النص المفهرس
صفحات 381-400
ربع العبادات كتاب قواعد العقائد الفَصْلُ الثَّالِثُ مَنْ كِتَّابِ قَوَاعِدِ العَقَائِدِ في لوامع الأولّة للعقيدة التي ترجمنا حاء الرسالة القديمية: فنقولُ : 3 3 ١٠ الحمدُ للهِ الذي ميَّزَ عصابةَ السنَّةِ بأنوارِ اليقينِ ، وآثرَ رهْطَ الحقِّ بالهدايةِ إلى دعائمِ الدينِ ، وجنّبَهُمْ زيغَ الزائغينَ وضلالَ الملحدينَ ، ووفَّقَهُمْ للاقتداءِ بسيِّدِ المرسلينَ ، وسدّدَهُمْ للتأسِّي بصحبِهِ الأكرمينَ ، ويسَّرَ لهمُ اقتفاءَ آثارِ السلفِ الصالحينَ ، حتَّى اعتصموا مِنْ مقتضياتِ العقولِ بالحبْلِ المتينِ ، ومِنْ سيِرِ الأوَّلِينَ وعقائِهِمْ بالمنهجِ المبينِ ، فجمعوا في القبولِ بينَ نتائج العقولِ وقضايا الشرع المنقولِ، وتحقَّقوا أنَّ النطقَ بما تُعبِّدُوا بهِ مِنْ قولِ: ( لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ ) ليسَ لهُ طائلٌ ولا محصولٌ إنْ لمْ تتحقَّقِ الإحاطةُ بما تدورُ عليهِ هذهِ الشهادةُ مِنَ الأقطابِ والأصولِ ، وعرفوا أنَّ كلمتي الشهادةِ على إيجازِها تتضمَّنُ إثباتَ ذاتِ الإلهِ ، وإثباتَ صفاتِهِ ، وإثباتَ أفعالِهِ ، وإثباتَ صدْقِ الرسولِ ، فعلموا أنَّ بناءَ الإيمانِ على هذهِ الأركانِ يدورُ ، وهيَ أربعةٌ ، ويدورُ كلُّ ركنٍ منها على عشرةِ أصولٍ : الركنُ الأوَلُ : في معرفةِ ذاتِ اللهِ تعالى : ومدارُهُ على عشرةِ أصولٍ ؛ ٣٨١ 75) كتاب قواعد العقائد ربع العبادات وهيَ : العلمُ بوجودِ اللهِ سبحانَهُ ، وقدمِهِ ، وبقائِهِ ، وأنَّهُ ليسَ بجوهرٍ ، ولا جسمٍ ، ولا عَرَضٍ ، وأنَّهُ سبحانَهُ ليسَ مختصّاً بجهةٍ ، ولا مستقرّاً على مكانٍ ، وأنَّه سبحانَهُ مرئيٍّ، وأنَّهُ واحدٌ . لم الركنُ الثاني : في صفاتِهِ سبحانَهُ : ويشتملُ على عشرةِ أصولٍ ؛ وهي : العلمُ بكونِهِ حيّاً ، عالماً، قادراً ، مريداً، سميعاً، بصيراً ، متكلِّماً ، منزَّهاً عنْ حلولِ الحوادثِ ، وأَنَّهُ قديمُ الكلامِ ، والعلمِ ، والإرادةِ(١). الركنُ الثالثُ : في أفعالِهِ تعالى : ومدارُهُ على عشرةِ أصولٍ ؛ وهيَ : أنَّ أفعالَ العبادِ مخلوقةٌ لهِ تعالى، وأنَّها مكتسبةٌ للعبادِ ، وأنَّها مرادةٌ للهِ تعالى ، وأنَّهُ متفضِّلٌ بالخلْقِ والاختراع ، وأنَّ لهُ تعالى تكليفَ ما لا يُطاقُ، وأنَّ لهُ إيلامَ البريءٍ ، ولا يجبُ عليهِ رعايةُ الأصلح ، وأنَّهُ لا واجبَ إلا بالشرع، وأنَّ بعثَهُ الأنبياءَ جائزٌ ، وأنَّ نبؤَّةَ نبيِّنا محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثابتةٌ مؤيّدةٌ بالمعجزاتِ . الركنُ الرابعُ : في السمعياتِ : ومدارُهُ على عشرةِ أصولٍ ؛ وهيَ : إثباتُ الحشرِ والنشرِ ، وعذابِ القبرِ ، وسؤالِ منكَرٍ ونكيرٍ ، والميزانِ ، والصراطِ ، وخلْقِ الجنَّةِ والنارِ ، وأحكام الإمام ، وأنَّ فضلَ الصحابةِ على حسبٍ تقديمهِمْ وترتيبهِمْ، وشروطِ الإمامةِ، وأنَّهُ لو تعذّرَ وجودُ الورع والعلمِ .. حكِمَ بانعقادِها . (١) قوله: ( منزّهاً عن حلول الحوادث) قيد مستفاد من الركن الأول ، وهو غير معدود في هذه الأصول ؛ إذ هو من صفات السُّلُوب . ٣٨٢ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد الركن الأوّل من أركان الإيمان: في معرفة ذات الله سبحانه وتعالى وأن الله تعالى واحد ومداره على عشرة أصول الأصلُ الأولُ : معرفةُ وجودِهِ تعالى : وأولى ما يُستضاءُ بهِ مِنَ الأنوارِ ، ويُسلكُ مِنْ طريقِ الاعتبارِ .. ما أرشدَ إليهِ القرآنُ ، فليسَ بعدَ بيانِ اللهِ سبحانَهُ بيانٌ ، وقدْ قالَ تعالى : ﴿أَلَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا وَاَلْجِبَالَ أَوْتَادًا : وَخَلَقْتَكُمْأَزْوَجَا .. وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا ﴾: وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴿ وَبَنَّيْنَا فَوْقَّكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ٢٤. وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا ﴿ وَأَنَزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءُ تَجَّاجًا : لِمُخْرِجَ بِهِ، حَبَّا وَنَبَاتًا .. وَجَنَّتٍ أَلْفَافًا﴾﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَّخْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَمَاءِ مِن ◌َآءٍ فَأَخْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . وقالَ تعالى: ﴿أَلَمَ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتِ طِبَاقًا:﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴾ وَاَللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِّنَ اْأَرْضِ نَبَانًا (َ: ثُمَّ يُعِيذُ كُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ . ٣٨٣ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات ءَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ﴾ إلى قولِهِ وقال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ تعالى: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾. فليسَ يخفى على مَنْ معَهُ أدنىُ مُسْكةٍ منْ عقلٍ إذا تأمَّلَ بأدنىُ فكرَةٍ مضمونَ هذهِ الآياتِ ، وأدارَ نظرَهُ على عجائبٍ خلْقِ اللهِ في الأرضِ والسماواتِ ، وبدائع فطرةِ الحيوانِ والنباتِ .. أنَّ هذا الأمرَ العجيبَ والترتيبَ المحكمَ لا يستغني عنْ صانعٍ يدبِّرُهُ ، وفاعلٍ يُحْكِمُهُ ويقدِّرُهُ ، بلْ تكادُ فطرةُ النفوس تشهدُ بكونِها مقهورةً تحتَ تسخيرِهِ ، ومصرَّفَةً بمقتضى تدبيرِهِ ؛ ولذلكَ قالَ الله تعالى: ﴿أَفِ اللَّهِ سَلَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. ولهذا بُعِثَ الأنبياءُ صلواتُ اللهِ عليهِمْ لدعوةِ الخَلْقِ إلى التوحيدِ ليقولوا : ( لا إلهَ إلا اللهُ)، وما أمروا أنْ يقولوا: ( لنا إلهٌ وللعالمِ إلهٌ) ؛ فإنَّ ذلكَ كانَ مجبولاً في فطرةِ عقولِهِمْ مِنْ مبدأٍ نشوئِهِمْ وفي عنفوانٍ شبابِهِمْ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا فِظْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْفَيِّمُ﴾. فإذاً ؛ في فطرةِ الإنسانِ وشواهدِ القرآنِ ما يغني عنْ إقامةِ البرهانِ ، ولكنَّا على سبيلِ الاستظهارِ والاقتداءِ بالعلماءِ النظَّارِ نقولُ: مِنْ بدائِهِ العقولِ أنَّ الحادثَ لا يستغني في حدوثِهِ عنْ سببٍ يحدثُهُ ، والعالمُ حادثٌ ، فإذاً لا يستغني في حدوثِهِ عنْ سببٍ . ٣٨٤ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد أمَّا قولُنا: ( الحادثُ لا يستغني في حدوثِهِ عنْ سببٍ) .. فجليّ؛ فإنَّ كلَّ حادثٍ فهوَ مختصٌ بوقتٍ يجوزُ في العقلِ تقديرُ تقدُّمِهِ وتأخّرِهِ ، فاختصاصُهُ بوقتِهِ دونَ ما قبلَهُ وما بعدَهُ يفتقرُ بالضرورةِ إلى المخصِّصِ . وأمَّا قولُنا : ( العالمُ حادثٌ) .. فبرهانُهُ : أنَّ أجسامَ العالمٍ لا تخلو عنِ الحركةِ والسكونِ ، وهما حادثانِ ، وما لا يخلو عنِ الحوادثِ فهوَ حادثٌ ، ففي هذا البرهانِ ثلاثُ دعاوى : مٹں الأولىُ : ( أنَّ الأجسامَ لا تخلو عنِ الحركةِ والسكونِ ) ، وهذهِ مدركةٌ بالبديهةِ والاضطرارِ ، فلا يُحتاجُ فيها إلى تأمُّلٍ وافتكارٍ ؛ فإنَّ مَنْ عقلَ جسماً لا ساكناً ولا متحرِّكاً .. كانَ لمتنِ الجهلِ راكباً ، وعنْ نهْجِ العقلِ ناكباً . الثانيةُ: قولُنا : ( إنَّهُما حادثانِ )، ويدلُّ على ذلكَ تعاقبُهُما ووجودُ البعضِ منهما بعدَ البعضِ ، وذلكَ مشاهدٌ في جميع الأجسام ما شُوهدَ منها وما لمْ يُشاهدْ ، فما مِنْ ساكنٍ إلا والعقلُ قاضٍ بجوازٍ حركتِهِ ، وما مِنْ متحرِّكٍ إلا والعقلُ قاضٍ بجوازٍ سكونِهِ ، فالطارئُ منهُما حادثٌ لطريانِهِ ، والسابقُ حادثٌ لعدمِهِ؛ لأنَّهُ لوْ ثبتَ قدمُهُ .. لاستحالَ عدمُهُ ، على ما سيأتي بيانُهُ وبرهانُهُ في إثباتٍ بقاءِ الصانع تعالى وتقدَّسَ . .92 الثالثةُ: قولُنا: ( ما لا يخلو عنِ الحوادثِ فهوَ حادثٌ) وبرهانُهُ : أنَّهُ لوْ لمْ يكنْ كذلكَ .. لكانَ قبلَ كلِّ حادثٍ حوادثُ لا أوَّلَ لها ، وما لمْ تنقضٍ تلكَ الحوادثُ بجملتِها لا تنتهي النوبةُ إلى وجودِ الحادثِ الحاضرِ في ٣٨٥ ـن شن حن كتاب قواعد العقائد ١٠٠ ربع العبادات الحالِ ، وانقضاءُ ما لا نهايةً لهُ محالٌ . ولأنَّهُ لوْ كانَ للفلكِ دوراتٌ لا نهايةَ لها .. لكانَ لا يخلو عددُها مِنْ أنْ تكونَ : شفعاً ، أوْ وتراً ، أوْ شفعاً ووتراً جميعاً ، أوْ لا شفعاً ولا وتراً . ومحالٌ أنْ تكونَ شفعاً ووتراً جميعاً ، أوْ لا شفعاً ولا وتراً ؛ فإنَّ ذلكَ جمعٌ بينَ النفي والإثباتِ ؛ إذْ في إثباتِ أحدِهِما نفيُ الآخرِ ، وفي نفي أحدِهِما إثباتُ الآخرِ . ومحالٌ أنْ يكونَ شفعاً؛ لأنَّ الشفْعَ يصيرُ وتراً بزيادةٍ واحدٍ ، فكيفَ يعوزُ ما لا نهايةَ لهُ واحدٌ ؟! ومحالٌ أنْ يكونَ وتراً ؛ إذْ الوترُ يصيرُ شفعاً بزيادةٍ واحدٍ ، فكيفَ يعوزُها واحدٌ معَ أنَّهُ لا نهايةَ لأعدادِها ؟! فحصلَ مِنْ هذا أنَّ العالمَ لا يخلو عنِ الحوادثِ ؛ وما لا يخلُو عنٍ الحوادثِ .. فهوَ إذاً حادثٌ، وإذا ثبتَ حدوثُهُ .. كانَ افتقارُهُ إلى المحدِثِ منَ المدركاتِ بالضرورةِ(١) . الأصلُ الثاني : العلمُ بأنَّ الباريَ تعالى قديمٌ لمْ يزلْ ، أزليٌّ ليسَ لوجودِهِ أؤَلٌ ، بلْ هوَ أوَلُ كلِّ شيءٍ ، وقبلَ كلِّ ميْتٍ وحيّ : (١) الاقتصاد (ص٩٩)، تهافت الفلاسفة (ص٩٩)، وفيه الرد على من ادَّعى أن اللامتناهي لا يوصف بشفع ووتر . ٣٨٦ ربع العبادات سجز كتاب قواعد العقائد وبرهانُهُ : أنَّهُ لوْ كانَ حادثاً ولمْ يكنْ قديماً .. لافتقرَ هوَ أيضاً إلى محدِثٍ ، وافتقرَ محدثُهُ إلى محدِثٍ ، وتسلسلَ ذلكَ إلى غيرِ نهايةٍ ، وما تسلسلَ .. لمْ يتحصَّلْ، أوْ ينتهي إلى محدثٍ قديمِ هوَ الأوَّلُ ، وذلكَ هوَ المطلوبُ الذي سميناهُ صانعَ العالمٍ وبارِئَهُ ومحدِثَةً ومبدِئَهُ(١) . الأصلُ الثالثُ : العلمُ بأنَّهُ تعالى - معَ كونِهِ أزلياً - أبديٌّ ليسَ لوجودِهِ آخِرٌ : فهوَ الأوَّلُ والآخرُ ، والظاهرُ والباطنُ؛ لأنَّ ما ثبتَ قدمُهُ .. استحالَ عدمُهُ . وبرهانُهُ : أنَّهُ لوِ انعدمَ .. لكانَ لا يخلو: إمَّا أنْ ينعدمَ بنفسِهِ ، أَوْ بمعدِمِ یضادُّهُ . ولوْ جازَ أنْ ينعدِمَ شيءٌ يُتصوَّرُ دوامُهُ بنفسِهِ .. لجازَ أنْ يوجدَ شيءٌ يُصوَّرُ عدمُهُ بنفسِهِ ، فكما يحتاجُ طريانُ الوجودِ إلى سببٍ .. فكذا يحتاجُ طريانُ العدم إلى سببٍ . وباطلٌ أنْ ينعدِمَ بمعدِم يضادُّهُ ؛ لأنَّ ذلكَ المعدِمَ لوْ كانَ قديماً .. لما (١) قال المؤلف في ((الاقتصاد)) (ص١٠٢): (ولا نعني بقولنا: ((قديم)) إلا أن وجوده غير مسبوق بعدم ، فليس تحت لفظ (( القديم)) إلا إثبات موجود ، ونفي عدم سابق ، فلا تظننَّ أن القدم معنىً زائد على ذات القديم ، فيلزمك أن تقول : ذلك المعنى أيضاً قديم بقدم زائد عليه ، ويتسلسل إلى غير نهاية ) . ٣٨٧ - ١ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات تُصُوِّرَ الوجودُ معَهُ(١) ، وقدْ ظهرَ بالأصلينِ السابقينِ وجودُهُ وقدمُهُ ، فكيفَ كانَ وجودُهُ في القدم ومعَهُ ضدُّهُ ؟! وإنْ كانَ الضدُّ المعدِمُ حادثاً .. كانَ محالاً؛ إذْ ليسَ الحادثُ في مضادَّتِهِ للقديمِ حتَّى يقطعَ وجودَهُ بأولىُ مِنَ القديمِ في مضائَّتِهِ للحادثِ حتَّى يدفعَ وجودَهُ ، بلِ الدفعُ أهونُ مِنَ القطع ، والقديمُ أولى مِنَ الحادثِ . الأصلُ الرابعُ : العلمُ بأنَّهُ تعالىٌ ليسَ بجوهرٍ يتحيّزُ ، بلْ يتعالى ويتقدَّسُ عنْ مناسبةِ الحِّزِ : وبرهانُهُ : أنَّ كلَّ جوهرٍ متحيٍِّ فهوَ مختصٌّ بحيِّرِهِ ، ولا يخلو مِنْ أنْ يكونَ ساكناً فيهِ ، أوْ متحرِّكاً عنهُ ، فلا يخلو عنِ الحركةِ أوِ السكونِ ، وهما حادثانٍ ، وما لا يخلو عنِ الحوادثِ فهوَ حادثٌ، ولوْ تُصُوِّرَ جوهرٌ متحيٌِّ قديمٌ .. لكانَ يعقلُ قدمُ جواهرِ العالم(٢)؛ فإنْ سمَّاهُ مُسَمِّ جوهراً ولمْ یردْ بهِ المتحيِّرَ .. كانَ مخطئاً مِنْ حيثُ اللفظُ، لا منْ حيثُ المعنى(٣). (١) أي : لزم انتفاء وجود الباري تعالى مع ذلك الضد من الابتداء أصلاً؛ لأن التضاد يمنع الاجتماع بين الشيئين اللذين اتصفا به. ((إتحاف)) (٢/ ٩٨). (٢) وهذا باطل لا يتصوّر؛ فالجوهر جائز الوجود ، والجائز لا يكون قديماً؛ لافتقاره إلى موجد يخصصه . (٣) انظر ((الاقتصاد)) (ص ١٠٧). ٣٨٨ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد الأصلُ الخامسُ : العلمُ بأنَّهُ تعالىٌ ليسَ بجسم مؤلّفٍ مِنْ جواهرَ : إذ الجسمُ عبارةٌ عنِ المؤتلفِ مِنَ الجواهرِ ، وإذا بطلَ كونُهُ جوهراً مخصوصاً بحيِّزِ .. بطلَ كونُهُ جسماً ؛ لأنَّ كلَّ جسمٍ فمختصٌّ بحيِّرٍ ومركّبٌ مِنْ جوهرٍ وجوهرٍ ، ويستحيلُ خلوُّهُ عنِ الافتراقِ والاجتماع ، والحركةِ والسكونِ ، والهيئةِ والمقدارِ ، وهذهِ سِماتُ الحدوثِ ، ولوْ جازَ أنْ يُعتقَدَ أنَّ صانعَ العالم جِسمٌ .. لجازَ أنْ تُعتقَدَ الإلهيَّةُ للشمسِ والقمرِ ، أوْ لشيءٍ آخرَ مِنْ أقسام الأجسامِ . فإنْ تجاسرَ متجاسرٌ على تسميتِهِ تعالى جسماً مِنْ غيرِ إرادةِ التأليفِ مِنَ الجواهرِ .. كانَ ذلكَ غلطاً في الاسمِ ، معَ الإِصابةِ في نفىٍ معنى الجسمِ . الأصلُ السادسُ : العلمُ بأنَّهُ تعالى ليسَ بعرضٍ قائم بجسم أوْ حالٌّ في محلٌّ : لأَنَّ العرضَ ما يحلُّ في الجسمِ ، وكلُّ جسمٍ فهوَ حادثٌ لا محالةَ ، ويكونُ محدِثُهُ موجوداً قبلَهُ ، فكيفَ يكونُ حالاً في الجسم وقدْ كانَ موجوداً في الأزلِ وحدَهُ وما معَهُ غيرُهُ ، ثمَّ أحدثَ الأجسامَ والأعراضَ بعدَهُ ؟! ولأنَّهُ عالمٌ قادرٌ مريدٌ خالقٌ كما سيأتي بيانُهُ، وهذهِ الأوصافُ تستحيلُ على الأعراضِ ، بلْ لا تُعقلُ إلا لموجودٍ قائمٍ بنفسِهِ ، مستقلِّ بذاتهِ . وقدْ تحصَّلَ مِنْ هذهِ الأصولِ أنَّهُ موجودٌ قائمٌ بنفسِهِ ، ليسَ بجوهرٍ ٣٨٩ ٹں كتاب قواعد العقائد ٠٠٢٠٢٠ ربع العبادات ولا جسمٍ ولا عرضٍ ، وأنَّ العالمَ كلَّهُ جواهرُ وأعراضٌ وأجسامٌ ، فإذاً ؛ لا يشبهُ شيئاً ولا يشبهُهُ شيءٌ، بلْ هوَ القُّومُ الحيُّ ، الذي ليسَ كمثلِهِ ( ١) شيءٌ(١). وأنَّى يشبهُ المخلوقُ خالقَهُ ، والمقدَّرُ المصوَّرُ مقدِّرَهُ ومصوَّرَهُ ، والأجسامُ والأعراضُ كلُّها مِنْ خلقِهِ وصنعِهِ ؟! فاستحالَ القضاءُ عليها بمماثلتِهِ ومشابهتِهِ . الأصلُ السابعُ : العلمُ بأنَّ اللهَ تعالى منزّهُ الذاتِ عنِ الاختصاصِ بالجهاتِ : فإنَّ الجهةَ : إِمَّا فوقٌ وإمَّا أسفلُ، وإمَّا يمينٌ وإمَّا شمالٌ، أَوْ قدَّامٌ أوْ خلفٌ ، وهذهِ الجهاتُ هوَ الذي خلقَها وأحدثَها بواسطةِ خلْقِ الإنسانِ ؛ إذْ خَلَقَ لهُ طرفينِ : أحدُهُما يعتمدُ على الأرضِ ويسمَّى رِجْلاً، والآخرُ يقابلُهُ ويسمَّى رأساً ، فحدثَ اسمُ الفوقِ لما يلي جهةَ الرأسِ ، واسمُ السفْلِ لما يلي جهةَ الرِّجلِ ، حتَّى إِنَّ النملةَ التي تدبُّ منتكسَةً تحتَ السقفِ تنقلبُ جهةٌ الفوقِ في حقُّها تحتاً وإنْ كانَ في حقِّنا فوقاً . وخلَقَ للإنسانِ اليدينِ وإحداهما أقوىُ مِنَ الأخرى في الغالبِ ، فحدثَ (١) قد علم من هذه الأصول - وهي الرابع والخامس والسادس - مخالفته تعالى للحوادث، وقيامه بنفسه. ((إتحاف)) (١٠١/٢). ٣٩٠ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد اسمُ اليمينِ للأقوى ، والشمالِ لما يقابلُهُ، وتُسمَّى الجهةُ التي تلي اليمينَ يميناً ، والأخرى شمالاً ، وخلقَ لهُ جانبينٍ يبصرُ مِنْ أحدِهما ويتحرَّكُ إليهِ ، فحدثَ اسمُ القدَّام للجهةِ التي يتقدَّمُ إليها بالحركةِ ، واسمُ الخلفِ لما يقابلُهُ . فالجهاتُ حادثةٌ بحدوثِ الإنسانِ ، ولوْ لمْ يُخلَقِ الإنسانُ بهذهِ الخلقةِ ، بلْ خُلِقَ مستديراً كالكرَةِ .. لمْ يكنْ لهذهِ الجهاتِ وجودٌ ألبتةَ ، فكيفَ كانَ في الأزلِ مختصّاً بجهةٍ والجهةُ حادثةٌ ؟! أوْ كيفَ صارَ مختصّاً بجهةٍ بعدَ أنْ لمْ يكنْ ؟ أَبِأَنْ خلقَ العالمَ فوقَهُ ويتعالى عنْ أنْ يكونَ لهُ فوقٌ ؛ إذْ تعالى أنْ يكونَ له رأسٌ، والفوقُ عبارةٌ عمّا يكونُ جهةَ الرأس ، أوْ خَلَقَ العالمَ تحتَهُ وتعالى عَنْ أنْ يكونَ لهُ تحتٌ ؛ إذْ تعالى عَنْ أنْ يكونَ لهُ رِجْلٌ ، والتحتُ عبارةٌ عمَّا يلي جهةَ الرِّجْلِ ، وكلُّ ذلكَ ممَّا يستحيلُ في العقْلِ . ولأنَّ المعقولَ مِنْ كونِهِ مختصّاً بجهةٍ أنَّهُ مختصٌّ بالحيِّزِ اختصاصَ الجواهرِ ، أَوْ مختصٌّ بالجوهرِ اختصاصَ العرضِ ، وقدْ ظهرَ استحالةُ کونِهِ جوهراً أوْ عرضاً ؛ فاستحالَ كونُهُ مختصّاً بالجهةِ . وإنْ أُرِيدَ بالجهةِ غيرُ هذينِ المعنيينِ .. كانَ غلطاً في الاسمِ معَ المساعدةِ على المعنى(١). (١) ولكن ينظر فيه: أيرجع ذلك المعنى إلى تنزيهه سبحانه عما لا يليق بجلاله، فيُخَطَُّ من أراده في مجرد التعبير عنه بالجهة ؛ لإيهامه ما لا يليق ، ولعدم وروده في اللغة ، أو يرجع إلى غيره فيُردُّ قوله صوناً عن الضلالة. ((إتحاف)) (١٠٤/٢). ٣٩١ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات .. + ولأنَّهُ لوْ كانَ فوقَ العالم .. لكانَ محاذياً لهُ، وكلُّ محاذٍ لجسمٍ فإمَّا أنْ يكونَ مثلَهُ أوْ أصغرَ منهُ أوْ أكبرَ ، وكلُّ ذلكَ تقديرٌ يُحوِجُ إلى مقدِّرٍ ، ويتعالى عنهُ الخالقُ الواحدُ المدبِّرُ . فأمَّا رفعُ الأيدي عندَ السؤالِ إلى جهةِ السماءِ .. فهوَ لأنَّها قبلةُ الدعاءِ ، وفيهِ أيضاً إشارةٌ إلى ما هوَ وصْفٌ للمدعوِّ مِنَ الجلالِ والكبرياءِ ، تنبيهاً بقصْدِ جهةِ العلوِّ على صفةِ المجْدِ والعلاءِ ؛ فإنَّهُ تعالى فوقَ كلِّ موجودٍ بالقهْرِ والاستيلاءِ(١). الأصلُ الثامنُ : العلمُ بأنَّهُ تعالى مستوٍ على عرشِهِ بالمعنى الذي أرادَهُ تعالى بالاستواء : وهوَ الذي لا ينافي وصْفَ الكبرياءِ ، ولا يتطرّقُ إليهِ سِماتُ الحدوثِ والفناءِ ، وهوَ الذي أُريدَ بالاستواءِ إلى السماءِ حيثُ قالَ في القرآنِ: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾، وليسَ ذلكَ إلا بطريقِ القهرِ والاستيلاءِ(٢)، كما (١) وانظر للمؤلف رحمه الله لطيفة في سرِّ التوجه بالدعاء إلى السماء في (( الاقتصاد)) ( ص١١٤)، وسبب اختيار المصنف لصفة القهر والاستيلاء بالذات كون هذه الصفة محكية في كتاب الله بحقُّه سبحانه ؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرِ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ . (٢) كما قال المؤلف في (( الاقتصاد)) (ص ١٢٦): ( ولذلك قال بعض السلف - وهو سفيان الثوري رحمه الله تعالى -: أفهم من قوله: ﴿أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ما فُهِمَ من قوله: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ ). ٣٩٢ ربع العبادات 51 كتاب قواعد العقائد قالَ الشاعرُ(١): [من الرجز] قَدِ أُسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِراقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفِ وَدَمِ مِهْراقٍ واضطرّ أهلَ الحقِّ إلى هذا التأويلِ ما اضطَرَّ أهلَ الباطلِ إلى تأويلِ قولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنُتُمْ﴾، إذْ حُمِلَ ذلكَ بالاتفاقِ على الإحاطةِ والعلم، وحُمِلَ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( قلبُ المؤمنِ بينَ إصبعينٍ مِنْ أصابع الرحمنِ ))(٢) على القدرةِ والقَهْرِ، وحُمِلَ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحجرُ الأسودُ يمينُ اللهِ في أرضِهِ)) (٣) على التشريفِ والإكرامِ ؛ لأنَّهُ لوْ تُركَ على ظاهرِهِ .. للزمَ منهُ المحالُ؛ فكذا الاستواءُ لوْ تُركَ على الاستقرارِ والتمكُّنٍ .. لزمَ منهُ كونُ المتمكِّنِ جسماً مماسّاً للعرشِ ، إمَّا مثلَهُ أوْ أكبرَ منهُ أوْ أصغرَ ، وذلكَ محالٌ ، وما يؤدي إلى المحالِ فهوَ محالٌ . الأصلُ التاسعُ : العلمُ بأنَّهُ تعالى معَ كونِهِ منزَّهاً عنِ الصورةِ والمقدارِ مقدَّساً عنِ الجهاتِ والأقطارِ .. مرئيٌّ بالأعينِ والأبصارِ في الدارِ الآخرةِ دارِ القرارِ : لقولهِ تعالى: ﴿وُجُوهُ يُؤَمَيِذٍ نَاضِرَةٌ ◌َُ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾(٤)، ولا يُرى في الدنيا (١) البيت للبعيث المجاشعي، انظر ((الأزمنة والأمكنة)) (٤٩/١)، و(( يتيمة الدهر)) (٢٧٦/٥)، و((مرآة الجنان)) (١٤٨/١). (٢) رواه مسلم (٢٦٥٤) . (٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٥٧/١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٥٦٧) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً . (٤) أي: مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفُلُ عمَّا سواه. ((إتحاف)) (١١٣/٢). قه ٣٩٣ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات تصديقاً لقولهِ تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَرَ﴾، ولقولِهِ تعالى في خطابٍ موسى عليهِ السلامُ: ﴿لَنْ تَرَنِ﴾. وليتَ شعري ؛ كيفَ عرفَ المعتزليُّ مِنْ صفاتِ ربِّ الأربابِ ما جهلَهُ موسى عليهِ السلامُ ؟!(١) أوْ كيفَ سألَ موسى عليهِ السلامُ الرؤيةَ معَ كونِها محالاً ؟! ولعلَّ الجهلَ بذوي البدع والأهواءِ مِنَ الجهلةِ الأغبياءِ أولىُ مِنَ الجهْلِ بالأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهِمْ . وأمَّا وجْهُ إجراءٍ آيةِ الرؤيةِ على الظاهرِ .. فهوَ أنَّهُ غيرُ مؤدٍّ إلى المحالِ ؛ فإنَّ الرؤيةَ نوعُ كَشْفٍ وعلْمٍ ، إلا أنَّهُ أتمُّ وأوضحُ مِنَ العلْمِ (٢)، فإذا جازَ تعلُّقُ العلْمِ بهِ وليسَ في جهةٍ .. جازَ تعلُّقُ الرؤيةِ بهِ وليسَ بجهةٍ ، وكما جازَ أنْ يرى اللهُ تعالى الخلْقَ وليسَ في مقابلتِهِمْ .. جازَ أنْ يراهُ الخلْقُ مِنْ غيرِ مقابلةٍ ، وكما جازَ أنْ يُعلمَ مِنْ غيرِ كيفيَّةٍ وصورةٍ .. جازَ أنْ يُرى كذلكَ مِنْ غيرِ كيفيَّةٍ وصورةٍ . (١) إذْ سؤاله عليه السلام لها دليل على جوازها في حقِّه سبحانه، ويستحيل أن يجهل النبي ما يجوز في حقِّه تعالى وما يستحيل ويعلم ذلك عامة المعتزلة. انظر (( الاقتصاد)) ( ص١٣٨ ) وما بعدها . (٢) يقول ابن أبي الشريف في ((المسامرة)) (ص١٠٣): (إذا نظرنا إلى الشمس مثلاً، فرأيناها ثم أغمضنا العين .. فإنَّا تعلم الشمس عند التغميض علماً جلياً، لكن في الحالة الأولى أمرٌ زائد، وكذا إذا علمنا شيئاً علماً تامّاً جلياً ثم رأيناه .. فإنا ندرك بالبديهة تفرقة بين الحالتين ، وهذا الإدراك المشتمل على الزيادة نسميه الرؤية ) . ٣٩٤ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد الأصلُ العاشرُ : العلمُ بأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ واحدٌ لا شريكَ لهُ ، فردٌ لا نَّ لهُ : انفردَ بالخلْقِ والإبداع ، واستبدَّ بالإيجادِ والاختراع ، لا مثْلَ لهُ يساهمُهُ ويساويهِ ، ولا ضدَّ لهُ فينازعُهُ ويناويهِ . وبرهانُهُ: قولُهُ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾. وبيانُهُ : أنَّهُ لوْ كانا اثنينٍ وأرادَ أحدُهُما أمراً ؛ فالثاني إنْ كانَ مضطراً إلى مساعدتِهِ .. كانَ هذا الثاني