النص المفهرس

صفحات 361-380

ربع العبادات
كتاب قواعد العقائد
والثالثةُ : أنْ يكونَ في طبعِهِ الصلاحُ والديانةُ والتقوىُ ، ولا تكونَ
الشهواتُ غالبةٌ عليهِ (١) ؛ فإنَّ الفاسقَ بأدنى شبهةٍ ينخلعُ عنِ الدينِ ؛ فإنَّ
ذلكَ يخُلُّ عنهُ الحجْرَ ويرفعُ السدَّ بينَهُ وبينَ الملاذُّ ، فلا يحرصُ على إزالةِ
الشبهةِ ، بلْ يغتنمُها ليتخلَّصَ منْ أعباءِ التكليفِ ، فيكونُ ما يفسدُهُ مثلُ هذا
المتعلُّم أكثرَ ممَّا يصلحُهُ .
وإذا عرفتَ هذهِ الانقساماتِ .. اتَّضحَ لكَ أنَّ الحجَّةَ المحمودةَ في
الكلام إنَّما هيَ مِنْ جنسِ حججِ القرآنِ منَ الكلماتِ اللطيفةِ المؤثِّرةِ في
القلوبِ ، المقنعةِ للنفوسِ ، دونَ التغلغلِ في التقسيماتِ والتدقيقاتِ التي
لا يفهمُها أكثرُ الناس ، وإذا فهموها .. اعتقدوا أنَّها شعوذةٌ وصنعةٌ تعلَّمَها
صاحبُها للتلبيسِ ، فإذا قابلَهُ مثلُهُ في الصنعةِ .. قاومَهُ .
عشرة
وعرفتَ أنَّ الشافعيَّ وكافةَ السلفِ إنَّما منعوا عنِ الخوضِ فيهِ والتجرُّدِ لهُ
لما فيهِ مِنَ الضررِ الذي نبهْنا عليهِ ، وأنَّ ما نُقُلَ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ
عنهُما مِنْ مناظرةِ الخوارج ، وما نُقُلَ عنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ مِنَ المناظرةِ في
القدَرِ وغيرِهِ .. كانَ مِنَ الكلام الجليِّ الظاهرِ وفي محلِّ الحاجةِ ، وذلكَ
محمودٌ في كلِّ حالٍ .
نعمْ ؛ قدْ تختلفُ الأعصارُ في كثرةِ الحاجةِ وقلَّتِها ، فلا يبعدُ أنْ يختلفَ
الحكمُ لذلكَ .
(١) وفي معنى (الشهوات): التعصبات للمذاهب والمباهاة بالمعارف. ((إتحاف)) (٦٣/٢).
٣٦١

كتاب قواعد العقائد
ربع العبادات
فهذا حكمُ هذهِ العقيدةِ التي تُعبِّدَ الخلقُ بها ، وحكمُ طريقِ النضالِ عنْها
وحفظِها ، فأمَّا إزالةُ الشبهةِ ، وكشفُ الحقائقِ ، ومعرفةُ الأشياءِ على ما هيَ
عليهِ ، ودرْكُ الأسرارِ التي يترجمُها ظاهرُ ألفاظِ هذهِ العقيدةِ .. فلا مفتاحَ لهُ
إلَّ المجاهدةُ ، وقمعُ الشهواتِ ، والإقبالُ بالكلِّيَّةِ على اللهِ تعالى، وملازمةُ
الفكْرِ الصافي عنْ شوائبِ المجادلاتِ ، وهيَ رحمةٌ منَ اللهِ عزَّ وجلَّ تفيضُ
على مَنْ يتعرَّضُ لنفحاتِها بقدْرِ الرزقِ وبحسَبِ التعرُّضِ ، ويقذْرِ قَبولِ المحلِّ
وطهارةِ القلبِ ، وذلكَ البحرُ الذي لا يُدركُ غورُهُ ولا يُبلغُ ساحلُهُ .
مَثْأَلَّةٌ
[هلْ هناكَ عقيدةٌ ظاهرةٌ وعقيدةٌ باطنةٌ ؟]
فإنْ قلتَ : هذا الكلامُ يشيرُ إلى أنَّ هذهِ العلومَ لها ظواهرُ وأسرارٌ ،
وبعضُها جليٍّ يبدو أوَّلاً ، وبعضُها خفيٌّ يتّضحُ بالمجاهدةِ والرياضةِ والطلبِ
الحثيثِ والفكْرِ الصافي والسرِّ الخالي عنْ كلِّ شيءٍ مِنْ أشغالِ الدنيا سوى
المطلوب ، وهذا يكادُ يكونُ مخالفاً للشرع ؛ إذْ ليسَ للشرع ظاهرٌ وباطنٌ ،
وسرٍّ وعلنٌ ، بلِ الظاهرُ والباطنُ والسرُّ والعلنُ واحدٌ ؟
فاعلمْ : أنَّ انقسامَ هذهِ العلوم إلى خفيَّةٍ وجليَّةٍ لا ينكرُها ذو بصيرةٍ ،
وإنَّما ينكرُها القاصرونَ الذينَ تلقَّنوا في أوَّلِ الصبا شيئاً وجَمَدوا عليهِ ، فلمْ
يكنْ لهمْ ترقِّ إلى شأْوِ العلا ، ومقاماتِ العلماءِ والأولياءِ ، وذلكَ ظاهرٌ مِنْ
أدلَّةِ الشرعِ :
٣٦٢

ربع العبادات
كتاب قواعد العقائد
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إِنَّ للقرآنِ ظاهراً وباطناً، وحَدّاً
ومَطلعاً))(١).
وقالَ عليّ رضيَ اللهُ عنهُ وأشارَ إلى صدرِهِ : (إنَّ هُهنا علوماً جمَّةٌ لوْ
وجدتُ لها حملةٌ )(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( نحنُ معاشرَ الأنبياءِ أُمرْنا أنْ نُكلِّمَ الناسَ
على قدْرِ عقولِهِمْ))(٣).
(١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٧٥) بلفظ: (( أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل آية
منها ظهر وبطن))، وهو عند عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٥٨/٣) بلفظ : (والذي
نفسي بيده ؛ ما منه آية إلا ولها ظهر وبطن ، وما فيه حرف إلا وله حد ، ولكل حد
مطلع) من قول الحسن، ولفظ المصنف هنا عند صاحب ((القوت)) (٥١/١).
وقال : ( فنقول : فظهره لأهل العربية ، وباطنه لأهل اليقين ، وحده لأهل الظاهر ،
ومطلعه لأهل الإشراف ، وهم العارفون المحبون ، والخائفون اطلعوا على لطف
المطلع بعد أن خافوا هول المطلع ، فأودعوا السر عند مقام أمين ، وأوقفوا على الخبر
في حال مكين ، فكانوا لديه مقربين ، إذ كانوا به شاهدين ، وقال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((يرى الشاهد ما لا يرى الغائب))، فمن حضر .. شهد، ومن شهد .. وجد ،
ومن وجد .. وحَّد، ومن وحَّد .. عزز، ومن غاب .. عمي ، ومن عمي .. فقد ،
ومن فقد .. نسي، ومن نسي .. فقد نسي، وقد قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا
فَسِيَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُسَى﴾ أي: تركتها فلم تعبأ بها، ولم تنظر إليها ، وهكذا اليوم تترك ،
فلا ينظر إليك برحمة ، ولا تُكلم بلطف ، ولا تزلف بقرب ) .
(٢) أخرجه أبو نعيم في (( الحلية)) (٧٩/١ - ٨٠)، والخطيب في (( تاريخ بغداد))
(٣٧٦/٦)، وانظر ((القوت)) (١٤٢/١-١٤٣)، و(«إتحاف السادة المتقين)) (٤٠٦/١).
(٣) رواه العقيلي في ((الضعفاء)) (١٥٣٤/٤) بلفظ: (( إنا معشر الأنبياء كذلك أمرنا أن
تكلم الناس على قدر عقولهم)»، ومعناه سبق في حديث البخاري (١٢٧) الموقوف
على علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( حدثوا الناس بما يعرفون ... ).
٣٦٣
....

كتاب قواعد العقائد
ربع العبادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما حدَّثَ أحدٌ قوماً بحديثٍ لمْ تبلغْهُ
عقولُهُمْ إلَّ كانَ فتنةٌ عليهِمْ))(١).
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا
الْعَلِمُونَ﴾.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ مِنَ العلمِ كهيئةِ المكنونِ، لا يعلمُهُ إلاَّ
العالمونَ باللهِ تعالى)) الحديثَ إلى آخرِهِ(٢)، كما أوردناهُ في ( كتاب
العلمِ ) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لَوْ تعلمون ما أعلمُ .. لضحكتُمْ قليلاً
ولبكيتُمْ كثيراً)»(٣) .
فليتَ شعري ؛ إنْ لمْ يكنْ ذلكَ سرّاً منعَ مِنْ إفشائِهِ لقصورِ الأفهامِ عنْ
إدراكِهِ ، أَوْ لمعنىَّ آخرَ .. فلمَ لمْ يذكرْهُ لهمْ ولا شكَّ أنَّهُمْ كانوا يصدِّقونَهُ لوْ
ذكرَهُ لهمْ ؟!
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما في قولِهِ عزَّ وجلّ: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ
(١) رواه العقيلي في ((الضعفاء)) (٩٣٧/٣) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
مرفوعاً ، ورواه مسلم في مقدمة ((صحيحه)) (١١/١) موقوفاً على عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه .
(٢) رواه صاحب ((القوت)) (١٧٥/١) معلقاً، وقال الحافظ المنذري في ((الترغيب
والترهيب)) (١٣٥/١): (رواه أبو منصور الديلمي في ((المسند)) [٨٠٢] ،
وأبو عبد الرحمن السلمي في (( الأربعين )) التي له في التصوف ) .
(٣) رواه البخاري (١٠٤٤)، ومسلم ( ٤٢٦) .
٣٦٤

ربع العبادات
كتاب قواعد العقائد
سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾: (لوْ ذكرتُ تفسيرَهُ ..
الرجمتموني)، وفي لفظٍ آخرَ : (لقلتمْ: إنَّهُ كافرٌ)(١).
وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: ( حفظتُ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ وعاءَيْنِ ، أمَّا أحدُهُما .. فبثَثْتُهُ، وأمَّا الآخرُ لو بثَيْتُهُ .. لقُطِعَ هذا
الحلقومُ)(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما فضلَكُمْ أبو بكرٍ بكثرةِ صيامٍ
ولا صلاةٍ ، ولكنْ بسرٍّ وقرَ في صدرِهِ))(٣)، ولا شكّ في أنَّ ذلكَ السرَّ كانَ
متعلِّقاً بقواعدِ الدينِ غيرَ خارجٍ منها ، وما كانَ منْ قواعدِ الدينِ لمْ يكنْ خافياً
بظواهِرِهِ على غيرِهِ (٤).
١٠٠
وقالَ سهلٌ التستريُّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( للعالمِ ثلاثةُ علومٍ : علمٌ ظاهرٌ
يبذلُهُ لأهلِ الظاهرِ ، وعلمٌ باطنٌ لا يسعُهُ إظهارُهُ إلَّ لأهلِهِ ، وعلمٌ هوَ بينَهُ
وبينَ اللهِ تعالى لا يظهرُهُ لأحدٍ )(٥).
(١) رواه ابن الضريس في ((فضائل القرآن)) (٣)، وابن جرير الطبري في (( تفسيره))
(١٨٨/١٤) بنحوه، وبلفظه في ((قوت القلوب)) (٢٥٣/١).
(٢) صحيح البخاري ( ١٢٠).
(٣) رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (١١٨)، وأبو داوود في ((الزهد)) (٣٧)،
والحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ٣١)، و((ختم الأولياء)) ( ص ٤٤٢)
موقوفاً على بكر بن عبد الله المزني .
(٤) أي: من الصحابة رضوان الله عليهم. ((إتحاف)) (٢ / ٦٧ ).
(٥) قوت القلوب (٩٠/٢).
٣٦٥

