النص المفهرس
صفحات 161-180
ربع العبادات كتاب العلم وأما الفتوى .. فقدْ قامَ بها جماعةٌ ولا يخلو بلدٌ عنْ جملةٍ مِنَ الفروضِ المهملةِ ولا يلتفتُ الفقهاءُ إليها ، وأقربُها الطبُّ ؛ إذْ لا يوجدُ في أكثرِ البلادِ طبيبٌ مسلمٌ يجوزُ اعتمادُ شهادتِهِ فيما يعوَّلُ على قولِ الطبيبِ فيهِ شرعاً ، ولا يرغبُ أحدٌ منَ الفقهاءِ في الاشتغالِ بهِ . وكذا الأمرُ بالمعروفِ والنهْيُ عنِ المنكرِ وهوَ مِنْ فروضِ الكفاياتِ ، وربَّما يكونُ المناظرُ في مجلسٍ مناظرتِهِ مشاهداً للحريرِ ملبوساً ومفروشاً وهوَ ساكتٌ ، ويناظرُ في مسألةٍ لا يتفقُ وقوعُها قطُّ ، وإنْ وقعتْ .. قامَ بها جماعةٌ مِنَ الفقهاءِ ، ثمَّ يزعمُ أنَّهُ يريدُ أنْ يتقرَّبَ إلى اللهِ تعالى بفرضٍ الكفاية . وقدْ روى أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّه قِيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ متى يُتركُ الأمرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ عنِ المنكَرِ ؟ فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إذا ظهرَ الإذهانُ في خيارِكُمْ، والفاحِشَةُ في شِرَارِكُمْ ، وتحَوَّلَ المُلْكُ في صغارِكُمْ، والفِقهُ في أرذالِكُمْ))(١) . .والع . وحيـ (١) رواه ابن ماجه (٤٠١٥)، والمراد بالإدهان هنا : الملاينة في الكلام، من المداهنة التي ترفع المناصحة ، ولفظ الإدهان عند أبي نعيم في (( الحلية)) (١٨٥/٥)، وابن عبد البر في (( جامع بيان العلم وفضله)) ( ١٠٤٨ ). ١٦١ كتاب العلم ربع العبادات الثالثُ : أنْ يكونَ المناظرُ مجتهداً بذاتِهِ : يفتي برأيهِ لا بمذهبِ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ وغيرِهما، حتَّى إذا ظهرَ لهُ الحقُّ في مذهبٍ أبي حنيفةَ .. تركَ ما يوافقُ مذهبَ الشافعيِّ وأفتى بما ظهرَ لهُ ، كما كانَ يفعلُهُ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُمْ والأئمةُ . فأمَّا مَنْ ليسَ لهُ رتبةُ الاجتهادِ - وهوَ حكْمُ جميع أهلِ العصرِ - وإنَّما يفتي فيما يُسألُ عنهُ ناقلاً عَنْ مذهبٍ صاحبِهِ ، فلوْ ظهرَ لهُ ضعفُ مذهبِهِ لمْ يجزْ لهُ أنْ يتركَهُ .. فأيُّ فائدةٍ لهُ في المناظرةِ ومذهبُهُ معلومٌ وليسَ لهُ الفتوى بغيرِهِ ؟! وما يشكلُ عليهِ يلزمُهُ أنْ يقولَ : لعلَّ عندَ صاحبٍ مذهبي جواباً عنْ هذا ، فإنِّي لسْتُ مستقلاً بالاجتهادِ في أصلِ الشرعِ . ولوْ كانتْ مباحثتُهُ عنِ المسائلِ التي فيها وجهانِ أوْ قولانِ لصاحبهِ .. لكانَ أَشبَةَ ؛ فإنَّهُ ربَّما يفتي بأحدِهِما فيستفيدُ منَ البحثِ ميلاً إلى أحدٍ الجانبين ولا يرى المناظراتِ جاريةً فيها قطُّ ، بلْ ربَّما تركَ المسألةَ التي فيها وجهانِ أوْ قولانٍ وطلبَ مسألةً يكونُ الخلافُ فيها مبتوتاً . الرابعُ : ألا يناظرَ إلا في مسألةٍ واقعةٍ أَوْ قريبةِ الوقوع غالباً : فإنَّ الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهُمْ ما تشاوروا إلا فيما تجدَّدَ مِنَ الوقائع ، أوْ ما يغلبُ وقوعُهُ كالفرائضٍ ، ولا ترى المناظرينَ يهتمونُ بانتقادِ المسائلِ التي ١٦٢ 9 ربع العبادات كتاب العلم تعمُّ البلوى بالفتوى فيها ، بلْ يطلبونَ الطبوليَّاتِ (١) التي يتَّسِعُ مجالُ الجدلِ فيها كيفما كانَ الأمرُ ، وربَّما يتركونَ ما يكثرُ وقوعُهُ ويقولونَ : هذهِ مسألةٌ خبريّةٌ(٢) ، أوْ هيَ منَ الزوايا وليستْ مِنَ الطبوليَّاتِ . فمِنَ العجائبِ أنْ يكونَ المطلَبُ هوَ الحقَّ ثمَّ يتركونَ المسألةَ لأنَّها خبرِيَّةٌ ومدركُ الحقِّ فيها هوَ الأخبارُ ، أوْ لأنَّها ليستْ مِنَ الطبولِ ! فلا نطوِّلُ فيها الكلامَ ، والمقصودُ في الحقِّ أنْ يقصرَ الكلامُ ويبلغَ الغايةَ على القربِ ، لا أنْ يَطُولَ . الخامسُ : أنْ تكونَ المناظرةُ في الخلوةِ أحبَّ إليهِ وأهمَّ مِنَ المحافلِ وبينَ أَظْهُرِ الأكابرِ والسلاطينِ : فإنَّ الخلوةَ أجمعُ للهمِّ ، وأحرىُ بصفاءِ الذهنِ والفكرِ ودرْكِ الحقِّ ، وفي حضورِ الجمْع ما يحرِّكُ دواعيَ الرياءِ ويوجبُ الحرْصَ على نصرَةِ كلِّ واحدٍ مِنَ المتناظرَيْنِ نفسَهُ محقّاً كانَ أَوْ مبطلاً ، وأنتَ تعلمُ أنَّ حرصَهُمْ على المحافلِ والمجامع ليسَ للهِ ، وأنَّ الواحدَ منهُمْ يخلو بصاحبهِ مدَّةً طويلةً (١) التي يُدَقُّ لها بالطبل، وهي كناية عن الاشتهار والاجتماع لها. ((إتحاف)) (٢٨٨/١ ) . (٢) قد أخبر بها فلان من الشيوخ، ونصَّ عليها فلان في الكتاب الفلاني. ((إتحاف)) (٢٨٨/١ ) . ١٦٣ کتاب العلم ربع العبادات فلا يكلمُهُ، وربَّما يقترحُ عليهِ فلا يجيبُ، فإذا ظهرَ مقدَمُ(١) أوِ انتظمَ مجمَعٌ .. لمْ يغادرْ في قوسِ الاحتيالِ منزعاً حتَّى يكونَ هوَ المتخصِّصَ بالكلام . السادسُ : أنْ يكونَ في طلبِ الحقِّ كناشدٍ ضالَّةٍ : لا يفرِّقُ بينَ أنْ تظهرَ الضالَّةُ على يدِهِ أوْ على يدِ مَنْ يعاونُهُ، ویری رفیقَهُ معيناً لا خصْماً ، ويشكرُهُ إذا عرَّفَهُ الخطأَ وأظهرَ لهُ الحقَّ ؛ كما لوْ أخذَ طريقاً في طلبٍ ضالَّتِهِ ، فنبَّهَةُ صاحبُهُ على ضالَّتِهِ في طريقٍ آخرَ ، فإنَّهُ كانَ يشكرُهُ ولا يذمُّهُ ، ويفرحُ بهِ ويكرمُهُ . فهكذا كانتْ مشاوراتُ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ ، حتَّى ردَّتِ امرأةٌ على عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ ونبَّهتْهُ على الحقِّ وهوَ في خطبتِهِ على ملأٍ مِنَ الناسِ ، فقالَ : ( أصابتِ امرأةٌ وأخطَأَ رجلٌ )(٢) . وسألَ رجلٌ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ، فأجابَهُ ، فقالَ : ليسَ كذلكَ يا أميرَ المؤمنينَ ، ولكنْ كذا وكذا ، فقالَ : أصبتَ وأخطأتُ ، وفوقَ كلِّ ذي علْمِ م. ( ٣) عليم(٣). واستدركَ ابنُ مسعودٍ على أبي موسى الأشعريِّ رضيَ اللهُ عنهُما، فقالَ (١) مصدر ميمي؛ أي: قدوم أحد من الرؤساء فاجتمعوا لملاقاة القادم. ((إتحاف)) (٢٨٩/١ ) . (٢) المقاصد الحسنة (ص ٣٢٠). (٣) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ٨٦٥). ١٦٤ ربع العبادات كتاب العلم أبو موسى : لا تسألوني عنْ شيءٍ وهذا الحبرُ بينَ أظهرِكُمْ(١)؛ وذلك لمَّا سُئِلَ أبو موسى عنْ رجلٍ قاتلَ في سبيلِ اللهِ فَقُتِلَ ، فقالَ : هوَ في الجنَّةِ ، وكانَ أميرَ الكوفةِ (٢)، فقالَ ابنُ مسعودٍ: أعدْهُ على الأميرِ، فلعلَّهُ لمْ يفهمْ ، فأعادَ وأعادَ الجوابَ ، فقالَ ابنُ مسعودٍ : أنا أقولُ : إنْ قُتِلَ فأصابَ الحقَّ .. فهوَ في الجنَّةِ، فقال أبو موسى: هوَ ما قالَ(٣). وهكذا يكونُ إنصافُ طالبِ الحقِّ، ولوْ ذكرَ الآنَ مثلُ هذا لأقلِّ فقيهِ . . لأنكرَهُ واستبعدَهُ، وقالَ : لا يحتاجُ إلى أنْ يقالَ : أصابَ الحقَّ؛ فإنَّ ذلك معلومٌ لكلِّ أحدٍ (٤). جـ فانظرْ إلى مناظري زمانِكَ الآنَ كيفَ يسوَدُّ وجْهُ أحدِهِمْ إذا اتضحَ الحقُّ على لسانِ خصمِهِ ، وكيفَ يخجلُ بهِ ، وكيفَ يجتهدُ في مجاحدتِهِ بأقصىُ قدرتِهِ ، وكيفَ يذمُّ مَنْ أَفحمَهُ طولَ عمرِهِ ، ثمَّ لا يستحيي مِنْ تشبيهِ نفسِهِ بالصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ في تعاونِهِمْ على النظرِ في الحقِّ ! (١) رواه مالك في ((الموطأ)) (٢/ ٦٠٧). (٢) أي : إن أبا موسى الأشعري كان أميراً على الكوفة . (٣) قوت القلوب (١٤٨/١). (٤) هذا القيد الذي أتى به ابن مسعود رضي الله عنه هو المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم على ما أخرجه البخاري: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا .. فهو في الجنة)). ((إتحاف)) (٢٩٠/١) . ١٦٥ حرب كتاب العلم ربع العبادات السابعُ : ألا يمنعَ معينَهُ في النظرِ مِنَ الانتقالِ من دليلٍ إلى دليلٍ ، ومِنْ إشكالٍ إلى إشکالٍ : فهكذا كانتْ مناظراتُ السلفِ ، ويُخرجُ مِنْ كلامِهِ جميعَ دقائقِ الجدلِ المبتدعةِ ، فما لهُ ولقولِهِ : هذا لا يلزمُني ذكرُهُ، وهذا يناقضُ كلامَكَ الأوَّلَ فلا يقبلُ منكَ ؛ فإنَّ الرجوعَ إلى الحقِّ أبداً يكونُ مناقضاً للباطلِ ، ويجبُ قبولُهُ . وأنتَ ترى أنَّ جميعَ المجالسِ تنقضي في المدافعاتِ والمجادلاتِ ، حتَّى يقيسُ المستدلُ على أصلِ بعَلَّةٍ يظنُّها ، فيقالُ لهُ : وما الدليلُ على أنَّ الحكمَ في الأصلِ معلّلٌ بهذهِ العلةِ ؟ فيقولُ : هذا ما ظهرَ لي ، فإنْ ظهرَ لكَ ما هوَ أوضحُ وأولىُ منهُ .. فاذكرْهُ حتَّى أنظرَ فيهِ ، فيُصِرُّ المعترضُ ويقولُ : فيهِ معانٍ سوى ما ذكرتَهُ، وقدْ عرفتُها ولا أذكرُها ؛ إذْ لا يلزمُني ذكرُها ، ويقولُ المستدلُّ : عليكَ إيرادُ ما تدعيهِ وراءَ هذا، ويصرُّ المعترضُ على أنَّهُ لا يلزمُهُ ، ويتوخّى مجالسَ المناظرةِ بههذا الجنسِ مِنَ السؤالِ وأمثالِهِ . V ولا يعرفُ هذا المسكينُ أنَّ قولَهُ: (إنِّي أعرفُ ولا أذكرُهُ إِذْ لا يلزمُني) .. كذبٌ على الشرع؛ فإنَّهُ إنْ كانَ لا يعرفُ معنىٌ وإنَّما يدعيهِ ليعجزَ خصمَهُ .. فهوَ فاسقٌ كذَّابٌ عصى اللهَ سبحانَهُ وتعالى وتعرَّضَ لسخطِهِ بدعواهُ معرفةٌ هوَ خالٍ عنها ، وإنْ كانَ صادقاً .. فقدْ فسقَ بإخفائِهِ ما عرفَهُ ١٦٦ ربع العبادات كتاب العلم مِنْ أمرِ الشرْع وقدْ سألَهُ أخوهُ المسلمُ ليفهمَهُ وينظرَ فيهِ ، فإنْ كانَ قوياً .. رجعَ إليهِ ، وإنْ كانَ ضعيفاً .. أظهرَ لهُ ضعفَهُ، وأخرجَهُ عنْ ظلمَةِ الجهلِ إلى نورِ العلمِ . ولا خلافَ أنَّ إظهارَ ما عُلِمَ منْ علْمِ الدينِ بعدَ السؤالِ عنهُ واجبٌ لازمٌ ، فمعنى قولِهِ : ( لا يلزمني ) أي : في شرْع الجدلِ الذي أبدعناهُ بحكم التشهِّي والرغبةِ في طريقِ الاحتيالِ والمصارعةِ بالكلام لا يلزمني ، وإلا .. فهوَ لازمٌ بالشرع ؛ فإنَّهُ بامتناعِهِ عنِ الذكرِ إِمَّا كاذبٌ وإمَّا فاسقٌ . فتفخَّصْ عنْ مشاوراتِ الصحابةِ ومفاوضاتِ السلفِ رضيَ اللهُ عنهُمْ : هلْ سمعتَ فيها ما يضاهي هذا الجنسَ ؟ وهلْ منعَ أحدٌ منَ الانتقالِ منْ دليلٍ إلى دليلٍ ، ومنْ قياسٍ إلى أثرٍ ، ومنْ خبرٍ إلى آيةٍ ؟! بلْ جميعُ مناظراتِهِمْ مِنْ هذا الجنسِ ، إذْ كانوا يذكرونَ كلَّ ما يخطرُ لهُمْ كما يخطرُ ، وكانوا ينظرونَ فيهِ . الثامنُ : أَنْ يناظرَ مَنْ يتوقَّعُ الاستفادةَ منهُ ممَّنْ هوَ مشتغلٌ بالعلم : والغالبُ أنَّهُمْ يحترزونَ مِنْ مناظرةِ الفحولِ والأكابرِ ؛ خوفاً من ظهورِ الحقِّ على ألسنتِهِمْ ، فيرغبونَ فيمَنْ دونَهُمْ؛ طمعاً في ترويجِ الباطلِ عليهِمْ. ووراءَ هذهِ شروطٌ دقيقةٌ كثيرةٌ ، ولكنْ في هذهِ الشروطِ الثمانيةِ ما يهديكَ إلىُّ مَنْ يناظرُ للهِ ومَنْ يناظرُ لعلَّةٍ . ١٦٧ كتاب العلم ربع العبادات واعلمْ بالجملةِ : أنَّ مَنْ لا يناظرُ الشيطانَ وهوَ مستولٍ على قلبِهِ ، وهوَ أعدى عدوٍّ لهُ، ولا يزالُ يدعوهُ إلى هلاكِهِ، ثُمَّ يشتغلُ بمناظرةٍ غيرِهِ في مسائلَ المجتهدُ فيها مصيبٌ أو مساهمٌ للمصيبِ في الأجرٍ .. فهوَ ضُحْكَةٌ للشيطانِ ، وعبرةٌ للمخلصينَ ، ولذلكَ شَمِتَ الشيطانُ بهِ لِما غمسَهُ فيهِ مِنْ ظلماتِ الآفاتِ التي نعدِّدُها ونذكرُ تفاصيلَها ، فنسألُ اللهَ حسنَ العونِ والتوفيقِ . غير ١٦٨ ربع العبادات كتاب العلم بيان آفات المناظرة وما يتولّد منها من ملكات الأخلاق اعلمْ وتحقَّقْ : أنَّ المناظرةَ الموضوعةَ لقصدِ الغلبةِ والإفحامِ ، وإظهارٍ الفضلِ والشرفِ عندَ الناسِ ، وقصدِ المباهاةِ والمماراةِ واستمالةِ وجوهِ الناسِ .. هيَ منبعُ جميع الأخلاقِ المذمومةِ عندَ اللهِ ، المحمودةِ عندَ عدوِّ اللهِ إيليسَ ، ونسبتُها إلى الفواحشِ الباطنةِ ؛ مِنَ الكبرِ ، والعجْبِ ، والحسدِ ، والمنافسةِ ، وتزكية النفسِ ، وحبِّ الجاهِ ، وغيرِها .. نسبةُ شربِ الخمرِ إلى الفواحشِ الظاهرةِ ؛ مِنَ الزنا ، والقذفِ ، والقتلِ ، والسرقةِ . وكما أنَّ الذي خُيِّرَ بينَ الشربِ وسائرِ الفواحشِ استصغرَ الشربَ فأقدمَ عليهِ ، فدعاهُ ذلكَ إلى ارتكابٍ بقيةِ الفواحشِ في سكرِهِ(١) .. فكذلكَ مَنْ غلبَ عليهِ حتُّ الإفحام والغلبةِ في المناظرةِ وطلبُ الجاهِ والمباهاةُ بهِ .. دعاهُ ذلكَ إلى إضمارِ الخبائثِ كلِّها في النفسِ ، وهيَّجَ فيهِ جميعَ الأخلاقِ المذمومةِ ، وهذهِ الأخلاقُ ستأتي أدلَّةُ مذمَّتِها مِنَ الأخبارِ والآياتِ في ربع المهلكاتِ ، ولكنَّا نشيرُ الآنَ إلى مجامع ما تهيِّجُهُ المناظرةُ: فمنها الحسدُ: وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحسدُ يأكُلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ)) (٢). (١) من زناً وقتل وغير ذلك، حتى سميت أمّ الخبائث كما في ((النسائي)) (٣١٥/٨). (٢) رواه أبو داوود ( ٤٩٠٣)، وابن ماجه ( ٤٢١٠). ١٦٩ ت خر كتاب العلم ربع العبادات ولا ينفكُ المناظرُ عنِ الحسدِ ؛ فإنَّهُ تارةً يغلِبُ وتارةً يُغْلَبُ ، وتارةٌ يُحمَدُ كلامُهُ وأخرى يُحمَدُ كلامُ غيرِهِ ؛ فما دامَ يبقى في الدنيا واحدٌ يُذْكَرُ بقوَّةِ العلمِ والنظرِ ، أَوْ يُظَنُّ أنَّهُ أحسنُ منهُ كلاماً وأقوى نظراً .. فلا بدَّ أنْ يحسُدَهُ ، ويحبّ زوالَ النعمِ عنهُ، وانصرافَ الوجوهِ والقلوبِ عنهُ إليهِ . والحسدُ نارٌ محرقةٌ، فَمَنْ بُلِيَ بهِ .. فهوَ في العذابِ الأليمِ الدائمِ في الدنيا ، ولَعذابُ الآخرةِ أشدُّ وأعظمُ، ولذلكَ قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( خذوا العلمَ حيثُ وجدتموهُ ، ولا تقبلوا قولَ الفقهاءِ بعضِهِمْ في بعضٍ ؛ فإنَّهُمْ يتغايرونَ كما تتغايرُ التيوسُ في الزريبةِ)(١). ومنها التكبُّرُ والترفُّعُ على الناسِ: فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ تكبَّرَ .. وضعَهُ اللهُ، ومَنْ تواضعَ .. رفعَهُ اللهُ))(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حكايةٌ عنِ اللهِ تعالى: (( العظمةُ إزاري والكبرياءُ ردائي، فَمَنْ نازعني فيهما .. قصمتُهُ))(٣). ولا ينفكُّ المناظرُ عنِ التكتُّرِ على الأقرانِ والأمثالِ ، والترفُّع إلى فوقٍ قدرِهِ ، حتَّى إِنَّهم ليتقاتلونَ على مجلسٍ منَ المجالسِ يتنافسونَ فيهِ في (١) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢١٢٥). (٢) رواه ابن ماجه (٤١٧٦) بنحوه . (٣) رواه مسلم ( ٢٦٢٠)، وأبو داوود (٤٠٩٠) واللفظ له . ١٧٠ ربع العبادات كتاب العلم الارتفاع والانخفاضِ ، والقربِ مِنْ وسادةِ الصدْرِ والبعدِ منها ، والتقدُّم في الدخولِ عندَ مضايقِ الطرقِ . وربَّما يتعلَّلُ الغبيُّ والمكَّارُ الخذَّاعُ منهُمْ بأنَّهُ يبغي صيانةَ عزِّ العلم، وأنَّ المؤمنَ منهيٌّ عنْ إذلالِ نفسِهِ ، فيعبِّرُ عنِ التواضع الذي أثنى اللهُ سبحانَهُ علیهِ وسائرُ أنبيائِهِ بالذلِّ، وعنِ التكتُّرِ الممقوتِ عندَ اللهِ بعزِّ الدينِ ؛ تحريفاً للاسم ، وإضلالاً للخلقِ بهِ ، كما فُعِلَ في اسمِ الحكمةِ والعلمِ وغيرِهما !! ومنها الحقدُ : فلا يكادُ المناظرُ يخلو عنهُ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( المؤمنُ ليسَ بحقُودٍ))(١). ووردَ في ذمِّ الحقدِ ما لا يخفى ، ولا ترى مُناظراً يقدرُ على ألا يضمرَ حقداً على مَنْ يحرِّكُ رأسَهُ على كلامِ خصمِهِ ، ويتوقَّفُ في كلامِهِ فلا يقابلُهُ بحسْنِ الإصغاءِ ، بل يضطرُّ إذا شاهدَ ذلكَ إلى إضمارِ الحقْدِ وتزيينِهِ في النفسِ، وغايةُ تماسكِهِ الإخفاءُ بالنفاقِ، ويترشَّحُ منهُ إلى الظاهرِ - لا محالةً - في غالبِ الأمرِ . وكيفَ ينفكُ عنْ هذا ولا يتصوَّرُ اتفاقُ جميع المستمعينَ على ترجيحِ (١) وقد روى النسائي (١١/٦): ((ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمانُ والحسد))، وقوله: ((يجتمعان)) على لغةٍ أو حذفٍ، وأما الحديث يلفظ المؤلف (( المؤمن ليس بحقود)" .. فانظر ((كشف الخفاء)) (٢ /٢٩٣). ١٧١ كتاب العلم ربع العبادات كلامِهِ ، واستحسانِ جميع أحوالِهِ في إیرادِهِ وإصدارِهِ ؟! بلْ لوْ صدرَ مِنْ خصمِهِ أدنىُ سببٍ فيهِ قلَّةُ مبالاةٍ بكلامِهِ .. انغرسَ في صدرِهِ حقدٌ لا تقلعُهُ يدُ الدهرِ إلى آخرِ العمرِ . فعـ ومنها الغيبةُ : وقدْ شبهَهَا اللهُ تعالى بأكل الميتةِ ، ولا يزالُ المناظرُ مثابراً على أكلِ الميتةِ ؛ فإنَّهُ لا ينفكُ عنْ حكايةِ كلام خصمِهِ ومذمَّتِهِ ، وغايةٌ تحفُّظِهِ أنْ يصدُقَ فيما يحكيهِ عليهِ ولا يكذبَ في الحكايةِ ، فيحكي عنهُ - لا محالةَ - ما يدلُّ على قصورِ كلامِهِ وعجزِهِ ونقصانِ فضلِهِ ، وهوَ الغيبةُ ، فأمَّا الكذبُ .. فبهتانٌ . وكذلكَ لا يقدرُ على أنْ يحفظَ لسانَهُ عنِ التعرُّضِ لِعِرْضٍ مَنْ يُعْرِضُ عنْ كلامِهِ ويُصغي إلى خصمِهِ ويقبلُ عليهِ ، حتى ينسبُهُ إلى الجهلِ والحماقةِ وقلَّةِ الفهمِ والبلادةِ . ومنها تزكيةُ النفسِ : قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَلاَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾. ـحار وقيلَ لحكيمٍ : ما الصدقُ القبيحُ ؟ فقالَ : ثناءُ المرءِ على نفسِهِ . ولا يخلو المناظرُ عنِ الثناءِ على نفسِهِ بالقوّةِ والغلبةِ ، والتقدُّم بالفضلِ على الأقرانِ ، ولا ينفكُّ في أثناءِ المناظرةِ عنْ قولِهِ : لستُ ممَّنْ يخفى عليهِ أمثالُ هذهِ الأمورِ ، وأنا المتفنِّنُ في العلوم ، والمستقلُّ بالأصولِ وحفظٍ ـن ـدة ١٧٢ ربع العبادات كتاب العلم الأحاديثِ ، وغيرِ ذلكَ ممَّا يتمدَّحُ بهِ تارةً على سبيلِ الصَلَفِ ، وتارةً للحاجةِ إلى ترويج كلامِهِ، ومعلومٌ أنَّ الصَلَفَ والتمذُّحَ مذمومانِ شرعاً وعقلاً . فشرع ومنها التجسُّسُ وتتبُّعُ عوراتِ الناسِ: وقدْ قالَ تعالى: ﴿ وَلَا تََّتَّسُواْ﴾. والمناظرُ لا ينفكُ عنْ طلبِ عثراتِ أقرانِهِ وتتبُّع عوراتِ خصومِهِ ، حتَّى إِنَّهُ ليُخبَرُّ بورودِ مناظرٍ إلى بلدِهِ ، فيطلبُ مَنْ يَخْبُرُ بواطنَ أحوالِهِ ، ويستخرجُ بالسؤالِ مقابحَهُ ؛ حتَّى يعدَّها ذخيرةً لنفسِهِ في إفضاحِهِ وتخجیلِهِ إذا مسَّتْ إليهِ حاجتُهُ، حتَّى