النص المفهرس
صفحات 321-340
ربع العبادات کتاب العلم بيان تفاوت الناس في العقل قدِ اختلفَ الناسُ في تفاوتِ العقلِ ، ولا معنى للاشتغالِ بنقلِ كلامِ مَنْ قلَّ تحصيلُهُ ، بلِ الأولى والأهمُّ المبادرةُ إلى التصريحِ بالحقِّ . والحقُّ الصريحُ فيهِ أنْ يقالَ : إنَّ التفاوتَ يتطرّقُ إلى الأقسام الأربعةِ سوى القسم الثاني ؛ وهوَ العلمُ الضروريُّ بجوازِ الجائزاتِ واستحالةٍ المستحيلاتِ ؛ فإنَّ مَنْ عرفَ أنَّ الاثنينِ أكثرُ مِنَ الواحدِ .. عرفَ أيضاً استحالةَ كونِ الجسْمِ في مكانينٍ ، وكونِ الشيءِ الواحدِ قديماً حادثاً ، وكذا سائرُ النظائرِ، وكلُّ مَنْ يدركُهُ يدركُهُ إدراكاً محقَّقاً مِنْ غيرِ شكِّ(١)، فأمَّا الأقسامُ الثلاثةُ .. فالتفاوتُ يتطرقُ إليها . أمَّا القسمُ الرابعُ - وهوَ استيلاءُ القوَّةِ على قمْع الشهواتِ - فلا يخفى تفاوتُ الناسِ فيهِ ، بلْ لا يخفى تفاوتُ أحوالِ الشخصِ الواحدِ فیهِ . وهذا التفاوتُ يكونُ تارةً لتفاوتِ الشهوةِ ؛ إذْ قدْ يقدرُ العاقلُ على ترْكِ بعضِ الشهواتِ دونَ بعضٍ ، ولكنْ غيرُ مقصورٍ عليهِ ؛ فإنَّ الشابَّ قدْ يعجَزُ عنْ تركِ الزنا، وإذا كَبِرَ وتمَّ عقلُهُ .. قدرَ عليهِ ، وشهوةُ الرياءِ والرياسةِ تزدادُ قوَّةً بالكِبَرِ لا ضعفاً . وقدْ يكونُ سببُهُ التفاوتَ في العلْمِ المعرِّفِ لغائلةِ تلكَ الشهوةِ ، ولهذا (١) في (ج): (وكل ما يدركه العاقل إدراكاً ... )، وكذا في (( الإتحاف)) (٤٦٥/١). ٣٢١ كتاب العلم ربع العبادات يقدرُ الطبيبُ على الاحتماءِ عنْ بعضِ الأطعمةِ المضرَّةِ ، وقدْ لا يقدرُ مَنْ يساويهِ في العقلِ على ذلكَ إذا لمْ يكنْ طبيباً وإنْ كانَ يعتقدُ على الجملةِ فيهِ مضرّةً ، ولكنْ إذا كانَ علْمُ الطبيبِ أتمَّ .. كانَ خوفُهُ أشدَّ، فيكونُ الخوفُ جنداً للعقلِ ، وعُدَّةَ في قمعِ الشهواتِ وكسرِها ، وكذلكَ يكونُ العالمُ أقدرَ على تركِ المعاصي مِنَ الجاهلِ ؛ لقوَّةٍ علمِهِ بضررِ المعاصي ، وأعني بهِ : العالمَ الحقيقيَّ دونَ أربابِ الطيالسةِ وأصحابِ الهذيانِ . فإنْ كانَ التفاوتُ مِنْ جهةِ الشهوةِ .. لمْ يرجعْ إلى تفاوتِ العقلِ ، وإنْ كانَ مِنْ جهةِ العلمِ .. فقدْ سمَّينا هذا الضربَ مِنَ العلم عقلاً، فإنَّهُ يقوِّي غريزةَ العقلِ ، فيكونُ التفاوتُ فيما رجعتِ التسميةُ إليهِ . وقدْ يكونُ بمجرَّدِ التفاوتِ في غريزةِ العقلِ ؛ فإنَّها إذا قويتْ .. كانَ قمعُها للشهوةِ - لا محالةَ - أشدَّ. وأمَّا القسمُ الثالثُ - وهوَ علومُ التجاربِ - فتفاوتُ الناسِ فيها لا يُنكرُ ؛ فإنَّهِمْ يتفاوتونَ بكثرةِ الإصابةِ وسرعةِ الإدراكِ ، ويكونُ سببُهُ إمَّا تفاوتاً في الغريزةِ ، وإمَّا تفاوتاً في الممارسةِ . فأما الأوَّلُ - وهوَ الأصلُ ، أعني : الغريزةَ - فالتفاوتُ فيهِ لا سبيل إلى جحدِهِ ؛ فإنَّهُ مثلُ نورٍ يشرقُ على النفسِ ويطلعُ صبحُهُ ، ومبادىءُ إشراقِهِ عندَ سنِّ التمييزِ ، ثمَّ لا يزالُ ينمو ويزدادُ نموّاً خفيّاً على التدريج إلى أنْ يتكاملَ بقرْبِ الأربعينَ سنةً . ٣٢٢ ربع العبادات كتاب العلم ومثالُهُ : نورُ الصبْح؛ فإنَّ أوائلَهُ تخفى خفاءً يشقُّ إدراكُهُ، ثمَّ يتدرَّجُ إلى الزيادةِ ، إلى أنْ يكملَ بطلوع قرْصِ الشمسِ . وتفاوتُ نورِ البصيرةِ كتفاوتِ نورِ البصرِ ، فالفرقُ مدركٌ بينَ الأعمشِ وبينَ حادِّ البصرِ ، بلْ سنَّةُ اللهِ عزَّ وجلَّ جاريةٌ في جميع خلقِهِ بالتدريجِ في الإيجادِ ، حتَّى إنَّ غريزةَ الشهوةِ لا تظهرُ في الصبيِّ عندَ البلوغ دفعةً وبغتةً ، بلْ تظهرُ شيئاً شيئاً على التدريج ، وكذا جميعُ القوى والصفاتِ . ومَنْ أنكرَ تفاوتَ الناسِ في هذه الغريزةِ .. فكأنَّهُ منخلعٌ عنْ ربقةٍ العقلِ . ومَنْ ظنَّ أنَّ عقلَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مثلُ عقلِ آحادِ السَّوَاديةِ وأجلافِ البوادي .. فهوَ أخسُّ في نفسِهِ مِنْ آحادِ السواديةِ(١) ، وكيفَ يُنكرُ تفاوتُ الغريزةِ ولولاهُ .. لما اختلفَ تفاوتُ الناسِ فِي فَهْمِ العلومِ ، ولما انقسموا إلى بليدٍ لا يفهَمُ بالتفهيمِ إلا بعدَ تعبٍ طويلٍ مِنَ المعلِّمِ ، وإلى ذَكِيِّ يفهَمُ بأدنى رمْزٍ وإشارةٍ ، وإلى كاملٍ تنبعثُ مِنْ نفسِهِ حقائقُ الأمورِ بدونِ التعليمِ؛ كما قال تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾؟! (١) وأخرج أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦/٤) عن وهب بن منبه قال: (قرأت إحدى وسبعين كتاباً ، فوجدت في جميعها أن الله لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقل محمد صلى الله عليه وسلم إلا كحبة رمل من جميع رمال الدنيا ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلاً وأفضلهم رأياً ) . ((إتحاف)) (١ / ٤٦٧) . والسوادية : أهل الأرياف. ٣٢٣ کتاب العلم ربع العبادات وذلكَ مثلُ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ ؛ إذْ يتَّضحُ لهُمْ في بواطِنِهِمْ أمورٌ غامضةٌ مِنْ غيرِ تعلّم وسماع ، ويُعبَّرُ عنْ ذلكَ بالإلهام ، وعنْ مثلِهِ عبَّرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: ((إِنَّ روحَ القُدُسِ نفثَ فِي رُوْعِي : أحيبْ منْ أحببتَ فإنََّكَ مُفارقُهُ ، وعِشْ ما شئتَ فإنَّكَ ميِّتُ، واعملْ ما شئتَ فإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بهِ ))(١) . وهذا النمطُ مِنْ تعريفِ الملائكةِ للأنبياءِ يخالفُ الوحيَ الصريحَ الذي هوَ سماعُ الصوتِ بحاسَّةِ الأُذُنِ ، ومشاهدةُ المَلَكِ بحاسةِ البصرِ ، ولذلكَ أخبرَ عنْ هذا بالنفثِ في الزُّوعِ . ودرجاتُ الوحي كثيرةٌ ، والخوضُ فيها لا يليقُ بعلْم المعاملةِ ، بلْ هوَ منْ علمِ المكاشفةِ . ولا تظُنَّنَّ أنَّ معرفةَ درجاتِ الوحي تستدعي منصبَ الوحي ؛ إذْ لا يبعدُ أنْ يعرِّفَ الطبيبُ المريضَ درجاتِ الصحَّةِ ، ويَعلَمَ الفاسقُ درجاتِ العدالةِ وإنْ كانَ خالياً عنها ، فالعلمُ شيءٌ ووجودُ المعلومِ شيءٌ آخرُ ، فلا كلُّ مَنْ عرفَ النبوَّةَ والولايةَ كانَ نبياً وولياً ، ولا كلُّ مَنْ عرفَ التقوى والورعَ ودقائقَهُ كانَ تقيّاً . (١) أما لفظ: ((إن روح القدس نفث في روعي)) والذي هو محل الشاهد .. فرواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٢٥/١١)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٦/١٠)، وتتمة الحديث هو عند أبي نعيم في «الحلية)) (٢٠٢/٣)، والبيهقي في (( الشعب)) (١٠٠٥٨ ) . ٣٢٤ ربع العبادات كتاب العلم وانقسامُ الناسِ إلى مَنْ يتنبَّهُ مِنْ نفسِهِ ويفهمُ ، وإلىْ مَنْ لا يفْهَمُ إلا بتنبيهِ وتعليمٍ، وإلىُ مَنْ لا ينفعُهُ التعليمُ أيضاً ولا التنبيهُ .. كانقسام الأرضِ إلى ما يجتمعُ فيهِ الماءُ ويقوى فيتفجَّرُ بنفسِهِ عيوناً ، وإلى ما يحتاجُ إلى الحَفْرِ ليخرجَ في القنواتِ ، وإلى ما لا ينفعُ فيهِ الحَفْرُ وهوَ اليابسُ ، وذلكَ لاختلافِ جواهرِ الأرضِ في صفاتِها ؛ فكذلكَ هذا الاختلافُ في النفوسِ وغريزةِ العقلِ . ويدُّ على تفاوتِ العقْلِ مِنْ جهةِ النقْلِ : ما رُوِيَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سلام رضيَ اللهُ عنهُ سألَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثٍ طويلٍ في آخرِهِ وَصْفُ عِظَم العرْشِ، وأنَّ الملائكةَ قالَتْ: يا ربَّنا؛ هلْ خلقتَ شيئاً أعظمَ مِنَ العرشِ ؟ قالَ : نعمْ ، العقلُ، قالوا : وما بلغَ مِنْ قَدْرِهِ ؟ قالَ : هيهاتَ ؛ لا يحاطُ بعلمِهِ ، هلْ لكمْ علمٌ بعدَدِ الرملِ؟ قالوا: لا ، قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : فإِنِّي خلقتُ العقلَ أصنافاً شتَّى كَعَدَدِ الرَّملِ ، فمِنَ النَّاسِ مَنْ أُعطِيَ حبَّةً ، ومنهمْ منْ أُعطِيَ حبَّتَيْنِ ، ومنهمُ منْ أُعطِيَ الثلاثَ والأربعَ ، ومنهمْ مَنْ أُعطِيَ فَرَقاً ، ومنهمْ منْ أُعطِيَ وَسْقاً ، ومنهمْ منْ أُعطِيَ أكثرَ مِنْ ذلكَ(١). فإنْ قلتَ : فما بالُ أقوام مِنَ المتصوِّفَةِ يذمُّونَ العقلَ والمعقولَ ؟ (١) مختصراً عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ٢٤٢)، وبتمامه من أحاديث ابن المحبر في (( العقل)). انظر ((الإتحاف)) (٤٦٩/١). ٣٢٥ کتاب العلم ربع العبادات فاعلمْ : أنَّ السببَ فيهِ أنَّ الناسَ نقلوا اسمَ العقْلِ والمعقولِ إلى المجادلةِ والمناظرةِ بالمناقضاتِ والإلزاماتِ ، وهوَ صنعةُ الكلام ، فلمْ يقدروا على أنْ يقرِّرُوا عندَهُمْ: أنَّكُمْ أخطأتُمْ في التسميةِ ؛ إذْ كانَ ذلكَ لا ينمحي عَنْ قلوبِهِمْ بعدَ تداولِ الألسنةِ بهِ ، ورسوخِهِ في القلوبِ فذمُّوا العقلَ والمعقولَ ، وهوَ المسمَّى بهِ عندَهُمْ . فأمَّا نورُ البصيرةِ الباطنةِ التي بها يُعرفُ اللهُ تعالىُ ويُعرفُ صدْقُ رسلِهِ .. فكيفَ يُصوَّرُ ذُهُ وقدْ أثنى اللهُ تعالى عليهِ ؟! وإِنْ ذُمَّ . . فما الذي بعدَهُ يُحمدُ ؟! فإنْ كانَ المحمودُ هوَ الشرعَ .. فبِمَ عُلِمَ صِحَّةُ الشرعِ ؟! فإنْ عُلِمَ بالعقلِ المذمومِ الذي لا يُوثَقُ بهِ فيكونُ الشرعُ أيضاً مذموماً !(١) . ولا يُلتفتُ إلى مَنْ يقولُ: إنَّهُ يُدرَكُ بعينِ اليقينِ ونورِ الإيمانِ لا بالعقلِ ، فإنَّ نريدُ بالعقلِ ما يريدُهُ بعينِ اليقينِ ونورِ الإيمانِ ، وهيَ الصفةُ الباطنةُ التي تميَّزَ بها الآدميُّ عنِ البهائمِ حتَّى أدركَ بها حقائقَ الأمورِ(٢). (١) فإن ما يتوقف عليه صحة شيء إذا كان واهياً .. فالمتوقف عليه نفسه واهٍ. ((إتحاف)) ( ٤٦٩/١ ) . (٢) فقولهم: ( إنه يدرك بعين اليقين ونور الإيمان) صحيح ، وقوله : ( لا بالعقل ) غير صحيح، وهذا الذي أنكر عليهم الشيخ. ((إتحاف)) (١/ ٤٧٠). ٣٢٦ ربع العبادات كتاب العلم وأكثرُ هذهِ التخبيطاتِ إنَّما ثارتْ مِنْ جِهْلِ أقوام طلبوا الحقائقَ مِنَ الألفاظِ ، فتخبَّطوا لتخبُّطِ اصطلاحاتِ الناسِ في الألفاظِ . وهذا القذْرُ كافٍ في بيانِ العقلِ ، واللهُ أعلمُ بالصوابِ . تم كثا سب العلم وهو الكتاب الأول من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الذين والحمد للهرب العالمين، والصّلاة على خير خلقه سيدنا محمّدٍ وآله أجمعين والسّلام يثلون كتاب قواعد العقائد حيو ٣٢٧ شوء كِتَابُ قَوَازَعِدِ الْعَقَائِدِ هزة وهو الكتاب الثاني من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الدين ٣٢٩ ربع العبادات 9. 7 ٩ 1 ל ٦ ١٠ كتاب قواعد العقائد وفيه أربعة فصول الفَصْلُ الأَوَّلُ في ترجمة عقيدة أهل السنّة في كلمتى الشهادة التي في أحدمبائي الإسلام فنقولُ وباللهِ التوفيقُ : الحمدُ للهِ المبدىءِ المعيدِ، الفعَّالِ لما يريدُ ، ذي العرشِ المجيدِ ، والبطشِ الشديدِ ، الهادي صفوةَ العبيدِ ، إلى المنهج الرشيدِ ، والمسلكِ السديدِ ، المنعمِ عليهِمْ بعدَ شهادةِ التوحيدِ بحراسةِ عقائدِهِمْ عنْ ظلماتِ التشكيكِ والترديدِ ، السائقِ لُهُمْ إلى اتّباعِ رسولِهِ المصطفى محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، واقتفاءِ آثار صحبهِ الأكرمينَ المكرَّمينَ بالتأييدِ والتسديدِ ، المتجلِّ لهُمْ في ذاتِهِ وأفعالِهِ بمحاسنِ أوصافِهِ التي لا يدركُها إلا مَنْ ألقى السمعَ وهوَ شهيدٌ . التوحيدُ : المعرِّفِ إِيَّاهُمْ أنَّهُ في ذاتِهِ واحدٌ لا شريكَ لهُ ، فردٌ لا مثْلَ لهُ، صمدٌ لا ضدَّ لهُ، منفردٌ لا ندَّ لهُ، وأنَّهُ قديمٌ لا أوَّلَ لهُ، أزليٌّ لا بدايةَ لهُ، مستمُ ـب ٣٣١ كتاب قواعد العقائد کتاب قواعد العقائد ربع العبادات الوجودِ لا آخرَ لهُ، أبديٌّ لا نهايةَ لهُ، قُومٌ لا انقطاعَ لهُ، دائمٌ لا انصرامَ لهُ، لمْ يزلْ ولا يزالُ موصوفاً بنعوتِ الجلالِ ، لا يَقضي عليهِ بالانقضاءِ تصرُّمُ الآمادِ وانقراضُ الآجالِ ، بلْ هوَ الأَوَّلُ والآخرُ ، والظاهرُ والباطنُ ، وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ . التنزيهُ : وأنَّه ليسَ بجسمٍ مصوَّرٍ ، ولا جوهرٍ محدودٍ مقدَّرِ ، وأنَّهُ لا يماثلُ الأجسامَ ، لا في التقديرِ ولا في قَبولِ الانقسام ، وأنَّهُ ليسَ بجوهرٍ ولا تحِلُّهُ الجواهرُ ، ولا بعَرَضٍ ولا تخُلُّهُ الأعراضُ، بلْ لا يماثلُ موجوداً ، ولا يماثلُهُ موجودٌ، وليسَ كمثلِهِ شيءٌ، ولا هوَ مِثْلُ شيءٍ، وأنَّهُ لا يحدُّهُ المقدارُ، ولا تحويهِ الأقطارُ(١)، ولا تحيطُ بهِ الجهاتُ، ولا تكتنفُهُ الأرضونَ ولا السماواتُ . وأنَّهُ مستوٍ على العرشِ على الوجْهِ الذي قالَهُ، وبالمعنى الذي أرادَهُ ، استواءَ منزَّهاً عنِ المماسّةِ والاستقرارِ ، والتمكُّنِ والحلولِ والانتقالِ ، لا يحملُّهُ العرْشُ، بلِ العرْشُ وحملتُهُ محمولونَ بلطفٍ قدرتِهِ ، ومقهورونَ في قبضتِهِ ، وهوَ فَوْقَ العرْشِ والسماءِ ، وفوْقَ كلِّ شيءٍ إلى تخومِ الثرى ، فوقيةً لا تزيدُهُ قرباً إلى العرشِ والسماءِ، كما لا تزيدُهُ بعداً عن الأرضِ ـن (١) الأقطار : النواحي والجوانب . ٣٣٢ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد والثرى ، بلْ هوَ رفيعُ الدرجاتِ عنِ العرشِ والسماءِ، كما أنَّهُ رفيعُ الدرجاتِ عنِ الأرضِ والثرى ، وهوَ معَ ذلكَ قريبٌ مِنْ كلِّ موجودٍ ، وهوَ أقربُ إلى العبيدِ مِنْ حبْلِ الوريدِ ، وهوَ على كلِّ شيءٍ شهيدٌ . إذْ لا يماثلُ قربُهُ قَرْبَ الأجسام ، كما لا تماثلُ ذاتُهُ ذاتَ الأجسام . وأنَّهُ لا يحلُّ في شيءٍ ، ولا يحلُّ فيهِ شيءٌ ، تعالى عنْ أَنْ يحويَهُ مكانٌ ، كما تقدَّسَ عنْ أنْ يحدَّهُ زمانٌ ، بلْ كانَ قبْلَ أنْ خَلَقَ الزمانَ والمكانَ ، وهوَ الآنَ على ما عليهِ كانَ . وأنَّهُ بائنٌ منْ خلقِهِ بصفاتِهِ ، ليسَ في ذاتِهِ سواهُ ، ولا في سواهُ ذاتُهُ . وأنَّهُ مقدَّسُ عنِ التغيُّرِ والانتقالِ ، لا تحُلُّهُ الحوادثُ ، ولا تعتريهِ العوارضُ ، بلْ لا يزالُ في نعوتِ جلالِهِ منزَّهاً عن الزوالِ ، وفي صفاتٍ كمالِهِ مستغنياً عنْ زيادةِ الاستكمالِ . وأنَّهُ في ذاتِهِ معلومُ الوجودِ بالعقولِ، مرئِيُّ الذاتِ بالأبصارِ، نعمةً منهُ ولطفاً بالأبرارِ في دارِ القرارِ ، وإتماماً منهُ للنعيمِ بالنظرِ إلى وجهِهِ الكريمِ. الحياةُ والقدرةُ : وأنَّهُ تعالى حِيٌّ قادرٌ، جبَّارٌ قاهرٌ، لا يعتريهِ قصورٌ ولا عجْزٌ ، ولا تأخذُهُ سِنَةٌ ولا نومٌ ، ولا يعارضُهُ فناءٌ ولا موتٌ . وأنَّهُ ذو الملْكِ والملكوتِ ، والعزَّةِ والجبروتِ ، لهُ السلطانُ والقهرُ ، ٣٣٣ - .... كتاب قواعد العقائد ربع العبادات والخلْقُ والأمرُ ، والسماواتُ مطوياتٌ بيمينِهِ ، والخلائقُ مقهورونَ في قبضتِهِ(١) . وأنَّهُ المتفرِّدُ بالخلْقِ والاختراع ، المتوحِّدُ بالإيجادِ والإبداع ، خَلَقَ الخلْقَ وأعمالَهُمْ، وقدَّرَ أرزاقَهُمْ وآجالَهُمْ، لا يشِذّ عنْ قبضتِهِ مقدورٌ ، ولا يعزُبُ عنْ قدرتِهِ تصاريفُ الأمورِ ، لا تُحصَىُ مقدوراتُهُ، ولا تتناهَى معلوماتُهُ . العلْمُ : وأنّهُ عالمٌ بجميع المعلوماتِ ، محيطٌ بما يجري مِنْ تخوم الأرضينَ إلى أعلى السماواتِ ، وأنَّهُ عالمٌ لا يعزُبُ عنْ علمِهِ مثقالُ ذرَّةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ ، بلْ يعلمُ دبيبَ النملةِ السوداءِ ، على الصخرةِ الصمَّاءِ ، في الليلةِ الظلماءِ ، ويُدركُ حركةَ الذرِّ في جوِّ الهوا، ويعلمُ السرَّ وأخفى ، ويطَّلعُ على هواجِسِ الضمائرِ ، وحركاتِ الخواطرِ ، وخفيَّاتِ السرائرِ ؛ بعلمٍ قديم ٥ كرة أزليٍّ لمْ يزلْ موصوفاً بهِ في أزلِ الآزالِ ، لا بعلمٍ متجدِّدٍ حاصِلٍ في ذاتِهِ بالحلولِ والانتقالِ . (١) الملك : هو عالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية ، والملكوت : هو عالم الغيب المختصُّ بأرواح النفوس ، وقيل : هما مصدران ، والمعنى أنه تعالى هو المالك حقيقة ، وكلُّ مالك سواه إنما يصير مالكاً لمملوكه بتمليك الله عز وجل إياه من وجه مأذون فيه، وقيل: معناهما العالم السفلي والعلوي. ((إتحاف)) (٢٦/٢ -٢٨). ٣٣٤ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد الإرادةُ : وأنَّهُ سبحانَهُ مريدٌ للكائناتِ ، مدبٌِّ للحادثاتِ ، فلا يجري في الملْكِ والملكوتِ قليلٌ أوْ كثيرٌ ، صغيرٌ أوْ كبيرٌ، خيرٌ أَوْ شرٌّ، نفْعٌ أَوْ ضرٍّ، إيمانٌ أوْ كفْرٌ، عرفانٌ أوْ نِكْرٌ، فوْزٌ أَوْ خسْرانٌ ، زيادةٌ أوْ نقصانٌ ، طاعةٌ أوْ عصيانٌ .. إلا بقضائِهِ وقدَرِهِ، وحكمتِهِ ومشيئتِهِ، فما شاءَ .. كانَ ، وما لمْ يشأُ .. لمْ يكنْ، لا يخرجُ عنْ مشيئتِهِ لفتةُ ناظرٍ ، ولا فلتَةُ خاطرٍ ، بلْ هوَ المبدئُ المعيدُ ، الفعَّالُ لما يريدُ، لا رادَّ لأمرِهِ ، ولا معقُّبَ لقضائِهِ ، ولا مهربَ لعبدٍ عنْ معصيتِهِ إلا بتوفيقِهِ ورحمتِهِ ، ولا قوَّةَ لهُ على طاعتِهِ إلا بمشيئتهِ وإرادتِهِ ، فلوِ اجتمعَ الإنْسُ والجنُّ والملائكةُ والشياطينُ على أنْ يحرِّكوا في العالمِ ذرَّةً أَوْ يسكِّنوها دونَ إرادتِهِ ومشيئتِهِ .. لعجزوا . وأنَّ إرادتَهُ قائمةٌ بذاتِهِ في جملةِ صفاتهِ ، لمْ يزلْ كذلكَ موصوفاً بها ، مريداً في أزلِهِ لوجودِ الأشياءِ في أوقاتِها التي قدَّرَها ، فوُجدتْ في أوقاتِها كما أرادَهُ في أزلِهِ مِنْ غيرٍ تقدُّم ولا تأخّرٍ ، بلْ وقعتْ على وَفْقِ علمِهِ وإرادِهِ مِنْ غيرِ تبدُّلٍ ولا تغيُّرِ ، دَبَّرَ الأمورَ لا بترتيبِ أفكارٍ وتربُّصِ زمانٍ ، فلذلكَ لمْ يشغلْهُ شانٌ عنْ شانٍ . السمعُ والبصرُ : وأنَّهُ تعالى سميعٌ بصيرٌ ، يسمعُ ويرى ، لا يعزُبُ عنْ سمعِهِ مسموعٌ وإنْ ٣٣٥ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات خَفِيَ ، ولا يغيبُ عنْ رؤيتِهِ مرئيٌّ وإنْ دقَّ، ولا يحجبُ سمعَهُ بُعْدٌ ، ولا يدفعُ رؤيتَهُ ظلامٌ ، يرىْ مِنْ غيرِ حدقةٍ وأجفانٍ ، ويسمعُ مِنْ غيرِ أصمخةٍ وآذانٍ ، كما يعلمُ بغيرِ قلبٍ ، ويبطشُ بغيرِ جارحةٍ ، ويخلُقُ بغيرِ آلةٍ ؛ إذْ لا تشبهُ صفاتُهُ صفاتِ الخلْقِ ، كما لا تشبهُ ذاتُهُ ذواتِ الخلْقِ . الكلامُ : وأنَّهُ متكلّمٌ آمرٌ ناهٍ ، واعدٌ متوعّدٌ، بكلام أزليٍّ قديمٍ قائمٍ بذاتِهِ ، لا يشبهُ كلامَ الخلْقِ ؛ فليسَ بصوتٍ يحدثُ مِنِ انسلالِ هواءِ واصطكاكِ أجرامٍ ، ولا بحرفٍ ينقطعُ بإطباقٍ شَفَةٍ أوْ تحريكِ لسانٍ . وأنَّ القرآنَ والتوراةَ والإنجيلَ والزبورَ كتبُهُ المنزَّلَةُ على رسِلِهِ عليهِمُ السلامُ، وأنَّ القرآنَ مقروءٌ بالألسنةِ ، مكتوبٌ في المصاحفِ ، محفوظٌ في القلوبِ ، وأنَّهُ معَ ذلكَ قديمٌ قائمٌ بذاتِ اللهِ تعالى، لا يقبلُ الانفصالَ والافتراقَ ، بالانتقالِ إلى القلوبِ والأوراقِ ، وأنَّ موسى عليهِ السلامُ سمعَ كلامَ اللهِ تعالى بغيرِ صوتٍ ولا حرفٍ ، كما يرى الأبرارُ ذاتَ اللهِ تعالىُ منْ غيرِ جوهرٍ ولا عرضٍ . وإذْ كانتْ لهُ هذهِ الصفاتُ .. كانَ حيّاً، عالماً، قادراً ، مريداً ، سميعاً ، بصيراً ، متكلَّماً ؛ بالحياةِ ، والقدرةِ ، والعلمِ ، والإرادةِ ، والسمع ، والبصرِ ، والكلام ، لا بمجرَّدِ الذاتِ . ٣٣٦ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد الأفعالُ : وأنَّهُ سبحانَهُ وتعالى لا موجودَ سواهُ إلا وهوَ حادثٌ بفعلِهِ ، وفائضٌ مِنْ عدلِهِ ، على أحسنِ الوجوهِ وأكملِها ، وأتمِّها وأعدلِها ، وأنَّهُ حكيمٌ في أفعالِهِ ، عادلٌ في أقضيتِهِ ، ولا يُقاسُ عدلُهُ بعدْلِ العبادِ ؛ إذِ العبدُ يُتصوَّرُ منهُ الظلْمُ بتصرُّفِهِ في ملْكِ غيرِهِ ، ولا يُتصوَّرُ الظلْمُ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ ؛ فإنّهُ لا يصادفُ لغيرِهِ ملكاً حتَّى يكونَ تصرُّفُهُ فيهِ ظلْماً، فكلُّ ما سواهُ مِنْ جنٍّ وإنسٍ ، وشيطانٍ ومَلَكِ ، وسماءٍ وأرضٍ ، وحيوانٍ ونباتٍ وجمادٍ ، وجوهٍ وعرضٍ ، ومدرَكٍ ومحسوسٍ .. حادثٌ اخترعَهُ بقدرتِهِ بعدَ العدم اختراعاً ، وأنشأَهُ إنشاءً بعدَ أنْ لمْ يكنْ شيئاً ؛ إذْ كانَ في الأزلِ موجوداً وحدَهُ ولمْ يكنْ معَهُ غيرُهُ ، فأحدثَ الخلْقَ بعدَ ذلكَ إظهاراً لقدرتِهِ ، وتحقيقاً لما سبقَ مِنْ إرادتِهِ ، ولما حَقَّ في الأزلِ مِنْ كلمتِهِ ، لا لافتقارِهِ إليهِ وحاجتِهِ . وأنَّهُ متفضّلٌ بالخلْقِ والاختراعِ والتكليفِ لا عنْ وجوبٍ ، ومتطوِّلٌ بالإنعام والإصلاحِ لا عنْ لزوم ، فلهُ الفضْلُ والإحسانُ ، والنعمةُ والامتنانُ ؛ إذْ كانَ قادراً على أنْ يصبَّ على عبادِهِ أنواعَ العذابِ ، ويبتليَهُمْ بضروبِ الآلام والأوصابِ ، ولوْ فعلَ ذلكَ .. لكانَ منهُ عدلاً ، ولمْ يكنْ قبيحاً ولا ظلماً . وأنَّهُ عزَّ وجلَّ يثيبُ عبادَهُ المؤمنينَ على الطاعاتِ بحكْمِ الكرمِ والوغْدِ ، لا بحكمِ الاستحقاقِ واللزوم؛ إذْ لا يجبُّ عليهِ لأحدٍ فعْلٌ، ولا يُتصوَّرُ منهُ ظلْمٌ ، ولا يجبُ لأحدٍ عليهِ حقٌّ . ٣٣٧ :حـ کتاب قواعد العقائد ربع العبادات وأنَّ حقَّهُ في الطاعاتِ وجبَ على الخلْقِ بإيجابِهِ على ألسنَةِ أنبيائِهِ عليهِمُ السلامُ ، لا بمجرَّدِ العقْلِ ، ولكنَّهُ بعثَ الرسلَ وأظهرَ صدقَهُمْ بالمعجزاتِ الظاهرةِ ، فبلَّغوا أمرَهُ ونهيَهُ ، ووعدَهُ ووعيدَهُ، فوجبَ على الخلْقِ تصدیقُهُمْ فیما جاؤوا بهِ . معنى الكلمةِ الثانيةِ ، وهيَ شهادةُ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : وأنَّهُ بعثَ النبيَّ الأميَّ القرشيَّ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ برسالتِهِ إلى كافَّةِ العربِ والعجمٍ ، والجنِّ والإنْسِ ، فنسخَ بشرعِهِ الشرائعَ إلا ما قرَّرَهُ منها، وفضَّلَهُ على سائرِ الأنبياءِ ، وجعلَهُ سيِّدَ البشرِ ، ومنعَ كمالَ الإيمانِ بشهادةِ التوحيدِ ؛ وهوَ قوْلُ : ( لا إلهَ إلا اللهُ) ما لمْ تقترنْ بها شهادةُ الرسولِ ؛ وهوَ قولُكَ: ( محمَّدٌ رسولُ الله ) . وألزمَ الخلْقَ تصديقَهُ في جميع ما أخبرَ عنهُ منَ أمورِ الدنيا والآخرةِ ، وأنَّهُ لا يُتقبّلُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يؤمنَ بما أخبرَ عنهُ بعدَ الموتِ ، وأوَّلُهُ سؤالٌ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ ، وهما شخصانِ مهيبانٍ هائلانِ ، يقعدانِ العبدَ في قبرِهِ سَوِيّاً ، ذا رُوحٍ وجسدٍ ، فيسألانِهِ عنِ التوحيدِ والرسالةِ ، ويقولانِ لهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ وما دينُكَ؟ ومَنْ نبيُكَ ؟(١) وهما فتَّنا القبرِ، وسؤالُهُما أوَّلُ فتنةٍ بعدَ الموتِ . (١) كما جاء ذلك عند الترمذي (٣١٢٠). ٣٣٨ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد وأنْ يؤمنَ بعذاب القبرِ ، وأنَّهُ حَقٌّ وحكمةٌ وعَدْلٌ (١) ، على الجسمِ والروحِ ، على ما يشاءُ . وأنْ يُؤْمنَ بالميزانِ ذي الكفَّتَيْنِ واللِّسانِ، وصفَتُهُ في العظم أنَّهُ مثلُ طباقِ السماواتِ والأرضِ ، تُوزنُ فيهِ الأعمالُ بقدرةِ اللهِ تعالى ، والصَّنْجُ يومئذٍ مثاقيلُ الذرِّ والخردَلِ(٢)؛ تحقيقاً لتمام العدلِ، فتُطرحُ صحائفُ الحسناتِ في صورةٍ حسنةٍ في كفَّةِ النورِ ، فيثقلُ بها الميزانُ على قدْرِ درجاتِها عندَ اللهِ بفضْلِ اللهِ ، وتُطرحُ صحائفُ السيئاتِ في صورةٍ قبيحةٍ في كفَّةِ الظلمةِ ، فيخفُّ بها الميزانُ بعدْلِ اللهِ . 