كتاب قواعد العقائد
ربع العبادات
وقالَ بعضُ العارفينَ : ( إفشاءُ سرِّ الربوبيةِ كفرٌ)(١).
وقالَ بعضُهُمْ: ( للربوبيَّةِ سرٍّ لوْ أُظهرَ .. لبطلتِ النبؤَةُ ، وللنبوَّةِ سٌّ لوْ
كُشْفَ .. لبطلَ العلمُ، وللعلماءِ باللهِ سرٍّ لوْ أظهروهُ .. لبطلتِ الأحكامُ) (٢).
وهذا القائلُ إنْ لمْ يردْ بذلكَ بطلانَ النبوَّةِ في حقِّ الضعفاءِ لقصورِ
فهمِهِمْ .. فما ذكرَهُ ليسَ بحقٌّ، بلِ الصحيحُ أنَّهُ لا تناقضَ فيهِ ، وأنَّ الكاملَ
مَنْ لا يطفىءُ نورُ معرفتِهِ نورَ ورِهِ ، ومدْركُ الورع النبوّةُ .
مَنْأَلَّةٌ
[في وجهِ الاختلافِ بينَ الظاهرِ والباطنِ]
فإنْ قلتَ : فهذهِ الآياتُ والأخبارُ يتطرّقُ إليها تأويلاتٌ، فبيِّنْ لنا كيفيةَ
اختلافِ الظاهرِ والباطنِ ؛ فإنَّ الباطنَ إنْ كانَ مناقضاً للظاهرِ .. ففيهِ إبطالُ
الشرع ، وهوَ قولُ مَنْ قالَ: إنَّ الحقيقةَ خلافُ الشريعةِ ، وهوَ كَفْرٌ ؛ لأنَّ
الشريعةَ عبارةٌ عنِ الظاهرِ ، والحقيقةَ عبارةٌ عنِ الباطنِ ، وإنْ كانَ لا يناقضُهُ
ولا يخالفُهُ .. فهوَ هوَ ، فيزولُ بهِ الانقسامُ، ولا يكونُ للشرع سرٌّ
لا يُفشى ، بلْ يكونُ الخفيُّ والجليُّ واحداً .
(١) قوت القلوب (٩٠/٢)، وبيَّن الإمام الغزالي معناه في ((الإملاء)) (ص٣١).
(٢) قوت القلوب (٩٠/٢)، ونسبه المؤلف في (( الإملاء)) (ص٣٩) لسهل التستري ،
وأجلى معناه فيه .
٣٦٦

ربع العبادات
کتاب قواعد العقائد
فاعلمْ : أنَّ هذا السؤالَ يحرِّكُ خطباً عظيماً، وينجُّ إلى علومِ
المكاشفةِ ، ويخرجُ عنْ مقصودِ علمِ المعاملةِ ، وهوَ غرضُ هـذهِ الكتبِ ؛
فإنَّ العقائدَ التي ذكرناها مِنْ أعمالِ القلوبِ ، وقدْ تُعُبِّدْنا بتلقِّيها بالقبولِ
والتصديقِ بعقْدِ القلبِ عليها ، لا بأنْ يُتوصَّلَ إلى أنْ ينكشفَ لنا حقائقُها ؛
فإنَّ ذلكَ لمْ يُكلَّفْ بهِ كافَّةُ الخلقِ ، ولولا أنَّهُ مِنَ الأعمالِ .. لما أوردْناهُ في
هذا الكتابِ ، ولولا أنَّهُ عملُ ظاهرِ القلبِ لا عملُ باطنِهِ .. لما أوردناه في
الشطرِ الأوَّلِ مِنَ الكتابِ ، وإنَّما الكشفُ الحقيقيُّ هوَ صفةُ سرِّ القلبِ
وباطنِهِ ، ولكنْ إذا انجَرَّ الكلامُ إلى تحريكِ خيالٍ في مناقضةِ الظاهرِ
للباطنِ .. فلا بدَّ منْ كلام وجيزِ في حلِّهِ :
٩٥٠٠٧.
فمنْ قالَ : إنَّ الحقيقةَ تخالفُ الشريعةَ ، أوِ الباطنَ يناقضُ الظاهرَ ..
فهوَ إلى الكفْرِ أقربُ منهُ إلى الإيمانِ(١) ، بلِ الأسرارُ التي يختصُّ المقربونَ
بدرْكِها ، ولا يشاركُهُمُ الأكثرونَ في علمِها ، ويمتنعونَ عنْ إفشائِها إليهِمْ ..
ترجعُ إلى خمسةِ أقسام :
الأوّلُ : أنْ يكونَ الشيءُ في نفسِهِ دقيقاً تكلُّ أكثرُ الأفهامِ عنْ درْكِهِ ،
فيختصُّ بدرْكِهِ الخواصُّ ، وعليهِمْ ألَّ يفشوهُ إلى غيرِ أهلِهِ ؛ إذْ يصيرُ ذلكَ
فتنةٌ عليهِمْ ، حيثُ تقصرُ أفهامُهُمْ عنِ الدرْكِ ، وإخفاءُ سرِّ الروحِ ، وكفتُّ
(١) انظر ((مشكاة الأنوار)) للمصنف (ص ٦١).
٣٦٧
٠ ٠.٠٠
خط

کتاب قواعد العقائد
ربع العبادات
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ بيانِهِ منْ هذا القسم(١)؛ فإنَّ حقيقتَهُ ممَّا
تكلُّ الأفهامُ عنْ درْكِهِ ، وتقصرُ الأوهامُ عنْ تصوُّرِ كنْهِهِ .
ولا تظنَّنَّ أنَّ ذلكَ لمْ يكنْ مكشوفاً لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فإنَّ
مَنْ لمْ يعرفِ الروحَ .. فكأنَّهُ لمْ يعرفْ نفسَهُ ، فكيفَ يعرفُ ربَّهُ سبحانَهُ ؟
ولا يبعدُ أنْ يكونَ ذلكَ مكشوفاً لبعضٍ الأولياءِ والعلماءِ وإنْ لمْ يكونوا
أنبياءَ، ولكنَّهُمْ يتأذَّبونَ بأدَبِ الشرع، فيسكتونَ عمَّا سكتَ عنهُ(٢) ، بلْ في
صفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ مِنَ الخفايا ما تقصرُ أفهامُ الجماهيرِ عنْ درْكِهِ ، ولمْ
يذكرْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ منها إلاَّ الظواهرَ للأفهامِ ؛ مِنَ العلمِ ،
والقدرةِ ، وغيرِهِما ، حتَّى فهمَها الخلقُ بنوع مناسبةٍ توهّموها إلى علمِهِمْ
وقدرتِهِمْ؛ إذْ كانَ لهُمْ مِنَ الأوصافِ ما يُسمَّى علماً وقدرةً ، فيتوهَّمونَ ذلكَ
بنوع مقايسةٍ ، ولوْ ذكرَ مِنْ صفاتِهِ ما ليسَ للخلْقِ ممَّا يناسبُهُ بعضَ المناسبةِ
شيءٌ .. لمْ يفهموهُ، بلْ لذّةُ الجماع إذا ذُكرتْ للصبيِّ أوِ العنينِ لمْ يفهَمْهَا
إلَّ بمناسبةٍ إلى لذَّةِ المطعومِ الذي يدركُهُ، ولا يكونُ ذلكَ فَهْماً على
التحقيقِ ، والمخالفةُ بينَ علمِ اللهِ سبحانَهُ وقدرتِهِ وعلمِ الخلقِ وقدرتِهِمْ أكثرُ
مِنَ المخالفةِ بينَ لذّةِ الجماع والأكلِ .
7.حور
(١) كما في ((البخاري)) (١٢٥)، ومسلم (٢٧٩٤).
(٢) ولم يوجد الاختلاف بين أرباب النقل والعقل في شيء كالاختلاف في ماهية الروح ، ولو
لزمت النفوس حدَّها معترفة بعجزها .. كان ذلك أجدر بها وأولى. ((إتحاف))
( ٢ / ٧٠ ) .
٣٦٨

