوْ بصيراً . ولو قيلَ للإنسانِ : هلْ أنتَ حيوانٌ .. لمْ يحسنْ أنْ يقولَ: أنا حيوانٌ إنْ شاءَ اللهُ . (١) كما في ((البخاري)) (٧٤٤٠)، ومسلم (١٨٣). (٢) قوت القلوب (١٣٧/٢). ٤٤٥ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات ولمّا قالَ سفيانُ ذلكَ .. قيلَ لهُ: فماذا نقولُ؟ قالَ : ( قولوا : آمنًا بالله وما أنزلَ إلينا ) ، وأُّ فرقٍ بينَ أنْ يقولَ : ( آمنًّا باللهِ وما أُنزِلَ إلينا ) وبينَ أنْ يقولَ : ( أنا مؤمنٌ ) ؟ ٠٬٠٠٠ وقيلَ للحسنِ : أمؤمنٌ أنتَ ؟ فقال: إنْ شاءَ اللهُ ، فقيلَ لهُ : تستثني يا أبا سعيد في الإيمانِ ؟! فقالَ : أخافُ أنْ أقولَ : نعمْ .. فيقولَ اللهُ: كذبتَ يا حسنُ ، فتحقَّ عليَّ الكلمةُ، وكانَ يقولُ : ( ما يؤمنني أنْ يكونَ اللهُ سبحانَهُ قدِ اطلعَ عليَّ في بعضٍ ما يكرَهُ فمقتَي وقالَ : اذهبْ لا قبلتُ لكَ عملاً ، فأنا أعملُ في غيرِ معملٍ )(١) . مے، وقالَ إبراهيمُ(٢): (إذا قيلَ لكَ: أمؤمنٌّ أنتَ؟ فقلْ: لا إلهَ إلا اللهُ)(٣) ، وقالَ مرَّةً: ( قلْ: أنا لا أشكُّ في الإيمانِ وسؤالُكَ إيايَ بدعةٌ )(٤) . وقيلَ لعلقمةَ : أمؤمنٌ أنتَ؟ قالَ : أرجو إنْ شاءَ الله(٥) . وقالَ الثوريُّ : « نحنُ مؤمنون باللهِ وملائکتِهِ و کتبهِ ورسلِهِ ، وما ندري (١) قوت القلوب (١٣٧/٢). (٢) ابن يزيد النخعي فقيه الكوفة، وليس هو بابن أدهم. ((إتحاف)) (٢٦٤/٢). (٣) قوت القلوب (٢/ ١٣٧). (٤) قوت القلوب (١٣٧/٢). (٥) قوت القلوب (٢/ ١٣٧). ٤٤٦ --- ربع العبادات كتاب قواعد العقائد حن ما نحنُ عندَ اللهِ تعالى)(١)، فما معنى هذهِ الاستثناءاتِ؟ (٢). فالجوابُ : أنَّ هذا الاستثناءَ صحيحٌ ، ولهُ أربعةُ أوجهٍ : وجهاٍ مستندانِ إلى شكِّ لا في أصلِ الإيمانِ ولكنْ في خاتمتِهِ أوْ كمالِهِ ، ووجهانِ لا يستندانِ إلى الشكِّ . الوجهُ الأوّلُ الذي لا يستندُ إلى معارضةِ الشكِّ : الاحترازُ منَ الجزْمِ خيفةَ ما فيهِ منْ تزكيةِ النفسِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَلَا تُزَّكُّواْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنْفُسَهُم﴾، ثمَّ قالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ اُلْكَذِبَ﴾ . (١) قوت القلوب (١٣٧/٢). (٢) وكما ثبت عند فريق هذه الاستثناءات عن السلف الصالح .. ثبت ردُّها عنهم كذلك عند فريق آخر ، وهم عامة الحنفية ، فمن ذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخرج شاة لتذبح ، فمر به رجل ، فقال له ابن عمر : أمؤمن أنت ؟ قال : نعم إن شاء الله ، قال : لا يذبح نسيكتي من يشك في إيمانه ، ونقل عن عطاء أنه كان ينكر على من يستثني في إيمانه ، ونقل عن ابن مسعود رضي الله عنه استغفاره من الاستثناء لما ناظر صاحباً لمعاذ بن جبل رضي الله عنه ، وغيرها الكثير . وقد يكون ما دعا المصنف رحمه الله تعالى لتفصيل القول في هذه المسألة أحسن تفصيل مبتغياً نهج السبيل .. هو تعصب بعض الحنفية لدعواهم ، ورميهم مخالفيهم بالتكفير والتضليل ، والمسألة - كما قال تقي الدين السبكي - فرعية لا يبنى عليها هذا الخلاف الشديد . قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٢٦٥/٢): ( ولعلمائنا الحنفية في هذا المبحث كلام طويل ، تركته لما في أكثره من نسبة التكفير والتضليل والتحريم إلى قائله ، فلم أستحسن إيراده). وانظر («إتحاف السادة المتقين)) (٢٨١/٢) . ٤٤٧ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات وقيلَ لحكيمٍ : ما الصدقُ القبيحُ ؟ فقالَ : ثناءُ المرءِ على نفسِهِ . والإيمانُ مِنْ أعلى صفاتِ المجدِ ، والجزمُ بهِ تزكيةٌ مطلقةٌ، وصيغةُ الاستثناءِ كأنَّها نقلٌ مِنْ عُرْفِ التزكيةِ(١) ؛ كما يُقالُ للإنسانِ : أنتَ طبيبٌ ، أوْ فقيهٌ، أوْ مفسِّرٌ؟ فيقولُ : نعمْ إنْ شاءَ اللهُ ، لا في معرضِ التشكيكِ ، ولكنْ لإخراجِ نفسِهِ عنْ تزكيةِ نفسِهِ . فالصيغةُ صيغةُ الترديدِ والتضعيفِ لنفسِ الخبرِ (٢) ، ومعناهُ التضعيفُ للازمِ مِنْ لوازمِ الخبرِ ، وهوَ التزكيةُ ، وبهذا التأويلِ لوْ سُئلَ عنْ وصفٍ ذمِّ .. لمْ يحسنِ الاستثناءُ. الوجهُ الثاني : التأذُّبُ بذكرِ اللهِ تعالى في كلِّ حالٍ ، وإحالةُ الأمورِ كلِّها إلى مشيئةِ اللهِ سبحانَهُ، فقدْ أَذَّبَ اللهُ سبحانَهُ نبيَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِلَّا أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾، ثمَّ لمْ فقالَ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَّاً ﴿َ: يقتصرْ على ذلكَ فيما لا يشكُّ فِيهِ، بلْ قالَ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ تُحِلْفِيْنَ رُءُ وسَكُمْ وَمُقَصِرِينَ﴾، وكانَ اللهُ سبحانَهُ عالماً بأنَّهُمْ يدخلونَ لا محالةَ ، وأنَّهُ شاءَهُ، ولكنِ المقصودُ تعليمُهُ ذلكَ ، فتأذَّبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في كلِّ ما كانَ يخبرُ عنهُ ، معلوماً كانَ أوْ مشكوكاً ، حتَّى قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا دخلَ المقابرَ: (( السلامُ عليكُمْ دارَ جن حة بر ـدة (١) في (ب) و( و) : ( كأنها تفلُّ من غَرْبِ التزكية ) . (٢) إذ موضوع ( إن ) في اللغة دخولها على المحتمل الذي هو الشك في قول ، وهو يلزم منه التضعيف لنفس الخبر . جن جن جن ٤٤٨ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد قوم مؤمنينَ ، وإنَّا إنْ شاءَ اللهُ بِكُمْ لاحقونَ))(١) ، واللحوقُ بِهِمْ غيرُ مشكوكٍ فيهِ ، ولكنْ مقتضى الأدبِ ذكرُ اللهِ عزَّ وجلَّ، وربطُ الأمورِ بهِ ، وهذهِ الصيغةُ دالَّةٌ عليهِ (٢) ، حتَّى صارَ بعرفِ الاستعمالِ عبارةٌ عنْ إظهارِ الرغبةِ والتمني ، فإذا قيلَ لكَ : إنَّ فلاناً يموتُ سريعاً ، فتقولُ : إنْ شاءَ اللهُ .. فيفهمُ منهُ رغبتُكَ ، لا تشكُّكُكَ . وإذا قيلَ لكَ: فلانٌ سيزولُ مرضُهُ ويصخُ ، فتقولُ : إنْ شاءَ اللهُ ؛ بمعنى الرغبةِ .. فقدْ صارتِ الكلمةُ معدولةً عنْ معنى التشكيكِ إلى معنى الرغبةِ ؛ فكذلكَ العدولُ إلى معنى التأذُّبِ بذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ كيفَ كانَ الأمرُ . الوجهُ الثالثُ: ومستندُهُ الشُّ، ومعناهُ: أنا مؤمنٌ حقّاً إنْ شاءَ اللهُ؛ إذْ قالَ اللهُ تعالى لقوم مخصوصينَ بأعيانِهِمْ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾، فانقسموا إلى قسمينٍ ، ويرجعُ هذا إلى الشكِّ في كمالِ الإيمانِ لا في أصلِهِ ، وكلُّ إنسانٍ شاكٍّ في كمالِ إيمانِهِ ، وذلكَ ليسَ بكفرٍ ، والشكّ في كمالِ الإيمانِ حقٌّ مِنْ وجهينِ : أحدُهُما : مِنْ حيثُ إنَّ النفاقَ يُزِيلُ كمالَ الإيمانِ ، وهوَ خفيٌّ لا تتحقَّقُ البراءةُ منهُ . ـي (١) رواه مسلم (٢٤٩) . (٢) أي : على التبرك والتأدب، لكنه كله مستقبل ، وربط المستقبل بالشرط لا يستنكر . («إتحاف)) (٢٦٦/٢). ٤٤٩ کتاب قواعد العقائد ربع العبادات ـمن ـجية والثاني : أنَّهُ يكملُ بأعمالِ الطاعاتِ ، ولا يُدرى وجودُها على الكمالِ . أمّا العملُ .. فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَحَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ اَلْضَدِقُونَ﴾، فيكونُ الشكُّ في هذا الصدقِ . وكذلكَ قالَ تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾، فشرطَ عشرينَ وصفاً ؛ كالوفاءِ بالعهدِ ، والصبرِ على الشدائدِ ، ثمَّ قالَ تعالى : ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾. وقدْ قالَ تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَّنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَثَلَ﴾ الآيَةَ. وقالَ تعالى: ﴿ هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ﴾. وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( الإيمانُ عُريانٌ، ولباسُهُ التقوى)) الحديثَ(١). (١) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٦٣٨٣) من كلام وهب بن منبه ، وكذا ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٨٩/٦٣)، وقال أبو طالب في ((القوت)) (١٣٨/١): (وقد أسنده حمزة الخراساني عن الثوري ، فرفعه إلى عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم)، وكذا هو عند الخطيب في (( الفقيه والمتفقه)) (١٢٩ - ١٣٠) مرفوعاً وموقوفاً ، وقال الإمام أبو طالب المكي في ((قوت القلوب)) (١٣٥/٢) أيضاً: (وقد روينا في خبر (( الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وحليته الورع، وثمرته العلم)) ، ففيه = ٤٥٠ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الإيمانُ بضحٌ وسبعونَ باباً ، أدناها إِماطةٌ الأذىُ عنِ الطريقِ ... )) الحديثَ(١). فهذا ما يدلُّ على ارتباطِ كمالِ الإيمانِ بالأعمالِ . وأمَّا ارتباطُهُ بالبراءةِ عنِ النفاقِ والشركِ الخفيِّ .. فقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أربعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ .. فهوَ منافقٌ خالصٌ وإنْ صامَ وصلَّىُ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ : مَنْ إذا حدَّثَ .. كذبَ، وإذا وعدَ .. أخلفَ، وإذا ائتُمِنَ .. خانَ، وإذا خاصمَ .. فجرَ))، وفي بعضِ الرواياتِ: ((وإذا عاهدَ .. غدرَ ))(٢). وفي حديث أبي سعيد الخدريِّ: (( القلوبُ أربعةٌ : قلبٌ أجردُ وفيهِ سراجٌ يزهرُ ؛ فذلكَ قلبُ المؤمنِ (٣)، وقلبٌ مُصَفَّحْ فيهِ إيمانٌ ونفَاقٌ؛ فمثلُ الإيمانِ فيهِ كمثلِ البقلةِ يمُذُّها الماءُ العذبُ ، ومثلُ النفاقِ فيهِ كمثلِ القرحةِ دليل أنَّ من لا تقوى له فلا لبس لإيمانه ، ومن لا ورع له فلا زينة لإيمانه ، ومن لا علم = له فلا ثمرة لإيمانه ، فإن اتفق فاسق ظالم جاهل كان بالمنافقين أشبه منه بالمؤمنين ، وكان إيمانه إلى النفاق أقرب ويقينه إلى الشك أميل ، ولم يخرجه من اسم الإيمان إلا أن إيمانه عريان لا لبسة له ، معطل لا كسب له، كما قال: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِىَّ إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾، والنفاق مقامات ، قيل : سبعون باباً ، والشرك مثل ذلك فيها طبقات ). Der (١) رواه الترمذي (٢٦١٤) بلفظه، ويلفظ: ((شعبة)) بدل ((باباً)) عند البخاري (٩)، ومسلم ( ٣٥) . (٢) رواه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨ ). (٣) القلب الأجرد: هو المجرد عن الظلمات ، ويزهر: يضيء، وهو في (( قوت القلوب)) (٢ /١٣٥ ) . ٤٥١ ـرة كتاب قواعد العقائد ربع العبادات ف يمُدُّهَا القيحُ والصَّديدُ، فأيُّ المادّتينِ غلبَ عليهِ .. حُكِمَ لهُ بها))، وفي لفظٍ آخرَ: «غلبتْ عليهِ .. ذَهَبَتْ بِهِ))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أكثرُ منافقي هذهِ الأمَّةِ قُرَّاؤُها))(٢). وفي حديثٍ آخرَ : (( الشركُ أخفى في أمتي مِنْ دبيبِ النملِ على الصفا )) (٣). وقالَ حذيفةُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( كانَ الرجلُ يتكلمُ بالكلمةِ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يصيرُ بها منافقاً إلى أنْ يموتَ ، وإنِّي الأسمعُها مِنْ أحدِكم في اليومِ عشرَ مرَّاتٍ)(٤). وقالَ بعضُ العلماءِ : ( أقربُ الناسِ مِنَ النفاقِ مَنْ يرى أنَّهُ بريءٌ منهُ )(٥) . وقالَ حذيفةُ : ( المنافقونَ اليومَ أكثرُ منهُمْ على عهْدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فكانوا إذْ ذاكَ يُخْفُونَهُ وهمُ اليومَ يُظْهِرونَهُ)(٦). (١) رواه أحمد في ((مسنده)) (١٧/٣). (٢) رواه أحمد في ((مسنده)) (١٧٥/٢)، والمراد بالقرّاء : الفقهاء ؛ أي: يضعون العلم في غير مواضعه ، يتعلمون العلم نفية للتهمة وهم معتقدون خلافه ، وكان المنافقون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة. ((إتحاف)) (٢٧٠/٢). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١١٢/٧)، والضياء في ((المختارة)) ( ٦٢). (٤) رواه أحمد في ((مسنده)) (٣٩٠/٥). (٥) قوت القلوب (١٣٦/٢). (٦) رواه النسائي في (( السنن الكبرى)) (١١٥٣١)، وبنحوه عند البخاري (٧١١٣). ٤٥٢ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد وهذا النفاقُ يضادُّ صدقَ الإيمانِ وكمالَهُ ، وهوَ خفيٌّ ، وأبعدُ الناسِ منهُ مَنْ يتخوَّفُهُ ، وأقربُهُمْ منهُ مَنْ يرى أنَّهُ بريءٌ منهُ ؛ فقدْ قيلَ للحسنِ البصريِّ : يقولونَ : أنْ لا نفاقَ اليومَ ، فقالَ: يا أخي ؛ لوْ هلكَ المنافقونَ .. لاستوحشْتُمْ في الطرقِ(١) . D كن: وقالَ هوَ أوْ غيرُهُ: ( لَوْ نبتَ للمنافقينَ أذنابٌ .. ما قدرْنا أنْ نطاً على الأرضِ )(٢) . اے وسمعَ ابنُ عمرَ رجلاً يتعرّض للحَجَّاجِ فقالَ : أرأيتَ لوْ كانَ حاضراً يسمعُ : أكنتَ تتكلَّمُ فيهِ ؟ فقالَ : لا، قالَ : كَّا نعدُّ هذا نفاقاً على عهدٍ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٣) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ كانَ ذا لسانينٍ في الدنيا .. جعلَهُ اللهُ ذا لسانينٍ في الآخرةِ)) (٤). وقالَ أيضاً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( شرُّ الناسِ ذو الوجهينِ الذي (١) قوت القلوب (١٣٧/٢)، وبنحوه رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣١٧) . (٢) قوت القلوب (١٣٧/٢ ) . (٣) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٤/٢٣)، وأصله في (( البخاري)) ( ٧١٧٨). (٤) ذكر الحافظ الزبيدي أنه من تتمة كلام سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما. ((إتحاف)) (٢٧١/٢)، وروى أبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٠/٢) مرفوعاً: ((من كان ذا لسانين في الدنيا .. جعل الله له يوم القيامة لسانين من نار)). ٤٥٣ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجهٍ )»(١) . وقيلَ للحسنِ : إنَّ قوماً يقولون : إنَّا لا نخافُ النفاقَ، فقالَ : واللهِ ؛ لأَنْ أكونَ أعلمُ أنِّي بريءٌ مِنَ النفاقِ أحبُّ إليَّ مِنْ تلاعِ الأرضِ ذهباً(٢) . وقالَ الحسنُ : ( إنَّ مِنَ النفاقِ اختلافَ اللسانِ والقلبِ ، والسرِّ والعلانيةِ ، والمدخلِ والمخرج)(٣). وقالَ رجلٌ لحذيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ : إنِّي أخافُ أنْ أكونَ منافقاً ، فقالَ : لوْكنتَ منافقاً .. ما خفتَ النفاقَ؛ إنَّ المنافقَ قدْ أمنَ مِنَ النفاقِ (٤). وقالَ ابنُ أبي مليكةً : ( أدركتُ ثلاثينَ ومئةً - وفي روايةٍ : خمسَ مئةٍ - مِنْ أصحابِ النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كلُّهُمْ يخافونَ النفاقَ )(٥). ورُويَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ جالساً في جماعَةٍ مِنْ أصحابِهِ ، فذكرُوا رجلاً وأكثروا الثناءَ عليهِ ، فبينا هُمْ كذلكَ إذْ طلعَ عليهِمُ (١) رواه البخاري (٧١٧٩)، ومسلم ( ٤٧١٥ ) . (٢) قوت القلوب (١٣٧/٢)، والتلاع: جمع تلعة، وهي ما ارتفع من الأرض ، وما انهبط منها أيضاً . (٣) قوت القلوب (١٣٧/٢). (٤) قوت القلوب (١٣٧/٢). (٥) قوت القلوب (١٣٧/٢)، وفي (ب): ( خمسين ومئة ) بدل ( خمس مئة )، والذي في (( صحيح البخاري )) ( باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ) : ( أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ، ما منهم أحد يقول : إنه على إيمان جبريل وميكائيل ) . ٤٥٤ ربع العبادات کتاب قواعد العقائد الرجُلُ ووجهُهُ يقطرُ ماءً مِنْ أثرِ الوضوءِ ، وقدْ علَّقَ نعَلَهُ بيدِهِ ، وبينَ عينيهِ أثرُ السجودِ ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ ؛ هوَ هذا الرجلُ الذي وصفناهُ ، فَقَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أَرَى على وجهِهِ سَفْعَةً مِنَ الشيطانِ )) ، فجاءَ الرجلُ حتَّى سلَّمَ وجلسَ معَ القومِ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((نَشَدْتُكَ اللهَ، هلْ حدَّثْتَ نفسَكَ حينَ أشرفتَ على القومِ أنَّهُ ليسَ فيهِمْ خيرٌ منكَ؟)) فقالَ : اللهمَّ نعمْ(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في دعائِهِ: (( اللهمَّ؛ إنِّي أستغفرُكَ لِمَا علمتُ ولِمَا لمْ أعلمْ))، فقيلَ لهُ: أتخافُ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: (( وما يؤمني والقلوبُ بينَ إصبعينٍ مِنْ أصابعِ الرحمنِ يقلِّبُها كيفَ يشاءُ))(٢). وقدْ قالَ سبحانَهُ : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، قيلَ في التفسيرِ : عملوا أعمالاً ظنُّوا أنَّها حسناتٌ ، فكانتْ في كفَّةِ السيئاتِ(٣). (١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٩٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٢/٣)، والدار قطني في ((سنته)) (٥٤/٢)، والسفعة : علامة سوداء ، يقال : به سفعة من الشيطان ؛ أي : منٌّ ، كأنه أخذ بناصيته . (٢) روى آخره أحمد في (( المسند)) (٢٥٠/٦)، وأوله عند مسلم (٤٨٩١) بلفظ : (( اللهم ؛ إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل))، وهو بلفظ المصنف عند صاحب (( القوت)) (١٣٨/٢). (٣) كذا روي تفسيرها عن مجاهد كما في ((أحكام القرآن)) (٢٦٥/١٥)، حتى قال الإمام القشيري في هذه الآية : ( في سماع هذه الآية حسراتٌ لأصحاب الانتباه). (( لطائف الإشارات)) (٢٨٥/٣) . ٤٥٥ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات وقالَ سَرِيٌّ السَّقَطِيُّ: ( لوْ أنَّ إنساناً دخلَ إلى بستانٍ فِيهِ مِنْ جميعِ الأشجارِ ، عليها مِنْ جميعِ الأطيارِ ، فخاطبَهُ كلُّ طيرٍ منها بلغةٍ فقالَ : السلامُ عليكَ يا وليَّ اللهِ ، فسكنتْ نفسُهُ إلى ذلكَ .. كانَ أسيراً في يديها )(١) . فهذهِ الأَخبارُ والآثارُ تعرفُكَ خطرَ الأمرِ بسببٍ دقائقِ النفاقِ والشّرْكِ الخفيِّ، وأنَّهُ لا يُؤْمَنُ منهُ، حتَّى كانَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ يسألُ حذيفةَ عنْ نفسِهِ ، وأنَّهُ هلْ ذُكِرَ في المنافقينَ؟(٢). وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : ( سمعتُ مِن بعضِ الأَمراءِ شيئاً ، فأردتُ أنْ أنكرَهُ ، فخفتُ أنْ يُؤْمرَ بقتلي ولمْ أخفْ مِنَ الموتِ ، ولكنْ خشيتُ أنْ يعرضَ لقلبي التزيُّنُّ للخلقِ عندَ خروج روحي، فكففتُ )(٣). وهذا مِنَ النفاقِ الذي يضادُّ حقيقةَ الإيمانِ وصدقَهُ وكمالَهُ وصفاءَهُ ، لا أصلَهُ(٤) . ـجن محى: (١) حلية الأولياء (١١٨/١٠). (٢) رواه وكيع في ((الزهد)) (٤٧٧)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٧٦/١٢) بنحوه . (٣) قوت القلوب (١٣٧/٢). (٤) فعلم مما سبق أن المرادَ الحديثُ عن النفاق العملي الذي يطفىء نور الإيمان وكماله ، وهو وإن كان دون النفاق الاعتقادي ، غير أنه ذو خطر عظيم ؛ إذ هو قنطرة له أعاذنا الله تعالى منهما ؛ وذلك لأن الوقوف عند النعمة حجاب .. قال بشر بن الحارث : ( سكون القلب إلى قبول المدح أضر عليه من المعاصي ) . ٤٥٦ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد فالنفاقُ نفاقانِ : أحدُهُما : يُخرجُ مِنَ الدينِ ، ويُلحقُ بالكافرينَ ، ويُسلكُ في زمرةِ المخلَّدينَ في النارِ . والثاني : يفضي بصاحبهِ إلى النارِ مدَّةً ، أوْ ينقصُ مِنْ درجاتٍ علِّيِينَ ، ويحطّ عنْ رتبةِ الصدِّيقينَ، وذلكَ مشكوكٌ فِيهِ ، فلذلكَ حَسُنَ فيهِ الاستثناءُ . ش وأصلُ هذا النفاقِ تفاوتُ السرِّ والعلانيةِ، والأمنُ مِنْ مكرِ اللهِ، والعجبُ ، وأمورٌ أُخرُ لا يخلو عنها إلا الصدِّيقونَ . الوجهُ الرابعُ : وهوَ أيضاً مستندٌ إلى الشكِّ، وذلكَ مِنْ خوفِ الخاتمةِ ؛ فإنَّهُ لا يدري أيسْلَمُ لهُ الإيمانُ عندَ الموتِ أمْ لا؟ فإِنْ ختمَ لهُ بالكفرِ .. حبطٌ الإيمانُ السابقُ ؛ لأنَّهُ موقوفٌ على سلامةِ الآخِرِ ، ولوْ سُئلَ الصائمُ ضحوةً النهارِ عنْ صحَّةٍ صومِهِ فقالَ : أنا صائمٌ قطعاً ، فلوْ أفطرَ في أثناءِ نهارِهِ بعدَ ذلك .. لتبيَّنَ كذبُهُ؛ إذْ كانتِ الصحَّةُ موقوفةً على التمام إلى غروبِ الشمسِ مِنْ آخرِ النهارِ، وكما أنَّ النهارَ ميقاتُ تمام الصوم .. فالعمرُ ميقاتُ تمامٍ صحَّةٍ الإيمانِ ، ووصفُهُ بالصحَّةِ قبلَ آخرِهِ بناءً على الاستصحابِ ، وهوَ مشكوكٌ فيهِ ، والعاقبةُ مَخُوفَةٌ ، ولأجلِها كانَ أكثرُ بكاءِ الخائفينَ ؛ لأجلِ أنَّها ثمرةُ القضيةِ السابقةِ والمشيئةِ الأزليَّةِ التي لا تظهرُ إلا بظهورِ المقْضِيِّ بهِ ، ولا يطّلعُ عليهِ بشرٌ، فخوفُ الخاتمةِ كخوفِ السابقةِ ، وربَّما يظهرُ في ٤٥٧ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات الحالِ ما سبقتِ الكلمةُ بنقيضِهِ ، فمَنِ الذي يدري أنَّهُ مِنَ الذينَ سبقتْ لهمْ مِنَ اللهِ الحسنى ؟! وقيلَ في معنى قولِهِ تعالى: ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ﴾ أيْ : بالسابقةِ ، يعني أظهرَتْها . وقالَ بعضُ السلفِ : ( إنما يُوزنُ مِنَ الأعمالِ خواتيمُها)(١) . وكانَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ يحلفُ باللهِ : ( ما أحدٌ أمنَ أنْ يُسلبَ إيمانُهُ إلا سُلِبَهُ)(٢). ويُقالُ : مِنَ الذنوبِ ذنوبٌ عقوبتُها سوءُ الخاتمةِ ، نعوذُ باللهِ مِنْ ذلكَ ، وقيلَ : هيَ عقوبةُ دعوى الولايةِ والكرامةِ بالافتراءِ(٣). وقالَ بعضُ العارفينَ : ( لوْ عرضتْ عليَّ الشهادةُ عندَ بابِ الدارِ والموتُ على التوحيدِ عندَ بابِ الحجرةِ .. لاخترتُ الموتَ على التوحيدِ عندَ بابِ الحجرةِ ؛ لأَنِّي لا أدري ما يَعْرِضُ لقلبي مِنَ التغيُّرِ عَنِ التوحيدِ إلى بابِ الدارِ ) (٤) . وقالَ بعضُهُمْ : ( لوْ عرفتُ واحداً بالتوحيدِ خمسينَ سنةً ثُمَّ حالَ بيني (١) كذا روي معناها عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى. انظر ((الدر المنثور)) (٣ /٤١٨) . (٢) قوت القلوب (١٣٦/٢). (٣) قوت القلوب (١٣٦/٢). (٤) قوت القلوب (١٣٧/٢ ) . ٤٥٨ (19) ربع العبادات کتاب قواعد العقائد وبينَهُ ساريةٌ وماتَ .. لَمْ أحكمْ لهُ أنَّهُ ماتَ على التوحيدِ)(١) . وفي الحديثِ: (( مَنْ قالَ: أنا مؤمنٌ .. فهوَ كافرٌ، ومَنْ قالَ : أنا عالمٌ .. فهوَ جاهلٌ))(٢). وقيلَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ صدقاً لمَنْ ماتَ على الإيمانِ ، وعدلاً لمَنْ ماتَ على الشركِ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾(٣) فمهما كانَ الشكُّ بهذهِ المثابةِ .. كانَ الاستثناءُ واجباً ؛ لأنَّ الإيمانَ عبارةٌ عمَّا يفيدُ الجنَّةَ، كما أنَّ الصومَ عبارةٌ عمَّا يبرىءُ الذمةَ، وما فسدَ قبلَ الغروب لا يبرىءُ الذقَّةَ ، فيخرجُ عنْ كونِهِ صوماً ؛ فكذلكَ الإيمانُ ، بلْ لا يبعدُ أنْ يُسألَ عنِ الصومِ الماضي الذي لا يشكُّ فيهِ بعدَ الفراغ منهُ ، فيقالُ: أصُمتَ بالأمس ؟ فيقولُ : نعمْ إنْ شاءُ اللهُ تعالى ؛ إذِ الصومُ الحقيقيُّ هوَ المقبولُ ، والقبولُ غائبٌ عنهُ لا يطَّلعُ عليهِ . فِمِنْ هذا حَسُنَ الاستثناءُ في جميع أعمالِ البرِّ ، ويكونُ ذلكَ شكّاً في القبولِ ؛ إذْ يَمنعُ مِنَ القبولِ بعدَ جريانِ ظاهرِ شروطِ الصحَّةِ أسبابٌ خفيَّةٌ (١) أي: جزماً ويقيناً؛ لسرعة تقلُّب القلوب، انظر ((قوت القلوب)) (١٣٧/٢). (٢) كذا في ((القوت)) (١٣٨/٢)، وروى الطبراني في ((الأوسط)) (٦٨٤٢) الشطر الثاني منه، وفي ((الصغير)) (٦٥/١): (ومن قال: إني في الجنة .. فهو في النار) من کلام يحيى بن أبي كثير . (٣) قوت القلوب (١٣٨/٢). ٤٥٩ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات لا يطَّلعُ عليها إلا ربُّ الأربابِ جلَّ جلالُهُ، فيحسنُ الشكُّ فِيهِ . فهذهِ وجوهُ حسنِ الاستثناءِ في الجوابِ عنِ الإيمانِ ، وهيَ آخرُ ما نختمُ بهِ كتابَ ( قواعدِ العقائدِ ) ، واللهُ أعلمُ . تم كتاب قواعد العقائد وهو الكتاب الثاني من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الدين والحمد تدرب العالمين، وصلواته على ستدنا محمّدٍ وآله الطاهرين يتلوه كتاب أسرار الطهارة ومهماتها . .. ٤٦٠