النص المفهرس
صفحات 101-120
ربع العبادات كتاب العلم هذا الدعاءِ ؟ فقالَ أحمدُ : يا بُنيَّ؛ كانَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ تعالى كالشمسِ للدنيا ، وكالعافيةِ للناسِ، فانظرْ هلْ لهذينٍ مِنْ خَلَفٍ ؟(١) . وقالَ أحمدُ : ( ما أحدٌ يمسُّ بيدِهِ مِحْبَرَةً إلا وللشافعيِّ رحمهُ اللهُ في عنقِهِ منَّةٌ)(٢). وقالَ يحيى بنُ سعيدِ القطانُ: ( ما صليتُ صلاةً منذُ أربعينَ سنةً إلا وأنا أدعو فيها للشافعيِّ ؛ لما فتحَ اللهُ عزَّ وجلَّ عليهِ مِنَ العلمِ ، ووقَّقَهُ للسَّدادِ فيهِ )(٣) . ـة الد ولنقتصرْ على هذهِ النبذةِ مِنْ أحوالِهِ ؛ فإنَّ ذلكَ خارجٌ عَنِ الحصرِ ، وأكثرُ هذهِ المناقبِ نقلناهُ من الكتابِ الذي صنَّفَهُ الشيخُ نصرُ بنُ إبراهيمَ المقدسيُّ رحمَهُ اللهُ تعالى في مناقبِ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ . وأمَّا الإمامُ مالكٌ رضيَ اللهُ عنهُ فإِنَّهُ كانَ أيضاً متحلِّيّاً بهذهِ الخصالِ الخمسِ ؛ فإنَّهُ سئلَ : ما تقولُ يا مالكُ في طلبِ العلمِ ؟ فقالَ : حسنٌ جميلٌ ، ولكنِ انظرِ الذي يلزمُكَ مِنْ حينٍ تصبحُ إلى حينِ تمسي فالزمْهُ(٤). (١) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٥٤/٢). (٢) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٥٥/٢) . (٣) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٣٣/١ -٢٣٤). (٤) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣١٩/٦). ١٠١ کتاب العلم ربع العبادات وكانَ رحمَهُ اللهُ تعالى في تعظيمٍ علمِ الدينِ مبالغاً، حتَّى كانَ إذا أرادَ أن يحدِّثَ .. توضَّأَ، وجلسَ على صدرٍ فراشِهِ، وسرَّحَ لحيتَهُ، واستعملَ الطيبَ، وتمكَّنَ في الجلوسِ على وقارٍ وهيبةٍ ، ثمَّ حدَّثَ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ : أحبُّ أنْ أعظِّمَ حديثَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١). وقالَ مالكٌ: (العلمُ نورٌ يجعلُهُ اللهُ حيثُ يشاءُ ، وليسَ بكثرةِ الرواية )(٢). وهذا الاحترامُ والتوقيرُ يدلُّ على قوَّةِ معرفتِهِ بجلالِ اللهِ تعالى . وأمَّا إرادتُهُ وجْهَ اللهِ تعالى بالعلم : فيدلُّ عليهِ قولُهُ : ( الجِدالُ في الدینِ ليسَ بشيءٍ)(٣). ويدلُ عليهِ قولُ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ: ( إنِّي شهدْتُ مالكاً وقدْ سُئِلَ عنْ ثمانٍ وأربعينَ مسألةً ، فقالَ في اثنتين وثلاثينَ منها : لا أدري )(٤) . ومَنْ يُرِدْ غيرَ وجهِ اللهِ تعالىُ بعلمِهِ .. فلا تسمحْ نفسُهُ بأنْ يُقِرَّ على نفسِهِ بأنَّهُ لا يدري ، ولذلكَ قالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إذا ذُكِرَ العلماءُ .. فمالكٌ النجمُ الثاقبُ، وما أحدٌ أمنَّ عليَّ مِنْ مالكٍ )(٥) . (١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣١٨/٦). (٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣١٩/٦). (٣) رواه البيهقي في ((المدخل)) ( ٢٣٨). (٤) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٧٣/١). (٥) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٧٤/١)، وابن فرحون في ((الديباج المذهب)) (٦٣/١). ١٠٢ ربع العبادات كتاب العلم ورُوِيَ أنَّ أبا جعفر المنصورَ منعَهُ مِنْ روايةِ الحديثِ في طلاقِ المكرَهِ ، ثمّ دسَّ عليهِ مَنْ يسألُهُ، فرَوى على ملأٍ مِنَ الناسِ: ((ليسَ على مستكرَهٍ طلاقٌ))، فضربَهُ بالسياطِ ، ولمْ يترْ روايةً الحديثِ(١). وقالَ مالكٌ رحمهُ اللهُ: ( ما كانَ رجلٌ صادقاً في حديثِهِ لا يكذبُ .. إلا مُتَّعَ بعقِلِهِ، ولمْ يصبُهُ معَ الهرم آفةٌ ولا خَرَفٌ)(٢) . وأمَّا زهدُهُ في الدنيا : فيدلُّ عليهِ ما رُوِيَ أنَّ المهديَّ أميرَ المؤمنينَ سألَهُ وقالَ لهُ : هلْ لكَ دارٌ؟ فقالَ : لا ، ولكنْ أحدِّثُكَ : سمعتُ ربيعةً بنَ أبي عبدِ الرحمنِ يقولُ: نسبُ المرءِ دارُهُ(٣). وسألَهُ الرشيدُ : هلْ لكَ دارٌ ؟ فقالَ : لا ، فأعطاهُ ثلاثةَ آلافٍ دينارٍ وقالَ : اشترِ بها داراً ، فأخذَها ولم ينفقْها ، فلمَّا أرادَ الرشيدُ الشخوصَ .. قالَ لمالكٍ رحمهُ اللهُ: ينبغي أنْ تخرُجَ معَنا ؛ فإنِّي عزمْتُ أنْ أحملَ الناسَ على ((الموطأ)) كما حملَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ الناسَ على القرآنِ ، فقالَ لهُ: أمَّا حملُ الناسِ على ((الموطأ)) .. فليسَ إلى ذلكَ سبيلٌ ؛ لأنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ افترقوا بعدَهُ في الأمصارِ فحدَّثوا ، فعندَ أهلِ كلِّ مصرٍ علْمٌ ، وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : حـ ٢٩٠ (١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣١٦/٦)، وضاربه هو والي المدينة جعفر بن سليمان ، وكان ذلك بخلافة أبي جعفر المنصور . (٢) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٧٠/١). (٣) رواه ابن عبد البر في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) (ص٧٩). ١٠٣ كتاب العلم ربع العبادات (( اختلافُ أُمَّتِي رحمةٌ))(١)، وأمَّا الخروجُ معكَ .. فلا سبيلَ إليهِ؛ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((المدينةُ خيرٌ لهُمْ لَوْ كانُوا يعلمونَ)) (٢)، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( المدينةُ تَنْفِي خَبَثَها كما يَنْفي الكيرُ خبثَ الحديدِ ))(٣)، وهذهِ دنانيرُكُم كما هيَ، إنْ شئْتُم .. فخذُوها ، وإنْ شئتُمْ .. فدعُوها(٤). يعني : أنَّكَ إنما تكلّفُني مفارقةَ المدينةِ لما اصطنعتَهُ إليَّ ، فلا أُوثِرُ الدنيا على مدينةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فهكذا كانَ زهدُ مالكٍ في الدنيا . ولمَّا حُمِلَتْ إليه الأموالُ الكثيرةُ مِنْ أطرافِ الدنيا لانتشارِ علمِهِ وأصحابِهِ .. كانَ يفرِّقُها في وجوهِ الخيرِ ، ودلَّ سخاؤُهُ على زهدِهِ وقلَّةٍ حبِّهِ (١) رواه البيهقي في ((المدخل)) (١٥٢) بلفظ: (( واختلاف أصحابي لكم رحمة ))، قال الإمام النووي في ( شرح صحيح مسلم)) (١١/ ٩١): ( قال الخطابي : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اختلاف أمتي رحمة))، فاستصوب عمر ما قاله - كلام راجع لأصل الحديث المشروح - قال: وقد اعترض على حديث: (( اختلاف أمتي رحمة)) ، رجلان ؛ أحدهما مغموص عليه في دينه ، وهو عمرو بن بحر الجاحظ ، والآخر معروف بالسخف والخلاعة ، وهو إسحاق بن إبراهيم الموصلي ... ) . (٢) رواه البخاري (١٨٧٥)، ومسلم (١٣٦٣ ). (٣) رواه البخاري (١٨٧١، ١٨٨٣)، ومسلم (١٣٨٢، ١٣٨٣). (٤) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣٣١/٦)، ووقع فيها: ( المأمون) بدل ( الرشيد ) ، والمثبت هو الصواب ، والله أعلم . ١٠٤ ربع العبادات كتاب العلم للدنيا ، وليسَ الزهدُ فقْدَ المالِ ، وإنَّما الزهدُ فراغُ القلب عنهُ ؛ فلقدْ كانَ سليمانُ عليهِ السلامُ في مُلكِهِ مِنَ الزهَّادِ . ويدلُّ على احتقارِهِ للدنيا : ما رُوِيَ عنِ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ أنَّه قالَ : رأيتُ على بابِ مالكِ كُراعاً مِنْ أفراسِ خراسانَ وبغالِ مصرَ ما رأيتُ أحسنَ منهُ، فقلتُ لمالكِ رحمهُ اللهُ : ما أحسنَهُ ! فقالَ : هوَ هديةٌ مِنِّي إليكَ يا أبا عبدِ اللهِ ، فقلتُ : دعْ لنفسِكَ منها دابَةٌ تركبُها ، فقالَ : أنا أستحيي مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ أنْ أطأَ تربةً فيها نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بحافرٍ دائيّةٍ(١) . فانظرْ إلى سخاوتِهِ إِذْ وهبَ جميعَ ذلكَ دفعةً واحدةً ، وإلى توقيرِهِ لتربةِ المدينةِ . ويدلُّ على إرادتِهِ بالعلم وجْهَ اللهِ تعالى واستحقارِهِ للدنيا : ما رُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ : دخلتُ على هارونَ الرشيدِ ، فقالَ لي : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ ينبغي أنْ تختلفَ إلينا حتَّى يسمعَ صبيانُنا منكَ ((الموطأَ)) ، قالَ: قلتُ: أعزَّ اللهُ أميرَ المؤمنينَ ، إنَّ هذا العلمَ منكُمْ خرجَ ، فإنْ أنتمْ أعززْتُمُوهُ .. عزَّ، وإِنْ أَنْتُمْ أذللتمُوهُ .. ذلَّ، والعلمُ يؤتَى ولا يأتي ، فقالَ : صدقتَ ، اخرجوا إلى المسجدِ حتَّى تسمعوا معَ الناسِ(٢). ٠٠ (١) ترتيب المدارك (٩٣/١). والكراع: اسم لجميع الخيل والسلاح. (٢) رواه البيهقي في ((المدخل )) (٦٨٦). ١٠٥ کتاب العلم ربع العبادات وأمَّا الإمامُ أبو حنيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ فلقدْ كانَ أيضاً عابداً ، زاهداً ، عارفاً باللهِ تعالى، خائفاً منهُ ، مريداً وجْهَ اللهِ تعالى بعلمِهِ . فأمّا كونُهُ عابداً: فيُعرفُ بما رُوِيَ عنِ ابنِ المباركِ أنَّهُ قالَ : ( كانَ أبو حنيفة رحمهُ اللهُ لهُ مروءةٌ وكثرةُ صلاةٍ )(١) . وروىُ حمَّادُ بنُ أبي سليمانَ أنَّهُ كانَ يحيي الليلَ كلَّهُ(٢). ٠ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يحيي نصفَ الليلِ ، فمرَّ يوماً في طريقٍ ، فأشارَ إليهِ إنسانٌ وهوَ يمشي وقالَ لآخرَ : هذا هوَ الذي يحيي الليلَ كلَّهُ ، فلمْ يزلْ بعدَ ذلكَ يحيي الليلَ كلَّهُ؛ وقالَ : أنا أستحيي مِنَ اللهِ سبحانَهُ أنْ أوصفَ بما ليسَ فيَّ مِنْ عبادتِهِ (٣) . وأمَّا زهدُهُ : فقدْ رُوِيَ عَنِ الربيعِ بنِ عاصمٍ قالَ : ( أرسلني يزيدُ بنُ عمرَ بنِ هبيرةً ، فقدمتُ بأبي حنيفةَ عليهِ ، فأرادَهُ على بيتِ المالِ ، فَأَتَى ، فضربَهُ عشرينَ سَوطاً )(٤) . فانظرْ كيفَ هربَ عَنِ الولايةِ واحتملَ العذابَ . (١) تاريخ بغداد ( ٣٥٢/١٣) من قول سفيان بن عيينة ، وروى معه أنه كان يسمى الوَتِد لكثرة صلاته . (٢) رواه ابن عبد البر في ((الانتقاء فى فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) (ص١٩٤). (٣) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ( ٣٥٣/١٣). (٤) رواه ابن عبد البر في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) (ص٢٥٥). ١٠٦ ربع العبادات کتاب العلم قالَ الحكمُ بنُ هشامِ الثقفيُّ : ( حدثتُ بالشام عنْ أبي حنيفةَ أنَّهُ كانَ مِنْ أعظمِ الناسِ أمانةً، وأرادَهُ السلطانُ على أنْ يتولَّى مفاتيحَ خزائِهِ أو يضربَ ظهرَهُ، فاختارَ عذابَهُمْ على عذابِ اللهِ تعالى)(١). ورُوِيَ أنَّهُ ذُكِرَ أبو حنيفةَ عندَ ابنِ المباركِ فقالَ : ( أتذكرونَ رجلاً عُرضَتْ عليهِ الدنيا بحذافيرِها ففرَّ منها؟)