النص المفهرس
صفحات 401-420
ربع العبادات حن کتاب قواعد العقائد لوْ حلَّتْ بكتابٍ ذاتُ الكلام .. لحلَّ ذاتُ اللهِ تعالى بكتابةِ اسمِهِ في الورقِ ، وحلَّتْ ذاتُ النارِ بكتابةِ اسمِها في الورقِ ، ولاحترقَ . الأصلُ السابعُ : أَنَّ كلامَهُ القائمَ بنفسِهِ قديمٌ ، وكذا جميعُ صفاتِهِ : إذْ يستحيلُ أنْ يكونَ محلاً للحوادثِ داخلاً تحتَ التغيُّرِ ، بلْ يجبُ للصفاتِ مِنْ نعوتِ القدم ما يجبُ للذاتِ ، فلا تعتريهِ التغيّراتُ ، ولا تحلُّهُ الحادثاتُ ، بلْ لمْ يزلْ في قدمِهِ موصوفاً بمحامدِ الصفاتِ ، ولا يزالُ في أبدِهِ كذلكَ منزَّهاً عنْ تغيُّرِ الحالاتِ ؛ لأنَّ ما كانَ محلَّ الحوادثِ لا يخلو عنها ، وما لا يخلو عنِ الحوادثِ فهوَ حادثٌ، وإنَّما ثبتَ نعتُ الحدوثِ للأجسام مِنْ حيثُ تعرُّضُها للتغيُّرِ وتقلُّبِ الأوصافِ ، فكيفَ يكونُ خالقُها مشاركاً لها في قبولِ التغيُّر ؟! وينبني على هذا : أنَّ كلامَهُ قديمٌ قائمٌ بذاتِهِ ، وإنَّما الحادثُ هيَ الأصواتُ الدالّةُ عليهِ . .5x وكما عقلَ قيامُ طلبِ التعلُّم وإرادتُهُ بذاتِ الوالِدِ للولدِ قبلَ أنْ يُخلقَ ولدُهُ ، حتَّى إذا خُلِقَ ولدُهُ وعَقَلَ، وخلقَ اللهُ لهُ علماً متعلِّقاً بما في قلبٍ أبيهِ مِنَ الطلبِ .. صارَ مأموراً بذلكَ الطلبِ الذي قامَ بذاتِ أبيهِ ودامَ وجودُهُ إلى وقتٍ معرفةٍ ولدِهِ .. فليُعقلْ قيامُ الطلبِ الذي دلَّ عليهِ قولُهُ تعالى: ﴿فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ بذاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ومصيرُ موسى عليهِ السلامُ مخاطباً بهِ بعدَ ٤٠١ G كتاب قواعد العقائد ربع العبادات وجودِهِ؛ إذْ خُلقتْ لهُ معرفةٌ بذلكَ الطلبِ، وسمعَ لذلكَ الكلام القديمِ (١). الأصلُ الثامنُ : أنَّ علمَهُ قديمٌ : فلمْ يزلْ عالماً بذاتِهِ وصفاتِهِ ، وما يحدثُهُ مِنْ مخلوقاتِهِ ، ومهما حدثتِ المخلوقاتُ .. لمْ يحدثْ لهُ علْمٌ بها ، بلْ حصلتْ مكشوفةٌ لهُ بالعلْمِ الأزليِّ؛ إذْ لَوْ خُلقَ لنا علمٌ بقدوم زيدٍ عندَ طلوع الشمسِ ، ودامَ ذلكَ العلمُ تقديراً حتَّى طلعتِ الشمسُ .. لكانَ قدومُ زيدٍ عندَ الطلوع معلوماً لنا بذلكَ العلمِ مِنْ غيرِ تجدُّدٍ علمٍ آخرَ ؛ فهكذا ينبغي أنْ يُفهمَ قدمُ علمِ اللهِ تعالى . الأصلُ التاسعُ : أنَّ إرادتَهُ قديمةٌ : وهيَ في القدم تعلَّقتْ بإحداثِ الحوادثِ في أوقاتِها اللائقةِ بها على وَفْقِ سبقِ العلمِ الأزليِّ؛ إذْ لوْ كانتْ حادثةً .. لصارَ محلاً للحوادثِ ، ولوْ حدثتْ في غيرِ ذاتِهِ .. لمْ يكنْ هوَ مريداً بها ؛ كما لا تكونُ أنتَ متحرِّكاً بحركةٍ ليستْ في ذاتِكَ ، وكيفَما قدَّرتَ . . فيفتقرُ حدوثُها إلى إرادةٍ أُخرى ، وكذلكَ الإرادةُ الأخرىُ تفتقرُ إلى أخرى ، ويتسلسلُ الأمرُ إلى غيرِ نهايةٍ . (١) و(سمع) يتعدى باللام تارة - كما هو هنا - ومثله: سمع الله لمن حمده. (( إتحاف)) (١٥٢/٢)، أو السياق: (وسمعٌ لذلك ... ) معطوفاً على ( معرفة)، ومن جعل سمعه للقرآن سمعاً للكلام القديم النفسي .. فقد نفى المزيّة التي هي خصيصة لسيدنا موسى عليه السلام . ٤٠٢ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد ولوْ جازَ أنْ تَحْدُثَ إرادةٌ بغيرِ إرادةٍ .. لجازَ أنْ يَحْدُثَ العالمُ بغيرِ إرادةٍ . الأصلُ العاشرُ : أَنَّ اللهَ تعالى عالمٌ بعلم ، حيٌّ بحياةٍ ، قادرٌ بقدرةٍ ، ومريدٌ بإرادةٍ ، ومتكلّمٌ بكلامٍ ، وسميعٌ بسمْعٍ ، وبصيرٌ ببصرٍ (١): ولهُ هذهِ الأوصافُ مِنْ هذهِ الصفاتِ القديمةِ ، وقولُ القائلِ : ( عالمٌ بلا علمٍ ) كقولِهِ : ( غنيٌّ بلا مالٍ، وعلمٌ بلا عالمٍ ، وعالمٌ بلا معلومٍ ) ، فإنَّ العلمَ والمعلومَ والعالمَ متلازمةٌ ؛ كالقتلِ والمقتولِ والقاتلِ ، وكما لا يُصوَّرُ قاتلٌ بلا قتلٍ ولا قتيلٍ ، ولا يُتصوَّرُ قتيلٌ بلا قاتلٍ ولا قتلٍ .. كذلكَ لا يُتصوَّرُ عالمٌ بلا علمٍ ، ولا علمٌ بلا معلومٍ ، ولا معلومٌ بلا عالمٍ ، بلْ هذهِ الثلاثةُ متلازمةٌ في العقلِ ، لا ينفكُّ بعضٌ منها عنِ البعضِ ، فمَن جوَّزَ انفكاكَ العالِمِ عنِ العلمِ .. فليجوِّزِ انفكاكَهُ عنِ المعلومِ ، وانفكاكَ العلمِ عنِ العالم ؛ إذْ لا فرقَ بينَ هذِهِ الأوصافِ (٢) . (١) اعلم أن المتكلمين على قسمين ؛ منهم من يثبت الأحوال ، ومنهم من ينفيها ، فمن يثبت الأحوال كالقاضي والإمام والمصنف .. فعبارته أن يقول : ( عالم بعلم ، حي بحياة ) ، ومن ينفي الأحوال .. فعبارته أن يقول : ( عالم وله علم ، قادر وله قدرة ). ((إتحاف)) (١٥٣/٢). (٢) وإنما أثبتنا الصفات زائدة على مفهوم الذات لأنه تعالى أطلق على نفسه هذه الأسماء في كتابه على لسان نبيه ، خطاباً لمن هو من أهل اللغة، والمفهوم في اللغة من ((عليم)): ذات لها علم، ومن ((قدير)): ذات لها قدرة، ... ). («إتحاف)) (٢ / ١٥٤). ٤٠٣ سان 16 کتاب قواعد العقائد ربع العبادات الركن الثالث: العلم بأفعال الله تعالى ومداره على عشرة أصول الأصلُ الأوَلُ : العلمُ بأنَّ كلَّ حادثٍ في العالم .. فهوَ فعلُهُ وخلقُهُ واختراعُهُ(١) : %G لا خالقَ لهُ سواهُ، ولا محدِثَ لهُ إلا إيَّاهُ، خلقَ الخلْقَ وصنعَتَهُمْ، وأوجدَ قدرتَهُمْ وحركتَهُمْ ، فجميعُ أفعالِ عبادِهِ مخلوقةٌ لهُ ، ومتعلِّقةٌ بقدرتِهِ ، تصديقاً لهُ في قولِهِ تعالى: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَلَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اَجْهَرُواْبِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٢٠ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾. أمرَ العبادَ بالتحرُّزِ في أقوالِهِمْ وأفعالِهِمْ وإسرَارِهِمْ وإضمارِهِمْ(٢)؛ لعلمِهِ بمواردٍ أفعالِهِمْ . ـحن جن (١) اعلم أن الصفات ضربان: صفات الذات ، وصفات الفعل ، والفرق بينهما : أن كل ما وصف الله به تعالى ولا يجوز أن يوصف به وبضده .. فهو من صفات الذات ؛ كالقدرة والعلم والعزة والعظمة ، وكل ما يجوز أن يوصف به وبضده .. فهو من صفات الفعل؛ كالرأفة والرحمة والسخط والغضب. ((إتحاف)) (١٥٧/٢). (٢) أو المراد: ( أسرارهم وأضمارهم) جمع ضمير ؛ كشريف وأشراف ؛ لموافقة السجعة، كذا اختار الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٦٤/٢). ٤٠٤ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد واستدلَّ على العلم بالخلْقِ ، وكيفَ لا يكونُ خالقاً لفعلِ العبدِ وقدرتُهُ تامّةٌ لا قصورَ فيها وهيَ متعلّقةٌ بحركاتٍ أبدانِ العبادِ ، والحركاتُ متماثلةٌ ، وتعلُّقُ القدرةِ بها لذاتِها ؟! فما الذي يقصرُ تعلُّقُها عن بعضِ الحركاتِ دونَ بعضٍ معَ تماثلِها ؟ أوْ كيفَ يكونُ الحيوانُ مستبدّاً بالاختراع ويصدرُ مِنَ العنكبوتِ والنخْلِ وسائرِ الحيواناتِ مِنْ لطائفِ الصناعاتِ ما يتحيّرُ فيهِ عقولُ ذوي الألبابِ ؟! فكيفَ انفردتْ هيَ باختراعِها دونَ ربِّ الأربابِ وهيَ غيرُ عالمةٍ بتفصيلٍ ما يصدرُ منها مِنَ الاكتسابِ ؟! هيهات هيهاتَ ! ذلَّتِ المخلوقاتُ ، وتفرَّدَ بالملكِ والملكوتِ جبَّارٌ الأرضِ والسماواتِ . الأصلُ الثاني : أنَّ انفرادَ اللهِ سبحانَهُ باختراع حركاتِ العبادِ لا يخرجُها عنْ كونِها مقدورةً للعبادِ على سبيلِ الاكتسابِ : بلِ اللهُ تعالى خلقَ القدرةَ والمقدورَ جميعاً ، وخلقَ الاختيارَ والمختارَ . فأمَّا القدرةُ: فوصفٌ للعبدِ ، وخلْقٌ للربِّ سبحانَهُ، وليسَتْ بكسبٍ لهُ. وأمَّا الحركةُ : فخلْقٌ للربِّ تعالى ، ووصفٌ للعبدِ وكسبٌ لهُ ؛ فإنَّها خُلقتْ مقدورةً بقدرةٍ هيَ وصفُهُ ، فكانتْ للحركةِ نسبةٌ إلى صفةٍ أخرى تُسمَّى قدرةً ، فسُمِّيَ باعتبارِ تلكَ النسبةِ كسباً . ٤٠٥ 19 کتاب قواعد العقائد ربع العبادات موزة وكيفَ يكونُ جبراً محضاً وهوَ بالضرورةِ يدركُ التفرقةَ بينَ الحركةِ المقدورةِ والرعدةِ الضروريَّةِ ؟! أوْ كيفَ يكونُ خلقاً للعبدِ وهوَ لا يحيطُ علماً بتفاصيلِ أجزاءِ الحركةِ المكتسبةِ وأعدادِها؟!(١) . وإذا بطلَ الطرفانِ .. لمْ يبقَ إلا الاقتصادُ في الاعتقادِ ، وهوَ أنَّها مقدورةٌ بقدرةِ اللهِ تعالى اختراعاً ، وبقدرةِ العبدِ على وجهٍ آخرَ مِنَ التعلُّقِ يُعبَّرُ عنهُ بالاكتسابِ (٢)، وليسَ مِنْ ضرورةِ تعلُّقِ القدرةِ بالمقدورِ أنْ يكونَ بالاختراع فقط ؛ إذْ قدرةُ اللهِ تعالى في الأزلِ كانتْ متعلّقةً بالعالمِ ولمْ يكنِ الاختراعُ حاصلاً بها ، وهيَ عندَ الاختراع متعلَّقَةٌ بهِ نوعاً آخرَ مِنَ التعلُّقِ ، فبهِ يظهرُ أنَّ تعلُّقَ القدرةِ ليسَ مخصوصاً بحصولِ المقدورِ بها . الأصلُ الثالثُ : أنَّ فعلَ العبدِ وإنْ كانَ كسباً للعبدِ فلا يخرجُ عنْ كونِهِ مراداً لله تعالى : فلا يجري في الملكِ والملكوتِ طرفةُ عينٍ ، ولا فلتةُ خاطرٍ ولا لفتةُ ناظرٍ إلا بقضاءِ اللهِ وقدرِهِ ، وبإرادتِهِ ومشيئتِهِ ، فمنهُ الخيرُ والشرّ ، والنفعُ والضرّ، والإسلامُ والكفرُ ، والعرفانُ والنكْرُ ، والفوزُ والخسْرُ ، والغوايةٌ (١) وفي هذين الاستفهامين الإنكاريين رةٌّ على الجبرية والمعتزلة؛ تمهيداً لتفصيل قول أهل السنة . (٢) عملاً بظاهر قوله سبحانه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾، والماتريدية يسمونه بالاختيار لما فيه من إشعار قدرة العبد . ٤٠٦ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد والرشْدُ، والطاعةُ والعصيانُ ، والشرْكُ والإيمانُ، لا رادَّ لقضائِهِ ، ولا معقِّبَ لحكْمِهِ ، يضلُّ مَنْ يشاءُ ويهدي مَنْ يشاءُ ، لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهمْ يُسألُونَ(١) . ويدُ عليهِ مِنَ النقلِ قولُ الأمَّةِ قاطبةً: ( ما شاءَ اللهُ .. كانَ ، وما لمْ يشأ .. لمْ يكنْ)(٢)، وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وقولُهُ تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَغَيْنَا كُلّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ . ويدلُّ عليهِ مِنْ جهةِ العقلِ أنَّ المعاصيَ والجرائمَ إنْ كانَ اللهُ يكرهُها ولا يريدُها، وإنَّما هيَ جاريةٌ على وَفْقِ إرادةِ إبليسَ لعنَهُ اللهُ معَ أنَّهُ عدوٌ للهِ سبحانَهُ .. فالجاري على وَفْقِ إرادةِ العدوِّ أكثرُ مِنَ الجاري على وَفْقٍ إرادتِهِ تعالى . فليتَ شعري ؛ كيفَ يستجيزُ المسلمُ أنْ يُرَدَّ مِلْكُ الجبارِ ذي الجلالِ والإكرامِ إلى رتبةٍ لوْ رُدَّتْ إليها رئاسةُ زعيمٍ ضيعةٍ .. لاستنكفَ منها؟! إذْ لُوْ كانَ ما يستمرُّ لعدوٌّ الزعيمِ في القريةِ أكثرَ ممَّا يستمرُّ لهُ .. لاستنكفَ مِنْ زعامتِهِ وتبزَّأَ عنْ ولايتِهِ ، والمعصيةُ هيَ الغالبةُ على الخلْقِ ، وكلُّ ذلكَ جارٍ عندَ المبتدعةِ على خلافِ إرادةِ الحقِّ تعالى، وهذا غايةُ الضعْفِ والعجزِ ، (١) وتسمية بعض الكائنات شراً بالنسبة إلى تعلقه وضرره لنا، لا بالنسبة إلى صدوره عنه، فخلْقُ الشر ليس قبيحاً؛ إذ لا قبيح منه تعالى. ((إتحاف)) (١٧٢/٢ ). (٢) وهذا القول جزء من حديث رواه أبو داوود ( ٥٠٧٥ ) ضمن كلمات علمهنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعض بناته ، ووجه الاحتجاج به على المعتزلة كونهم اذَّعَوا خلْقاً - كالكفر والمعصية - هو له كاره غير مريد . ٤٠٧ ١ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات تعالىُ ربُّ الأربابِ عنْ قولِ الظالمينَ علوّاً كبيراً . ثمَّ مهما ظهرَ أنَّ أفعال العبادِ مخلوقٌ لهِ تعالى .. صحَّ أنَّها مرادةٌ لهُ . فإنْ قيلَ : فكيفَ ينهىُ عمَّا يريدُ ويأمرُ بما لا يريدُ ؟ قلنا : الأمرُ غيرُ الإرادةِ ، ولذلكَ إذا ضربَ السيِّدُ عبدَهُ ، فعاتبَهُ السلطانُ عليهِ ، فاعتذرَ بتمرُّدِ عبدِهِ عليهِ ، فكذّبَهُ السلطانُ ، فأرادَ إظهارَ حجَّتِهِ عليهِ بأنْ يأمرَ عبدَهُ بفعلٍ ويخالفَهُ بينَ يديهِ ؛ فقالَ لهُ : أسرجْ هذهِ الدائَّةَ بمشهدٍ مِنَ السلطانِ ، فهوَ يأمرُهُ بما لا يريدُ امتثالَهُ، ولوْ لمْ يكنْ آمراً .. لما كانَ عذرُهُ عندَ السلطانِ متمهِّداً ، ولوْ كانَ مريداً لامتثالِهِ .. لكانَ مريداً لهلاكِ نفسِهِ ، وهوَ محالٌ . ٠٢٧ الأصلُ الرابعُ : أنَّ اللهَ تعالى متفضِّلٌ بالخلْقِ والاختراعِ ، ومتطوِّلٌ بتكليفِ العبادِ ، ولمْ يكنِ الخلْقُ والتكليفُ واجباً عليهِ : وقالتِ المعتزلةُ : وجبّ عليهِ ذلكَ لما فيهِ مِنْ مصلحةِ العبادِ ، وهوَ محالٌ(١)؛ إذْ هوَ الموجِبُ والآمرُ والناهي، وكيفَ يتهذَّفُ لإيجاب (٢) ، أوْ يتعرَّضُ للزومِ وخطابٍ ؟! شر (١) ونسبه المصنف رحمه الله تعالى في ((الاقتصاد)) (ص٢٣٣) لطائفة من المعتزلة؛ إذ بصريو المعتزلة لا يرون ذلك الوجوب . (٢) يتهدف : ينصب نفسه هدفاً مقصوداً . جن ـكن ٤٠٨ ربع العبادات عرق كتاب قواعد العقائد ٤٤٠٠ والمرادُ بالواجبِ أحدُ أمرينِ : إمَّا الفعلُ الذي في تركِهِ ضررٌ: إمَّا آجلٌ ؛ كما يُقالُ : يجبُ على العبدِ أنْ يطيعَ اللهَ حتى لا يعذَّبَهُ اللهُ في الآخرةِ بالنارِ ، أَوْ ضررٌ عاجلٌ ؛ كما يُقالُ: يجبُ على العطشانِ أنْ يشربَ الماءَ حتَّى لا يموتَ . وإمَّا أنْ يُرادَ بهِ الذي يؤدِّي عدمُهُ إلى محالٍ ؛ كما يُقالُ : وجودُ المعلوم واجبٌ ؛ إذْ عدمُهُ يؤدي إلى محالٍ ، وهوَ أنْ يصيرَ العلْمُ جهلاً . فإنْ أرادَ الخصمُ بأنَّ الخلْقَ واجبٌ على اللهِ على المعنى الأوَّلِ .. فقدْ عرَّضَهُ للضُّرارِ ، وإنْ أرادَ بهِ المعنى الثانيَ .. فهوَ مسلَّمٌ؛ إذْ بعدَ سبْقِ العلْم لا بدَّ مِنْ وجودِ المعلوم، وإنْ أرادَ بهِ معنىّ ثالثاً .. فهوَ غيرُ مفهومٍ . وقولُهُ : ( يجبُ لمصلحةِ عبادِهِ ) كلامٌ فاسدٌ ؛ فإنَّهُ إذا لمْ يتضرَّرْ بتركِ مصلحةِ العبادِ .. لمْ يكنْ للوجوبِ في حقِّهِ معنىّ، ثمَّ مصلحةُ العبادِ في أنْ يخلقَهُمْ في الجنَّةِ ، فأمَّا أنْ يخلقَهُمْ في دارِ البلايا ، ويعرِّضَهُمْ للخطايا ، ثمَّ يهدفَهُمْ لخطرِ العقابِ ، وهولِ العرضِ والحسابِ .. فما في ذلكَ غبطةٌ عندَ ذوي الألبابِ . الأصلُ الخامسُ : أَنَّهُ يجوزُ على اللهِ سبحانَهُ أنْ يكلِّفَ عبادَهُ ما لا يطيقونَهُ : خلافاً للمعتزلةِ ، ولوْ لمْ يجزْ ذلكَ .. لاستحالَ سؤالُ دفْعِهِ ، وقدْ سألوا ذلكَ فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بِهِ﴾، ولأنَّ اللهَ تعالى أخبرَ نبيَّهُ ٤٠٩ كن: كتاب قواعد العقائد ربع العبادات صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بأنَّ أبا جهْلٍ لا يصدّقُهُ، ثمّ أمرَهُ بأنْ يأمرَهُ بأنْ يصدِّقَهُ في جميع أقوالِهِ ، وكانَ مِنْ جملةِ أقوالِهِ أنَّهُ لا يصدِّقُهُ ، فكيفَ يصدِّقُهُ في أنَّهُ لا يصدِّقُهُ؟! وهل هذا إلاَّ محالٌ وجودُهُ ؟! الأصلُ السادسُ : أنَّ للهِ عزَّ وجلَّ إيلامَ الخلْقِ وتعذيبَهُمْ مِنْ غيرِ جرْمٍ سابقٍ ، ومِنْ غيرِ ثوابٍ لاحقٍ : خلافاً للمعتزلةِ ؛ لأنَّهُ متصرِّفُ في مِلكِهِ ، ولا يُتصوَّرُ أنْ يعدُوَ تصرُّفُهُ مِلكَهُ ، والظلمُ هوَ عبارةٌ عنِ التصرُّفِ في ملكِ الغيرِ بغيرِ إذنِهِ ، وهوَ محالٌ على اللهِ تعالى ؛ فإنَّهُ لا يصادفُ لغيرِهِ مِلكاً حتَّى يكونَ تصرُّفُهُ فيهِ ظلْماً . ويدلُّ على جوازِ ذلكَ وجودُهُ ؛ فإنَّ ذبْحَ البهائم إيلامٌ لها ، وما صُبَّ عليها مِنْ أنواع العذابِ مِنْ جهةِ الآدميِينَ لمْ يتقدَّمْها