إِنَّهُ ليستكشفُ عنْ أحوالِ صباهُ وعنْ عيوبٍ بدنِهِ ، فعساهُ يعثرُ على هفوةٍ أوْ على عيبٍ بِهِ مِنْ قَرَع أوْ غيرِهِ ، ثمَّ إذا أحسَّ بأدنى غلبةٍ مِنْ جهتِهِ .. عرَّضَ بهِ إنْ كانَ متماسكاً ، ويُستحسنُ ذلكَ منهُ ، ويُعدُّ من لطائفِ التشبيبِ ، ولا يمتنعُ عنِ الإفصاحِ بهِ إنْ كانَ متبجِّحاً بالسفاهةِ والاستهزاءِ ؛ كما حُكِيَ عنْ قومٍ منْ أكابرِ المناظرينَ المعدودينَ مِنْ فحولِهِمْ . ومنها الفرحُ بمساءةِ الناسِ والغمُّ لمسارِّهِمْ: ومَنْ لا يحبُّ لأخيهِ المسلمِ ما يحبُّ لنفسِهِ .. فهوَ بعيدٌ مِنْ أخلاقِ المؤمنينَ ، وكلُّ مَنْ طلبَ المباهاةَ بإظهارِ الفضلِ .. يسرُّهُ - لا محالَةَ - ما يسوءُ أقرانَهُ وأشكالَهُ الذينَ يسامونَهُ في الفضلِ ، ويكونُ التباغضُ بينهُمْ كما بينَ الضرائرِ ، فكما أنَّ إحدى ١٧٣ کتاب العلم ربع العبادات ٢٠٠٠ الضرائرِ إذا رأتْ صاحبتَها مِنْ بعيدٍ .. ارتعدتْ فرائصُها واصفرّ لونُها ؛ فهكذا ترى المناظرَ إذا رأى مُناظراً .. يَرْبَدُّ لونُهُ ويضطربُ عليهِ فكرُهُ، وكأنَّهُ شاهدَ شيطاناً مارداً أو سَبُعاً ضارياً ! فأينَ الاستئناسُ والاسترواحُ الذي كانَ يجري بينَ علماءِ الدينِ عندَ اللقاءِ ، وما نُقِلَ عنهُمْ مِنَ المؤاخاةِ والتناصرِ والتساهمِ في السرَّاءِ والضرَّاءِ ؟! حتَّى قالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( العلمُ بينَ أهلِ العقلِ والفضلِ رَحِمٌ مَّصِلٌ ) . فلا أدري كيفَ يدعي الاقتداءَ بمذهبهِ جماعةٌ صارَ العلمُ بينهُمْ عداوة قاطعةٌ ؟! فهلْ يتصوَّرُ أنْ يستتبَّ الأَنْسُ معَ طلبِ الغلبةِ والمباهاةِ ؟ هيهاتَ هيهاتَ! فناهيكَ بالشيءِ شراً أَنْ يُلزمَكَ أخلاقَ المنافقينَ ، ويبرِئَكَ عنْ أخلاقِ المؤمنينَ والمتقينَ . 1 ومنها النفاقُ : فلا يحتاجُ إلى ذكرِ الشواهدِ في ذمِّهِ ، وهُمْ مضطرونَ إليهِ ؛ فإنَّهُمْ يلقونَ الخصومَ ومحبِّيهِمْ وأشياعَهُمْ ولا يجدونَ بُدّاً مِنَ التودُّدِ باللسانِ وإظهارِ الشوقِ والاعتدادِ بمكانِهِمْ وأحوالِهِمْ، ويعلمُ ذلكَ المخاطَبُ والمخاطِبُ وكلُّ مَنْ يسمعُ ذلكَ منهُمْ أنَّ ذلكَ كذبٌ وزورٌ ونفاقٌ وفجورٌ، وأنَّهِمْ متوادُّونَ بالألسنةِ متباغضونَ بالقلوبِ ، نعوذُ باللهِ العظيمِ منهُ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا تعلَّمَ الناسُ العلمَ وتركوا العملَ ، ١٧٤ ربع العبادات كتاب العلم وتحابُوا بالألسُنِ وتباغضوا بالقلوبِ ، وتقاطعُوا في الأرحام .. لعنهُمُ اللهُ عندَ ذلكَ، فأصمَّهُمْ وأعمى أبصارَهُمْ)) رواهُ الحسنُ(١) ، وقدْ صحَّ ذلكَ بمشاهدة الحال . ومنها الاستكبارُ عنِ الحقِّ وكراهتُهُ والحرصُ على المماراةِ فيهِ : حتَّى إنَّ أبغضَ شيءٍ إلى المناظرِ أنَّ يظهرَ على لسانِ خصمِهِ الحقُّ ، ومهما ظهرَ .. تشمَّرَ لجحدِهِ وإنكارِهِ بأقصى جهدِهِ ، وبذَلَ غايةَ إمكانِهِ في المخادعةِ والمكْرِ والحيلةِ لدفعِهِ ، ثمَّ تصيرُ المماراةُ فيهِ عادةً طبيعيةٌ ، فلا يسمعُ كلاماً إلا وينبعثُ مِنْ طبعِهِ داعيةُ الاعتراضِ عليهِ ، حتَّى يغلبَ ذلكَ على قلبهِ في أدلةِ القرآنِ وألفاظِ الشرع ، فيضربَ البعضَ منها بالبعضِ . والمراءُ في مقابلةِ الباطلِ محذورٌ ؛ إذْ ندبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى تركِ المراءِ بالحقِّ على الباطلِ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ تركَ المِراءَ وهوَ مُبْطِلٌ .. بَنَى اللهُ لهُ بيتاً في رَبَضِ الجنةِ ، ومَنْ تركَ المراءَ وهوَ مُحِقٌّ .. بَنَى اللهُ لهُ بيتاً في أعلى الجنةِ» (٢). (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٦٣/٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٩/٣)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٠٠/١٣) من حديث سلمان رضي الله عنه مرفوعاً بنحوه، والمراد بالحسن - والله أعلم - هو الحسن بن سفيان الشيباني صاحب ((المسند)) وغيره . (٢) رواه الترمذي ( ١٩٩٣)، وابن ماجه ( ٥١). ١٧٥ كتاب العلم ربع العبادات وقدْ سوَّى اللهُ تعالىُ بينَ مَنِ افترى على اللهِ كذباً وبينَ مَنْ كَذِّبَ بالحقِّ ، فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ . وقالَ تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ ﴾ ومنها الرياءُ وملاحظةُ الخلقِ ، والجهدُ في استمالةِ قلوبِهِمْ وصرْفٍ وجوهِهِم : والرياءُ هوَ الداءُ العضالُ الذي يدعو إلى أكبرِ الكبائرِ ، كما سيأتي في كتابِ الرياءِ ، والمناظرُ لا يقصدُ إلا الظهورَ عندَ الخلقِ ، وإطلاقَ ألسنتِهِمْ بالثناءِ عليهِ . فهذهِ عشرُ خلالٍ مِنْ أمَّهاتِ الفواحشِ الباطنةِ ، سوى ما يتفقُ لغيرِ المتماسكينَ منهمْ ؛ مِنَ الخصامِ المؤدِّي إلى الضربِ واللكْمِ ، وتمزيقِ الثيابِ، والأخذِ باللُّحَى، وسبِّ الوالدَينِ، وشتمِ الأستاذِينَ ، والقذْفِ الصريح ، فإنَّ أولئكَ ليسوا معدودينَ في زمرةِ الناسِ المعتبرينَ ، وإنَّما الأكابرُ والعقلاءُ منهُمْ همُ الذينَ لا ينفكونَ عنْ هذهِ الخصالِ العشرِ . نعمْ، قدْ يسلَمُ بعضُهُمْ عنْ بعضِها معَ مَنْ هوَ ظاهرُ الانحطاطِ عنهُ ، أَوْ ظاهرُ الارتفاع عليهِ ، أَوْ هوَ بعيدٌ عنْ بلدِهِ وأسبابِ معيشتِهِ ، ولا ينفكُّ أحدٌ منهُمْ عنهُ معَ أشكالِهِ المقارنينَ لهُ في الدرجةِ . ثُمَّ يتشغَّبُ مِنْ كلِّ واحدةٍ مِنْ هذهِ الخصالِ العشرِ عشرٌ أخرىُ مِنَ الرذائلِ ، لمْ نطوّلْ بذكرِها وتفصيلِ آحادها ؛ مثلُ الأنفةِ ، والغضبِ ، ١٧٦ ربع العبادات كتاب العلم والبغضاءِ ، والطمع ، وحبِّ طلبِ المالِ والجاهِ للتمكّنِ مِنَ الغلبةِ ، والمباهاةِ، والأَشَرِ ، والبَطَرِ ، وتعظيمِ الأغنياءِ والسلاطينِ ، والتردُّدِ إليهِمْ ، والأخذِ مِنْ حرامِهِمْ، والتجمُّلِ بالخيولِ والمراكبِ والثيابِ المحظورةِ ، واستحقارِ الناسِ بالفخرِ والخيلاءِ ، والخوضِ فيما لا يعني ، وكثرةِ الكلامِ ، وخروج الخشيةِ والحرمةِ مِنَ القلبِ ، واستيلاءِ الغفلةِ عليهِ ، حتَّى لا يدري المصلِّي منهُمْ في صلاتِهِ ما صلَّى وما الذي يقرأُ ومَنْ الذي يناجيهِ ، ولا يحسُّ بالخشوع مِنْ قلبِهِ ، واستغراقِ العمرِ في العلومِ التي تعينُ في المناظرةِ معَ أنَّها لا تنفعُ في الآخرةِ ؛ منْ تحسينِ العبارةِ ، وتسجيعِ اللفظِ ، وحفظِ النوادرِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ أمورٍ لا تحصى . والمناظرونَ يتفاوتونَ فيها على حسَبِ درجاتِهِمْ ، ولَهُمْ درجاتٌ شتَّى ، ولا ينفكُ أعظمُهُمْ ديناً وأكثرُهُمْ عقلاً عنْ جُمَلٍ مِنْ موادِّ هذهِ الأخلاقِ ، وإنَّما غايتُهُ إخفاؤها ومجاهدةُ النفسِ بها . واعلمْ : أنَّ هذهِ الرذائلَ لازمةٌ للمشتغلِ بالتذكيرِ والوعْظِ أيضاً إذا كانَ قصدُهُ طلبَ القبولِ وإقامةَ الجاهِ ونيلَ الثروةِ والعزَّةِ ، وهيَ لازمةٌ أيضاً للمشتغلِ بعلمِ المذهبِ والفتاوى إذا كانَ قصدُهُ طلبَ القضاءِ وولايةَ الأوقافِ والتقدُّمَ على الأقرانِ . وبالجملةِ : هِيَ لازمةٌ لكلِّ مَنْ يطلبُ بالعلمِ غيرَ ثوابِ الآخرةِ ، فالعلمُ لا يهمِلُ العالِمَ ، بلْ يهلكُهُ هلاكَ الأبدِ ، أوْ يحييهِ حياةَ الأبدِ ، ولذلكَ قالَ ١٧٧ كتاب العلم ربع العبادات صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أشدُّ الناسِ عذاباً يومَ القيامةِ عالمٌ لا ينفعُهُ اللهُ بعلمِهِ)) (١) . فلقدْ ضرَّهُ معَ أنَّهُ لمْ ينفعْهُ ، وليتَهُ نجا منهُ رأساً برأس ؛ وهيهاتَ هيهاتَ ! فخطرُ العلْم عظيمٌ، وطالبُهُ طالبُ آلَةِ المُلْكِ المؤبَّدِ والنعيم السرمَدِ ، فلا ينفكُ عنِ المُلْكِ أوِ الهُلْكِ، وهوَ كطالبِ الملْكِ في الدنيا ، فإنْ لمْ تتفقِ لهُ الإصابةُ في الأموالِ .. لمْ يطمعْ في السلامةِ منَ الأرذالِ(٢)، بلْ لا بدَّ مِنْ لزومٍ أفضحِ الأحوالِ . فإنْ قلتَ : في الرخصةِ في المناظرةِ فائدةٌ ، وهيَ ترغيبُ الناسِ في طلبِ العلمِ ؛ إذْ لولا حتُّ الرئاسةِ .. لاندرستِ العلومُ . فقدْ صدقتَ فيما ذكرتَهُ مِنْ وجهٍ ، ولكنَّهُ غيرُ مفيدٍ ؛ إذْ لولا الوعدُ بالكرةِ والصولجانِ واللعبِ بالعصافيرِ .. ما رغِبَ الصبيانُ في المكتبِ(٣) ، وذلكَ لا يدلُّ على أنَّ الرغبةَ فيهِ محمودٌ ، ولولا حبُّ الرئاسةِ .. لاندرسَ العلمُ، (١) رواه الطبراني في ((الصغير)) (١٨٢/١)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١١٢٢)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٦٤٢). (٢) الأرذال: الذين يعيشون سالمين من الأكدار، لعدم توجه الأعين إليهم. ((إتحاف)) (٣٠٣/١) . (٣) الصولجان: عصا يعطف طرفها، يضرب بها الكرة على الدواب ، وهي لفظة فارسية معربة . ١٧٨ ربع العبادات كتاب العلم ولا يدلُّ ذلكَ على أنَّ طالبَ الرئاسةِ ناج، بلْ هوَ مِنَ الذينَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فِيهِمْ: ((إنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خَلاَفَ لَهُمْ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بالرجلِ الفاجرِ)»(٢) . فطالبُ الرئاسةِ في نفسِهِ هالكٌ ، وقدْ يصلحُ بسببهِ غيرُهُ إنْ كانَ يدعو إلى تركِ الدنيا ، وذلكَ فيمَنْ كانَ حالُهُ في ظاهرِ الأمرِ حالَ علماءِ السلفِ ، ولكنَّهُ يضمرُ قصدَ الجاهِ ؛ فمثالُهُ مثالُ الشّمْع الذي يحترقُ في نفسِهِ ويستضيءُ بهِ غيرُهُ ؛ فصلاحُ غيرِهِ في هلاكِهِ(٣) . فأمَّا إذا كانَ يدعو إلى طلبِ الدنيا .. فمثالُهُ مثالُ النارِ المحرقةِ التي تأكُلُ نفسَها وغيرها . فالعلماءُ ثلاثةٌ : إمَّا مهلِكٌ نفسَهُ وغيرَهُ ، وهمُ المصرِّحونَ بطلبِ الدنيا والمقبلونَ عليها. وإِمَّا مسعِدٌ نفسَهُ وغيرَهُ، وهمُ الداعونَ إلى اللهِ تعالى المتخلونَ عنِ الدنيا ظاهراً وباطناً . وإمَّا مهلِكٌ نفسَهُ مسعِدٌ غيرَهُ، وهوَ الذي يدعو إلى الآخرةِ وقدْ رفضَ (١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٨٨٣٣). (٢) رواه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم ( ١١١ ). (٣) وقد روى الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٦٦/٢) مرفوعاً: ((مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه )) . ١٧٩ كتاب العلم ربع العبادات الدنيا في ظاهرِهِ ، وقصدُهُ في الباطنِ قبولُ الخلقِ وإقامةُ الجاهِ . فانظرْ مِنْ أيِّ الأقسام أنتَ ، ومَنِ الذي اشتغلتَ بالاعتدادِ لهُ ، ولا تظنَّنَّ أنَّ اللهَ تعالى يقبلُ غيرَ الخالصِ لوجهِهِ تعالىْ مِنَ العلمِ والعملِ ، وسيأتيكَ في كتابِ الرياءِ بلْ في جميعِ ربع المهلكاتِ ما ينفي عنكَ الريبةَ فِيهِ ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى . Sis ١٨٠