النص المفهرس
صفحات 121-140
ربع العبادات کتاب العلم ويدلُكَ عليهِ قولُهُ تعالى: ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ﴾ . وما بهِ الإنذارُ والتخويفُ هوَ هذا الفقهُ ، دونَ تفريعاتِ الطلاقِ والعتاقِ واللعانِ والسلَمِ والإجارةِ ؛ فذلكَ لا يحصلُ بهِ إنذارٌ ولا تخويفٌ ، بلِ التجرِّدُ لهُ على الدوامِ يقسِّي القلبَ ، وينزعُ الخشيةَ منهُ كما يُشاهدُ الآنَ مِنَ المتجرِّدينَ لهُ . وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾، وأرادَ بهِ معانيَ الإيمانِ دونَ الفتاوى . ولعمري ؛ الفقهُ والفهمُ في اللغةِ اسمانِ بمعنىّ واحدٍ ، وإنَّما نتكلّمُ في عادةِ الاستعمالِ قديماً وحديثاً ، قالَ تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِي صُدُورِهِم مِّنَ اَللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾، فأحالَ قلَّةَ خوفِهِم مِنَ اللهِ واستعظامَهُمْ سطوةَ الخلقِ على قلَّةِ الفقهِ . فانظرْ إنْ كانَ ذلكَ نتيجةَ عدم الحفظِ لتفريعاتِ الفتاوى ، أوْ هوَ نتيجةُ عدم ما ذكرناهُ مِنَ العلومِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((علماءُ حكماءُ فقهاءُ)) (١) للذينَ وفدوا علیهِ . (١) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٢٧٩/٩)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)" (٤١ / ٢٠٠) بلفظ: ((علماء حكماء، كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء)). ١٢١ طمنى کتاب العلم ربع العبادات وسُئِلَ سعدُ بنُ إبراهيمَ الزهرُّ : أيُّ أهلِ المدينةِ أفقهُ ؟ فقالَ : أتقاهمْ اللهِ تعالى(١). فكأنَّهُ أشارَ إلى ثمرةِ الفقهِ ، والتقوى ثمرةُ العلمِ الباطنِ دونَ الفتاوى والأقضيةِ . وقالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ألا أنبتُكُمْ بالفقيهِ كُلِّ الفقيهِ؟ )) قالوا: بلى، قالَ : «مَنْ لمْ يُقَنِّطِ الناسَ مِنْ رحمةِ اللهِ ، ولمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللهِ ، ولمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اللهِ، ولمْ يَدَعِ القرآنَ رَغْبَةً عنهُ إلى ما سواهُ))(٢). ولمَّا رَوَى أَنسُ بنُ مالكِ رضيَ اللهُ عنهُ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لأَنْ أَقْعُدَ معَ قوم يذكرونَ اللهَ تعالىُ مِنْ غُدْوَةٍ إلى طلوع الشمسِ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أعتقَ أربعَ رقابٍ))(٣) .. قالَ: فالتفتَ إلى يزيدَ الرَّقاشيِّ وزيادٍ النميريِّ وقالَ : لمْ تكنْ مجالسُ الذكرِ مثلَ مجالسِكُمْ هذهِ ، يَقُصُّ أحدُكُمْ ويخطبُ على أصحابِهِ ويسردُ الحديثَ سرداً ، إنَّما كثَّا نقعدُ فنذْكُرُ الإيمانَ، ونتدبّرُ القرآنَ ، ونتفقَّهُ في الدينِ ، ونعدُّ نعمَ اللهِ علينا(٤). فسمَّى تدبُرَ القرآنِ وعَدَّ النعمِ تفقُّهاً . (١) قوت القلوب (١٣٨/١). (٢) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٥١٠) مرفوعاً، وهو في (( سنن الدارمي)) ( ٣٠٥) ، وغيره موقوف على علي بن أبي طالب رضي الله عنه . (٣) رواه أبو داوود ( ٣٦٦٧). (٤) قوت القلوب (١٥٠/١). ١٢٢ ربع العبادات ?٠٤. كتاب العلم وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا يَفْقَهُ العبدُ كُلَّ الفقْهِ حتَّى يَمْقُتَ الناسَ في ذاتِ اللهِ ، وحتّى يرى للقرآنِ وجُوهاً كثيرةٌ )) ، ورُوِيَ أيضاً موقوفاً على أبي الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ معَ قولِهِ: (( ثُمَّ يُقْبِلُّ على نفسِهِ فيكونُ لها أشَدَّ مقتاً)) (١) . وسألَ فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ الحسنَ عنْ شيءٍ ، فأجابَهُ ، فقالَ : إنَّ الفقهاءَ يخالفونَكَ ، فقالَ الحسنُ : ثَكِلَتَكَ أمُّكَ فُرِيقِدُ؛ وهلْ رأيتَ فقيهاً بعينِكَ ؟! إنَّما الفقيهُ الزاهدُ في الدنيا ، الراغبُ في الآخرةِ ، البصيرُ بدينِهِ ، المداومُ على عبادةِ ربِّهِ ، الورِعُ الكافُّ عن أعراضِ المسلمينَ ، العفيفُ عنْ أموالِهِمْ ، الناصحُ لجماعتِهِمْ (٢) . ولمْ يقلْ في جميعِ ذلكَ : الحافظُ لفروعِ الفتاوى . ولستُ أقولُ : إنَّ اسمَ الفقهِ لمْ يكنْ متناولاً للفتاوى في الأحكام الظاهرةِ ، ولكنْ كانَ بطريقِ العموم والشمولِ ، أَوْ بطريقِ الاستتباع(٣)، وكانَ إطلاقُهُمْ لهُ على علْمِ الآخرةِ أكثرَ ، فثارَ(٤) مِنْ هذا التخصيصِ تلبيسٌ بعثَ الناسَ على التجرُّدِ لهُ ، والإعراضِ عنْ علمِ الآخرةِ وأحكامِ القلبِ ، (١) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٥١٥، ١٥١٦) مرفوعاً وموقوفاً على أبي الدرداء رضي الله عنه ، وصحّح الوقف . (٢) قوت القلوب (١٥٣/١) . (٣) أي: يجعل علم الفتاوى تابعاً لبقية علوم الآخرةِ. ((إتحاف)) (٢٣٥/١). (٤) ثار : قام منه وانبعث . ١٢٣ ـورة كتاب العلم ربع العبادات ووجدوا على ذلكَ معيناً مِنَ الطبع ؛ فإنَّ علمَ الباطنِ غامضٌ ، والعملَ بهِ عسيرٌ، والتوصُّلَ بهِ إلى طلبِ الولايةِ والقضاءِ والجاهِ والمالِ متعذَرٌ ، فوجدَ الشيطانُ مجالاً لتحسينِ ذلكَ في القلوبِ بواسطةِ تخصيصٍِ اسمِ الفقهِ الذي هوَ اسمٌ محمودٌ في الشرعِ . اللفظُ الثاني : العلمُ : وقدْ كانَ يُطلقُ ذلكَ على العلمِ باللهِ تعالى وبآياتِهِ وأفعالِهِ في عبادِهِ وخلقِهِ، حتَّى إنَّهُ لمَّا ماتَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ .. قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ماتَ تسعةُ أعشارِ العلمِ) ، فعزَّفَهُ بالألفِ واللام، ثمَّ فسَّرَهُ بالعلمِ باللهِ سبحانَهُ كما سبقَ . وقدْ تصرَّفوا فيهِ أيضاً بالتخصيصِ ، حتَّى شهرُوهُ في الأكثرِ بمنْ يشتغلُ بالمناظرةٍ معَ الخصومِ في المسائلِ الفقهيةِ وغيرِها ، فيقالُ : هوَ العالمُ على الحقيقةِ ، وهوَ الفحلُ في العلمِ ، ومَنْ لا يمارسُ ذلكَ ، ولا يشتغلُ بهِ .. يُعدُّ مِنْ جملةِ الضعفاءِ ، ولا يعدُّونَهُ في زمرةِ أهلِ العلمِ ، وهذا أيضاً تصرّفُّ بالتخصيصِ ، ولكنْ ما وردَ منْ فضائلِ العلمِ والعلماءِ أكثرُهُ في العلماءِ باللهِ عزَّ وجلَّ ، وبأحكامِهِ وأفعالِهِ وصفاتِهِ . ترع وقدْ صارَ الآنَ يُطلقُ على مَنْ لا يحيطُ من علوم الشرع بشيءٍ سوى رسوم جدليّةٍ في مسائل خلافيَّةٍ ، فيُعدُّ بذلكَ من فحولِ العلماءِ ، معَ جهِلِهِ بالتفسيرِ ١٢٤ ربع العبادات كتاب العلم والأخبارِ وعلّمِ المذهبِ وغيرِهِ ، وصارَ ذلكَ سبباً مهلِكاً لخلْقِ كثيرٍ مِنَ الطلبةِ . اللفظُ الثالثُ : التوحيدُ : جير جــ وقدْ جُعِلَ الآنَ عبارةً عَنْ صناعةِ الكلام ، ومعرفةِ طريقِ المجادلةِ ، والإحاطةِ بطرقٍ مناقضاتِ الخصوم ، والقدرةِ على التشدُّقِ فيها بتكثيرٍ الأسئلةِ وإثارةِ الشبهاتِ ، وتأليفِ الإلزاماتِ ، حتَّى لَقَّبَ طوائفُ منهمْ أنفسَهمْ بأهلِ العدْلِ والتوحيدِ(١) ، وسُمِّيَ المتكلمونَ العلماءَ بالتوحيدِ ، معَ أنَّ جميعَ ما هوَ خاصَّةُ هذهِ الصناعةِ لمْ يكنْ يُعرفُ منها شيءٌ في العصرِ الأوَّلِ، بلْ كانَ يشتدُّ النكيرُ منهُمْ على مَنْ يفتحُ باباً مِنَ الجدلِ والمماراةِ ، فأمَّا ما يشتملُ عليهِ القرآنُ مِنَ الأدلَّةِ الظاهرةِ التي تسبقُ الأذهانُ إلى قبولِها في أوَّلِ السماع .. فلقدْ كانَ ذلكَ معلوماً للكُلِّ . وكانَ العلْمُ بالقرآنِ هوَ العلمَ كلَّهُ ، وكانَ التوحيدُ عندَهُمْ عبارةً عنْ أمرٍ آخرَ لا يفهمُهُ أكثرُ المتكلِّمينَ ، وإنْ فهموهُ .. لمْ يتَّصِفُوا بهِ ؛ وهوَ أنْ يرى الأمورَ كلَّها مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ رؤيةً تقطَعُ التفاتَهُ عَنِ الأسبابِ والوسائطِ ، فلا يرى الخيرَ والشرّ إلا منهُ جلَّ جلالُهُ، وهذا مقامٌ شريفٌ إحدى ثمراتِهِ التوكُّلُ ، كما سيأتي بيانُهُ في كتابِ التوكُّلِ . (١) وهم المعتزلة . ١٢٥ من كتاب العلم ربع العبادات ومِنْ ثمراتِهِ : تركُ شكايَةِ الخلْقِ، وتركُ الغضَبِ عليهِمْ ، والرضا والتسليمُ لحكم الله تعالى . وكانَ إحدىُ ثمراتِهِ قولُ أبي بكرٍ الصدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ لمَّا قيلَ لهُ في مرضِهِ : أنطلُبُ لكَ طبيباً ؟ فقالَ : الطبيبُ أمرضني(١). وقولٌ آخرُ لأبي بكرٍ لما مرضَ فقيلَ لهُ : ماذا قالَ لكَ الطبيبُ في مرضِكَ ؟ فقالَ : قالَ لي : إنِّي فعَّالٌ لما أريدُ(٢). وسيأتي شواهدُهُ في كتابِ التوگُّلِ . وكانَ التوحيدُ جوهراً نفيساً ، ولهُ قِشْرانِ ، أحدُهما أبعدُ عنِ اللُّبِّ منَ الآخرِ، فخصَّصَ الناسُ الاسمَ بالقشرِ وبصنْعَةِ الحراسةِ للقشْرِ ، وأهملُوا اللُّبَّ بالكليةِ : فالقشرُ الأوَّلُ : أنْ تقولَ بلسانِكَ: ( لا إلهَ إلا اللهُ)، وهذا يسمَّى توحيداً مناقضاً للتثليثِ الذي يصرِّحُ بهِ النصارىُ ، ولكنَّهُ قدْ يصدُرُ مِنَ المنافقِ الذي يخالفُ سرُّهُ جهرَه . والقشرُ الثاني : ألا يكونَ في القلبِ مخالفةٌ وإنكارٌ لمفهوم هذا القولِ ، (١) نُسب هذا القول لغير واحد من الصحابة، وأكثر الروايات عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كما رواه البيهقي في ((الشعب)) (٢٢٦٧)، وانظر « الإتحاف)) ( ٢٣٧/١ ) . (٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣٤/١). ١٢٦ ربع العبادات كتاب العلم بلْ يشتملُ ظاهرُ القلبِ على اعتقادِ ذلكَ والتصديقِ بهِ ، وهوَ توحيدُ عوامٌ الخلقِ ، والمتكلمونَ - كما سبق - حرَّاسُ هذا القشْرِ عنْ تشويشِ المبتدعةِ . والثالثُ وهوَ اللبابُ : أنَّ يرى الأمورَ كلَّها مِنَ اللهِ تعالى رؤيةً تقطَعُ التفاتَّهُ عَنِ الوسائطِ ، وأنْ يعبدَهُ عبادةٌ يفردُهُ بها فلا يعبدُ غيرَهُ ، ويخرجُ عنْ هذا التوحيدِ أتباعُ الهوىُ ، فَكُلُّ مَنِ اتَّبِعَ هواهُ فقدْ اتَّخَذَ هواهُ معبودَهُ ؛ قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ﴾، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أبغضُ إلَهٍ عُبِدَ في الأرضِ عندَ اللهِ تعالى هوَ الهَوَىْ))(١) . وعلى التحقيقِ : مَنْ تأمَّلَ .. عَرَفَ أنَّ عابدَ الصنمِ ليسَ يعبدُ الصنمَ ، إنَّما يعبدُ هواهُ ؛ إذْ نفسُهُ مائلةٌ إلى دينِ آبَائِهِ ، فيتَبَعُ ذلكَ الميلَ ، وميلُ النفسِ إلى المألوفاتِ أحدُ المعاني التي يعبّرُ عنها بالهوى . ويخرجُ مِنْ هذا التوحيدِ السخْطُ على الخلقِ والالتفاتُ إليهِمْ ؛ فإنَّ مَنْ يرى الكلَّ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ كيفَ يسخطُ على غيرِهِ ؟! فلقدْ كانَ التوحيدُ عبارةً عَنْ هذا المقام ، وهوَ مِنْ مقاماتِ الصدِّيقينَ . فانظرْ إلى ماذا حُوِّل ، وبأيِّ قِشْرِ قُنِّعَ ، وكيفَ انُّخِذَ هذا معتصماً في التمتُّحِ والتفاخرِ بما اسمُهُ محمودٌ معَ الإفلاسِ عَنِ المعنى الذي يستحقُّ الحمدَ الحقيقيَّ ؟! وذلكَ كإفلاس مَنْ يصبحُ بكرةً ويتوجَّهُ إلى القبلةِ ويقولُ : ( وجهتُ (١) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٣)، والطبراني في «الكبير)) (١٠٣/٨) بنحوه. ١٢٧ كتاب العلم ربع العبادات ٢٠٠٠ وجهيَ للذي فطرَ السماواتِ والأرضَ حنيفاً) ، وهوَ أوَّلُ كذبٍ يفاتحُ اللهَ بهِ كلَّ يومٍ إنْ لمْ يكنْ وَجْهُ قلبِهِ متوجِّهاً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ على الخصوصِ ؛ فإنَّهُ إنْ أرادَ بالوجْهِ وجهَ الظاهرِ .. فما وجَّهَهُ إلا إلى الكعبةِ ، وما صرفَهُ إلا عنْ سائرِ الجهاتِ ، والكعبةُ ليستْ جهةٌ للذي فَطَرَ السماواتِ والأرضَ حتَّى يكونَ المتوجِّهُ إليها متوجهاً إليهِ ، تعالى عنْ أنْ تحدَّهُ الجهاتُ والأقطارُ . وإنْ أرادَ بهِ وجْهَ القَلْبِ - وهوَ المطلوبُ المتعبَّدُ بهِ - فكيفَ يصدقُ قولُهُ وقلبُهُ متردّدٌ في أوطارِهِ وحاجاتِهِ الدنيويةِ ، ومتصرِّفُ في طلبِ الحيلِ في جمْعِ المالِ والجاهِ واستكثارِ الأسبابِ ، ومتوجّةٌ بالكليةِ إليها ، فمتى وجَّهَ وجهَهُ للذي فطرَ السماواتِ والأرضَ ؟! وهذهِ الكلمةُ خبرٌ عَنْ حقيقةِ التوحيدِ ، فالموحِّدُ هوَ الذي لا يرى إلا الواحدَ الحقَّ، ولا يتوجَّهُ وجهُهُ إلا إليهِ، وهوَ امتثالُ قولِهِ تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾، وليسَ المرادُ بهِ القولَ باللسانِ، إنَّما اللسانُ تَرْجُمانٌ يصدقُ مرَّةٌ ويكذبُ أخرى ، وإنَّما موقعُ نظرِ اللهِ تعالى هوَ المترجَمُ عنهُ ، وهوَ القلبُ ؛ فهوَ معدِنُ التوحيدِ ومنبعُهُ . اللفظُ الرابعُ : الذكرُ والتذكيرُ : ـحن فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَذَّكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىْ تَنَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وقدْ وردَ في الثناءِ على مجالسِ الذكرِ أخبارٌ كثيرةٌ ؛ كقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ ١٢٨ ربع العبادات كتاب العلم وسلَّمَ: ((إذا مررتُمْ برياض الجنةِ .. فارتَعُوا))، قيلَ: وما رياضُ الجنَّةِ ؟ قالَ: ((مجالسُ الذِّكْرِ)) (١). وفي الحديثِ : ((إنَّ للهِ ملائكةً سيَّحينَ في الهواءِ سِوَىُ ملائكةِ الخلقِ ، إذا رَأَوْا مجالِسَ الذِّكْرِ .. يُنادِي بعضُهُمْ بعضاً: ألا هَلُمُّوا إلى بُغْيَتِكُمْ: فيأْتُونَهُمْ ويحَفُّونَ بِهِمْ ويستمِعُونَ، ألا فاذْكُرُوا اللهَ وَذَكِّرُوا أَنفسَكُمْ))(٢). فنُقِلَ ذلكَ إلى ما ترى أكثرَ الوَّاظِ في هذا الزمانِ يواظبونَ عليهِ ؛ وهوَ القصصُ، والأشعارُ ، والشطْحُ ، والطَّامَاتُ. أمَّا القصصُ : فهيَ بدعةٌ؛ وقدْ وردَ نهيُ السلفِ عَنِ الجلوسِ إلى القُصَّاصِ ، وقالوا : لمْ يكنْ ذلكَ في زمانِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولا في زمانِ أبي بكرٍ وعمرَ رضيَ اللهُ عنهُما، حتَّى ظهرتِ الفتنةُ وظهرَ القصَّاصُ(٣). ورُوِيَ أنَّ ابنَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما خرجَ من المسجدِ وقالَ : ( ما أخرجني إلا القاصُّ، ولولاهُ .. لما خرجتُ)(٤). (١) رواه الترمذي (٣٥١٠) . (٢) رواه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩) بنحوه . (٣) رواه ابن ماجه (٣٧٥٤)، وفي «مسند أحمد)) (٤٤٩/٣) أن أول من قصّ تميم الداري رضي الله عنه. وقد استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أن يقص قائماً فأذن له ، والقص المذموم إنما حدث بعد الفتنة عقب مقتل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه . (٤) قوت القلوب (١٥١/١). ١٢٩ حرب كتاب العلم ربع العبادات وقالَ ضمْرَةُ : ( قلتُ لسفيانَ الثوريِّ: نستقبلُ القاصَّ بوجوهِنا؟ فقالَ: وَلُّوا البدعَ ظُهورَكُمْ)(١). وقالَ ابنُ عوْنٍ : ( دخلتُ على ابنِ سيرينَ فقالَ : ما كانَ اليومَ مِنْ خبرٍ ؟ فقلتُ : نهى الأميرُ القصَّاصَ أنْ يقصُّوا)(٢). ودخلَ الأعمشُ جامعَ البصرةِ، فرأى قاصّاً يقصُّ وهوَ يقولُ: (حدَّثْنا الأعمشُ، فتوسَّطَ الحلْقةَ وجعلَ ينتفُ شعرَ إِبْطِهِ ، فقالَ القاصُّ: يا شيخٌ ؛ ألا تستحيي ؟! فقالَ : لِمَ؟ أنا في سُنَّةٍ وأنتَ في كذبٍ، أنا الأعمشُ وما حدثتُكَ!)(٣). وقالَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ : ( أكثرُ الناسِ كذباً القُصَّاصُ والسُّؤَّالُ)(٤). وأخرجَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ القصَّاصَ مِنْ مسجدٍ جامع البصرةِ ، ولمَّا سمعَ كلامَ الحسنِ البصريِّ .. لمْ يخرجْهُ(٥)؛ إذْ كانَ يتكلَّمُ في علْمِ الآخرةِ ، والتذكيرِ بالموتِ ، والتنبيهِ على عيوبِ النفسِ وآفاتِ الأعمالِ وخواطرِ الشيطانِ ووجهِ الحذرِ منها، ويذكِّرُ بآلاءِ اللهِ ونعمائِهِ، وتقصيرِ العبدِ في شكرِهِ ، ويعرِّفُ حقارةَ الدنيا وعيوبَها وتصرُّمَها وقلَّةَ عهدِها ، وخطرَ الآخرةِ وأهوالَها . ٢٠ فهذا هوَ التذكيرُ المحمودُ شرعاً ، الذي رُوِيَ الحثُّ عليهِ في حديثٍ (١) قوت القلوب (١٥١/١). (٢) قوت القلوب (١٥١/١). (٣) قوت القلوب (١٥١/١). (٤) قوت القلوب (١٥١/١) . (٥) قوت القلوب (١٤٨/١). ١٣٠ ربع العبادات كتاب العلم أبي ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ حيثُ قالَ: (( حضورُ مجلِسٍ ذِكْرِ أفضلُ مِنْ صلاةِ ألفِ ركعةٍ ، وحضورُ مجلسٍ علمٍ أفضلُ مِنْ عيادَةِ ألفِ مريضٍ ، وحضورُ مجلسٍ علمٍ أفضلُ مِنْ شهودِ ألفِ جِنازَةٍ )) ، فقيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ ومِنْ قراءَةِ القرآنِ؟ قالَ: ((وهلْ تنفعُ قراءَةُ القرآنِ إلا بالعلم؟))(١) . وقالَ عطاءٌ رحمهُ اللهُ : ( مجلسُ ذكرٍ يكفِّرُ سبعينَ مجلساً من مجالسٍٍ اللهو ) (٢) . فقدٍ اتخذَ المزخرفونَ هذهِ الأحاديثَ حجَّةٌ على تزكيةِ أنفسِهِمْ ، ونقلوا اسمَ التذكيرِ إلى خرافاتِهِمْ، وذَهَلُوا عنْ طريقِ الذكرِ المحمودِ ، واشتغلوا بالقصصِ التي تتطرّقُ إليها الاختلافاتُ والزيادةُ والنقصُ ، وتخرجُ عَنِ القصصِ الواردةِ في القرآنِ وتزيدُ عليهِ ؛ فإنَّ مِنَ القصصِ ما ينفعُ سماعُهُ ، ومنها ما يضرُّ وإنْ كانَ صدقاً ، ومَنْ فتحَ ذلكَ البابَ على نفسِهِ .. اختلطَ عليهِ الصدقُ بالكذبِ ، والنافعُ بالضارِّ ؛ فلهذا نُهِيَ عنهُ ، ولذلكَ قالَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ : ( ما أحوجَ الناسَ إلى قاصٌ صادقٍ! )(٣). فإنْ كانتِ القصَّةُ مِنْ قصص الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ فيما يتعلَّقُ بأمورِ دِينِهِمْ ، وكانَ القاصُّ حاذقاً صحيحَ الروايةِ .. فلستُ أرىُ بهِ بأساً . (١) كذا أورده صاحب ((القوت)) (١٤٩/١)، وانظر (( لسان الميزان)) (٤٩٥/١)، وانظر ((الإتحاف)) (٩٩/١). (٢) قوت القلوب (١٤٩/١). (٣) قوت القلوب (١٥١/١). ١٣١ ـري کتاب العلم ربع العبادات فليحذرِ الكذبَ وحكايةَ أحوالٍ تُومىُ إلى هفواتٍ أوْ مساهلاتٍ يقصُرُ فهمُ العوامِّ عَنْ درْكِ معانيها ، أوْ عنْ كونِها هفوةٌ نادرةً مردفةً بتكفيراتٍ ومتدارَكةً بحسناتٍ تُغْطِّي عليها ؛ فإنَّ العاميَّ يعتصمُ بذلكَ في مساهلاتِهِ وهفواتِهِ ، ويُمهِّدُ لنفسِهِ عذراً فيهِ ، ويحتجُ بأنَّهُ حُكِيَ كيتَ وكيتَ عنْ بعضِ المشايخ وبعضِ الأكابرِ ، وكلُّنا بصددِ المعاصي ، فلا غروَ إنْ عصيتُ اللهَ تعالى ؛ فقدْ عصاهُ مَنْ هوَ أكبرُ منِّي ! ويفيدُهُ ذلكَ جرأةً على اللهِ تعالى مِنْ حيثُ لا يدري . فبعدَ الاحترازِ عنْ هذينِ المحذورينِ فلا بأسَ بهِ ، وعندَ ذلكَ ترجعُ القصصُ المحمودةُ إلى ما يشتملُ عليهِ القرآنُ ، وصحَّ في الكتبِ الصحيحةِ مِنَ الأخبارِ . ومِنَ الناسِ منْ يستجيزُ وضْعَ الحكاياتِ المرغِّبةِ في الطاعاتِ ، ويزعُمُ أنَّ قصدَهُ فيهِ دعوةُ الخلْقِ إلى الحقِّ ، وهذا منْ نزغاتِ الشيطانِ ؛ فإنَّ في الصدْقِ مندوحةً عنِ الكذبِ ، وفيما ذكرَهُ اللهُ سبحانَهُ ورسولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ غنيةً عنِ الاختراعِ في الوعظِ ، كيفَ وقدْ كُرِهَ تكلُّفُ السجْعِ وعُدَّ ذلكَ من التصنَّع ؟! قالَ سعدُ بنُ أبي وقّاصٍ رضيَ اللهُ عنهُ لابنِهِ عمرَ وقدْ سمعَهُ يسجَعُ : ( هذا الذي يُبغَّضُكَ إليَّ، لا قضيتُ حاجتكَ أبداً حتَّى تتوبَ )، وقدْ كانَ جاءَّهُ في حاجةٍ (١). (١) قوت القلوب (١٦٨/١). ١٣٢ ربع العبادات كتاب العلم وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعبدِ اللهِ بنِ رواحَةَ في سجْعِ بينَ ثلاثٍ كلماتٍ : ((إِيَّاكَ والسَّجْعَ يا بْنَ رواحةَ))(١)، فكانَ السجعُ المحذورُ المتكلَّفُ ما زادَ على كلمتينٍ ، ولذلكَ لمَّا قالَ الرجلُ في ديةِ الجنينِ : كيفَ نَدِي مَنْ لا شرِبَ ولا أكَلَ، ولا صاحَ ولا استهلَّ، ومثلُ ذلكَ يُطَلُّ؟ فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أسَجِعٌ كسَجْعِ الأَعرابِ؟!))