النص المفهرس

صفحات 301-320

ربع العبادات
كتاب العلم
عنهُمْ ، فرجعوا إليهِ محسورينَ ، فقالَ : ما شأنُكُمْ؟ فقالوا : ما رأينا مثلَ
هؤلاءِ ؛ ما نصيبُ منهُمْ شيئاً وقدْ أتعبونا ، فقالَ : إنَّكُمْ لا تقدرونَ عليهِمْ ؛
قدْ صحبوا نبيّهُمْ، وشهدوا تنزيلَ ربِّهِمْ، ولكنْ سيأتي بعدَهُمْ قومٌ تنالونَ
منهُمْ حاجتكُمْ .
فلما جاءَ التابعونَ .. بثَّ جنودَهُ، فرجعوا إليهِ منكوسينَ منكسرينَ ،
فقالوا : ما رأينا أعجبَ مِنْ هؤلاءِ ؛ نصيبُ منهُمُ الشيءَ بعدَ الشيءِ مِنَ
الذنوب ، فإذا كانَ آخرُ النهارِ .. أخذوا في الاستغفارِ ، فيبدِّلُ اللهُ سيئاتِهِمْ
حسناتٍ ، فقالَ : إِنَّكُمْ لنْ تنالوا مِنْ هؤلاءِ شيئاً لصَّةِ توحيدِهِمْ ، واتباعِهِمْ
السنَّةِ نَبِيِّهِمْ، ولكنْ سيأتي بعدَ هؤلاءِ قومٌ تَقَرُّ أعينُكُمْ بِهِمْ ، تلعبونَ بِهِمْ
لَعِباً، وتقودونَهُمْ بأزمَّةِ أهوائِهِمْ كيفَ شئتُمْ، إنِ استغفروا .. لمْ يغفرْ لَهُمْ ،
ولا يتوبونَ فيبدِّلُ اللهُ سيئاتِهِمْ حسناتٍ .
قالَ : فجاءَ قومٌ بعدَ القرنِ الأوَّلِ، فبثَّ فيهِمُ الأهواءَ، وزيَّنَ لهُمُ
البدَعَ، فاستحلُّوها(١)، واتخذوها ديناً، لا يستغفرونَ اللهَ منها ،
ولا يتوبونَ عنها ، فسلَّطَ عليهِمُ الأعداءَ، وقادُوهُمْ أينَ شاؤوا(٢).
فإنْ قلتَ : مِنْ أينَ عَرَفَ قائلُ هذا ما قالَهُ إبليسُ ولمْ يشاهدْ إبليسَ
ولا حدَّثَهُ بذلكَ ؟
(١) بتشديد اللام من الحلال ، أو تخفيفها من الحلاوة ، وعندها تفتح اللام.
(٢) قوت القلوب (١٧٥/١).
٣٠١

کتاب العلم
ربع العبادات
فاعلمْ : أنَّ أربابَ القلوبِ يُكاشَفونَ بأسرارِ الملكوتِ ؛ تارةً على سبيلِ
الإلهام بأنْ يخطرَ لهُمْ على سبيلِ الورودِ عليهِمْ مِنْ حيثُ لا يعلمونَ ، وتارةً
على سبيلِ الرؤيا الصادقةِ ، وتارةً في اليقظةِ على سبيلِ كَشْفِ المعاني بمشاهدةِ
الأمثلةِ كما يكونُ في المنام ، وهذا أعلى الدرجاتِ ، وهيَ مِنْ درجاتِ النبوَّةِ
العاليةِ؛ كما أنَّ الرؤيا الصادقةَ جزءٌ مِنْ ستةٍ وأربعينَ جزءاً مِنَ النبوّةِ.
فإِيَّاكَ أنْ يكونَ حظُّكَ مِنَ العلمِ إنكارَ كلِّ ما جاوزَ حدَّ قصورِكَ ؛ ففيهِ
هلكَ المتحذلقونَ مِنَ العلماءِ (١) ، الزاعمونَ أَنَّهُمْ أحاطوا بعلومِ المعقولِ .
والجهلُ خيرٌ مِنْ عقلٍ يدعو إلى إنكارِ مثلِ هذهِ الأمورِ لأولياءِ اللهِ
تعالى(٢)، ومَنْ أنكرَ ذلكَ للأولياءِ .. لزمَهُ إنكارُهُ للأنبياءِ، وكانَ خارجاً
عَنِ الدينِ بالكليّةِ(٣) .
وقالَ بعضُ العارفينَ : ( إنَّما انقطعَ الأبدالُ في أطرافِ الأرضِ واستتروا
عنْ أعينِ الجمهورِ .. لأنَّهُمْ لا يطيقونَ النظرَ إلى علماءِ الوقتِ ؛ لأنَّهُمْ
(١) المتحذلقون : المتكيِّسون الذين يتظرَّفون في الكلام طلباً لزيادة القدْر عند الناس.
(٢) لأن أشرف أقوال الجاهلين التسليم والتفويض لما لا يعلمون ، وهو أقل أحوال
العالمين، فبالنظر إلى ذلك كان بعضُ الجهل خيراً من العلم. ((إتحاف))
(٤٤٦/١ ) .
(٣) لأن طريق الفيض واحد ، وإنما يختلف تلقيه بحسب الاستعدادات ، فما كان للأنبياء ..
فهو للأولياء مع مباينة الاستعداد ، ما عدا مرتبة النبوة التي لا يلحقها لاحق ، ولا يشق
غبارها سابق ، فإنكار ما للأولياء يورثه الإنكار لما للأنبياء. ((إتحاف)) (٤٤٦/١).
٣٠٢
--

ربع العبادات
كتاب العلم
عندَهِمْ جَّالٌ باللهِ تعالى، وهُمْ عندَ أنفسِهِمْ وعندَ الجاهلينَ علماءُ)(١).
وقالَ سهلٌ التُّسْتَرِيُّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنَّ مِنْ أعظم المعاصي الجهلّ
بالجهلِ ، والنظرَ إلى العامَّةِ ، واستماعَ كلام أهلِ الغفلةِ )(١) .
وكلُّ عالمٍ خاضَ في الدنيا فلا ينبغي أنْ يُصغَى إلى قولِهِ ، بلْ ينبغي أنْ
يُتَّهمَ في كلِّ ما يقولُ ؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ يخوضُ فيما أحبَّ ، ويدفعُ ما لا يوافقُ
محبوبَهُ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَّهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ
وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطَا﴾.
والعوامُ العصاةُ أسعدُ حالاً مِنَ الجھَّالِ بطريقِ الدينِ ، المعتقدينَ أنَّهِمْ مِنَ
العلماءِ ؛ لأنَّ العاميَّ العاصيَ معترفُ بتقصيرِهِ ، فيستغفرُ ويتوبُ ، وهذا
الجاهلُ الظانُّ أنَّهُ عالمٌ، وأنَّ ما هوَ مشتغلٌ بهِ منَ العلوم التي هيَ وسائلُهُ إلى
الدنيا مِنْ سلوك طريقِ الدينِ .. فلا يتوبُ ولا يستغفرُ، بلْ لا يزالُ مستمرّاً
عليهِ إلى الموتِ .
وإذْ غلبَ هذا على أكثرِ الناسِ إلا مَنْ عصمَهُ اللهُ تعالى ، وانقطعَ الطمعُ
مِنْ إصلاحِهِمْ .. فالأسلمُ لدينِ المحتاطِ العزلةُ والانفرادُ عنهُمْ، كما سيأتي
في كتابِ العزلةِ بيانُهُ إن شاءَ اللهُ تعالى .
ولذلكَ كتبَ يوسفُ بنُ أسباطٍ إلى حذيفةَ المَرْعشيِّ: ( ما ظنُّكَ
بمنْ بقيَ لا يجدُ أحداً يذكرُ اللهَ تعالى معهُ إلا كانَ آئماً ، وكانتْ مذاكرتُهُ
معصيةٌ؟)(١) ، وذلكَ أنَّهُ لا يجدُ أهلَهُ.
(١) قوت القلوب (١٧٦/١ ).
٣٠٣
TE

كتاب العلم
٣٠٠٦٠
ربع العبادات
ولقدْ صدقَ ؛ فإنَّ مخالِطَ الناس لا ينفكُ عنْ غِيبةٍ أوْ عنْ سماع غيبةٍ ، أوْ
عنْ سكوتٍ على منكرٍ ، وأحسنُ أحوالِهِ أنْ يفيدَ علماً أو يستفيدَهُ .
ولوْ تأمَّلَ هذا المسكينُ وعلمَ أنَّ إفادتَهُ لا تخلُو عنْ شوائبِ الرياءِ وطلبٍ
الجمعِ والرئاسةِ .. علمَ أنَّ المستفيدَ إنَّما يريدُ أنْ يجعلَ ذلكَ آلةً إلى طلبٍ
الدنيا، ووسيلةً إلى الشرِّ، فيكونَ هوَ مُعيناً لهُ على ذلكَ ؛ ورِدْءاً وظهيراً
ومهيئاً لأسبابِهِ ؛ كالذي يبيعُ السيفَ مِنْ قطّاعِ الطريقِ ، فالعلمُ كالسيفِ ،
وصلاحُهُ للخيرِ كصلاح السيفِ للغزوِ ، وذلكَ لا يرخِّصُ في البيع ممَّنْ يعلمُ
بقرائنِ أحوالِهِ أنَّهُ يريدُ بهِ الاستعانةَ على قطع الطريقِ .
فهذهِ اثنتا عشرةَ علامةٌ مِنْ علاماتِ علماءِ الآخرةِ ، تجمعُ كلُّ واحدةٍ
منها جُمَلاً مِنْ أخلاقِ علماءِ السلفِ .
فكنْ أحدَ رجلينٍ : إمَّا مُتَّصفاً بهذهِ الصفاتِ ، أَوْ معترفاً بالتقصيرِ معَ
الإقرارِ بهِ ، وإيَّاكَ أنْ تكونَ الثالثَ فتلَِّ على نفسِكَ بأنْ تلقِّبَ آلةَ الدنيا
بالدينِ ، وتشبَّ سيرةَ البطّالينَ بسيرةِ العلماءِ الراسخينَ ، وتلتحقَ بجهلِكَ
وإنكارِكَ بزمرةِ الهالكينَ الآيسينَ .
نعوذُ باللهِ مِنْ خدع الشيطانِ ، فيها هلكَ الجمهورُ ، ونسألُ اللهَ تعالى أنْ
يجعلَنا ممَّنْ لا تغرُّهُ الحياةُ الدنيا ، ولا يغرُّهُ باللهِ الغَرورُ .
٣٠٤
ه