ربع العبادات
كتاب قواعد العقائد
وبالجملةِ : فلا يدركُ الإنسانُ إلَّ نفسَهُ وصفاتِ نفسِهِ ممَّا هوَ حاضرٌ لهُ
في الحالِ ، أوْ ممَّا كانَ لهُ مِنْ قَبلُ ، ثمَّ بالمقايسةِ إليهِ يفهمُ ذلكَ لغيرِهِ ، ثُمَّ
قدْ يصدقُ بأنَّ بينَهُما تفاوتاً في الشرفِ والكمالِ ، فليسَ في قوَّةِ البشرِ إلاَّ أنْ
يثبتَ اللهِ تعالى ما هوَ ثابتٌ لنفسِهِ ؛ مِنْ الفعلِ ، والعلمِ ، والقدرةِ ،
وغيرِها مِنَ الصفاتِ ، معَ التصديقِ بأنَّ ذلكَ أكملُ وأشرفُ ، فيكونُ معظمُ
تحويمِهِ على صفاتِ نفسِهِ ، لا على ما اختُصَّ الربُّ تعالىُ بهِ منَ
الجلالِ، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا أحصي
ثناءَ عليكَ ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ)) (١) ، وليسَ المعنيُّ بِهِ أَنِّي
أعجزُ عنِ التعبيرِ عمَّا أدركْتُهُ ، بلْ هوَ اعترافٌ بالقصورِ عنْ إدراكِ كْهِ
جلالِهِ .
ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ: ( ما عرفَ اللهَ بالحقيقةِ سوى اللهِ عزَّ وجلَّ ) .
وقالَ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( الحمدُ للهِ الذي لمْ يجعلُ للخلْقِ سبيلاً
إلى معرفتِهِ إلا بالعجزِ عنْ معرفتِهِ)(٢) .
ولنقبضْ عِنانَ الكلام عنْ هذا النمطِ ، ولنرجعْ إلى الغرضِ ، وهوَ أنَّ
أحدَ الأقسام ما تكلُّ الأفهامُ عنْ إدراكهِ ، ومِنْ جملتِهِ الروحُ ، ومِنْ جملتِهِ
بعضُ صفاتِ اللهِ تعالى، ولعلَّ الإشارةَ إلى مثلِهِ في قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ
(١) رواه مسلم ( ٤٨٦).
(٢) الرسالة القشيرية (ص ٤٩٥) .
٣٦٩

كتاب قواعد العقائد
ربع العبادات
وسلَّمَ : ((إنَّ اللهِ سبحانَهُ سبعينَ حجاباً مِنْ نورٍ، لَوْ كشفَها .. لأحرقَتْ
سبحاتُ وجهِهِ كلَّ مَنْ أدركَهُ بصرُهُ ))(١) .
القسمُ الثاني : مِنَ الخفيَّاتِ التي تمتنعُ الأنبياءُ والصدِّيقونَ عنْ ذكرِها :
ما هوَ مفهومٌ في نفسِهِ لا يكلُّ الفهمُ عنهُ، ولكنْ ذكرُهُ يضرُّ بأكثرٍ
المستمعينَ ، ولا يضرُّ بالأنبياءِ والصدِّيقينَ، وسرُّ القدّرِ الذي منعَ أهلُ العلمِ
بهِ عنْ إفشائِهِ مِنْ هذا القسمِ ، ولا يبعدُ أنْ يكونَ ذكرُ بعضِ الحقائقِ مضرّاً
ببعضِ الخلقِ ، كما يضرُّ نورُ الشمسِ بأبصارِ الخفافيشِ ، وكما تضرُّ رياحٌ
الوردِ بالجُعَلِ .
وكيفَ يبعدُ هذا وقولُنا : ( إنَّ الكفرَ والزنا والمعاصيَّ والشرورَ كلَّهُ
بقضاءِ اللهِ تعالى وإرادتِهِ ومشيئتِهِ ) حقٌّ في نفسِهِ ، وقدْ أضرَّ سماعُهُ بقوم ؛ إذْ
أوهمَ ذلكَ عندَهُمْ دلالةً على السفَهِ، ونقيضِ الحكمةِ، والرضا بالقبيحِ والظلمِ؟!
وقدْ ألحدَ ابنُ الراونديِّ وطائفةٌ مِنَ المخذولينَ بمثلِ ذلكَ(٢).
فكذلكَ سرُّ القدَرِ لوْ أُفشيَ .. لأوهمَ عندَ أكثرِ الخلْقِ عجزاً؛ إذْ تقصُرُ
أفهامُهُمْ عنْ إدراكِ ما يزيلُ ذلكَ الوهمَ عنهمْ .
(١) رواه مسلم (١٧٩) بلفظ: ((حجابه النور))، ولفظ: ((سبعين حجاباً)) عند الطبراني
في ((الأوسط)) ( ٦٤٠٣ ).
(٢) وابن الراوندي زنديق مشهور صاحب كتب محشوة بكفرياته وهذيانه ، والطائفة هنا عامة
من أنكر خلق أفعال العباد لله عز وجل .
٣٧٠