(٢). وأمَّا الأشعارُ : فتكثيرُها في المواعظِ مذمومٌ ، قالَ اللهُ تعالى : ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ ﴿﴿ أَلَوْتَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ﴾ . وأكثرُ ما اعتادَهُ الوعَّاظُ مِنَ الأشعارِ ما يتعلَّقُ بالتواصُفِ في العشقِ وجمالِ المعشوقِ ، ورَوْحِ الوصالِ وألمِ الفِراقِ ، والمجلسُ لا يحوي إلا أجلافَ العوامٌّ ، وبواطنُهُمْ مشحونَةٌ بالشهواتِ ، وقلوبُهُمْ غيرُ منفكّةٍ عنِ الالتفاتِ إلى الصورِ المليحةِ ، فلا تحرِّكُ الأشعارُ مِنْ قلوبِهِمْ إلا ما هوَ مستكِنٌّ فيها ، فتشتعلُ فيها نيرانُ الشهوةِ ، فيزعقونَ ويتواجدونَ ، وأكثرُ ذلكَ أوْ كلُّهُ يرجعُ إلى نوع فسادٍ ، فلا ينبغي أنْ يستعملَ مِنَ الشعرِ إلا ما فيهِ موعظةٌ وحكمةٌ على سبيلِ الاستشهادِ والاستئناسِ . (١) كذا أورده صاحب ((القوت)) (١٦٩/١)، وهو عند أبي يعلى (٤٤٧٥) من قول عائشة بنحوه . (٢) رواه مسلم ( ١٦٨٢). ١٣٣ 43 کتاب العلم ربع العبادات وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ منَ الشعرِ لَحِكْمَةً)) (١). ولوْ حوى المجلسُ الخواصَّ الذينَ وقعَ الاطلاعُ على استغراقِ قلوبِهِمْ بحبِّ اللهِ تعالى ولمْ يكنْ معهُمْ غيرُهُمْ .. فأولئكَ لا يضرُّ معهُمْ الشعرُ الذي يشيرُ ظاهرُهُ إلى الخلْقِ ؛ فإنَّ المستمعَ ينزِّلُ كلَّ ما يسمعُهُ على ما يستولي على قلبهِ كما سيأتي تحقيقُ ذلكَ في كتابِ السماعِ . ولذلكَ كانَ الجنيدُ رحمهُ اللهُ يتكلَّمُ على بضعةَ عشرَ ، فإنْ كثروا .. لمْ يتكلَّمْ ، وما تمَّ أهلُ مجلسِهِ عشرينَ (٢) . وحضرَ جماعةٌ بابَ دارِ ابنِ سالمٍ ، فقيلَ لهُ : تكلَّمْ ، فقدْ حضرَ أصحابُكَ ، فقالَ : ما هؤلاءِ أصحابي، إنَّما هُمْ أصحابُ المجلسِ ؛ أي : أصحابي هُمُ الخواصُّ(٣) . وأما الشطحُ(٤) : فنعني بهِ صنفينٍ منَ الكلام أحدثهُ بعضُ المتصوفةِ : أحدهما : الدعاوى الطويلةُ العريضةُ في العشْقِ معَ اللهِ تعالىُ ، والوصالِ المغني عنِ الأعمالِ الظاهرةِ ، حتَّى ينتهي قومٌ إلى دعوى الاتحادِ وارتفاع الحجابِ ، والمشاهدةِ بالرؤيةِ والمشافهةِ بالخطابِ ، فيقولونَ : قيل لنا : (١) رواه البخاري ( ٦١٤٥ ). (٢) قوت القلوب (١٥٥/١). (٣) قوت القلوب (١٥٥/١)، وابن سالم هذا هو شيخ أبي طالب المكي. (٤) وهو عند أهل الحقيقة كلام يعبر عنه اللسان مقرون بالدعوى ، ولا يرتضيه أهل الطريقة من قائله وإن كان محقّاً. («إتحاف)) (٢٥٠/١). ١٣٤ ربع العبادات كتاب العلم كذا ، وقلنا : كذا ، ويتشبَّهونَ فيهِ بالحسينِ بنِ منصورِ الحلاّجِ الذي صُلِبَ لأجلِ إطلاقِهِ كلماتٍ مِنْ هذا الجنسِ ، ويستشهدونَ بقولِهِ : ( أنا الحقُّ ) ، وبما يُحْكَىْ عنْ أبي يزيدَ البسطاميِّ أَنَّهُ قالَ : ( سبحاني سبحاني ) . وهذا فَنٍّ منَ الكلام عظيمٌ ضررُهُ في العوامِّ ؛ حتَّى تركَ جماعةٌ منْ أهل الفلاحةِ فلاحتَهم ، وأظهروا مثلَ هذهِ الدعاوى ؛ فإنَّ هذا الكلامَ يستلذَّهُ الطبعُ ؛ إذْ فيهِ البطالةُ مِنَ الأعمالِ معَ تزكية النفسِ بدرْكِ المقاماتِ والأحوالِ ، فلا تعجَزُ الأغبياءُ عنْ دعوىُ ذلكَ لِأِنفسِهِمْ، ولا عنْ تلقُّفِ كلماتٍ مخبطةٍ مزخرفةٍ ، ومهما أُنكرَ عليهِمْ ذلكَ .. لمْ يعجّزوا عنْ أنْ يقولوا : إنَّ هذا إنكارٌ مصدرُهُ العلْمُ والجدلُ ، والعلْمُ حجابٌ ، والجدلُ عملُ النفسِ، وهذا الحديثُ لا يلوحُ إلا مِنَ الباطنِ بمكاشفةِ نورِ الحقِّ!(١). فهذا وفنُّهُ ممَّا قدِ استطارَ في البلادِ شررُهُ ، وعَظَمَ في العوامٌّ ضررُهُ ، ومَنْ نطقَ بشيءٍ منهُ . . فقتلُهُ أفضلُ في دينِ اللهِ منْ إحياءِ عشرةٍ . (١) قال القطب القسطلاني في كتابه ((اقتداء الفاضل باقتداء العاقل)): ( أما قولهم : العلم حجاب الله ، وإن طلبه من أعظم الحجاب .. فهي كلمة حق أريد بها باطل ، وصفة نقص تحلّى بها من هو عن الكمال عاطل ، وإنما ذكر أهل الطريق ذلك في قوم من صفتهم أنهم حصَّلوا ما تميَّزوا به عند أهل هذا الشأن من علمي الشريعة والحقيقة ، ففوتحوا من الغيب بما يشهد لهم بنجاتهم ، فهم بالله مع الله معرضون عن ملاحظة صفاتهم ، فمن كان كذلك .. فإنه مشغول بما هو فيه عن النظر في العلم ، وأما من عري عن علم الظاهر والباطن .. فحقُّه أن يعلم ما يحتاج إليه في الطريق التي يسلكها ، فإن أبى واستكبر .. فإنه بعيد عن الوصول إلى منهج السعادة). ((إتحاف)) (٢٥١/١). ١٣٥ كتاب العلم ربع العبادات وأمَّا أبو يزيدَ البسطاميُّ رحمهُ اللهُ .. فلا يصحُّ عنهُ ما حُكِيَ ، وإنْ سُمعَ ذلكَ منهُ .. فلعلَّهُ كانَ يحكيهِ عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ في كلامِ يُردِّدُهُ في نفسِهِ ، كما لوْ سُمِعَ وهوَ يقولُ: ﴿ إِنَّنِىَ أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّ أَنَا فَاعْبُدُنِ﴾؛ فإنَّهُ ما كانَ ينبغي أنْ يفهمَ منهُ ذلكَ إلا على سبيلِ الحكايةِ(١). الصنفُ الثاني مِنَ الشطح : كلماتٌ غيرُ مفهومةٍ ، لها ظواهرُ رائقةٌ ، وفيها عباراتٌ هائلةٌ ، وليسَ وراءَها طائلٌ . وذلكَ إمّا أنْ تكونَ غيرَ مفهومةٍ عندَ قائلِها ، بلْ يصدرُها عنْ خبْطٍ في عقلِهِ ، وتشويشٍ في خيالِهِ ؛ لقلّةِ إحاطتِهِ بمعنى كلام قَرَعَ سمعَهُ ، وهذا هوَ الأكثرُ . وإمّا أنْ تكونَ مفهومةً لهُ ، ولكنَّهُ لا يقدِرُ على تفهيمِها وإيرادِها بعبارةٍ تدلُّ على ضميرِهِ ؛ لقلَّةِ ممارستِهِ العلمَ ، وعدم تعلُّمِهِ طريقَ التعبيرِ عنِ المعاني بالألفاظِ الرشيقةِ . ولا فائدةَ لهذا الجنسِ مِنَ الكلام إلا أنَّهُ يشوِّشُ القلوبَ ويدهشُ العقولَ، ويحيِّرُ الأذهانَ ، أَوْ يحملُ على أنْ يُفْهَمَ منها معانٍ ما أريدَتْ بها ، ويكونُ فَهْمُ كلِّ واحدٍ على مقتضىُ هواهُ وطبعِهِ . (١) انظر ((مشكاة الأنوار)) (ص٤١)، و((المقصد الأسنى)) (ص١٢٨)، وقد التمس المؤلف أعذاراً غير ما ذكره هنا . ١٣٦ ربع العبادات كتاب العلم حن وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما حَدَّثَ أحدُكُمْ قوماً بحديثٍ لا يفهمونَهُ إلا كانَ فتنةٌ عليهِمْ)» (١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كَلِّمُوا الناسَ بما يعرفونَ، ودَعُوا ما ينكرونَ ، أَتُرِيدونَ أنْ يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُهُ؟))(٢). وهذا فيما يفهمُّهُ صاحبُهُ ولا يبلغُهُ عقلُ المستمع ، فكيفَ فيما لا يفهمُهُ قائلُهُ ؟! فإنْ كانَ يفهمُهُ القائلُ دونَ المستمع .. فلا يحلُّ ذكرُهُ . بير وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( لا تضعوا الحكمةَ عندَ غيرِ أهلِها فتظلمُوها ، ولا تمنعوها أهلَها فتظلموهُمْ ، كونوا كالطبيبِ الرفيقِ ، يضعُ الدواءَ في موضع الداءِ )(٣). وفي لفظٍ آخرَ : ( مَنْ وضعَ الحكمةَ في غيرِ أهلِها .. جَهِلَ ، ومَنْ منعَها أهلَها .. ظَلَمَ، إِنَّ للحكمةِ حقّاً، وإنَّ لها أهلاً، فأعطِ كلَّ ذي حقِّ حقَّهُ )(٤) . وأمَّا الطاماتُ : فيدخلُها ما ذكرناهُ في الشطح، وأمرٌ آخرُ يخصُّها ، وهوَ (١) رواه مسلم في مقدمة («صحيحه)) (١١/١) بنحوه موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه ، ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) ( ٣/ ٩٣٧) مرفوعاً بنحوه أيضاً . (٢) رواه البخاري ( ١٢٧) موقوفاً على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ورواه الطبراني مرفوعاً في (( الأوسط)) (٨١٩٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٦٣١) بنحوه. (٣) تاريخ دمشق (٦٣/٦٨) ضمن حديث طويل . (٤) قوت القلوب (١٥٦/١)، وبنحوه في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٧٠٣، ٧٠٤). ١٣٧ کتاب العلم ربع العبادات صرْفُ ألفاظِ الشرْعِ عنْ ظواهرِها المفهومةِ إلى أمورٍ باطنةٍ لا يسبقُ منها إلى الأفهامِ فائدةٌ ؛ كدأَبِ الباطنيّةِ في التأويلاتِ . وهذا أيضاً حرامٌ ، وضررُهُ عظيمٌ؛ فإنَّ الألفاظَ إذا صُرِفَتْ عنْ مقتضى ظواهرِها بغيرِ اعتصامٍ فيهِ يُنْقَلُ عن صاحبِ الشرع صلواتُ اللهِ عليهِ ، ومِنْ غيرِ ضرورةٍ تدعو إليهِ مِنْ دليلِ العقلِ .. اقتضىُ ذلكَ بطلانَ الثقةِ بالألفاظِ ، ء وتسقطُ بهِ منفعةُ كلام اللهِ سبحانَهُ وكلام رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فإنَّ ما يسبقُ منهُ إلى الفهم لا يوثقُ بهِ ، والباطنُ لا ضبطَ لهُ ، بلْ تتعارضُ فيهِ الخواطرُ ، ويمكنُ تنزيلُهُ على وجوهٍ شتى . وهذا أيضاً منَ البدع الشائعةِ العظيمِ ضررُها ، وإنَّما قصدَ أصحابُها الإغرابَ ؛ فإنَّ النفوسَ مائلةُ إلى الغريبِ ومستلِذَّةٌ لهُ . وبهذا الطريقِ توصَّلَ الباطنيةُ إلى هدْمِ جميع الشريعةِ بتأويلِ ظواهرِها ، وتنزيلها على رأيهم ؛ كما حكيناهُ مِنْ مذهبهم في كتابِ (( المُسْتَظْهِرِيِّ)) المصنَّفِ في الردِّ على الباطنيَّةِ(١) . ومثالُ تأويلِ أهلِ الطامَّاتِ قولُ بعضِهِمْ في تأويلِ قولِهِ تعالى: ﴿أَذْهَبٌ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَُّ طَغَى﴾: إنَّهُ أشارَ إلى قلبهِ وقالَ: هوَ المرادُ بفرعونَ، وهوَ الطاغي على كلِّ إنسانٍ . ٹو. (١) وسماه ((المستظهري)) نسبةً للخليفة الذي أهداه إياه، وهو المستظهر بالله العباسي. ١٣٨ ربع العبادات كتاب العلم وفي قولِهِ تعالى: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ أيْ: كلَّ ما تَتَوَكَّأُ عليهِ وتعتمدُهُ ممَّا سوى اللهِ عزَّ وجلَّ ، فينبغي أنْ تلقيَهُ . وفي قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تَسَخَّرُوا؛ فإنَّ في السخُورِ بَرَكَةً))(١) أرادَ بهِ الاستغفارَ في الأسحارِ . وأمثالُ ذلكَ، حتَّى يحرِّفونَ القرآنَ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخرِهِ عنْ ظاهرِهِ ، وعنْ تفسيرِهِ المنقولِ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ وسائرِ العلماءِ . وبعضُ هذهِ التأويلاتِ يعلمُ بطلانُها قطعاً ؛ كتنزيلٍ فرعونَ على القلبِ، فإنَّ فرعونَ شخصٌ محسوسٌ تواترَ إلينا وجودُهُ ودعوةُ موسى لهُ ؛ كأبي جهْلٍ وأبي لهبٍ وغيرِهِما مِنَ الكفارِ ، وليسَ مِنْ جنسِ الشياطينِ والملائكةِ ممَّا لمْ يدركْ بالحسِّ حتَّى يتطرّقَ التأويلُ إلى ألفاظِهِ . وكذا حمْلُ السحورِ على الاستغفارِ ؛ فإنَّهُ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يتناوَلُ الطعامَ، ويقولُ: ((تَسَخَّرُوا(٢)، وهَلُمُّوا إلى الغِذاءِ المباركِ))(٣). فهذهِ أمورٌ يُدرَكُ بالتواترِ والحسِّ بطلانُها ، وبعضُها يعلمُ بغالبِ الظنِّ ، وذلكَ في أمورٍ لا يتعلَّقُ بها الإحساسُ ، فكلُّ ذلكَ حرامٌ وضلالٌ ، وإفسادٌ جوة (١) رواه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم ( ١٠٩٥). (٢) إذ إنه صلى الله عليه وسلم تسخَّرَ مع زيد بن ثابت رضي الله عنه كما في ((البخاري )) ( ٥٧٦ ) . (٣) رواه أبو داوود (٢١٦٣)، والنسائي (١٤٥/٤)، وهو عند أحمد في ((المسند " (١٢٦/٤) بلفظ : ( الغذاء ) بدل ( الغداء ) عندهما . ١٣٩ کتاب العلم ربع العبادات للدينِ على الخلْقِ ، ولمْ يُنقلْ شيءٌ مِنْ ذلكَ عنِ الصحابةِ ولا عنِ التابعينَ ، ولا عنِ الحسنِ البصريِّ معَ إكبابِهِ على دعوةِ الخلْقِ ووعظِهِمْ . ولا يظهرُ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ فَسَّرَ القرآنَ برأيِهِ .. فليتبوَّأْ مَقْعدَهُ مِنَ النّارِ))(١) معنىّ إلا هذا النمطُ، وهوَ أنْ يكونَ غرضُهُ ورأيُهُ تقريرَ أمرٍ وتحقيقَهُ ، فيستجرُّ شهادةً القرآنِ إليهِ ، ويحملُهُ عليهِ مِنْ غيرِ أنْ يشهدَ لتنزيلِهِ عليهِ دلالةٌ لفظيةٌ ؛ لغويةٌ أُوْ نقليةٌ . ولا ينبغي أنْ يفهمَ منهُ أنَّهُ يجبُ ألاَّ يفسرَ القرآنُ بالاستنباطِ والفكرِ ؛ فإنَّ مِنَ الآياتِ ما نُقِلَ فيها عنِ الصحابةِ والمفسرينَ خمسةُ معانٍ وستةٌ وسبعةٌ ، ويُعلَمُ أنَّ جميعَها غيرُ مسموعٍ مِنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فإنَّها قدْ تكونُ متنافيةً لا تقبلُ الجمعَ ، فيكونُ ذلكَ مستنبَطاً بحسْنِ الفهمِ وطولِ الفكرِ ؛ ولهذا قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ((اللَّهُمَّ؛ فَقُّهُهُ في الدينِ، وعَلِّمْهُ التَأْوِيلَ))(٢). ومَنْ يستجيزُ منْ أهلِ الطامَّاتِ مثلَ هذهِ التأويلاتِ معَ علمِهِ بأنَّها غيرُ مرادةٍ بالألفاظِ(٣)، ويزعمُ أنَّهُ يقصدُ بهِ دعوةَ الخلْقِ إلى الحقِّ .. يضاهي مَنْ يستجيزُ الاختراعَ والوضْعَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لما هوَ في (١) رواه الترمذي ( ٢٩٥١) . (٢) رواه البخاري (١٤٣) دون قوله: ((وعلمه التأويل))، وبتمامه عند أحمد في ((المسند)) (٢٦٦/١ ) . (٣) وإنما حمله عليه ميله إلى هواه. ((إتحاف)) (٢٥٨/١). ١٤٠