ربع العبادات
كتاب العلم
البَابُ السَّابِعُ
في العقل وشرفه وتقيقته وأقسامه
بيان شرف العقل
اعلمْ : أنَّ هذا ممَّا لا يُحتاجُ إلى تكلّفٍ في إظهارِهِ ، لا سيما وقدْ ظهرَ
شرفُ العلمِ مِنْ قبلِ العقلِ ، والعقلُ منبعُ العلْمِ ومَطْلِعُهُ وأساسُهُ ، والعلْمُ
يجري منهُ مَجرى الثمرةِ مِنَ الشجرةِ ، والنورِ مِنَ الشمسِ ، والرؤيةِ مِنَ
العينِ ، وكيفَ لا يَشْرُفُ ما هوَ وسيلةُ السعادةِ في الدنيا والآخرةِ؟!(١).
أوْ كيفَ يُسترابُ فيهِ والبهيمةُ معَ قصورِ تمييزِها تحتشمُ العقْلَ ، حتَّى إِنَّ
أعظمَ البهائمِ بَدناً وأشدَّها ضراوةً وأقواها سطوةٌ إذا رأى صورةَ الإنسانِ ..
احتشمَهُ وهابَهُ ؛ لشعورِهِ باستيلائِهِ عليهِ ، بما خُصَّ بهِ مِنْ إدراكِ الحيلِ .
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الشيخُ في قومِهِ كالنبيِّ في أُمتِهِ)(٢).
(١) أما السعادة الدنيوية : فمن أعظمها أن الإنسان به يصير خليفة الله في أرضه ، وأما
الأخروية : فإنه به يحصل حرث الآخرة المذكور في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ
اُلْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُمْ فِي حَرَئِهِ﴾، وثمرة حرث الآخرة على التفصيل سبعة أشياء : بقاء بلا
فناء ، وقدرة بلا عجز، وعلم بلا جهل ، وغنىّ بلا فقر ، وأمن بلا خوف ، وراحة بلا
شغل، وعزّ بلا ذلّ. («إتحاف)) (٤٤٩/١) .
(٢) رواه الرافعي من طريق الخليل الحافظ في ((مشيخته)) بسنده مرفوعاً كما في (( التدوين
في أخبار قزوين)) ( ٩٥/٣)، وانظر ((الإتحاف)) (٤٤٩/١).
٣٠٥
1

کتاب العلم
ربع العبادات
وليسَ ذلكَ لكثرَةِ مالِهِ ، ولا لكبرِ شخصِهِ ، ولا لزيادةِ قوَّتِهِ ، بلْ لزيادةِ
تجربتِهِ التي هيَ ثمرةُ عقلِهِ .
ولذلكَ ترى الأتراكَ والأكرادَ وأجلافَ العربِ وسائرَ الخلْقِ معَ قربِ
رتبتِهِمْ مِنَ البهائمِ يوقِّرونَ المشايخَ بالطبْعِ .
ولذلكَ حينَ قَصَدَ كثيرٌ مِنَ المعاندينَ قَتْلَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
فلمَّا وقعتْ أعينُهُمْ عليهِ واكتحلُوا بغرَّتِهِ الكريمةِ .. هابوهُ ، وتراءى لهُمْ ما كانَ
يتلألأُ على ديباجةِ وجهِهِ مِنْ نورِ النبوّةِ، وإنْ كانَ ذلكَ باطناً في نفسِهِ بطونَ العقلِ.
٢٦باء
وشرفُ العقلِ مدرَكٌ بالضرورةِ ، وإنما القصْدُ أنْ نوردَ ما وردتْ بهِ
الأخبارُ والآياتُ في ذكرِ شرفِهِ .
وقدْ سماهُ اللهُ تعالى نوراً في قولِهِ تعالى: ﴿اَللَهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ مَثَلُ
نُورِهِ، كَمِشْكَوَةٍ﴾ الآيةَ .
وسمَّى العلمَ المستفادَ منهُ روحاً وحياةٌ، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَاً
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، وقالَ تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا
يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ﴾ .
وحيثُ ذَكَرَ النورَ والظلمةَ أرادَ بهِ العلمَ والجهلَ ، كقولِهِ تعالى :
يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ .
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يا أيُّها الناسُ ؛ اعقلوا عنْ ربَّكُمْ
وتواصوا بالعقلِ .. تعرفوا بهِ ما أُمرتُمْ بهِ وما نُهيتُمْ عنهُ، واعلموا أنَّهُ مجدُكُمْ
٣٠٦

ربع العبادات
كتاب العلم
عندَ ريَّكُمْ، واعلموا أنَّ العاقِلَ مَنْ أطاعَ اللهَ وإنْ كانَ دميمَ المنظرِ حقيرَ
الخطرِ دنيءَ المنزلةِ رثَّ الهيئةِ، وإنَّ الجاهِلَ مَنْ عصى اللهَ تعالى وإنْ كانَ
جميلَ المنظرِ عظيمَ الخطرِ شريفَ المنزلةِ حسنَ الهيئةِ فصيحاً نطوقاً ،
فالقردةُ والخنازيرُ أعقلُ عندَ اللهِ تعالى ممَّنْ عصاهُ ، ولا تغتروا بتعظيمٍ أهلٍ
الدنيا إيَّاكُمْ، فإنَّهُمْ مِنَ الخاسرينَ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أوَّلُ ما خلقَ اللهُ العقلُ، فقالَ لهُ :
أقبلُ ، فأقبلَ ، ثمّ قالَ لهُ: أدِرْ ، فأدبرَ ، ثُمَّ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : وعزَّتِي
وجلالي ؛ ما خلفتُ خَلقاً أكرمَ عَلَيَّ منكَ، بكَ آخذُ ، وبكَ أعطي ، وبكَ
أثيبُ، وبكَ أعاقبُ))(٢).
فإِنْ قلتَ : فهذا العقلُ إنْ كانَ عَرَضاً .. فكيفَ خُلِقَ قبلَ الأجسام ؟
وإنْ كانَ جوهراً .. فكيفَ يكونُ جوهرٌ قائمٌ بنفسِهِ لا يتحيَّرُ ؟(٣).
فاعلمْ : أنَّ هذا مِنْ علْمِ المكاشفةِ ، ولا يليقُ ذكرُهُ بعلْمِ المعاملةِ ،
وغرضُنا الآنَ ذكرُ علوم المعاملةِ .
(١) هو من أحاديث داوود بن المحبر في كتابه ((العقل)). انظر ((الإتحاف)) (٤٥٢/١).
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٨٣/٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٨/٧)،
والبيهقي في ((الشعب)) (٤٣١٢)، وانظر المراد بلفظ ( العقل ) في ما نقله الحافظ
الزبيدي في «الإتحاف)» (٤٥٣/١).
(٣) قوله : ( جوهر قائم) اسم ( يكون ) ، وخبرها جملة : ( لا يتحيز ) .
٣٠٧

كتاب العلم
ربع العبادات
وعن أنسٍ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : أثنى قومٌ على رجلٍ عندَ النبيِّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى بالغوا، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((كيف عَقْلُ الرجلِ ؟ )) فقالوا: نخبرُكَ عنِ اجتهادِهِ في العبادةِ وأصنافٍ
الخيرِ وتسألُنا عنْ عقلِهِ؟! فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ
الأحمقَ يصيبُ بحمقِهِ أعظمَ مِنْ فجورِ الفاجرِ ، وإنَّما يرتفعُ العبادُ غداً في
الدرجاتِ الزُّلفىْ مِنْ ربِّهِمْ على قَدْرِ عقولِهِمْ»(١).
وعنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( ما اكتسبَ رجلٌ
مثلَ فضلِ عقْلٍ يهدي صاحبَهُ إلى هُدىً ويردُّهُ عنْ ردىّ ، وما تَمَّ إيمانُ عبْدٍ
ولا استقامَ دينُهُ حتَّى يكملَ عقلُهُ»(٢).
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الرجلَ ليدرِكُ بحسْنِ خلقِهِ درجةَ
الصائمِ القائمٍ ، ولا يتمُّ لرجلٍ حسنُ خلقِهِ حتَّى يتمَّ عقلُهُ، فعندَ ذلكَ تمَّ
إيمانُهُ وأطاعَ ربَّهُ وعَصَى عدوَّهُ إبليسَ))(٣) .
ورُويَ عنْ أبي سعيد الخدريِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
قالَ : ((لكلِّ شيءٍ دعامةٌ ، ودعامةُ المؤمن عقلُهُ، فبقدْرِ عقلِهِ تكونُ
(١) هو عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ٢٤٢).
(٢) روى بنحوه الطبراني في ((الصغير)) (٢٤١/١)، والبيهقي في ((الشعب))
(٤٣٣٨ ) .
(٣) الجملة الأولى منه رواها أبو داوود (٤٧٩٨)، وتمامه من أحاديث داوود بن المحبر في
((العقل)). انظر (( الإتحاف)) (١ /٤٥٦).
٣٠٨

ربع العبادات
کتاب العلم
عبادتُهُ، أما سمعتُمْ قولَ الفُجَّارِ : ﴿لَوْ كُنَّا نَسَمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىّ أَصْحَبٍ
السَّعِيرِ﴾))(١).
وعنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ لتميم الداريِّ : ما السُّؤْدَدُ فيكمْ ؟ قالَ :
العقلُ، قالَ : صدقتَ ؛ سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كما سألتُكَ
فقالَ كما قلْتَ، ثمَّ قالَ: « سألتُ جبريلَ عليهِ السلامُ : ما السُّؤْدُّدُ ؟ قالَ :
العقلُ)) (١) .
وعنِ البراءِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : كثرتِ المسائلُ يوماً على رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ: (( يا أيُّها الناسُ؛ إنَّ لكلِّ شيءٍ مطيةً، ومطيّةُ
المرءِ العقلُ، وأحسنُكُمْ دلالةٌ ومعرفةً بالمحجَّةِ أفضلُكُمْ عقلاً))(١).
وعنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : لمَّا رجعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ مِنْ غزوةٍ أُحُدٍ .. سَمِعَ الناسَ يقولونَ: كانَ فلانٌ أشجَعَ مِنْ فلانٍ ،
وفلانٌ أبلى ما لمْ يُبْلِ غيرُهُ ، ونحوَ هذا، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((أمَّا هذا .. فلا علْمَ لكمْ بهِ))، قالوا: وكيفَ ذلكَ
يا رسولَ اللهِ؟ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّهمْ قاتلوا على قدْرِ ما قسمَ اللهُ
لهُمْ مِنَ العقلِ ، وكانَ نُصرتُهُمْ ونيتُهُمْ على قدْرِ عقولِهِمْ، فَأُصيبَ مِنْهُ مَنْ
أُصيبَ على منازلَ شتَّى، فإذا كانَ يومُ القيامةِ .. اقتسموا المنازِلَ على قدْرِ
نِيَّاتِهِمْ وقَدْرِ عقولِهِمْ))(٢).
(١) من أحاديث داوود بن المحبر في (( العقل)). انظر ((الإتحاف)) (٤٥٦/١).
(٢) من أحاديث داوود بن المحبر في ((العقل)). انظر ((الإتحاف)) (١ / ٤٥٧).
٣٠٩