ربع العبادات
كتاب قواعد العقائد
ولوْ قالَ قائلٌ : إنَّ القيامةَ لوْ ذُكرَ ميقاتُها وأنَّها بعدَ ألفِ سنةٍ أوْ أكثرَ أَوْ
أقلَّ .. لكانَ مفهوماً ، ولكنْ لمْ يُذكرْ لمصلحةِ العبادِ وخوفاً مِنَ الضررِ ،
فلعلَّ المدَّةَ إليها بعيدةٌ فيطولُ الأمدُ ، وإذا استبطأتِ النفوسُ وقتَ العقابِ ..
قلَّ اكتراثُها ، ولعلَّها كانتْ قريبةً في علم اللهِ سبحانَهُ، ولوْ ذُكرتْ .. لعظمَ
الخوفُ وأعرضَ الناسُ عَنِ الأعمالِ ، وخربتِ الدنيا .
فههذا المعنى لوٍ اتجهَ وصحَّ .. فيكونُ مثالاً لهذا القسمِ .
القسمُ الثالثُ : أنْ يكونَ الشيءُ بحيثُ لوْ ذُكرَ صريحاً .. لفُهمَ ولمْ يكنْ
فيهِ ضررٌ ، ولكنْ يُكنىُ عنهُ على سبيلِ الاستعارةِ والرمْزِ ؛ ليكونَ وقعُهُ في
قلبِ المستمع أغلبَ ، ولهُ مصلحةٌ في أنْ يعظمَ وقُعُ ذلكَ الأمرِ في قلبِهِ ؛
كما لوْ قالَ قائلٌ : ( رأيتُ فلاناً يقلِّدُ الدرَّ في أعناقِ الخنازيرِ ) ، فكنَّى بهِ عنْ
إفشاءِ العلمِ وبثُ الحكمةِ إلى غيرِ أهلِها ، فالمستمعُ قدْ يسبقُ إلى فهمِهِ ظاهرٌ
اللفظِ ، والمحقُّقُ إذا نظرَ وعلمَ أنَّ ذلكَ الإنسانَ لمْ يكنْ معَهُ درِّ ولا كانَ في
موضعِهِ خنزيرٌ .. تفطّنَ لدرْكِ السرِّ والباطنِ، فيتفاوتُ الناسُ بذلكَ، ومِنْ
هذا قولُ الشاعرِ :
[من الكامل]
مُتَقَابِلانِ عَلَى السَّمَاكِ الأَعزلِ (١)
رَجُلانِ خَيّاطٌ وَآخَرُ حائِكٌ
(١) في غير (ب): ( السماء الأول ) ، والشّماك: نجم نير ، وينزله القمر، وهما سماكان
( أعزل ورامح). وانظر ((الإتحاف)) (٧٥/٢).
٣٧١

کتاب قواعد العقائد
ربع العبادات
وَيَخِيطُ صاحِبُهُ ثِيَابَ الْمُقْبِلِ
لا زالَ يَنْسِجُ ذاكَ خِرْقَةَ مُدْبِرٍ
فإنَّهُ عبَّرَ عنْ سببٍ سماويٍّ في الإقبالِ والإدبارِ برجلينِ صانعينِ .
وهذا النوعُ يرجعُ إلى التعبيرِ عنِ المعنى بالصورةِ التي تتضمَّنُ عينَ
المعنى أوْ مثلَهُ، ومنهُ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ المسجدَ لينزوي مِنَ
النخامةِ كما تنزوي الجلدةُ في النَّارِ))(١) ، وأنتَ ترى أنَّ ساحةَ المسجدِ
لا تنقبضُ بالنخامةِ، ومعناهُ أنَّ روحَ المسجدِ كونُهُ معظَّماً ، ورميُّ النخامةِ
فيهِ تحقيرٌ لهُ، فيضادُّ معنى المسجديَّةِ مضادَّةَ النارِ لاتصالِ أجزاءِ الجلدةِ .
وكذلكَ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أما يخشى الذي يرفعُ رأسَهُ قبلَ
الإمام أنْ يحوَّلَ اللهُ رَأْسَهُ رْسَ حمَارٍ؟!))(٢) ، وذلكَ منْ حيثُ الصورةُ لمْ
يكنْ قطُّ ولا يكونُ ، ولكنْ مِنْ حيثُ المعنى هوَ كائنٌ؛ إذْ رأسُ الحمارِ لمْ
يكنْ بحقيقتِهِ للونِهِ وشكلِهِ ، بلْ لخاصِّيتِهِ ، وهيَ البلادةُ والحمقُ ، ومَنْ رفعَ
رأسَهُ قبلَ الإمام .. فقدْ صارَ رأسُهُ رأسَ حمارٍ في معنى البلادةِ والحمقِ ،
وهوَ المقصودُ ، دونَ الشكلِ الذي هوَ قالبُ المعنى ؛ إذْ مِنْ غايةِ الحمقِ أنْ
يجمعَ بينَ الاقتداءِ وبينَ التقدُّم ؛ فإنَّهما متناقضانِ .
وإنَّما يُعرفُ أنَّ هذا السرَّ على خلافِ الظاهرِ ؛ إمَّا بدليلٍ عقليٍّ ، أَوْ
شرعيّ :
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٣٣/١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(٧٥٥٠) من قول أبي هريرة رضي الله عنه .
(٢) رواه البخاري (٦٩١)، ومسلم ( ٤٢٧).
٣٧٢