40 وأنْ يُؤْمنَ بأنَّ الصراطَ حقٌّ ، وهوَ جسْرٌ ممدودٌ على متنِ جهنَّمَ، أَحَدُّ منَ السيفِ ، وأدقُّ مِنَ الشعْرةِ، تَزِلُّ عليهِ أقدامُ الكافرينَ بحكمِ اللهِ سبحانَهُ ، فتهوي بهِمْ إلى النارِ، وتثبتُ عليهِ أقدامُ المؤمنينَ بفضلِ اللهِ، فيُساقونَ إلى دارِ القرارِ . وأنْ يُؤمنَ بالحوضِ المورُودِ ؛ حوضٍ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، يشربُ منهُ المؤمنونَ قبلَ دخولِ الجنَّةِ وبعدَ جوازِ الصراطِ(٣)، مَنْ شربَ منهُ (١) وفي حقيته روى مسلم في ((صحيحه)) (٢٨٦٧) مرفوعاً: ((إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا ألا تدافنوا .. لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه)) . (٢) الصَّنْجُ - ويقال: السَّنْجُ - : المثقال الذي يوزن به ( وحدة الوزن ) . (٣) على الصحيح ، ولكن جهل تقدمه على الصراط أو تأخره عنه .. لا يضرُّ بالاعتقاد ، وإنما الواجب اعتقاد ثبوته. ((إتحاف)) (٣٩/٢). ٣٣٩ - - کتاب قواعد العقائد ربع العبادات G شَربةً .. لمْ يظمأُ بعدَها أبداً، عرضُهُ مسيرةُ شَهْرٍ، ماؤهُ أشدُّ بَيَاضاً مِنَ اللبنِ ، وأحلىْ مِنَ العسلِ ، حولَهُ أباريقُ عددَ نجوم السماءِ ، فيهِ ميزابانِ يصُبَّانِ مِنَ الكوثَرِ . وأنْ يؤمنَ بالحسابِ ، وتفاوتِ النَّاسِ فيهِ إلى مناقَشٍ في الحسابِ وإلى مسامحِ فيهِ ، وإلىْ مَنْ يدخلُ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ وهُمُ المقرَّبونَ ، فيسألُ اللهُ تعالى مَنْ شاءَ مِنَ الأنبياءِ عنْ تبليغ الرسالَةِ ، ومَنْ شاءَ منَ الكفَّارِ عنْ تكذيبٍ المرسلينَ ، ويسألُ المبتدعةَ عَنِ السنَّةِ ، ويسْأَلُ المسلمينَ عنِ الأعمالِ . وأنْ يؤمِنَ بإخراجِ الموحِّدينَ مِنَ النارِ بعدَ الانتقامِ ، حتَّى لا يَبقى في جهنَّمَ موحِّدٌ بفضْلِ اللهِ تعالى ، فلا يخلدُ في النار موحِّدٌ . وأنْ يؤمِنَ بشفاعةِ الأنبياءِ (١) ، ثمَّ العلماءِ ، ثمَّ الشهداءِ ، ثمَّ سائرِ المؤمنينَ ، كلٌّ على حَسَبِ جَاهِهِ ومنزلتِهِ عندَ اللهِ تعالى ، ومَنْ بقيَ مِنَ المؤمنينَ ولمْ يكنْ لهُ شفيعٌ .. أُخرِجَ بفضْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فلا يخلدُ في النارِ مؤمنٌ ، بلْ يخرُجُ منها مَنْ كانَ في قلبِهِ مثقالُ ذرَّةٍ مِنَ الإيمانِ . وأنْ يعتقِدَ فضْلَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ ، وترتيبَهُمْ ، وأنَّ أفضلَ الناسِ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أبو بكرٍ ، ثمَّ عمرُ ، ثمَّ عثمانُ ، ثمَّ عليّ رضيَ اللهُ عنهُمْ ، وأنْ يُحسنَ الظنَّ بجميع الصحابةِ ، ويُثنيَ عليهِمْ كما أثنى اللهُ عزَّ وجلَّ ورسولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليهِمْ أجمعينَ . (١) في (أ): ( الأنبياء ، ثم الأولياء ... ). ٣٤٠