النص المفهرس
صفحات 181-200
ربع العبادات كتاب العلم البَابُ الْخَامِيسُ في آداب المتعلم والمعلم أمَّا المتعلِّمُ : فآدابُهُ ووظائفُهُ الظاهرةُ كثيرةٌ ، ولكنْ تَنْظِمُ تفاريعَها عشرُ جملٍ : الوظيفةُ الأولى : تقديمُ طهارةِ النفْسِ عنْ رذائلِ الأخلاقِ ومذموم الأوصافِ: إذِ العلمُ عبادةُ القلبِ ، وصلاةُ السرِّ ، وقربةُ الباطنِ إلى اللهِ تعالى ، وكما لا تصحُّ الصلاةُ التي هيَ وظيفةُ الجوارحِ الظاهرةِ إلا بتطهيرِ الظاهرِ عنِ الأحداثِ والأخباثِ .. فكذلكَ لا تصحُّ عبادةُ الباطنِ وعمارةُ القلبِ بالعلمِ إلا بعدَ طهارتِهِ عنْ خبائثِ الأخلاقِ وأنجاسِ الأوصافِ . قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( بِيَ الدِّينُ على النظافةِ))(١) ، وهوَ كذلكَ باطناً وظاهراً . وقالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّهَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسٌّ﴾ تنبيهاً للعقولِ على أنَّ الطهارةَ والنجاسةَ غيرُ مقصورةٍ على الظواهرِ المدركةِ بالحسِّ ، فالمشركُ قدْ يكونُ (١) رواه الرافعي في ((التدوين في أخبار قزوين)) (١٧٦/١) بلفظ: ((فإن الله بنى الإسلام على النظافة))، وعند الترمذي (٢٧٩٩): ((إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة . .. " . ١٨١ كتاب العلم ربع العبادات نظيفَ الثوبِ مغسولَ البدنِ ، ولكنَّهُ نجسُ الجوهرِ ؛ أي : باطنُهُ ملطٌّ بالخبائثِ . والنجاسةُ عبارةٌ عمَّا يُجتنبُ ويُطلبُ البعدُ منهُ ، وخبائثُ صفاتِ الباطنِ أهمّ بالاجتنابِ ؛ فإنَّها معَ خبئِها في الحالِ مهلكاتٌ في المآلِ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تدخلُ الملائكةُ بيتاً فيهِ كلبٌ))(١) ، والقلبُ بيتٌ هوَ منزلُ الملائكةِ ومهبطَ أثرِهِمْ ومحلٌّ استقرارِهِمْ ؛ والصفاتُ الرديئةُ مثلُ الغضبِ والشهوةِ ، والحقدِ والحسدِ ، والكبرِ والعجبِ ، وأخواتِها .. كلابٌ نابحةٌ ؛ فأنَّى تدخلُهُ الملائكةُ وهوَ مشحونٌ بالكلابِ ، ونورُ العلمِ لا يقذفُهُ اللهُ في القلبِ إلا بواسطةِ الملائكةِ؟! ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، وهكذا ما يرسلُ مِنْ رحمةِ العلومِ إلى القلوبِ إنَّما تتولاها الملائكةُ المؤكَّلونَ بها، وهمُ المقدَّسونَ المطهّرونَ المبرَّؤونَ عنِ المذموماتِ ، فلا يلاحظونَ إلا طيِّاً ، ولا يَعْمُرُونَ بما عندَهُمْ مِنْ خزائنِ رحمةِ اللهِ إلا طيباً طاهراً(٢). (١) رواه البخاري (٣٢٢٥)، ومسلم (٢١٠٦). (٢) قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( فإن قلت : كيف آمن من كفر وأطاع من عصى واهتدى من ضل ؛ إذ كانت الشياطين لا تفارق قلب الكافر والعاصي والضال بما يبثون فيه من الأخلاق المذمومة ، وأصنافُ الخير إنما ترد من الله عز وجل بواسطة الملائكة ، وهي لا تدخل موضعاً يحل فيه شيء مما ذكر ، وإذا لم تدخل .. لم يصل إلى الخير الذي يكون معها ولم تصل إليه ، فعلى هذا يجب أن يبقى كل كافر على حاله ، ومن لم يخلق مؤمناً معصوماً .. فلا سبيل له إلى الإيمان على هذا المفهوم . فالجواب : إن للشياطين = ١٨٢ ربع العبادات كتاب العلم ولستُ أقولُ : المرادُ بلفظِ البيتِ هوَ القلبُ ، وبالكلبِ هوَ الغضبُ والصفاتُ المذمومةُ ، ولكنِّي أقولُ : هوَ تنبيهٌ عليهِ ، وفرقٌ بينَ تغييرٍ الظواهرِ إلى البواطنِ وبينَ التنُّهِ للبواطنِ مِنْ ذكرِ الظواهرِ معَ تقريرِ الظواهرِ ، ففارقَ الباطنيةَ بهذهِ الدقيقةِ ، فإنَّ هذا طريقُ الاعتبارِ ، وهوَ مسلكُ العلماءِ والأبرارِ ؛ إذْ معنى الاعتبارِ أنْ تعبرَ ممَّا ذكرَ إلى غيرِهِ ، فلا تقتصرُ عليهِ ؛ كما يرى العاقلُ مصيبةً لغيرِهِ فيكونُ لهُ فيها عبرةٌ بأنْ يعبرَ منها إلى التنُّهِ لکونِهِ أيضاً عرضةً للمصائبِ ، وكونِ الدنيا بصددِ الانقلابِ ؛ فعبورُهُ مِنْ غيرِهِ إلى نفسِهِ ، ومِنْ نفسِهِ إلى أصلِ الدنيا عبرةٌ محمودةٌ . جبـ فاعبرْ أنتَ أيضاً مِنَ البيتِ الذي هوَ بناءُ الخلقِ إلى القلبِ الذي هوَ بيتٌ مِنْ بناءِ اللهِ تعالى ، ومِنَ الكلبِ الذي ذُمَّ لصفتِهِ لا لصورتِهِ وهوَ ما فيهِ مِنْ سَبُعيَّةٍ ونجاسةٍ إلى روحِ الكلبيةِ وهيَ السُبُّعيَّةُ . واعلمْ: أنَّ القلبَ المشحونَ بالغضبِ ، والشَّرَهِ إلى الدنيا ، والتكالبِ عليها ، والحرصِ على التمزيقِ لأعراضِ الناسِ .. كلبٌ في المعنى، وقلبٌ ءُ في الصورةِ ، فنورُ البصيرةِ يلاحظَ المعانيَ دونَ الصورِ ؛ والصورُ في هذا غفلات ، وللأخلاق المذمومة عزفات ، كما أن للملائكة غيبات ولتواتر الخير عليها = فترات ، فإذا وجد الملك قلباً خالياً ولو زمناً فرداً .. حلَّ فيه ، وأراه ما عنده من الخير ، فإن صادف منه قبولاً ، ولما عَرَضَ عليه تشوُّفاً ونزوعاً .. أورد عليه ما يملؤه ويستغرق لَّه ، وإن صادف منه ضجراً ، وسمع منه لجنود الشياطين استغاثةٌ ، وبالأخلاق الكلابية استعانةً .. رحل عنه وتركه). ((الإملاء)) (ص٢٣). ١٨٣ كتاب العلم ربع العبادات العالمِ غالبةٌ على المعاني ، والمعاني باطنةٌ فيها ، وفي الآخرةِ تتبعُ الصورُ المعانيَ ، وتغلبُ المعاني ، فلذلكَ يُحشرُ كلُّ شخْصٍ على صورتِهِ المعنويةِ ، فيُحشرُ الممزِّقُ لأعراضِ الناسِ كلباً ضارياً ، والشرِهُ إلى أموالِهِمْ ذئباً عادياً ، والمتكبِّرُ عليهِمْ في صورةِ نمرٍ ، وطالبُ الرئاسةِ في صورةٍ أسدٍ . وقدْ وردتْ بذلكَ الأخيارُ ، وشهدَ بهِ الاعتبارُ عندَ ذوي البصائرِ والأبصارِ(١) ، وشهدَ به شواهدُ الرؤيا؛ فإنَّ النائمَ لما بَعُدَ عنْ عالمٍ المحسوساتِ .. قربَ منْ ذلك العالمِ ؛ إذِ النومُ أخو الموتِ ، فيرى في النوم الموصوفينَ بهذهِ الصفاتِ على هذهِ التي ذكرناها(٢). فإنْ قلتَ : كمْ مِنْ طالبٍ رديءِ الأخلاقِ حصَّلَ العلومَ ! (١) فما جادت به قريحة المؤلف من لطائف إشارات النصوص دليلُ فهم واستبصار ، قال رحمه الله تعالى : ( ولا نكْرَ في ذلك إذا دلَّ عليه العلم وجملة الاستنباط ، ولم تمجه القلوب المستضاءة ، ولم تصادم به شيئاً من أركان الشريعة ، فلا تكن جاحداً ، ولا تجزع من تشنيع جاهل ولا من نفور مقلد ؛ فكثيراً ما ورد شرع مقرون بسبب ، فرأى أهل الاعتبار وجه تعدِّيه عن سببه إلى ما في معناه ومشابهٍ له من الجهة التي تصلح أن يعديها إليه، ولولا ذلك .. لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ربَّ مبلغ أوعى من سامع، وحامل فقه إلى من هو أفقه منه))). (( الإملاء)) (ص٢٣). در۔ (٢) من قوله: ( وشهد به شواهد) إلى قوله : ( التي ذكرناها ) زيادة من (أ)، ويؤكد نسبتها له ما في ((كيمياء السعادة)) ( ص ١٢٠) ، والله أعلم . ١٨٤ رقـ ربع العبادات كتاب العلم فهيهاتَ ما أبعدَكَ عَنِ العلْمِ الحقيقيِّ النافع في الآخرةِ الجالبِ للسعادةِ ؛ فإنَّ مِنْ أوائلِ ذلكَ العلمِ أنْ يظهرَ لهُ أنَّ المعاصيَ سمومٌ قاتلةٌ مهلكةٌ ، وهلْ رأيتَ مَنْ يتناولُ سمّاً معَ علمِهِ بكونِهِ سمّاً قاتلاً ؟! إنَّما الذي تسمعُهُ مِنَ المترسِّمينَ حديثٌ تلقَّفُوهُ ، يوردونَهُ بألسنتِهِمْ مرَّةً ، ويرددونَهُ بقلوبِهِمْ أخرى ، وليسَ ذلكَ مِنَ العلمِ في شيءٍ ؛ قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ليسَ العلمُ بكثرةِ الروايةِ ، إنَّما العلمُ نورٌ يُقذفُ في القلبِ )(١) . جز وقالَ بعضُهُمْ: ( إنما العلمُ الخشيةُ؛ إذْ قالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾﴾(٢). وكأنَّهُ إشارةٌ إلى أخصِّ ثمراتِ العلمِ ، ولذلكَ قالَ بعضُ المحققينَ : معنى قولِهِمْ: ( تعلَّمْنا العلمَ لغيرِ اللهِ، فأبى العلمُ أنْ يكونَ إلا للهِ)(٣): أنَّ العلمَ أَبَى وامتنعَ علينا ، فلمْ تنكشفْ لنا حقيقتُهُ، وإنَّما حصلَ لنا حديثُهُ وألفاظُهُ . (١) رواه أحمد في ((الزهد)) (٨٦٧) وفيه: ( ولكن العلم الخشية ) كما هو في الخبر اللاحق . (٢) وهو - كما سبق - لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو في ((الحلية)) (١٣١/١)، وانظر ((الدر المنثور)) (٢٠/٧). (٣) هو قول سفيان الثوري كما صرح به الإمام الغزالي في كتاب ( العزلة ). ١٨٥ فا كتاب العلم ربع العبادات فإنْ قلتَ : إنِّي أرى جماعةٌ مِنَ الفقهاءِ المحقّقينَ برَّزوا في الفروع والأصولِ ، وعُدُّوا مِنْ جملةِ الفحولِ ، وأخلاقُهُمْ ذميمةٌ لمْ يتطهَّروا منها . فيقالُ : إذا عرفتَ مراتبَ العلوم ، وعرفتَ علمَ الآخرةِ .. استبانَ لكَ أنَّ ما اشتغلوا بهِ قليلُ الغَناءِ مِنْ حيثُ كونُهُ علماً، وإنَّما غناؤُهُ مِنْ حيثُ كونُهُ عملاً للهِ تعالى ، إذا قُصِدَ بهِ التقرُّبُّ إلى اللهِ تعالى . وقدْ سبقَ إلى هذا إشارةٌ ، وسيأتيكَ فيهِ مزيدُ بيانٍ وإيضاح إنْ شاءَ اللهُ تعالى(١). الوظيفةُ الثانيةُ : أَنْ يقلِّلَ علائقَهُ مِنْ أَشغالِ الدنيا ويبعدَ عَنِ الأهلِ والوطنِ : فإنَّ العلائقَ شاغلةٌ وصارفةٌ ، وما جعلَ اللهُ لرجلٍ مِنْ قلبينِ في جوفِهِ ، ومهما توزعتِ الفكرةُ .. قَصُرَتْ عنْ درْكِ الحقائقِ، ولذلكَ قيلَ : ( العلمُ لا يعطيكَ بعضَهُ حتَّى تعطيَهُ كُلَّكَ ، فإذا أعطيتَهُ كُلَّكَ .. فأنتَ مِنْ إعطائِهِ إِيَّاكَ بعضَهُ على خطرٍ)(٢). والفكرةُ المتوزِّعَةُ على أمورٍ متفرّقةٍ كجدولٍ تفرَّقَ ماؤُهُ ، فَنَشِفَتِ الأرضُ بعضَهُ، واختطفَ الهواءُ بعضَهُ، فلا يبقى منهُ ما يجتمعُ ويبلغُ المُزْدَرَعَ(٣). (١) في ذكر العلامات الفارقة بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة . (٢) الفقيه والمتفقه (٨٦٤)، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ( ١٥٧٠). (٣) المزدرع : موضع الزراعة . ١٨٦ ربع العبادات كتاب العلم الوظيفةُ الثالثةُ : ألا يتكبَّرَ على العلمِ ولا ينأمََّ على المعلِّمِ : بلْ يلقي إليهِ زمامَ أمرِهِ بالكلّيَّةِ في كلِّ تفصيلٍ ، ويذعنُ لنصحِهِ إذعانَ المريضِ الجاهلِ للطبيبِ المشفقِ الحاذقِ . وينبغي أنْ يتواضعَ لمعلِّمِهِ ويطلبَ الثوابَ والشرفَ بخدمتِهِ ، قَالَ الشعبيُّ: صلَّى زيدُ بنُ ثابتٍ على جنازةٍ ، فَقُرِّبَتْ إليهِ بغلتُهُ ليركبَها ، فجاءَ ابنُ عباسٍ فأخذَ بركابِهِ ، فقالَ زيدٌ : خلِّ عنهُ يا بنَ عمِّ رسولِ اللهِ ، فقالَ ابنُ عباس : هكذا أُمِرْنا أنْ نفعلَ بالعلماءِ والكبراءِ(١) ، فقبَّلَ زيدُ بنُ ثابتٍ يدَهُ وقالَ : هكذا أمرْنا أن نفعلَ بأهلِ بيتِ نبيًّا محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ليسَ مِنْ أخلاقِ المؤمِنِ التملُّقُ إلا في طلبِ العلمِ)) (٣). الم. فلا ينبغي للطالبِ أنْ يتكبّرَ على المعلِّم ، ومِنْ تكبِّرِهِ على المعلُّم أنْ يستنكفَ مِنَ الاستفادةِ إلا مِنَ المرموقينَ المشهورينَ ، وهوَ عينُ الحماقةِ ؛ فإنَّ العلمَ سببُ النجاةِ والسعادةِ ، ومَنْ يطلبُ مهرباً مِنْ سبع ضارٍ يفترسُهُ .. لمْ يفرِّقْ بينَ أنْ يرشدَهُ إلى الهربِ مشهورٌ أَوْ خاملٌ ، وضراوةٌ سباع (١) الكبراء هنا : ذوو الأسنان والشيوخ . (٢) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ٨٣٢) بتمامه ، وأصله عند الطبراني في ((الكبير)) (١٠٧/٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٢٣/٣). (٣) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٨٥٩)، والخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) ( ١٤٧٣ ) . ١٨٧ کتاب العلم ربع العبادات النارِ بالجهَّالِ باللهِ تعالى أشدُّ مِنْ ضراوةِ كلِّ سبعٍ . فالحكمةُ ضالَّةُ المؤمنِ ، يغتنمُها حيثُ يظفرُ بها ، ويتقلَّدُ المنَّةَ لمَنْ ساقَها إليهِ كائناً مَنْ كانَ ، ولذلكَ قيلَ : [من الكامل] الْعِلْمُ حَرْبٌّ لِلْفَتَى الْمُتَعَالِيِ كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِيِ(١) فلا يُنالُ العلْمُ إلا بالتواضع وإلقاءِ السمع ؛ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلَقَ السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، ومعنى كونِهِ ذا قلبٍ : أَنْ يكونَ قابلاً للعلمِ فَهِماً ، ثمَّ لا تغنيهِ القدرةُ على الفهْمِ حتَّى يُلْقِيَ السمعَ وهوَ شهيدٌ حاضرُ القلبِ ، يستقبلُ كلَّ ما يُلقى إليهِ بحسْنِ الإصغاءِ والضراعةِ والشكرِ والفرحِ وقبولِ المنَّةِ . فليكنِ المتعلِّمُ لمعلِّمِهِ كأرضٍ دَمْثَةٍ (٢) نالتْ مطراً غزيراً ، فشربتْ بجميع أجزائها ، وأذعنتْ بالكلِّيَّةِ لقبولِهِ ، ومهما أشارَ عليهِ المعلِّمُ بطريقٍ في التعلُّمِ .. فليقلِّدْهُ وليدعْ رأيَهُ؛ فإنَّ خطأَ مرشدِهِ أنفعُ لهُ مِنْ صوابِهِ في نفسِهِ ؛ إذِ التجربةُ تُطلِعُ على دقائقَ يُستغربُ سماعُها معَ أنَّهُ يعظَمُ نفعُها ، فكمْ مِنْ مريضٍ محرورٍ يعالجُهُ الطبيبُ في بعضٍ أوقاتِهِ بالحرارةِ ؛ ليزيدَ في قوَّتِهِ إلى حدٍّ يحتملُ صدمةَ العلاج ، فيتعجَّبُ منهُ مَنْ لا خبرةَ لهُ . (١) انظر ((التبيان)) (ص٦٣)، و((المجموع)) (٦٢/١)، و((نشر طي التعريف)) (ص ٢٤٥ ). (٢) الدمثة : الأرض السهلة المنخفضة . ١٨٨ ربع العبادات كتاب العلم وقدْ نَّهَ اللهُ تعالى بقصَّةِ الخضرِ وموسىُ عليهما السلامُ حيثُ قالَ الخضِرُ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ﴾ وَكَيْفَ تَّصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًا﴾، ثمّ شرطَ عليهِ السكوتَ والتسليمَ فقالَ: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾، ثمَّ لمْ يصبرْ ولمْ يزلْ في مرادَّتِهِ إلى أنْ كانَ ذلكَ سببَ فراقِ ما بينَهما . وبالجملةِ : كلُّ متعلُّم استبقى لنفسِهِ رأياً واختياراً وراءَ اختيارِ المعلّم .. فاحكمْ عليهِ بالإِخفاقِ والخسرانِ . فإنْ قلتَ: فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَسْشَلُواْأَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فالسؤالُ مأمورٌ بهِ . فاعلمْ : أنَّهُ كذلكَ ، ولكنْ فيما يأذنُ المعلِّمُ في السؤالِ عنهُ ؛ فإنَّ السؤالَ عمَّا لمْ تبلغْ رتبتُكَ إلى فهمِهِ مذمومٌ ، ولذلكَ منعَ الخضرُ موسى عليهما السلامُ عنِ السؤالِ ؛ أي : دَع السؤالَ قبلَ أوانِهِ ، فالمعلِّمُ أعلمُ بما أنتَ أهلٌ لهُ، وبأوانِ الكشْفِ ، وما لمْ يدخلْ أوانُ الكشفِ في كلِّ درجةٍ مِنْ مراقي الدرجاتِ .. لا يدخلُ أوانُ السؤالِ عنهُ . وقدْ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنَّ مِنْ حقِّ العالمِ : ألا تكثرَ عليهِ بالسؤالِ ، ولا تعنَتَّهُ في الجوابِ ، ولا تلحَّ عليهِ إذا كسلَ ، ولا تأخذ بثوبِهِ إذا نهضَ ، ولا تفشيَ لهُ سرّاً ، ولا تغتابَنَّ عندَهُ أحداً ، ولا تطلبَنَّ عَثْرَتَهُ ، ١٨٩ کتاب العلم ربع العبادات وإنْ زلَّ .. قبلتَ معذرتَهُ، وعليكَ أنْ توقِّرَهُ وتعظّمَهُ للهِ تعالى ما دامَ يحفظُ أمرَ اللهِ تعالى ، ولا تجلسْ أمامَهُ ، وإنْ كانتْ لهُ حاجةٌ .. سبقْتَ القومَ إلى خدمته )(١) الوظيفةُ الرابعةُ: أنْ يحترزَ الخائضُ في العلم في مبدأِ الأمرِ عنِ الإصغاءِ إلى اختلافِ الناسِ ، سواءٌ كانَ ما خاضَ فيهِ مِنْ علوم الدنيا أوْ مِنْ علومٍ الآخرةِ : فإنَّ ذلكَ يدهشُ عقلَهُ ويحيِّرُ ذهنَهُ، ويفتِّرُ رأيَهُ ويؤيسُهُ عنِ الإدراكِ والاطلاع ، بلْ ينبغي أنْ يتقنَ أولاً الطريقةَ الحميدةَ الواحدةَ المرضيةَ عندَ أستاذِهِ ، ثمَّ بعدَ ذلكَ يصغي إلى المذاهبِ والشُّبَهِ . وإنْ لمْ يكنْ أستاذُهُ مستقلاً باختيارِ رأي واحدٍ وإنَّما عادتُهُ نقلُ المذاهبِ وما قيلَ فيها .. فليحذرْ منهُ؛ فإنَّ إضلالَهُ أكثرُ مِنْ إرشادِهِ ، ولا يصلحُ الأعمى لقودِ العميانِ وإرشادِهِمْ، ومَنْ هذا حالُهُ فهوَ بعدُ في عمى الحَيْرةِ وتيهِ الجهلِ . ومنعُ المبتدىءٍ عَنِ الشبهِ يضاهي منعَ الحديثِ العهدِ بالإسلامِ عنْ مخالطةِ الكفارِ ، وندبُ القويِّ إلى النظرِ في الاختلافاتِ يضاهي حثَّ القويِّ (١) الفقيه والمتفقه (٨٥٦) بنحوه . ١٩٠ ربع العبادات كتاب العلم على مخالطةِ الكفارِ ، ولذلكَ يُمنعُ العاجزُ عنِ التهجُّمِ على صفِّ الكفارِ، ويندبُ الشجاعُ لهُ . ومِنَ الغفلةِ عنْ هذهِ الدقيقةِ ظنَّ بعضُ الضعفاءِ أنَّ الاقتداءَ بالأقوياءِ فيما يُنْقِلُ عنهُمْ مِنَ المساهلاتِ جائزٌ ، ولمْ يدركْ أنَّ وظائفَ الأقوياءِ تخالفُ وظائفَ الضعفاءِ، ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ: ( مَنْ رآني في البدايةِ .. صارَ صدِّيقاً، ومَنْ رآني في النهايةِ .. صارَ زنديقاً)(١)؛ إذِ النهايةُ تردُّ الأعمالَ إلى الباطنِ، وتسكُّنُ الجوارحَ إلا عنْ رواتبِ الفرائضِ ، فيتراءىّ إلى الناظرِ أنَّهُ بطالةٌ وكسلٌ وإهمالٌ ، وهيهاتَ هيهاتَ ! فذلكَ مرابطةٌ للقلبِ في عينٍ الشهودِ والحضورِ ، وملازمٌ للذكرِ الذي هوَ أفضلُ الأعمالِ على الدوامِ . وتشبُّهُ الضعيفِ بالقويِّ فيما يَرَى مِنْ ظاهرِهِ أنَّهُ هفوةٌ يضاهي اعتذارَ مَنْ يُلقي نجاسةً يسيرةً في كوزِ ماءٍ ويتعلَّلُ بأنَّ أضعافَ هذهِ النجاسةِ قدْ يُلقى في البحرِ والبحرُ أعظمُ مِنَ الكوزِ ، فما جازَ للبحرِ .. فهوَ للكوزِ أجوزُ ، ولا يدري المسكينُ أنَّ البحرَ بقوَّتِهِ يحيلُ النجاسةَ ماءً ، فتنقلبُ عينُ النجاسةِ باستيلائِهِ إلى صفتِهِ ، والقليلُ منَ النجاسةِ يغلبُ الكوزَ ويحيلُهُ إلى صفْتِهِ . وبمثلِ هذا جُوِّزَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما لمْ يُجوَّزْ لغيرِهِ ؛ حتّى أبيحَ لهُ تِسْعُ نِسوةٍ(٢) ؛ إذْ كانَ لهُ منَ القوَّةِ ما يتعدَّى منهُ صفةُ العدلِ إلى نسائِهِ (١) ميزان العمل ( ص ٣٤٧) . (٢) كما روى البخاري (٢٦٨)، ولفظ ( تسع نسوة ) من رواية سعيد عن قتادة عن أنس عنده ، وفيه كذلك رواية ( إحدى عشرة ) . ١٩١ كتاب العلم ربع العبادات وإنْ كثرْنَ ، وأمَّا غيرُهُ .. فلا يقدرُ على بعضِ العدْلِ، بلْ يتعدَّى ما بينَهُنَّ مِنَ الضرارِ إليهِ ، حتَّى ينجرَّ إلى معصيةِ اللهِ تعالى في طلبٍ رضاهنَّ ، فما أفلحَ مَنْ قاسَ الملائكةَ بالحدَّادينَ . الوظيفةُ الخامسةُ : ألا يدعَ طالبُ العلومِ فنّاً مِنَ العلوم المحمودةِ ولا نوعاً مِنْ أنواعِها إلا وينظرُ فيهِ نظراً يطلعُ بهِ على مقصدِهِ وغایتِهِ : ٤٠ ثُمَّ إِنْ ساعدَهُ العُمُرُ .. طلبَ التبخُرَ فيهِ، وإلا .. اشتغلَ بالأهمِّ منهُ واستوفاهُ ، وتطرّفَ مِنَ البقيةِ (١) ؛ فإنَّ العلومَ متعاونةٌ، وبعضَها مرتبطٌ بالبعضِ. ويستفيدُ منهُ في الحالِ الانفكاكَ عنْ عداوةِ ذلكَ العلمِ بسببٍ جهلِهِ ؛ فإنَّ الناسَ أعداءُ ما جهلوا، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ . وقالَ الشاعرُ(٢): [من الوافر] وَمَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرِّ مَرِيضٍ يَجِدْ مُرّاً بِهِ الْمَاءَ الزُّلالا فالعلومُ على درجاتِها : إمَّا سالكةٌ بالعبدِ إلى اللهِ تعالىُ ، أَوْ معينةٌ على السلوكِ نوعاً مِنَ الإعانةِ ، ولها منازلُ مرتَّبَةٌ في القربِ والبعدِ مِنَ المقصودِ ، والقُؤَّامُ بها حفظةٌ كحفّاظِ الرباطاتِ والثغورِ ، ولكلِّ واحدٍ رتبةٌ ، ولهُ (١) أي: أخذ منها الطرف والنوادر المحتاج إليها في حال طلبه. ((إتحاف)) (٣٢١/١). (٢) البيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٢٢٨/٣). ١٩٢ ربع العبادات کتاب العلم بحسَبِ درجتِهِ أجرٌ في الآخرةِ إذا قصدَ بهِ وجهَ الله تعالى . الوظيفةُ السادسةُ : إنَّ العمرَ إذا كانَ لا يتسعُ لجميعِ العلوم غالباً .. فالحزمُ أنْ يأخذَ مِنْ كلِّ شيءٍ أحسنَهُ : ويكتفيَ منهُ بشمَّةٍ ، ويصرفَ جِمامَ قوَّتِهِ في الميسورِ مِنْ علمِهِ إلى استكمالِ العلمِ الذي هوَ أشرفُ العلومِ وهوَ علمُ الآخرةِ ؛ أعني : قسمي