كتاب العلم
ربع العبادات
وعنِ البراءِ بنِ عازبٍ أَنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((جَدَّ الملائكةُ
واجتهدوا في طاعةِ اللهِ سبحانَهُ بالعَقْلِ، وجَدَّ المؤمنونَ مِنْ بني آدمَ على قدْرِ
عقولِهِمْ، فأعملُهُمْ بطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ أوفرُهُمْ عقلاً))(١).
وعنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ بِمَ يتفاضلُ
الناسُ في الدنيا؟ قال: (( بالعقلِ))، قلتُ: وفي الآخرةِ ؟ قال :
(( بالعقلِ ))، قلتُ: أليسَ إِنَّما يُجزونَ بِأعمالِهِمْ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : (( يا عائشَةُ؛ وهلْ عَمَلُوا إلا بقدْرِ ما أعطاهُمُ اللهُ مِنَ العقلِ ؟! فبقدْرِ
ما أُعْطُوا مِنَ العقْلِ كانتْ أعمالُهُمْ، وبقدرِ ما عملُوا يُجزونَ ))(١).
وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((لَكُلِّ شيءٍ آلةٌ وعُدَّةٌ ، وإنَّ آلةَ المؤمنِ العقلُ ، ولكلِّ شيءٍ مطيّةٌ ،
ومطيّةُ المرءِ العقلُ، ولكلِّ شيءٍ دِعامةٌ ، ودِعامَةُ الدينِ العقلُ، ولكُلِّ قوم
غايةٌ ، وغايةُ العبادِ العقلُ، ولكُلِّ قوم داع ، وداعي العابدينَ العقلُ ، ولكلِّ
تاجرٍ بضاعةٌ، وبضاعةُ المجتهدينَ العقلُ ، ولكلِّ أهلِ بيتٍ قَيِّمٌ ، وقَيِّمُ
بيوتِ الصدِّيقينَ العقلُ، ولكلِّ خرابٍ عمارةٌ ، وعمارةُ الآخرةِ العقلُ ،
ولكُلِّ امرىءٍ عَقِبٌ يُنسبُ إليهِ ويُذكرُ بهِ ، وعَقِبُ الصدِّيقينَ الذي يُنسبونَ إليهِ
ويُذكرونَ بهِ العقلُ، ولكلِّ سَفْرِ فُسْطَاطٌ(٢)، وفُسطَاطُ المؤمنينَ العقلُ))(١).
(١) من أحاديث داوود بن المحبر في ((العقل)). انظر ((الإتحاف)) (٤٥٧/١).
(٢) السَّفْر : القوم المسافرون ، والفسطاط : الخيمة .
٣١٠

ربع العبادات
کتاب العلم
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ أحبَّ المؤمنينَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ مَنْ
نصبَ في طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ونَصَحَ لِعبادِهِ ، وكمُلَ عقلُهُ، ونصحَ نفسَهُ
فأبصرَ، وعملَ بهِ أيامَ حياتِهِ فأفلحَ وأَنْجَحَ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أتمُّكُمْ عقلاً أشدُّكُمْ للهِ خوفاً، وأحسنُكُمْ
فيما أمَرَ بهِ ونَهَى عنهُ نظراً، وإنْ كانَ أقلَّكُمْ تطوُّعاً))(٢).
١٠٠
(١) من أحاديث داوود بن المحبر في ((العقل)). انظر ((الإتحاف)) (٤٥٨/١).
(٢) من أحاديث ابن المحبر في ((العقل))، انظر ((الإتحاف)) (٤٥٨/١). وقد روى هذه
الأحاديث عنه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده))، وأوردها ابن حجر في (( المطالب
العالية))، وأورد بعضها ابن الجوزي في ((الموضوعات))، والسيوطي في ((اللآلىء
المصنوعة)).
٣١١
ـني

کتاب العلم
ربع العبادات
بيان حقيقية العقل وأقسامه
اعلمْ : أنَّ الناسَ اختلفوا في حدِّ العقلِ وحقيقتِهِ، وذَهَلَ الأكثرونَ
عنْ كونِ هذا الاسمِ مطلقاً على معانٍ مختلفةٍ ، فصارَ ذلكَ سببَ
اختلافِهِمْ .
والحقُّ الكاشفُ للغطاءِ فيهِ : أنَّ العقلَ اسمٌ يُطلقُ بالاشتراكِ على أربعةِ
معانٍ ، كما يُطلقُ اسمُ العينِ مثلاً على معانٍ عدَّةٍ ، وما يجري هذا
المَجرى ، فلا ينبغي أنْ يُطلبَ لجميع أقسامِهِ حدٍّ واحدٌ ، بلْ يُفرَدُ كلُّ قسم
بالكشْفِ عنهُ .
فالأوَّلُ : الوصفُ الذي يفارقُ الإنسانُ بهِ سائرَ البهائم : وهوَ الذي بهِ
استعدَّ لقبولِ العلوم النظريةِ ، وتدبيرِ الصناعاتِ الخفيّةِ الفكريةِ ، وهوَ الذي
أرادَهُ الحارثُ بنُ أسدِ المحاسبيُّ حيثُ قالَ في حدِّ العقلِ: ( إنَّهُ غريزةٌ يتهِيَُّ
بها إدراكُ العلوم النظرية ، وكأنَّهُ نورٌ يُقذفُ في القلبِ بهِ يستعدُّ لإدراكِ
الأشياءِ ) .
ولمْ ينصفْ مَنْ أنكرَ ههذا ، وردَّ العقلَ إلى مجرَّدِ العلومِ الضروريةِ ؛ فإنَّ
الغافلَ عنِ العلومِ والنائمَ يُسمَّيَانِ عاقلينِ باعتبارِ وجودِ هذهِ الغريزةِ فيهِما معَ
فقْدِ العلوم ، وكما أنَّ الحياةَ غريزةٌ بها يتهيَّأُ الجسمُ للحركاتِ الاختياريةِ
٣١٢
حن