مقهوراً عاجزاً ولمْ يكنْ إلهاً قادراً ، وإنْ كانَ قادراً على مخالفتِهِ ومدافعتِهِ .. كانَ الثاني قويّاً قاهراً، والأوَّلُ ضعيفاً قاصراً ، فلمْ يكنْ إلهاً قادراً . ٣٩٥ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات الركن الثاني: العلم بصفات الله تعالى ومداره على عشرة أصول الأصلُ الأوَّلُ : العلمُ بأنَّ صانعَ العالَمِ قادرٌ : وأنَّهُ تعالىُ في قولِهِ: ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ﴾ صادقٌ؛ لأنَّ العالمَ محكمٌ في صنعتِهِ ، مرتَّبٌ في خِلْقَتِهِ ، ومَنْ رأى ثوباً مِنْ ديباجِ حسنَ النسْجِ والتأليفِ ، متناسبَ التطريزِ والتطريفِ ، ثمَّ توهَّمَ صدورَ نسجِهِ مِنْ مَيْتٍ لا استطاعةَ لهُ ، أَوْ إنسانٍ لا قدرةَ لهُ .. كانَ منخلعاً عنْ غريزةِ العقْلِ ، ومنخرطاً في سلّكِ أهلِ الغباوةِ والجهلِ . الأصلُ الثاني : العلمُ بأنَّهُ تعالى عالمٌ بجميعِ الموجوداتِ ، ومحيطٌ بكلِّ المخلوقاتِ : ـحن لا يعزبُ عَنْ علمِهِ مثقالُ ذرَّةٍ في الأرضِ ولا في السماواتِ ، صادقٌ في قولِهِ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾، ومرشدٌ إلى صدقِهِ بقولِهِ تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾ (١)، أرشدَكَ إلى الاستدلالِ بالخلْقِ على العلمِ؛ (١) ومناسبةُ اسم (اللطيف) للعلم كما قال المصنف رحمه الله في (( المقصد الأسنى)) (ص٨٢) : (إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها ، وما دقَّ =. ٣٩٦ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد لأنَّكَ لا تستريبُ في دلالةِ الخلقِ اللطيفِ ، والصنع المزيَّنِ بالترتيبِ ولو في الشيءِ الحقيرِ الضعيفِ .. على علمِ الصانع بكيفيةِ الترتيبِ والترصيفِ ، فما ذكرَهُ اللهُ سبحانَهُ هوَ المنتهى في الهدايةِ والتعريفِ . الأصلُ الثالثُ : العلمُ بكونِهِ عزَّ وجلَّ حيّاً : فإنَّ مَنْ ثبتَ علمُهُ وقدرتُهُ .. ثبتَ بالضرورةِ حياتُهُ، ولوْ تُصُوِّرَ قادرٌ عالمٌ فاعلٌ مدبِّرُ دونَ أنْ يكونَ حيّاً .. لجازَ أنْ يشكَّ في حياةِ الحيواناتِ عندَ تردّدِها في الحركاتِ والسكناتِ ، بلْ في حياةِ أربابِ الحرفِ والصناعاتِ ، وذلكَ انغماسٌ في غمرةِ الجهالاتِ والضلالاتِ . حن من الأصلُ الرابعُ : العلمُ بكونِهِ تعالى مريداً لأفعالِهِ : فلا موجودَ إلا وهوَ مستندٌ إلى مشيئتِهِ ، وصادرٌ عَنْ إرادتِهِ ، فهوَ المبدىءُ المعيدُ ، والفعَّالُ لما يريدُ ، وكيفَ لا يكونُ مريداً وكلُّ فعلٍ صدرَ منهُ أمكنَ أنْ يصدرَ منهُ ضدُّهُ ، وما لا ضدَّ لهُ أمكنَ أنْ يصدرَ منهُ ذلكَ بعینِهِ قبلَهُ أوْ بعدَهُ : والقدرةُ تناسبُ الضدَّينِ والوقتينِ مناسبةً واحدةً ؟! منها وما لطف ، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيلَ الرفق دون العنف ، فإذا = اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك .. تم معنى اللطف ، ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا لله سبحانه وتعالى، فأما إحاطته بالدقائق والخفايا .. فلا يمكن تفصيل ذلك ، بل الخفي مكشوف في علمه كالجلي من غير فرق ... ) . ٣٩٧ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات فلا بدَّ مِنْ إرادةٍ صارفةٍ للقدرةِ إلى أحدِ المقدورينِ ، ولوْ أغنى العلْمُ عنِ الإرادةِ في تخصيصِ المعلوم حتَّى يقالُ: إنَّما وجدَ في الوقتِ الذي سبقَ العلمُ بوجودِهِ .. لجازَ أنْ يغنيَ عنِ القدرةِ حتَّى يُقالُ: وجدَ بغيرِ قدرةٍ ؛ لأنَّهُ سبقَ العلمُ بوجودِهِ فيهِ (١) . الأصلُ الخامسُ : العلمُ بأنَّهُ تعالى سميعٌ بصيرٌ : لا يعزبُ عَنْ رؤيتِهِ هواجسُ الضميرِ وخفايا الوهمِ والتفكيرِ ، ولا يشذَّ عنْ سمعِهِ صوتُ دبيبِ النملةِ السوداءِ في الليلةِ الظلماءِ على الصخرةِ الصمَّاءِ . وكيفَ لا يكونُ سميعاً بصيراً والسمعُ والبصرُ كمالٌ - لا محالةَ - وليسا بنقصٍ ؟! فكيفَ يكونُ المخلوقُ أكملَ مِنَ الخالقِ ، والمصنوعُ أشرفَ وأتمّ منَ الصانع ؟! وكيفَ تعتدلُ القسمةُ مهما وقعَ النقصُ في جَنَّبَتِهِ والكمالُ في خلقِهِ وصنعتِهِ؟!