ربع العبادات
كتاب قواعد العقائد
أمَّا العقليُّ: بأنْ يكونَ حملُهُ على الظاهرِ غيرَ ممكنٍ ؛ كقولِهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: ((قلبُ المؤمنِ بينَ إصبعينٍ مِنْ أصابعِ الرحمنِ)) (١)؛ إذْ لوْ
فتشْنا عنْ قلوبِ المؤمنينَ .. فلمْ نجدْ فيها أصابعَ ، فَعُلمَ أنَّها كنايةٌ عنِ
القدرةِ التي هيَ سرُّ الأصابع وروحُها الخفيُّ ، وكنَّى بالأصابع عنِ القدرةِ ؛
لأنَّ ذلكَ أعظمُ وقعاً في تفهيمِ تمامِ الاقتدارِ .
ومِنْ هذا القبيلِ كنايتُهُ عنِ الاقتدارِ بقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا
أَرَّدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فإنَّ ظاهرَهُ ممتنعٌ؛ إذْ قولُهُ : ( كنْ) إنْ كانَ
خطاباً للشيءٍ قبلَ وجودِهِ .. فهوَ محالٌ؛ إذِ المعدومُ لا يفهمُ الخطابَ حتَّى
يمتثلَ، وإنْ كانَ بعدَ الوجودِ .. فهوَ مستغنِ عنِ التكوينِ ، ولكنْ لمَّا كانتْ
هذهِ الكنايةُ أوقعَ في النفوسِ في تفهيمٍ غايةِ الاقتدارِ .. عدلَ إليها .
وأمَّا المدركُ بالشرع : فهوَ أنْ يكونَ إجراؤُهُ على الظاهرِ ممكناً ، ولكنْ
يُروى أنَّهُ أُرِيدَ بهِ غيرُ الظاهرِ ؛ كما وردَ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿أَنَزَّلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَّهَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الآيةَ، وأنَّ معنى الماءِ ههنا هوَ القرآنُ ،
ومعنى الأوديةِ القلوبُ، وأنَّ بعضَها احتملتْ شيئاً كثيراً ، وبعضَها قليلاً ،
وبعضها لمْ يحتملْ ، والزبدُ مثلُ الكفرِ والنفاقِ ؛ فإنَّهُ وإنْ ظهرَ وطفا على
رأسِ الماءِ .. فإنَّهُ لا يثبتُ ، والهدايةُ التي تنفعُ الناسَ تمكثُ .
وفي هذا القسم تعمَّقَ جماعةٌ ، فأوَّلوا ما وردَ في الآخرةِ مِنَ الميزانِ
(١) رواه مسلم (٢٦٥٤ ) بنحوه .
٣٧٣
1
1

كتاب قواعد العقائد
ربع العبادات
والصراطِ وغيرِهما ، وهوَ بدعةٌ ؛ إذْ لمْ يُنقَلْ ذلكَ بطريقِ الروايةِ ، وإجراؤُهُ
على الظاهرِ غيرُ محالٍ ، فيجبُ إجراؤُهُ على الظاهرِ .
القسمُ الرابعُ : أنْ يدركَ الإنسانُ الشيءَ جملةً، ثمَّ يدركَهُ تفصيلاً
بالتحقيقِ والذوقِ ؛ بأنْ يصيرَ حالاً ملابساً لهُ ، فيتفاوتُ العلمانِ ، ويكونُ
الأوَّلُ كالقشرِ ، والثاني كاللُّبِّ ، والأوَّلُ كالظاهرِ ، والثاني كالباطنِ ،
وذلكَ كما يتمثَّلُ للإنسانِ في عينِهِ شخصٌ في الظلمةِ أوْ على البعْدِ ، فيحصلُ
لهُ نوعُ علمٍ ، فإذا رآهُ بالقرْبِ أوْ بعدَ زوالِ الظلام .. أدركَ تفرقةٌ بينَهُما ،
ولا يكونُ الآخرُ ضدَّ الأوَّلِ ، بلْ هوَ استكمالٌ لهُ .
فكذلكَ في العلمِ والإيمانِ والتصديقِ ؛ إذْ قدْ يصدّقُ الإنسانُ بوجودٍ
العشْقِ والمرض والموتِ قبلَ وقوعِهِ ، ولكنَّ تحقَّقَهُ بهِ عندَ الوقوع أكملُ مِنْ
تحقّقِهِ قبلَ الوقوع ، بلْ للإنسانِ في الشهوةِ والعشْقِ وسائرِ الأحوالِ ثلاثةُ
أحوالٍ متفاوتةٍ وإدراكاتٍ متباينةٍ :
الأوّلُ : تصديقُهُ بوجودِهِ قبلَ وقوعِهِ .
والثاني : عندَ وقوعِهِ .
والثالثُ : بعدَ تصرُّمِهِ ؛ فإنَّ تحقَّقَكَ بالجوع بعدَ زوالِهِ يخالفُ التحقُّقَ
بهِ قبلَ الزوالِ .
٤١٠
فكذلكَ مِنْ علوم الدينِ ما يصيرُ ذوقاً فيكملُ ، فيكونُ ذلكَ كالباطن
٣٧٤

ربع العبادات
کتاب قواعد العقائد
بالإضافةِ إلى ما قبلَ ذلكَ ، ففرْقٌ بينَ علمِ المريضِ بالصحَّةِ وبينَ علمٍ
الصحيحِ بها .
ففي هذهِ الأقسام الأربعةِ تتفاوتُ الخلقُ ، وليسَ في شيءٍ منها باطنٌ
يناقضُ الظاهرَ ، بلْ يتمِّمُهُ ويكمِّلُهُ كما يتمِّمُ اللبُّ القشرَ ، والسلامُ .
القسمُ الخامسُ : أنْ يُعبَّرَ بلسانِ المقالِ عنْ لسانِ الحالِ ، فالقاصرُ الفهمِ
يقفُ على الظاهرِ ويعتقدُهُ نطقاً ، والبصيرُ بالحقائقِ يدركُ السرَّ فيهِ .
وهذا كقولِ القائلِ : قالَ الجدارُ للوَتِدِ : لمَ تشقَّنِي ؟ قالَ : سَلْ مَنْ
يدقُنِي ، فلمْ يتركْني ، وراءِ الحجرَ الذي ورائي(١)، فهذا تعبيرٌ عنْ لسانِ
الحالِ بلسانِ المقالِ .
ومِنْ هذا قولُهُ تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَاً قَالَتَاً أَنَيْنَا
طَبِعِينَ﴾، فالبليدُ يفتقرُ في فهمِهِ إلى أنْ يقدِّرَ لهما حياةً وعقلاً وفهماً
للخطابِ ، وخطاباً هوَ صوتٌ وحرفٌ تسمعُهُ السماءُ والأرضُ ، فتجيبانِ
بحرفٍ وصوتٍ وتقولانِ : أتينا طائعينَ ، والبصيرُ يعلمُ أنَّ ذلكَ لسانُ
الحالِ، وأنَّهُ نبأُ عنْ كونِهِما مسخَّرتينٍ بالضرورةِ ومضطرَّتينِ إلى التسخيرِ .
ومِنْ هذا قولُهُ تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ مِدِهِ ﴾؛ فإنَّ البليدَ يفتقرُ
فيهِ إلى أنْ يقدِّرَ للجمادِ حياةً وعقلاً ونطقاً بصوتٍ وحرفٍ حتَّى يقولَ :
(١) راءٍ: فعل أمر من راءى يرائي؛ أي: انظر. ((إتحاف)) (٧٨/٢).
٣٧٥

كتاب قواعد العقائد
ربع العبادات
سبحانَ اللهِ ؛ ليتحقَّقَ تسبيحَهُ ، والبصيرُ يعلمُ أنَّهُ ما أُرِيدَ بهِ نطقُ اللسانِ ، بَلْ
كونُهُ مسبِّحاً بوجودِهِ ، ومقدِّساً بذاتِهِ ، وشاهداً بوحدانيةِ اللهِ سبحانَهُ ، كما
قيلَ(١) :
[من المتقارب]
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُتُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وكما يُقالُ : هذهِ الصنعةُ المحكمةُ تشهدُ لصانِعِها بحسْنِ التدبيرِ وکمالٍ
العلمِ ، لا بمعنى أنَّها تقولُ : أشهدُ بالقولِ ، ولكنْ بالذاتِ والحالِ ؛
فكذلكَ : ما مِنْ شيءٍ إلَّ وهوَ محتاجٌ في نفسِهِ إلى موجدٍ يوجدُهُ ، ویبقیهِ
ويديمُ أوصافَهُ ويردِّدُهُ في أطوارِهِ ، فهوَ بحاجتِهِ يشهدُ لخالقِهِ بالتقديسِ ،
يدركُ شهادتَهُ ذوو البصائرِ دونَ الجامدينَ على الظواهرِ ، ولذلكَ قَالَ
تعالى: ﴿ وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ .
وأمَّا القاصرونَ .. فلا يفقهونَ أصلاً، وأمَّا المقرَّبونَ والعلماءُ
الراسخونَ .. فلا يفقهونَ كنهَهُ وكمالَهُ ؛ إذْ لكلِّ شيءٍ شهاداتٌ شتَّى على
تقديسِ اللهِ سبحانَهُ وتسبيحِهِ ، ويدركُ كلُّ واحدٍ بقدْرٍ عقلِهِ وبصيرتِهِ ،
وتعدادُ تلكَ الشهاداتِ لا يليقُ بعلْمِ المعاملةِ .
فههذا الفنُّ أيضاً ممَّا يتفاوتُ أربابُ الظواهرِ وأربابُ البصائرِ في علمِهِ ،
وتظهرُ بهِ مفارقةُ الباطنِ للظاهرِ .
(١) البيت لأبي العتاهية في ((ديوانه)) (ص ١٠٤).
٣٧٦

ربع العبادات
كتاب قواعد العقائد
وفي هذا المقام لأربابِ المقاماتِ إسرافٌ واقتصاد :
فِمِنْ مسرفٍ في رفع الظواهرِ انتهى إلى تغييرِ جميع الظواهرِ والبراهينِ أوْ
أكثرِها، حتَّى حملوا قولَهُ تعالى: ﴿ وَتُكَلِّمُنَا أَيَدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم﴾،
وقولَهُ تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ
شَىْءٍ ﴾ ، وكذلكَ المخاطباتُ التي تجري مِنْ منكَرٍ ونَكيرٍ ، وفي الميزانِ
وفي الحسابِ ، ومناظراتِ أهلِ النارِ وأهلِ الجنَّةِ في قولِهِمْ: ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ
عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِأَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ زعموا أنَّ كلَّ ذلكَ لسانُ الحالِ(١).
وغلا آخرونَ في حسْمِ البابِ ، منهمْ أحمدُ ابنُ حنبلٍ ، حتَّى منعَ تأويلَ
قولِهِ : ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، وزعموا أنَّ ذلكَ خطابٌ بحرفٍ وصوتٍ يوجدُ
مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ في كلِّ لحظةٍ بعددِ كَوْنِ كلِّ مكوَّنٍ ، حتَّى سمعتُ بعضَ
أصحابِهِ يقولُ: إنَّهُ حسَمَ بابَ التأويلِ إلا لثلاثةِ ألفاظٍ: قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((الحجرُ الأسودُ يمينُ اللهِ في الأرضِ))(٢)، وقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : (( قلبُ المؤمنِ بينَ إصبعينِ منْ أصابع الرحمنِ))(٣)، وقولِهِ
٨٥٠
٠٢٨
(١) وهم عامة من يحكِّم العقل ويقدمه على النص ، وعلى رأس هؤلاء الفلاسفة الذي غالوا
حتى نفوا حشر الأجساد ، ومنهم ـ على تباين - المعتزلة كما سيبين هذا المصنف بعد
سطور .
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٥٧/١)، والطبراني في (( الأوسط)) ( ٥٦٧) عن
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً ، ورواه موقوفاً على عبد الله بن عباس
رضي الله عنهما عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٩/٥).
(٣) رواه مسلم (٢٦٥٤) .
٣٧٧

كتاب قواعد العقائد
ربع العبادات
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنِّي لأجدُ نفَسَ الرحمنِ مِنْ جانبِ اليمنِ))(١).
ومالَ إلى حسْمِ البابِ أربابُ الظواهرِ .
والظنُّ بأحمدَ ابنِ حنبلٍ أنَّهُ علمَ أنَّ الاستواءَ ليسَ هوَ الاستقرارَ ،
والنزولَ ليسَ هوَ الانتقالَ ، ولكنَّهُ منعَ مِنَ التأويلِ حسْماً للبابِ ، ورعايةً
الصلاحِ الخلْقِ ؛ فإنَّهُ إذا فُتَحَ البابُ .. اتَّسعَ الخرْقُ، وخرجَ الأمرُ عنٍ
الضبطِ، وجاوزَ الاقتصادَ ؛ إذْ حدُّ الاقتصادِ لا ينضبطُ(٢)، ولا بأسَ بهذا
الزجْرِ .
ويشهدُ لهُ سيرةُ السلفِ ؛ فإنَّهُمْ كانوا يقولونَ : أمِرُّوها كما جاءتْ(٣)،
حتَّى قالَ مالكٌ رحمَهُ اللهُ لَمَّا سُئِلَ عنِ الاستواءِ : ( الاستواءُ معلومٌ ،
والكيفيةُ مجهولةٌ ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ عنهُ بدعةٌ)(٤) .
وذهبتْ طائفةٌ إلى الاقتصادِ ، ففتحوا بابَ التأويلِ في كلِّ ما يتعلَّقُ
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٥٢/٧)، وعند أحمد في ((المسند)) (٥٤٠/٢ ):
((نفَس ربكم)) بدل (نفَس الرحمن».
(٢) ولهذا نجد المصنف رحمه الله تعالى ألَّف كتابه النفيس على لطف حجمه ((قانون
التأويل)) .
(٣) روى الحسن بن إسماعيل الضراب في ((مناقب مالك)) من طريق الوليد بن مسلم قال:
سألت مالكاً والأوزاعي وسفيان وليثاً عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية والصورة
والنزول فقالوا: أوردوها كما جاءت. ((إتحاف)) (٨٠/٢).
(٤) رواه اللالكائي عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها في ((اعتقاد أهل السنة))
(٦٦٣)، ثم ذكر قالة مالك رضي الله عنه (٦٦٤)، وانظر مجمل رواياته في (( الدر
المنثور)" (٤٧٣/٣)، و((إتحاف السادة المتقين)) (٨٠/٢).
٣٧٨