ربع العبادات
كتاب العلم
والادراكاتِ الحسيَّةِ .. فكذلكَ العقلُ غريزةٌ بها تتهيّأُ بعضُ الحيواناتِ للعلوم
النظريةِ .
ولوْ جازَ أنْ يُسوَّىُ بينَ الإنسانِ والحمارِ في الغريزةِ والإدراكاتِ الحسيّةِ
فيُقالَ : لا فرقَ بينهُمَا إلا أنَّ اللهَ تعالى بحكْم إجراءِ العادةِ يخلُقُ في الإنسانِ
علوماً وليسَ يخلقُها في الحمارِ والبهائمِ .. لجازَ أنْ يُسوَّىُ بينَ الجمادِ
والحمارِ في الحياةِ ويُقالَ : لا فرقَ إلا أنَّ اللهَ تعالى يخلقُ في الحمارِ
حركاتٍ مخصوصةً بحكم إجراءِ العادةِ ؛ فإنَّهُ لوْ قُدْرَ الحمارُ جماداً ميِّتاً ..
لوجبَ القولُ بأنَّ كلَّ حركةٍ تُشاهَدُ منهُ فاللهُ سبحانَهُ قادرٌ على خلقِها فيهِ على
الترتيبِ المشاهدِ ، وكما وجبَ أنْ يُقالَ : لمْ يكنْ مفارقتُهُ للجمادِ في
الحركةِ إلا بغريزةٍ اختصَّتْ بهِ عُبِّرَ عنها بالحياةِ .. فكذا مفارقةُ الإنسانِ
للبهيمةِ في إدراكِ العلومِ النظريةِ بغريزةٍ يُعبَّرُ عنها بالعقلِ (١).
وهوَ كالمرآةِ التي تفارقُ غيرَها مِنَ الأجسامِ في حكايةِ الصورِ والألوانِ
بصفةٍ اختصَّتْ بها وهيَ الصقالةُ ، وكذلكَ العينُ تفارقُ الجبهةَ في هيئاتٍ
وصفاتٍ بها استعدَّتْ للرؤيةِ ، فنسبةُ هذهِ الغريزةِ إلى العلومِ كنسبةِ العينِ
إلى الرؤيةِ ، ونسبةُ القرآنِ والشرع إلى هذه الغريزةِ في سياقِها إلى انكشافٍ
العلوم لها كنسبةِ نورِ الشمسِ إلى البصرِ ، فهكذا ينبغي أنْ تُفْهمَ هذهِ
و
الغريزةُ .
٦٠٠٠)
(١) فثبت بما ذكر تصحيح قول المحاسبي. ((إتحاف)) (١/ ٤٦٠).
٣١٣

کتاب العلم
ربع العبادات
الثاني : هيَ العلومُ التي تخرجُ إلى الوجودِ في ذاتِ الطفلِ المميِّزِ بجوازٍ
الجائزاتِ واستحالةِ المستحيلاتِ : كالعلم بأنَّ الاثنينِ أكثرُ مِنَ الواحدِ ، وأَنَّ
الشخصَ الواحدَ لا يكونُ في مكانينٍ في وقتٍ واحدٍ ، وهوَ الذي عناهُ بعضُ
المتكلمينَ حيثُ قالَ في حدِّ العقلِ : ( إنَّهُ بعضُ العلومِ الضروريةِ ؛ كالعلمِ
بجوازِ الجائزاتِ واستحالةِ المستحيلاتِ ) .
وهوَ أيضاً صحيحٌ في نفسِهِ ؛ لأنَّ هذهِ العلومَ موجودةٌ ، وتسميتُها عقلاً
ظاهرٌ، وإنَّما الفاسدُ أنْ تُنكرَ تلكَ الغريزةُ ويقالَ : لا موجودَ إلا هذهِ
العلومُ .
الثالثُ : علومٌ تُستفادُ مِنَ التجاربِ بمجاري الأحوالِ : فإنَّ مَنْ حنَّكَتْهُ
التجاربُ وهذَّبَتْهُ المذاهبُ يُقالُ: إنَّهُ عاقلٌ في العادةِ ، ومَنْ لا يتصفُ بهِهذهِ
الصفةِ .. فيُقالُ: إنَّهُ غبِيٌّ غُمْرٌ جاهلٌ، فهذا نوعٌ آخرُ مِنَ العلومِ سُمِّيَ عقلاً .
والرابعُ : أَنْ تنتهيَ قوَّةُ تلكَ الغريزةِ إلى أنْ يعرفَ عواقبَ الأمورِ ، ويقمعَ
الشهوةَ الداعيةَ إلى اللذَّةِ العاجلةِ ويقهرَها : فإذا حصلتْ هذهِ القوَّةُ سُمِّيَ
صاحبُها عاقلاً ، مِنْ حيثُ إِنَّ إقدامَهُ وإحجامَهُ بحسَبِ ما يقتضيهِ النظرُ في
العواقبِ ، لا بحكم الشهوةِ العاجلةِ ، وهذهِ أيضاً مِنْ خواصِّ الإنسانِ التي
بها يتميَّرُ عنْ سائرِ الحيوانِ .
٣١٤

ربع العبادات
٢٠٠
كتاب العلم
فالأولُ : هوَ الأسُّ والسِنْخُ والمنبعُ .
والثاني : هوَ الفرْعُ الأقربُ إليهِ .
والثالثُ : فرعُ الأوَّلِ والثاني ؛ إذْ بقوَّةِ الغريزةِ والعلوم الضروريةِ تستفادُ
علومُ التجاربِ .
والرابعُ : هوَ الثمرةُ الأخيرةُ ، وهيَ الغايةُ القصوى .
فالأوَّلانِ بالطبْع ، والأخيرانِ بالاكتسابِ ، ولذلكَ قالَ عليٌّ كَرَّمَ اللهُ
وجهَهُ(١) :
[من الهزج]
رَأَيْتُ الْعَقْلَ عَقْلَيْنِ فَمَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعُ
إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ
وَلاَ يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ
كَمَا لاَ تَنْفَعُ الشَّمْسُ وَضَوْءُ الْعَيْنِ مَمْنُوعُ
والأوَّلُ هوَ المرادُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ما خلقَ اللهُ خلقاً أكرمَ عليهِ
مِنَ العقلِ))(٢)، والأخيرُ هوَ المرادُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا تقرَّبَ
الناسُ بأبوابِ البرِّ والأعمالِ الصالحةِ .. فتقرَّبْ أنتَ بعقلِكَ))(٣)، وهوَ المرادُ
بقولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأبي الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ: ((ازددْ
عقلاً .. تزددْ مِنْ رَبِّكَ قُرْباً))، فقالَ: بأبي أنتَ وأمِّي؛ وكيفَ لي بذلكَ؟
(١) ديوان سيدنا علي الموسوم بـ: (( أنوار العقول لوصي الرسول)) (ص١٦١ ).
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٨٣/٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٨/٧)،
والبيهقي في ((الشعب)) ( ٤٣١٢) .
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٨/١).
٣١٥

كتاب العلم
ربع العبادات
فقالَ: ((اجتنبْ محارمَ اللهِ تعالى، وأدِّ فرائضَ اللهِ سبحانَهُ .. تكنْ عاقِلاً،
واعملُ بالصالحاتِ مِنَ الأعمالِ .. تزددْ في عاجلِ الدنيا رفعةُ وكرامةً ، وتتلْ
في آجِلِ العُقْبَى بها مِنْ ربِّكَ عزَّ وجلَّ القربَ والعِزَّ))(١) .
وعنْ سعيدِ بنِ المسيَّبِ : أنَّ عمرَ وأُبَيَّ بنَ كعبٍ وأبا هريرةَ رضيَ اللهُ
عنهُمْ دخلوا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالوا : يا رَسُولَ اللهِ ؛ مَنْ
أعلمُ الناسِ ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((العاقلُ))، قَالُوا: فَمَنْ أعبدُ
الناس؟ قالَ: ((العاقلُ))، قالوا: فَمَنْ أفضلُ الناس؟ قالَ: ((العاقلُ))،
قالوا : أليسَ العاقلُ مَنْ تَمَّتْ مروءَتُهُ ، وظهرتْ فصاحتُهُ ، وجادتْ كنُّهُ ،
وعظُمتْ منزلتُهُ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((﴿وَإِن كُلُ ذَلِكَ لَمَّا مَتَحُ
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبَّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، إنَّ العاقلَ هوَ المتقي وإنْ كانَ في
الدنيا خسيساً ذليلاً))(٢).
١٠٠١٥
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثٍ آخرَ : ((إنَّما العاقلُ مَنْ آمَنَ باللهِ
وصدّقَ رسلَهُ وعملَ بطاعتِهِ ))(٣) .
ويشبهُ أنْ يكونَ الاسمُ في أصلِ اللغةِ لتلكَ الغريزةِ ، وكذا في
الاستعمالِ ، وإنَّما أُطلقَ على العلوم مِنْ حيثُ إنَّها ثمرتُها كما يُعرفُ الشيءُ
بثمرتِهِ ، فيُقالُ: ( العلمُ هوَ الخشيةُ ، والعالمُ مَنْ يخشى اللهَ تعالى ) ؛ فإنَّ
(١) هو عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ٢٤٢).
(٢) من أحاديث ابن المحبر في ((العقل)). انظر (( الإتحاف)) (١/ ٤٦٢).
(٣) من أحاديث ابن المحبر في ((العقل)". انظر ((الإتحاف)) (٤٦٢/١).
٣١٦

ربع العبادات
کتاب العلم
طاچ
الخشيةَ ثمرةُ العلم ، فيكونُ كالمجازِ لغيرِ تلكَ الغريزةِ ، ولكنْ ليسَ الغرضُ
البحثَ عنِ اللغةِ(١).
والمقصودُ أنَّ هذهِ الأقسامَ الأربعةَ موجودةٌ ، والاسمُ يُطلقُ على
جميعِها ، ولا خلافَ في وجودِ جميعِها إلا في القسمِ الأولِ ، والصحيحُ
وجودُها ، بلْ هيَ الأصلُ ، وهذهِ العلومُ كأنَّها مضمَّنَةٌ في تلكَ الغريزةِ
بالفطرةِ ، ولكنْ تظهرُ إلى الوجودِ إذا جَرى سببٌ يُخرجُها إلى الوجودِ ،
حتَّى كأنَّ هذهِ العلومَ ليستْ بشيءٍ واردٍ عليها مِنْ خارج ، وكأنَّها كانتْ
مستكنَّةً فيها فظهرتْ .
3
ومثالُهُ : الماءُ في الأرضِ ؛ فإنَّهُ يظهرُ بحَفْرِ القُنِيِّ(٢) ، ويجتمعُ ويتميَّزُ
بالحسِّ ، لا بأنْ يُساقَ إليها شيءٌ جديدٌ، وكذلكَ الدُّهْنُ في اللوزِ ، وماءُ
الورْدِ في الورْدِ .
ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ
عَلَىّ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾، فالمرادُ بهِ : إقرارُ نفوسِهِمْ لا إقرارُ
الألسنةِ؛ فإنَّهُمُ انقسموا في إقرارِ الألسنةِ حيثُ وجدتِ الألسنةُ والأشخاصُ إلى
مقِرٍّ وجاحدٍ(٣) .
(١) أشار بذلك إلى أنه خالفهم - أهل اللغة - فيما أطبقوا عليه. ((إتحاف)) (١/ ٤٦٣).
(٢) القُنيُّ : جمع قناة ؛ وهي الجدول الصغير .
(٣) فمنهم من بقي على إقراره الأصلي من أول وهلة ، ومنهم من راجع إقراره فيما بعد
بتوفيق من الله تعالى ، ومنهم من لم يقرَّ مطلقاً ، فالإقرار ثابت بنص الآية ولكن =
٣١٧
عدد

كتاب العلم
ربع العبادات
ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، معناهُ: إِنِ
اعتبرتَ أحوالَهُمْ .. شهدتْ بذلكَ نفوسُهُمْ وبواطنُهُمْ، ﴿فِطَرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾ أيْ: كلُّ آدميٍّ فُطِرَ على الإيمانِ باللهِ عزَّ وجلَّ ، بلْ على معرفةٍ
الأشياءِ على ما هيَ عليهِ (١)؛ أعني: أنَّها كالمضمَّنَةِ فيها لقربِ استعدادِها
للإدراكِ .
ثمَّ لمَّا كانَ الإيمانُ مركوزاً في النفوسِ بالفطرةِ .. انقسمَ الناسُ إلى
قسمينِ : إلى مَنْ أعرضَ فنسيَ وهُمُّ الكفَّارُ ، وإلىْ مَنْ أجالَ خاطرَهُ فتذكَّرَ ،
فكانَ كمَنْ حملَ شهادةٌ فنسيَها بغفلةٍ ثمَّ تذكَّرَها ؛ ولذلكَ قالَ تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ﴾، ﴿ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾، ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيَّكُمْ
وَمِيثَقَّهُ الَّذِى وَاتَّقَكُمْ بِهِ﴾، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّذَّكِرٍ﴾ .
وتسميةُ هذا النمطِ تذكُّراً ليسَ ببعيدٍ ، وكأنَّ التذكُّرَ ضربانِ :
أحدُهما : أنْ يذكُرَ صورةٌ كانتْ حاضرةَ الوجودِ في قلبهِ لكنْ غابتْ بعدَ
الوجودِ .
لا بالألسنة، وهذا الذي أورده المصنف أشار به إلى ثمرة العقل من معرفة الله الضرورية
=
وغاية ما يبلغ إليه الإنسان من ذلك ؛ فأشرف ثمرة العقل معرفة الله سبحانه وتعالى
وحسن طاعته والكف عن معصيته. ((إتحاف)) (٤٦٣/١).
(١) ولم يقل: (بل على معرفة الله تعالى)، فإنه إنما عنى بالإيمان معرفة الله الضرورية ؛
وهي معرفة كل أحد أنه مفعول ، وأن له فاعلاً فعله ونقله من الأحوال المختلفة ،
لا المعرفة المكتسبة. ((إتحاف)) (٤٦٣/١ ) .
٣١٨

ربع العبادات
٤٩
کتاب العلم
والآخرُ : أنْ يكونَ عنْ صورةٍ كانتْ مضمَّنَةً فيهِ بالفطرةِ .
وهذهِ حقائقُ ظاهرةٌ للناظرِ بنورِ البصيرةِ ، ثقيلةٌ على مَنْ مستروَحُهُ
و
السماعُ والتقليدُ دونَ الكشْفِ والعَيانِ ، ولذلكَ تراهُ يتخبّطَ في مثلِ هذهِ
الآياتِ ، ويتعسَّفُ في تأويلِ التذكَّرِ وإقرارِ النفوسِ أنواعاً مِنَ التعسفاتِ ،
ويتخايلُ إليهِ في الأخبارِ والآياتِ ضروبٌ مِنَ المناقضاتِ ، وربَّما يغلبُ ذلكَ
عليهِ حتَّى ينظرَ إليها بعينِ الاستحقارِ ، ويعتقدَ فيها التهافتَ .
ومثالُهُ : مثالُ الأعمى الذي يدخلُ داراً فيعثُرُ فيها بالأواني المصفوفةِ في
الدارِ فيقولُ : ما لهذهِ الأواني لا تُرفعُ مِنَ الطريقِ وتُرُّ إلى مواضعِها ؟
فيُقالُ لهُ: إنَّها في مواضعِها ، وإنَّما الخلَلُ في بصرِكَ .
فكذلكَ خلَلُ البصيرةِ يجري مجراهُ وأطمُّ منهُ وأعظمُ ؛ إذِ النفسُ
كالفارسِ، والبدنُ كالفرسِ ، وعَمَى الفارسِ أضرُّ مِنْ عَمَى الفرسِ .
ولمشابهةِ بصيرةِ الباطنِ لبصرِ الظاهرِ قالَ اللهُ تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا
رَأَى﴾ .
وقالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ ذُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ الآيَةَ.
١٧٠٠
وسمَّى ضدَّهُ عمىّ، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَ تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ
آَتِى فِ الصُّدُورِ﴾ .
1.42
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِى هَذِهِةٍ أَعْمَىْ فَهُوَ فِى الْأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ
سَبِيلًا﴾ .
٣١٩

@
كتاب العلم
ربع العبادات
وهذهِ الأمورُ التي كُشفتْ للأنبياءِ بعضُها كانَ بالبصر ، وبعضُها كانَ
بالبصيرةِ ، وسمَّى الكلَّ رؤيةً .
وبالجملةِ : مَنْ لمْ تكنْ بصيرتُهُ الباطنةُ ثاقبةً .. لمْ يعلقْ بهِ مِنَ الدينِ إلا
قُشُورُهُ وأمثلتُهُ دونَ لبابِهِ وحقائقِهِ .
فهذهِ أقسامُ ما ينطلقُ اسمُ العقلِ عليها .
-
٣٢٠