المعاملةِ والمكاشفةِ ، فغايةُ المعاملةِ المكاشفةُ ، وغايةُ المكاشفةِ معرفةُ اللهِ عزَّ وجلَّ . ولستُ أعني بهِ الاعتقادَ الذي تلقَّنَهُ العاميُّ وراثةً أَوْ تلقُّفاً ، ولا طريقَ تحريرِ الكلامِ والمجادلةِ في تحصينِ ذلكَ عنْ مراوغاتِ الخصوم كما هوَ غايةٌ المتكلّمِ ، بلِ الذي أعنيهِ نوعُ يقينٍ هوَ ثمرةُ نورٍ يقذفُهُ اللهُ تعالى في قلبٍ عبدٍ طهّرَ بالمجاهدةِ باطنَهُ عنِ الخبائثِ حتى ينتهي إلى رتبةِ إيمانٍ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ الذي لوْ وُزِنَ بإيمانِ العالمينَ .. لرجحَ، كما شهدَ لهُ بهِ سيِّدُ البشرِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) ، فما عندي(٢) أنَّ ما يعتقدُهُ العاميُّ ويرتِّبُهُ المتكلِّمُ الذي لا يزيدُ على العاميِّ إلا في صنعةِ الكلام ولأجلِهِ سمِّيتْ صناعتُهُ كلاماً .. كانَ يعجَزُ عنهُ عمرُ وعثمانُ وعليٌّ وسائرُ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ، حتَّى كانَ يفضُلُهُمْ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ بالسرِّ الذي وَقَرَ في صدرِهِ . (١) رواه مرفوعاً ابن عدي في ((الكامل)) (٢٠١/٤)، والبيهقي موقوفاً على عمر رضي الله عنه في (( الشعب)) (٣٥). (٢) ( ما ) هنا نافية ؛ أي: ليس عندي . ١٩٣ ـوج كتاب العلم ربع العبادات والعجَبُ ممَّنْ يسمعُ مثلَ هذهِ الأقوالِ مِنْ صاحبِ الشرع صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ ثمَّ يزدري ما يسمعُهُ على وَفْقِهِ ، ويزعمُ أنَّهُ مِنْ ترَّهاتِ الصوفيةِ ، وأنَّ ذلكَ غيرُ معقولٍ . فينبغي أنْ تتئِدَ في هذا ، فعندَهُ ضيَّعْتَ رأسَ المالِ ، وكنْ حريصاً على معرفةِ ذلكَ السرِّ الخارج عنْ بضاعةِ الفقهاءِ والمتكلمينَ ، فلا يرشدُكَ إليهِ إلا حرصُكَ في الطلبِ . وعلى الجملةِ : فأشرفُ العلوم وغايتُها معرفةُ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وهيَ بحرٌ لا يُدركُ منتهى غورِهِ ، وأقصى درجاتِ البشرِ فيهِ رتبةُ الأنبياءِ ، ثمَّ الأولياءِ، ثُمَّ الذين يلونَهُمْ . وقد رُوِيَ أنَّهُ رُئِيَ صورةٌ حَكِيمينِ مِنَ الحكماءِ المتقدمينَ في مسجدٍ وفي يدِ أحدِهما رقعةٌ فيها : ( إنْ أحسنْتَ كلَّ شيءٍ .. فلا تظنَّنَّ أنَّكَ أحسنْتَ شيئاً حتَّى تعرفَ اللهَ تعالى وتعلمَ أنَّه مسببُ الأسبابِ وموجدُ الأشياءِ ) ، وفي يدِ الآخرِ : (كنتُ قبلَ أنْ أعرفَ اللهَ سبحانَهُ أشربُ وأظمأُ ، حتَّى إذا عرفتُهُ .. رَوِيتُ بلا شرْبٍ ) . الوظيفةُ السابعةُ : ألا يخوضَ في فنونِ العلم دفعةً ، بلْ يراعي الترتيبَ ، فيبدأُ بالأهمِّ فالأهمِّ ، ولا يخوضُ في فنٍّ حتَّى يستوفيَ الفنَّ الذي قبلَهُ : فإنَّ العلومَ مرتبةٌ ترتيباً ضرورياً ، وبعضُها طريقٌ إلى بعضٍ ، والموفَّقُ ١٩٤ ربع العبادات كتاب العلم مراعي ذلكَ الترتيبِ والتدريج ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ ◌ِلَاوَتِهِ ﴾ أيْ : لا يجاوزونَ فنَّ حتَّى يحكموهُ علماً وعملاً . وليكنْ قصدُهُ مِنْ كلِّ علمٍ يتحرَّاهُ الترقيَ إلى ما فوقَهُ ، وينبغي ألا تحكمَ على علمٍ بالفسادِ لوقوع الاختلافِ بينَ أصحابِهِ فيهِ ، ولا بخطأٍ واحدٍ أو آحادٍ فيهِ ، ولا بمخالفتِهِمْ موجَبَ العلمِ بالعملِ ، فترى جماعةً تركوا النظرَ في العقليّاتِ والفقهيَّاتِ متعلِّلينَ فيها بأنَّها لوْ كانَ لها أصلٌ .. لأدركَها أربابها ، وقدْ مضى كشفُ هذِهِ الشبهِ في كتابِنا (( مِعيارُ العلمِ ))، وترى طائفةً يعتقدونَ بطلانَ الطبِّ لخطأٍ شاهدوه من طبيبٍ . وطائفةٌ اعتقدوا صحَّةَ النجوم لصوابٍ اتفقَ لواحدٍ ، وطائفةً اعتقدوا بطلانَهُ لخطأِ اتفقَ لواحدٍ ، والكلُّ خطأٌ ، بلْ ينبغي أنْ يعرفَ الشيءَ في نفسِهِ ، فلا كلُّ علمٍ يستقلُّ بهِ كلٌّ شخصٍٍ ، ولذلكَ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ : ( لا