جريمةٌ . فإِنْ قيلَ : إنَّ اللهَ تعالى يحشرُها ويجازيها على قدْرِ ما قاستْهُ مِنَ الآلام ، ويجبُ ذلكَ على اللهِ سبحانَهُ . فنقولُ: مَنْ زعمَ أنَّهُ يجبُ على اللهِ إحياءُ كلِّ نملةٍ وُطَتْ ، وكلِّ بقَّةٍ عُركَتْ حتَّى يثيبَها على آلامِها .. فقدْ خرجَ عنِ الشرع والعقلِ ؛ إذْ يُقالُ: وصفُ الثوابِ والحشرِ بكونِهِ واجباً عليهِ إنْ كانَ المرادُ بهِ أنَّهُ يتضرَّرُ بتركِهِ .. فهوَ محالٌ، وإنْ أُرِيدَ بهِ غيرُهُ .. فقدْ سبقَ أنَّهُ غيرُ ٤١٠ ربع العبادات کتاب قواعد العقائد مفهومٍ إذا خرجَ عنِ المعاني المذكورةِ للواجبِ(١). الأصلُ السابعُ : أنَّهُ تعالى يفعلُ بعبادِهِ ما يشاءُ : فلا يجبُ عليهِ رعايةُ الأصلح لعبادِهِ لما ذكرناهُ مِنْ أنَّهُ لا يجبُ عليهِ شيءٌ، بلْ لا يُعقلُ في حقِّهِ الوجوبُ؛ فإنَّهُ لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهمْ يُسألونَ . وليتَ شعري ؛ بِمَ يجيبُ المعتزليُّ في قولِهِ: (إنَّ الأصلحَ واجبٌ عليهِ ) عنْ مسألةٍ نعرضُها عليهِ ؟ وهوَ أنْ يُفْرَضَ مناظرةٌ في الآخرةِ بينَ صبيٍّ وبينَ بالغ ماتًا مسلمَيْنِ ؛ فإنَّ اللهَ سبحانَهُ يزيدُ في درجاتِ البالغ ويفضِّلُهُ على الصبيِّ ؛ لأنَّهُ تعبَ بالإيمانِ والطاعاتِ بعدَ البلوغ ، ويجبُ عليهِ ذلكَ عندَ المعتزليِّ ، فلوْ قالَ الصبيُّ : يا ربُّ ؛ لمَ رفعتَ منزلتَهُ عليَّ؟ فيقولُ: لأنَّهُ 44. (١) وتفصيل ذلك في ((الاقتصاد)) (ص٢٢٢، ٢٤١ -٢٤٢)، قال الحافظ الزبيدي رحمه الله تعالى: ( وأما ما رواه أحمد بإسناد صحيح : ((يقتصُّ للخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء ، وحتى للذرة من الذرة ))، وهو في (( صحيح مسلم )) (( ٢٥٨٢)) بلفظ: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) .. فالمراد بالاقتصاص المذكور أن يدخل الله تعالى عليها من الآلام في الموقف بقدر ما يعلمه قصاصاً ، أو يقتص منها حقيقة ، وذلك لا يمنعه العقل عندنا ، لكن لا نوجبه ؛ أي : لا نقول بوجوب وقوعه منه تعالى كما يقول المعتزلة ، وهذا أولى من القول بأنه خبر آحاد غير مفيد للقطع ، والقطع هو المعتبر في العقائد ) . («إتحاف)) (٢ /١٨٥). ٤١١ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات بَلغَ واجتهدَ في الطاعاتِ ، فيقولُ الصبيُّ : أنتَ أمثَّني في الصبا ، فكانَ يجبُ عليكَ أنْ تديمَ حياتي حثَّى أَبلُغَ فأجتهدَ ، فقدْ عدلتَ عَنِ العدلِ في التفضُّلِ عليهِ بتطويلِ العُمُرِ لهُ دوني ، فلمَ فضَّلْتَهُ؟ فيقولُ اللهُ تعالى: لأنِّي علمتُ أنَّكَ لوْ بلغتَ .. لأشركتَ أوْ عصيتَ ، فكانَ الأصلحَ لكَ الموتُّ في الصبا - هذا عذرُ المعتزليِّي عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ - وعندَ هذا ينادي الكفارُ مِن دركاتِ لَظىُ ويقولونَ : يا ربِّ ؛ أما علمتَ أنَّنَا إذا بلغْنا .. أشركنا ؟! فهلاً أمتَّنَا في الصبا ؛ فإنَّا رضينا بما دونَ منزلةِ الصبيِّ المسلم .. فبماذا يُجابُ عنْ ذلكَ ؟ !! وهلْ يجبُ عندَ هذا إلا (١) القطعُ بأنَّ الأمورَ الإلهيةَ تتعالى بحكم الجلالِ عَنْ أنْ تُوزنَ بميزانِ أهلِ الاعتزالِ ؟ . فإنْ قيلَ : مهما قدرَ على رعايةِ الأصلح للعبادِ ثمَّ سلَّطَ عليهمْ أسبابَ العذاب .. كانَ ذلكَ قبيحاً لا يليقُ بالحكمةِ . قلنا : معنى القبيح : ما لا يوافقُ الغرضَ ، حتَّى إنَّهُ قدْ يكونُ الشيءُ قبيحاً عندَ شخصٍ ، حسناً عندَ غيرِهِ إذا وافقَ غرضَ أحدِهِما دونَ الآخرِ ، حتَّى يَستقبحُ قتلَ الشخصِ أولياؤُهُ ، ويستحسنُهُ أعداؤُهُ . فإنْ أُريدَ بالقبيح ما لا يوافقُ غرضَ الباري سبحانَهُ .. فهوَ محالٌ؛ إذْ (١) (إلا) : زيادة من (ج ) ونسخة الحافظ الزبيدي. ٤١٢ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد لا غرضَ لهُ، فلا يُتصوَّرُ منهُ قبيحٌ ؛ كما لا يُتصوَّرُ منهُ ظلمٌ؛ إذْ لا يُتصوَّرُ منهُ التصرّفُ فِي مِلْكِ الغيرِ . وإنْ أُريدَ بالقبيح ما لا يوافقُ غرضَ الغيرِ . . فلمَ قلتُمْ: إنَّ ذلكَ عليهِ محالٌ ؟ وهلْ هذا إلا مجرَّدُ تَشَةٍّ يشهدُ بخلافِهِ ما قدْ فرضناهُ مِنْ مخاصمةِ أهلِ النارِ ؟ ثُمَّ إنَّ الحكيمَ معناهُ : العالمُ بحقائقِ الأشياءِ والقادرُ على إحكام فعلِها علىَ وَفْقِ إرادتِهِ ، وهذا مِنْ أينَ يُوجِبُ رعايةَ الأصلح؟ وإنَّما الحكيمُ منَّا يراعي الأصلحَ نظراً لنفسِهِ ؛ ليستفيدَ بهِ في الدنيا ثناءٌ وفي الآخرةِ ثواباً ، أوْ يدفعَ بهِ عنْ نفسِهِ آفةٌ ، وكلُّ ذلكَ على اللهِ سبحانَهُ محالٌ . الأصلُ الثامنُ : أنَّ معرفةَ اللهِ سبحانَهُ وطاعتَهُ واجبٌ بإيجابِ اللهِ تعالى وشرعِهِ ، لا بالعقلِ : خلافاً للمعتزلةِ ؛ لأنَّ العقلَ وإنْ أوجبَ الطاعةَ .. فلا يخلو : إمّا أنْ يوجبَها لغيرِ فائدةٍ وهوَ محالٌ ؛ فإنَّ العقلَ لا يوجبُ العبثَ ، وإمّا أنْ يوجبَها لفائدةٍ وغرضٍ ، وذلك لا يخلو : إمَّا أَنْ يرجعَ إلى المعبودِ وذلكَ محالٌ في حقِّهِ تعالى ؛ فإنَّهُ يتقدَّسُ عنِ الأغراضِ والفوائدِ ، بلِ الكفرُ والإيمانُ والطاعةُ والعصيانُ في حقِّهِ تعالى سِیَّانِ . وإمَّا أنْ يرجعَ إلى غرضٍ العبدِ وهوَ أيضاً محالٌ ؛ لأنَّهُ لا غرضَ لهُ في ٤١٣ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات الحالِ ، بلْ يتعبُ بهِ ، وينصرفُ عَنِ الشهواتِ بسببهِ ، وليسَ في المآلِ إلا الثوابُ والعقابُ . ومِن أينَ يعلمُ أنَّ اللهَ تعالى يثيبُ على المعرفةِ والطاعةِ ولا يعاقبُ على ذلكَ معَ أنَّ الطاعةَ والمعصيةَ في حقُّهِ يتساويانِ ؛ إذْ ليسَ لهُ إلى أحدِهِما ميلٌ ولا لأحدِهِما بهِ اختصاصٌ ، وإنَّما عُرِفَ تمييزُ ذلكَ بالشرع ؟ ولقدْ زلَّ مَنْ أَخذَ هذا مِنَ المقايسةِ بينَ الخالقِ والمخلوقِ ، حيثُ يفرِّقُ المخلوقُ بينَ الشكرِ والكفرانِ لما لهُ مِنَ الارتياحِ والاهتزازِ والتلذَّذِ بأحدِهِما دونَ الآخرِ . فإنْ قيلَ : فإذا لمْ يجبِ النظرُ والمعرفةُ إلا بالشرع ، والشرعُ لا يستقرُ ما لمْ ينظُرِ المكلَّفُ فيهِ ، فإذا قالَ المكلَّفُ للنبيِّ: إنَّ العقلَ ليسَ يُوجِبُ عليَّ النظرَ، والشرعُ لا يثبتُ عندِي إلَّ بالنظرِ ، ولستُ أقدمُ على النظرِ .. أدَّىُ ذلكَ إلى إفحامِ الرسولِ . قلنا : هذا يضاهي قولَ القائلِ للواقفِ في موضعٍ مِنَ المواضع : إنَّ وراءَكَ سَبعاً ضارياً ، فإنْ لمْ تنزعجْ عنِ المكانِ .. قتلَكَ، وإنِ التفتَّ وراءَكَ ونظرتَ .. عرفتَ صدقي ، فيقولُ الواقفُ: لا يثبتُ صدقُكَ ما لمْ ألتفتْ ورائي ، ولا ألتفتُ ورائي ولا أنظرُ ما لمْ يثبتْ صدقُكَ ، فيدلُّ هذا على حماقةِ هذا القائلِ وتهدُّفِهِ للهلاكِ ، ولا ضررَ فيهِ على الهادي المرشدِ . ٤١٤ ٦٠٠٠ ٨ حسنعاف ربع العبادات كتاب قواعد العقائد فكذلكَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : إنَّ وراءَكُمُ الموتَ ، ودونَةُ السباعُ الضاريةُ والنيرانُ المحرقةُ إنْ لمْ تأخذوا منها حذرَكُمْ ، وتعرفوا لي صدقي بالالتفاتِ إلى معجزتي ، فمَنِ التفتَ .. عرفَ واحترزَ ونجا ، ومَنْ لمْ يلتفتْ وأصرَّ .. هلكَ وتردّى، ولا ضررَ عليَّ إنْ هلكَ الناسُ كلُّهُمْ أجمعونَ ، وإنَّما عليَّ البلاغُ المبينُ . فالشرعُ يعرفُ وجودَ السباع الضاريةِ بعدَ الموتِ ، والعقلُ يفيدُ فهمَ كلامِهِ والإِحاطةَ بإمكانٍ ما يقولُهُ في المستقبلِ ، والطبعُ يستحثُّ على الحذرِ مِنَ الضَّررِ ، ومعنى كونِ الشيءٍ واجباً : أنَّ في تركِهِ ضرراً ، ومعنى كونٍ الشرع مُوجِباً : أنَّهُ معرِّفٌ للضررِ المتوقَّع ؛ فإنَّ العقلَ لا يهدي إلى التهدُّفِ للضررِ بعدَ الموتِ عندَ اتباعِ الشهواتِ . فهذا معنى