(٢). أَوْ كيفَ تستقيمُ حجَّةُ إبراهيمَ عليهِ السلامُ على أبيهِ إذْ كانَ يعبدُ الأصنامَ (١) وضَّحَ المؤلف رحمه الله الرد على هذه الشبهة في ((الاقتصاد)) (ص١٦٩)، وكذا إمام الحرمين في (( الإرشاد)) ( ص٦٤ ). (٢) الجنبة : الجانب ، والمراد : في حقِّه تعالى. ٣٩٨ ١ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد جهلاً وغيّاً، فقالَ لهُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِىِ عَنْكَ شَيْئًا﴾ ، ولوٍ انقلبَ ذلكَ عليهِ في معبودِهِ .. لأضحتْ حجتُهُ داحضةً ودلالتُهُ ساقطةً ، ولمْ يصدُقْ قولُهُ تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَاَ ءَاتَّيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾؟! وكما عُقْلَ كونُهُ فاعلاً بلا جارحةٍ ، وعالماً بلا قلبٍ ودماغٍ .. فليُعقلْ كونُهُ بصيراً بلا حدقةٍ ، وسميعاً بلا أُذُنٍ ؛ إذْ لا فرقَ بينَهُما . الأصلُ السادسُ : أَنَّهُ تعالىُ متكلِّمٌ بكلامٍ : وهوَ وصفٌ قائمٌ بذاتِهِ ليسَ بصوتٍ ولا حرفٍ ، بلْ لا يشبهُ كلامُهُ كلامَ غيرِهِ ، كما لا يشبهُ وجودُهُ وجودَ غيرِهِ . ٤٦- والكلامُ بالحقيقةِ كلامُ النّفْسِ، وإنَّما الأصواتُ قُطُّعَتْ حروفاً للدلالاتِ عليهِ ؛ كما يُدَلُّ عليهِ تارةً بالحركاتِ والإشاراتِ ، وكيفَ التبسَ هذا على طائفةٍ مِنَ الأغبياءِ ولمْ يلتبسْ على جهلةِ الشعراءِ ، حتّى قالَ قائلُهُمْ (١) : [من الكامل] إِنَّ الْكَلامَ لَفِي الْفُؤادِ وَإِنَّما جُعِلَ اللُّسانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلا ومَنْ لمْ يعقلْهُ عقلُهُ ولا نهاهُ نُهاهُ (٢) عِنْ أنْ يقولَ: لساني حادثٌ ولكنْ (١) نسب البيت إلى الأخطل وليس في (( ديوانه))، ونسب إلى ابن صمصام الرقاش، انظر ((ذيل مرآة الزمان)) (١٨٩/٣)، وانظر ((اتحاف السادة المتقين)) (١٤٦/٢). (٢) نهاه : عقله ، ويستعمل هذا اللفظ جمعاً ومفرداً . ٣٩٩ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات ما يحدثُ فيهِ بقدرتي الحادثةِ قديمٌ .. فاقطعْ عنْ عقلِهِ طمعَكَ، وكُفَّ عنْ خطابِهِ لسانَكَ ، ومَنْ لمْ يفهمْ أنَّ القديمَ عبارةٌ عمَّا ليسَ قبلَهُ شيءٌ ، وأنَّ الباءَ قبلَ السينِ في قولِكَ : باسمِ اللهِ ، فلا يكونُ السينُ المتأخِّرُ عنِ الباءِ قديماً .. فنزِّهْ عنِ الالتفاتِ إليهِ قلبَكَ ، فللهِ سبحانَهُ سرّ في إبعادِ بعضِ العبادِ ، ومنْ يضللِ اللهُ فما لهُ منْ هادٍ . ومنِ استبعدَ أنْ يسمعَ موسى عليهِ السلامُ في الدنيا كلاماً ليسَ بصوتٍ ولا حرفٍ .. فليستنكرْ أنْ يرى في الآخرةِ موجوداً ليسَ بجسمٍ ولا لونٍ . وإنْ عقلَ أنْ يرى ما ليسَ بلونٍ ولا جسمٍ ولا قدْرٍ ولا كمِّيّةٍ وهوَ إلى الآنَ لمْ يَرَ غيرَهُ .. فليعقلْ في حاسَّةِ السمع ما عقلَهُ في حاسَّةِ البصرِ . ال .. وإنْ عقلَ أنْ يكونَ لهُ علمٌ واحدٌ هوَ علمٌ بجميع الموجوداتِ .. فليعقلْ صفةً واحدةً للذاتِ هوَ كلامٌ بجميع ما دلّ عليهِ بالعباراتِ(١) . وإنْ عقلَ كونَ السماواتِ السبع وكونَ الجنَّةِ والنارِ مكتوبةً في ورقةٍ صغيرةٍ ومحفوظةً في مقدارٍ ذرَّةٍ مِنَ القلْبِ ، وأنَّ كلَّ ذلكَ مرئيٍّ في مقدارِ عدسةٍ مِنَ الحدقةِ مِنْ غيرِ أنْ تحلَّ ذاتُ السماواتِ والأرضِ والجنَّةِ والنارِ في الحدقةِ والقلبِ والورقةِ .. فليعقلْ كونَ الكلام مقروءاً بالألسنةِ ، محفوظاً في القلوبِ ، مكتوباً في المصاحفِ ، مِنْ غيرِ حلولِ ذاتِ الكلام فيها ؛ إذْ ئن ـكن (١) أي : من أمر ونهي وإخبار ونحو ذلك . ٤٠٠