ربع العبادات
كتاب قواعد العقائد
بصفاتِ اللهِ تعالى ، وتركوا ما يتعلَّقُ بالآخرةِ على ظواهرِهِ ، ومنعوا التأويلَ
فيهِ ، وهُمُ الأشعريَّةُ .
وزادَ المعتزلةُ عليهمْ حتَّى أوَّلوا مِنْ صفاتِ اللهِ تعالى تعلُّقَ الرؤيةِ بهِ ،
وأوَّلوا كونَهُ سميعاً بصيراً ، وأوَّلوا المعراجَ ، وزعموا أنَّهُ لمْ يكنْ بالجسدِ ،
وأوَّلوا عذابَ القبرِ ، والميزانَ ، والصراطَ ، وجملةٌ منْ أحكام الآخرةِ ،
ولكنْ أقرُّوا بحشرِ الأجسادِ ، وبالجنَّةِ واشتمالِها على المأكولاتِ
والمشموماتِ والمنكوحاتِ والملاذُّ المحسوسةِ ، وبالنارِ واشتمالِها على
جسمٍ محسوسِ محرقٍ يفرِّقُ الجلودَ ويذيبُ الشحومَ .
ومِنْ ترقِّهِمْ إلى هذا الحدِّ زادَ الفلاسفةُ فأوَّلوا كلَّ ما وردَ في الآخرةِ ،
وردُّوهُ إلى آلام عقليَّةٍ وروحانيَّةٍ ، ولذَّاتٍ عقليَّةٍ ، وأنكروا حشرَ الأجسادِ ،
وقالوا ببقاءِ النفوس ، وأنَّها تكونُ إمَّا معذَّبةُ وإمَّا منعَّمةً بعذابٍ ونعيمٍ
لا يُدركُ بالحسِّ، وهؤلاءِ هُمُ المسرفونَ .
وحدُّ الاقتصادِ بينَ هذا الانحلالِ كلِّهِ وبينَ جمودِ الحنابلةِ دقیقٌ غامضٌ،
لا يطَّلعُ عليهِ إلا الموقَّقونَ الذينَ يدركونَ الأمورَ بنورٍ إلهيٍّ لا بالسماعِ.
ويته
ثُمَّ إذا انكشفَتْ لهمْ أسرارُ الأمورِ على ما هيَ عليهِ .. نظروا إلى السمْع
والألفاظِ الواردةِ ؛ فما وافقَ ما شاهدوهُ بنورِ اليقينِ .. قرروهُ ،
و
وما خالفَ .. أوَّلوهُ، فأمَّا مَنْ يأخذُ معرفةَ هذهِ الأمورِ منَ السمعِ
المجرَّدِ .. فلا يستقرُّ لهُ فيها قدمٌ، ولا يتعيَّنُ لهُ موقفٌ، والأليقُ بالمقتصرِ
٣٧٩

كتاب قواعد العقائد
ربع العبادات
على السمع المجرَّدِ مقامُ أحمدَ ابنِ حنبلٍ رحمَهُ اللهُ .
والآنَ فَكَشْفُ الغطاءِ عنْ حدِّ الاقتصادِ في هذهِ الأمورِ داخلٌ في علمٍ
المكاشفةِ ، والقولُ فيهِ يطولُ ، فلا نخوضُ فيهِ ، والغرضُ بيانُ موافقةٍ
الباطنِ للظاهرِ ومخالفتِهِ لهُ، وقدِ انكشفَ بهذهِ الأقسام الخمسةِ .
وإِذْ رأينا أنْ نقتصرَ بكافةِ العوامُّ على ترجمةِ العقيدةِ التي حرَّرْناها ،
وأنَّهِمْ لا يُكلَّفونَ غيرَ ذلكَ في الدرجةِ الأولىُ ، إلاَّ إذا كانَ خوفُ تشويشٍ
الشيوع البدعةِ ، فيرقى في الدرجةِ الثانيةِ إلى عقيدةٍ فيها لوامعُ منَ الأدلَّةِ
مختصرةٌ منْ غيرِ تعمُّقٍ .. فلنوردْ في هذا الكتابِ تلكَ اللوامعَ ، ولنقتصرْ
فيها على ما حرَّرْناهُ لأهلِ القدْسِ(١)، وسميناهُ: ((الرسالةُ القدسيةُ)) في
قواعدِ العقائدِ ، وهيَ مودعةٌ في هذا الفصلِ الثالثِ منْ هذا الكتابِ .
(١) أيامَ سياحةِ المصنف رحمه الله تعالى المشهورة ، وله رحمه الله عدة رسائل مختصرة
أرسلها إلى بلدان شتى ، متضمنة على صريح الاعتقاد والمواعظ والنصائح ، فمنها
رسالة أرسلها إلى الموصل مسماة بالقدسية أيضاً يخاطب فيها بعض المشايخ . انظر
(«إتحاف السادة المتقين)) (٢ /٨٥) .
ميدــ
وقد شرح المصنف رسالته هذه بكتابه الموسوم بـ (( الاقتصاد في الاعتقاد)) مع تقدمه في
التصنيف ، وسايرها كذلك الإمام الكمال بن الهمام على طريقة الماتريدية ، وشرح
((مسايرته)) الكمالُ ابن أبي الشريف في (( المسامرة))، وشرحها الحافظ الزبيدي كذلك
جامعاً بين الطريقتين .
٣٨٠