تعرفِ الحقَّ بالرجالِ ، اعرفِ الحقَّ .. تعرفْ أهَلَهُ ). حيــ الوظيفةُ الثامنةُ: أنْ يعرفَ السببَ الذي بهِ يُدركُ شرفُ العلوم ، وأنَّ ذلكَ يُرادُ به شيئان : ٢٤٠٠٠ أحدُهما : شرفُ الثمرةِ . والثاني : وثاقةُ الدليلِ وقوَّتُهُ . وذلكَ كعلْمِ الدينِ وعلْمِ الطبِّ ؛ فإنَّ ثمرةَ أحدِهما الحياةُ الأبديةُ ، ١٩٥ کتاب العلم ربع العبادات وثمرةَ الآخرِ الحياةُ الفانيةُ، فيكونُ علمُ الدينِ أشرفَ . ومثلُ علمِ الحسابِ وعلمِ النجومِ ؛ فإنَّ علمَ الحسابِ أشرفُ ؛ لوثاقةٍ أدلتِهِ وقوَّتِها . وإذا نُسبَ الحسابُ إلى الطبّ .. كانَ الطبُّ أشرفَ باعتبارِ ثمرتِهِ ، والحسابُ أشرفَ باعتبارِ أدلَّتِهِ ، وملاحظةُ الثمرةِ أولى ، ولذلكَ كانَ الطبُّ أشرفَ وإنْ كانَ أكثرُهُ بالتخمينِ . وبهذا يتبينُ أنَّ أشرفَ العلوم العلمُ باللهِ عزَّ وجلَّ وملائكتِهِ وكتبهِ ورسلِهِ ، والعلمُ بالطريقِ الموصلِ إلى هذهِ العلوم ، فإِيَّاكَ وأنْ ترغبَ إلا فيهِ ، وأنْ تحرصَ إلا علیهِ . الوظيفةُ التاسعةُ : أنْ يكونَ قصدُ المتعلِّم في الحالِ تحليةَ باطنِهِ وتجميلَهُ بالفضيلةِ ، وفي المآلِ القربَ مِنَ اللهِ سبحانَهُ والترقَّ إلى جوارِ الملإِ الأعلىُ مِنَ الملائكةِ والمقرَّبينَ : ولا يقصدُ بهِ الرئاسةَ والمالَ والجاهَ ومماراةَ السفهاءِ ومباهاةَ الأقرانِ ، وإذا كانَ هذا(١) مقصدَهُ .. طلبَ - لا محالةَ - الأقربَ إلى مقصودِهِ ، وهوَ علمُ الآخرةِ ، ومعَ هذا فلا ينبغي له أنْ ينظرَ بعينِ الحقارةِ إلى سائرِ العلومِ ؛ أعني : علمَ الفتاوى ، وعلمَ النحوِ واللغةِ المتعلّقَينِ بالكتابِ والسنةِ ، وغيرَ (١) يعني: الوصول إلى الله تعالى. ((إتحاف)) (٣٢٦/١). ١٩٦ رفـ ربع العبادات ... كتاب العلم ذلكَ ممَّا أوردناهُ في المقدِّماتِ والمتمِّماتِ منْ ضروبِ العلومِ التي هيَ فرضُ كفايةٍ . ولا تفهمَنَّ مِنْ غلوِّنا في الثناءِ على علمِ الآخرةِ تهجينَ هذهِ العلومِ ؛ فالمتكفِّلونَ بالعلوم كالمتكفِّلِينَ بالثغورِ والمرابطينَ بها ، والغزاةِ المجاهدينَ في سبيلِ اللهِ ؛ فمنهُمُ المقاتلُ ، ومنهُمُ الرَّدْءُ ، ومنهُمُ الذي يسقيهِمُ الماءَ ، ومنهُمُ الذي يحفظُ دوابَهُمْ ويتعهَّدُها ، ولا ينفكُ واحدٌ منهُمْ عنْ أجرٍ إذا كانَ قصدُهُ إعلاءَ كلمةِ اللهِ تعالى دونَ حيازةِ الغنائم ، فكذلكَ العلماءُ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ﴾. والفضيلةُ نسبيَّةٌ ، واستحقارُنا للصيارفةِ عندَ قياسِهِمْ بالملوكِ لا يدلُّ على حقارتِهِمْ إذا قيسوا بالكنَّاسينَ . ولا تظنَّنَّ أنَّ ما نزلَ عنِ الرتبةِ القصوى ساقطُ القدْرِ ، بلِ الرتبةُ العليا للأنبياءِ ، ثمَّ الأولياءِ، ثمَّ العلماءِ الراسخينَ في العلمِ ، ثم للصالحينَ على تفاوتِ درجاتِهِمْ . وبالجملةِ : مَنْ يعملْ مثقال ذرةٍ خيراً .. يَرهُ، ومَنْ يعملْ مثقال ذرةٍ شراً .. يَرهُ، ومَنْ قصدَ اللهَ تعالى بالعلمِ أيَّ علمٍ كانَ .. نفعَهُ ورفعَهُ لا محالةَ . تور ١٩٧ كتاب العلم ٢٠٠٠ ٠٪ ربع العبادات الوظيفةُ العاشرةُ : أنْ يعلمَ نسبةَ العلوم إلى المقصدِ : كيما يؤثرَ الرفيعَ القريبَ على البعيدِ ، والمهمَّ على غيرِهِ ، ومعنى المهمّ : ما يهمُّكَ، ولا يهمُّكَ إلا شأنُكَ في الدنيا والآخرةِ ، وإذا لم يمكنِ الجمعُ بينَ ملاذِ الدنيا ونعيمِ الآخرةِ كما نطقَ بهِ القرآنُ وشهدَ لهُ مِنْ نورِ البصائرِ ما يجري مَجرى العيانِ .. فالأهمُّ ما يبقى أبدَ الآبادِ ؛ وعندَ ذلكَ تصيرُ الدنيا منزلاً ، والبدنُ مركباً ، والأعمالُ سعياً إلى المقصدِ ، ولا مقصدَ إلا لقاءُ اللهِ عزَّ وجلَّ، ففيهِ النعيمُ كلُّهُ ، وإنْ كانَ لا يَعرِفُ في هذا العالَمِ قدرَهُ إلا الأقلُّونَ . والعلومُ بالإضافةِ إلى سعادةِ لقاءِ اللهِ تعالى والنظرِ إلى وجهِهِ الكريمِ - أعني النظرَ الذي طلبَهُ الأنبياءُ وفهموهُ، دونَ ما يسبقُ إلى فهْمِ العوامِّ والمتكلمينَ - على ثلاث مراتبَ ، تفهمُها بالموازنةِ بمثالٍ : وهوَ أنَّ العبدَ الذي عُلِّقَ عتقُهُ وتمكينُهُ منَ المُلْكِ بالحجِّ ، وقيلَ لهُ : إِنْ حججْتَ وأتممتَ .. وصلتَ إلى العثْقِ والمُلْكِ جميعاً ، وإنِ ابتدأتَ بطريقٍ الحجِّ والاستعدادِ لهُ وعاقَكَ في الطريقِ مانعٌ ضروريٌّ .. فلكَ العَتْقُ والخلاصُ منْ شقاءِ الرقِّ فقطْ دونَ سعادةِ المُلْكِ .. فلهُ ثلاثةُ أصنافٍ مِنَ الشغلِ : الأوَّلُ : تهيئةُ الأسبابِ بشراءِ الناقةِ وخرْزِ الراويةِ وإعدادِ الزادِ والراحلةِ . ١٩٨ ربع العبادات كتاب العلم والثاني : السلوكُ ومفارقةُ الوطنِ بالتوجّهِ إلى الكعبةِ منزلاً بعدَ منزلٍ . والثالثُ : الاشتغالُ بأعمالِ الحجِّ ركناً بعدَ ركنٍ . ثُمَّ بعدَ الفراغِ والنزوعِ عنْ هيئةِ الإحرامِ وطوافِ الوداع .. استحَقَّ التعرُّضَ للمُلْكِ والسلطنةِ ، ولهُ في كلِّ مقام منازلُ، مِنْ أَوَّلِ إعدادِ الأسبابِ إلى آخرِهِ ، ومِنْ أَوَّلِ سلوكِ البوادي إلى آخرِهِ ، ومِنْ أَوَّلِ أركانِ الحجِّ إلى آخرِهِ ، وليسَ قرْبُ مَنِ ابتدأَ بأركانِ الحجِّ مِنَ السعادةِ كقرْبٍ مَنْ هوَ بعدُ في إعدادِ الزادِ والراحلةِ ، ولا كقربٍ مَنِ ابتدأُ بالسلوكِ ، بلْ هوَ أقربُ منهُ . فالعلومُ أيضاً ثلاثةُ أقسام : قسمٌ يجري مَجرى إعدادِ الزادِ والراحلةِ وشراءِ الناقةِ : وهوَ عِلْمُ الطبِّ والفقهِ وما يتعلَّقُ بمصالح البدنِ في الدنيا . ? وقسمٌ يجري مَجرى سلوكِ البوادي وقطع العقباتِ : وهوَ تطهيرُ الباطنِ عنْ كدوراتِ الصفاتِ ، وطلوعُ تلكَ العقباتِ الشامخةِ التي عجَزَ عنها الأوَّلونَ والآخرونَ إلا الموفقينَ ، فهذا سلوكُ الطريقِ ، وتحصيلُ علمِهِ كتحصيلِ علّمِ جهاتِ الطريقِ ومنازلِهِ ، وكما لا يغني علْمُ المنازلِ وطرقٍ البوادي دونَ سلوكِها .. كذلكَ لا يغني علمُ تهذيبِ الأخلاقِ دونَ مباشرةٍ التهذيبٍ ، ولكنَّ المباشرةَ دونَ العلمِ غيرُ ممكنٍ . وقسمٌ ثالثٌ يجري مَجرى نفْسِ الحجّ وأركانِهِ : وهوَ العلمُ باللهِ تعالى وصفاتِهِ وملائكتِهِ وأفعالهِ وجميع ما ذكرناهُ في تراجمٍ علمِ المكاشفةِ . ١٩٩ كتاب العلم ربع العبادات وهلهنا نجاةٌ وفوزٌ بالسعادةِ ، والنجاةُ حاصلةٌ لكلِّ سالكٍ للطريقِ إذا كانَ غرضُهُ المقصدَ الحقَّ وهوَ السلامةُ . وأمَّا الفوزُ بالسعادةِ .. فلا ينالُهُ إلا العارفونَ باللهِ تعالى، فهمُ المقربونَ المنعَّمونَ في جوارِ اللهِ بالرَّوْحِ والريحانِ وجنَّةِ النعيمِ . وأمَّا الممنوعونَ دونَ ذُروةِ الكمالِ .. فلهُمُ النجاةُ والسلامةُ؛ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِنَّ ﴾: فَرَوْعُ وَرَيْحَانٌ وَحَنَّثُ نَّعِيمٍ ﴾ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبٍ الْيَمِينِّ ج: فَسَلَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ أَلْيَمِينِ﴾. وكلُّ مَنْ لمْ يتوجَّهْ إلى المقصدِ ، ولمْ ينتهضْ لهُ ، أوِ انتهضَ إلى جهتِهِ لا على قصدِ الامتثالِ والعبوديةِ، بلْ لغرضٍ عاجلٍ .. فهوَ منْ أصحابِ الشمالِ ومنَ الضالينَ ، فلهُ نُزُلٌ منْ حَميمٍ وتصليةُ جحيمٍ . واعلمْ : أَنَّ هذا هوَ حقُّ اليقينِ عندَ العلماءِ الراسخينَ ؛ أعني أنهمْ أدركوهُ بمشاهدةٍ منَ الباطنِ هيَ أقوى وأجلىُ منْ مشاهدةِ الأبصارِ ، وترقّوا فيهِ عنْ حدِّ التقليدِ بمجرَّدِ السماع ، وحالُهُمْ حالُ منْ أُخبرَ فصدَّقَ، ثمَّ شاهدَ فتحقَّقَ ، وحالُ غيرِهِمْ حالُ مَنْ قَبِلَ بحسْنِ التصديقِ والإيمانِ ، ولمْ يحظَ بالمشاهدةِ والعِيانِ . ع ـون فالسعادةُ وراءَ علْم المكاشفةِ ، وعلْمُ المكاشفةِ وراءَ علمِ المعاملةِ التي هيَ سلوكُ طريقِ الآخرةِ ، وقطعُ عقباتِ الصفاتِ ، وسلوكُ طريقِ محوِ الصفاتِ المذمومةِ وراءَ علْمِ الصفاتِ ، وعلْمٍ طريقِ المعالجةِ وكيفيةِ السلوكِ ، وذلكَ ٢٠٠