الشرع والعقلِ وتأثيرِهِما في تقريرِ الواجبِ ، ولولا خوفُ العقابِ على تركِ ما أُمِرَ بهِ .. لمْ يكنِ الوجوبُ ثابتاً ؛ إذْ لا معنى للواجبِ إلا ما يرتبطُ بتركِهِ ضررٌ في الآخرةِ . الأصلُ التاسعُ : أَنَّهُ ليسَ يستحيلُ بعثةُ الأنبياءِ عليهمُ السلامُ : خلافاً للبراهِمَةِ ، حيث قالوا : لا فائدةَ في بعثتِهِمْ ؛ إذْ في العقلِ مندوحةٌ عنهُمْ ؛ لأنَّ العقلَ لا يهدي إلى الأفعالِ المنجيةِ في الآخرةِ كما ٤١٥ کتاب قواعد العقائد ربع العبادات لا يهدي إلى الأدويةِ المفيدةِ للصحّةِ ، فحاجةُ الخلْقِ إلى الأنبياءِ كحاجتِهِمْ إلى الأطبّاءِ(١) ، ولكنْ يُعرفُ صدْقُ الطبيبِ بالتجربةِ ، ويُعرفُ صدقُ النبيِّ بالمعجزةِ . الأصلُ العاشرُ : أَنَّ اللهَ سبحانَهُ قدْ أرسلَ محمَّداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خاتماً للنبيّينَ ، وناسخاً لما قبلَهُ مِنْ شرائعِ اليهودِ والنصارى والصابئينَ : وأيَّدَهُ بالمعجزاتِ الظاهرةِ والآياتِ الباهرةِ ؛ كانشقاقِ القمرِ(٢)، وتسبيح الحصى(٣)، وإنطاقِ العجماءِ(٤)، وما تفجَّرَ مِنْ بينِ أصابعِهِ مِنَ الماءِ (٥) . ومِنْ آيَاتِهِ الظاهرةِ التي تحدَّى بها معَ كافَّةِ العربِ القرآنُ العظيمُ(٦)، فإنَّهُمْ معَ تميُّزِهِمْ بالفصاحةِ والبلاغةِ تهدَّفوا لسبيهِ ونهبهِ وقتلِهِ وإخراجِهِ كما (١) إذ الرسالة سفارة بين الحق تعالى وبين عباده ليزيح بها عللهم فيما قصرت عنه عقولهم . «إتحاف )" (١٩٨/٢). (٢) كما في ((البخاري)) (٣٦٣٧)، ومسلم (٢٨٠٢). (٣) كما روى ذلك الطبراني في ((الأوسط)) ( ٤١٠٩). (٤) كما في حديث الحُمَّرة الذي رواه أبو داوود ( ٢٦٧٥ ). كن (٥) كما في ((البخاري)) (٣٥٧٢)، ومسلم (٢٢٧٩). حن (٦) تحدّى بها : أي جارى بها وعارض ، وأصل التحدي طلب المباراة في الحداء بالإبل ، ثم توسع فيه فأطلق على طلب المعارضة بالمثل في أي أمر كان. (( إتحاف)) (٢٠٩/٢ ) . ٤١٦ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد أخبرَ اللهُ عزَّ وجلَّ عنهُمْ ، ولمْ يقدروا على معارضتِهِ بمثلِهِ ؛ إذْ لمْ يكنْ في قدرةِ البشرِ الجمعُ بينَ جزالةِ القرآنِ ونظمِهِ ، هذا معَ ما فيهِ مِنْ أخبارٍ الأوَّلينَ معَ كونِهِ أَمًِّ غيرَ ممارسٍ للكتْبِ ، والإِنباءِ عَنِ الغيبِ في أمورٍ تحقَّقَ صدقُهُ فيها في الاستقبالِ ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ تُحِلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، وكقولِهِ تعالى: ﴿الَّمَ:لَ غُلِبَتِ الرُّومُ فِيّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنُ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونٌَ ﴾ فِ بِضْعِ سِنِينَ﴾. ووجهُ دلالةِ المعجزةِ على صدْقِ الرسُلِ أنَّ كلَّ ما عجزَ عنهُ البشرُ لمْ يكنْ إلاَّ فعلاً للهِ تعالى ، فمهما كانَ مقروناً بتحدِّي النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. نُزِّلَ منزلةَ قولِهِ : صدقْتَ ، وذلكَ مثلُ القائمِ بينَ يديِ الملكِ المدَّعِي على رعيتِهِ أنَّهُ رسولُ الملكِ إليهِمْ، فإنَّهُ مهما قالَ للملكِ : إنْ كنتُ صادقاً .. فقمْ على سريرِكَ ثلاثاً واقعدْ على خلافِ عادتِكَ ، ففعلَ الملكُ ذلكَ ؛ حصلَ للحاضرينَ علمٌ ضروريٍّ بأنَّ ذلكَ نازلٌ منزلةَ قولِهِ : صدقتَ . --- - ۔۔ ـن؟ ٤١٧ ـحر كتاب قواعد العقائد ربع العبادات الركن الرابع: التمعيّات، وتصديقٌ صلى الله عليه وسلم في أخبر عن ومداره على عشرة أصول الأصلُ الأوَّلُ : الحشرُ والنشرُ : وقدْ وردَ بهما الشرعُ، وهوَ حقٌّ ، والتصديقُ بهما واجبٌ ؛ لأنَّهُ في العقلِ ممكنٌ . ومعناهُ : الإعادةُ بعدَ الإفناءِ ، وذلكَ مقدورٌ للهِ تعالى ؛ كابتداءِ الإنشاءِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿قَالَ مَن يُحِى الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِبِهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فاستدلَّ بالابتداءِ على الإعادةِ . وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾، والإعادةُ ابتداءٌ ثانٍ ، فهوَ ممكنٌ كالابتداءِ الأوَّلِ . الأصلُ الثاني : سؤالُ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ : وقدْ وردَتْ بهِ الأخبارُ، فيجبُ التصديقُ بهِ؛ لأنَّهُ ممكنٌ ، إذْ ليسَ يستدعي إلا إعادةَ الحياةِ إلى جزءٍ مِنَ الأجزاءِ الذي بهِ فَهْمُ الخطابِ ، وذلكَ ممكنٌ في نفسِهِ ، ولا يدفعُ ذلكَ ما يُشاهدُ مِنْ سكونِ أجزاءِ المَيْتِ وعدم سماعِنا للسؤالِ لهُ ؛ فإنَّ النائمَ ساكنٌ بظاهرِهِ ومدرٌ بباطنِهِ مِنَ الآلام من ٤١٨ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد واللذَّاتِ ما يحسُّ بأثرِهِ عندَ التنُّهِ، وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يسمعُ كلامَ جبريلَ عليهِ السلامُ ويشاهدُهُ ومَنْ حولَهُ لا يسمعونَهُ ولا يرونَهُ(١) ، فلا يحيطونَ بشيْءٍ مِنْ علمِهِ إلا بما شاءَ، فإذا لمْ يخلُقْ لهمُ السمعَ والرؤيةَ .. لمْ يدركوهُ . الأصلُ الثالثُ : عذاب القبرِ (٢): وقدْ وردَ الشرعُ بهِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدَِّلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾(٣) ، واشتهرَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ والسلفِ الصالحينَ الاستعاذةُ مِنْ عذابِ القبرِ(٤) ، وهوَ ممكنٌ ، فيجبُ التصديقُ بهِ ، ولا يمنعُ مِنَ التصديقِ بهِ تفرُّقُ أجزاءِ المَيْتِ في بطونِ السباع وحواصلِ الطيرِ ؛ فإنَّ المدركَ لألمِ العذابِ مِنَ الحيوانِ أجزاءٌ مخصوصةٌ يقدرُ اللهُ تعالى على إعادةِ الإدراكِ إليها . جيــ ٨٠٠ 475 (١) كما في (( البخاري)) (٣٢١٧)، ومسلم (٢٤٤٧). (٢) وهو عذاب البرزخ، وأضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا .. فكل ميت أراد الله تعذيبه ناله ما أراده قُبرَ أو لم يقبر، ومحله الروح والبدن جميعاً باتفاق. («إتحاف)) (٣٧/٢). (٣) وقال تعالى في قوم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿مِمَّا خَطِيّئِمْ أُغْرِقُواْ فَأُنْ خِلُواْ نَارًا﴾، والفاء للتعقيب من غير مهلة. («إتحاف)) (٢١٨/٢). (٤) روى مسلم (٢٨٦٧) مرفوعاً: ((تعوذوا بالله من عذاب القبر))، قالوا : نعوذ بالله من عذاب القبر . مجـ ٤١٩ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات الأصلُ الرابعُ : الميزانُ : وهوَ حقٌّ(١)، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ﴾ الآيةَ . ووجهُهُ : أَنَّ اللهَ تعالى يحدثُ في صحائفِ الأعمالِ وزناً بحسَبِ درجاتِ الأعمالِ عندَ اللهِ تعالى ، فتصيرُ مقاديرُ أعمالِ العبادِ معلومةً للعبادِ ، حتَّى يظهرَ لهُمُ العدلُ في العقابِ ، أوِ الفضلُ في العفْوِ وتضعيفِ الثوابِ . فيم - الأصلُ الخامسُ : الصراطُ : وهوَ جسرٌ ممدودٌ على متْنِ جهنَّمَ ، أدقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأحدٌ مِنَ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ السيفِ(٢)، قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الَْحِيمِ قَسْئُولُونَ﴾ . وهذا ممكنٌ ، فيجبُ التصديقُ بهِ ؛ فإنَّ القادرَ على أنْ يطيِّرَ الطيرَ في الهواءِ قادرٌ على أنْ يسيَِّ الإِنسانَ على الصراطِ(٣). (١) فلا يجوز العدول إلى تأويله كما فعلت المعتزلة ، إذ قالت : هو كناية عن العدل. (٢) كما في ((مسلم)) (١٨٣) من قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . (٣) وقد ذكر المصنف رحمه الله تعالى في عقيدته الصغرى المتقدمة الحوض، ولم يذكره هنا. مسم ٤٢٠