(٢). ورُوِيَ عنْ محمدِ بنِ شجاعٍ ، عنْ بعضٍ أصحابِهِ (٣): ( أنَّهُ قيلَ لأبي حنيفةً : قدْ أمرَ لكَ أبو جعفرٍ أميرُ المؤمنينَ بعشرةِ آلافٍ درهم ، قالَ : فما رضيَ أبو حنيفةَ ، فلمَّا كانَ اليومُ الذي توقَّعَ أنْ يُؤْتِى بالمالِ فيهِ صلَّى الصبْحَ ثم تغشَّى بثوبِهِ فلمْ يتكلَّمْ ، فجاءَ رسولُ الحسنِ بنِ قَخْطَبةَ بالمالِ ، فدخلَ عليهِ فلمْ يكلمْهُ ، فقالَ مَنْ حضرَ : ما يكلِّمُنا إلا بالكلمةِ بعدَ الكلمةِ - أي : هذهِ عادتُهُ - فقالَ : ضعوا المالَ في هذا الجِرابِ في زاويةِ البيتِ ، ثم أوصى أبو حنيفةَ بعدَ ذلكَ بمتاع بيتِهِ ؛ فقالَ لابنِهِ : إذا أنا متُّ ودفنتموني .. فخذْ هذهِ البَدْرَةَ(٤) واذهبْ بها إلى الحسنِ بنِ قحطبةَ فقلْ لهُ : هذهِ وديعتُكَ التي أودعتَها أبا حنيفةً . قالَ ابنُهُ : ففعلتُ ذلكَ، فقالَ الحسنُ : رحمهُ اللهِ (١) رواه ابن عبد البر في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) (ص ٢٥٥). (٢) رواه ابن عبد البر في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) (ص٣٢١). ٤٤٠ (٣) والمراد ببعض أصحابه هنا هو الحسن بن عمارة أبو محمد الكوفي. ((إتحاف)) (٢١١/١ ) . (٤) البدرة : كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار . ١٠٧ کتاب العلم ربع العبادات على أبيكَ ، لقدْ كان شحيحاً على دينِهِ)(١) . . 5g. ورُوِيَ أنَّهُ دُعِيَ إلى ولايةِ القضاءِ فقالَ : أنا لا أصلحُ لهُ، فقيلَ لهُ : لِمَ ؟ فقالَ: إنْ كنتُ صادقاً .. فلا أصلحُ لهُ، وإنْ كنتُ كاذباً .. فالكاذبُ لا يصلحُ للقضاءِ(٢). وأمَّا علمُهُ بأمورِ الآخرةِ وطريقِ الدينِ ومعرفتُهُ باللهِ عزَّ وجلَّ : فيدلُّ علیهِ شدَّةُ خوفِهِ مِنَ اللهِ تعالى وزهدِهِ في الدنيا ، وقدْ قالَ ابنُ جريج : ( قدْ بلغَني عَنْ كوفيَّكُمْ هذا النعمانِ بنِ ثابتٍ أنَّهُ شديدُ الخوفِ للهِ تعالى)(٣). وقالَ شريكُ النخعيُّ : ( كانَ أبو حنيفةَ طويلَ الصمْتِ ، دائمَ الفكرِ ، قليلَ المجادلةِ للناسِ )(٤). فهذا مِنْ أوضحِ الأماراتِ على العلمِ الباطنِ ، والاشتغالِ بمهمَّاتِ الدينِ ، فَمَنْ أوتيَ الصمتَ والزهدَ .. فقدْ أوتيَ العلمَ كلَّهُ . فهذهِ نبذةٌ مِنْ أحوالِ الأئمةِ الثلاثةِ . ٢ (١) رواه ابن عبد البر في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) (ص٣٢١)، وشحيحاً على دينه : متمسكاً به غير مفرط . (٢) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ( ٣٢٩/١٣). (٣) رواه ابن عبد البر في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) (ص ٢٠٩). (٤) رواه ابن عبد البر في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) (ص٢٠١). ١٠٨ ربع العبادات کتاب العلم وأمَّا الإمامُ أحمدُ ابنُ حنبلٍ وسفيانُ رحمهُمَا اللهُ تعالى فأتباعُهُما أقلُّ مِنْ أتباع هؤلاءِ ، وسفيانُ أقلُّ أتباعاً مِنْ أحمدَ ، ولكنِ اشتهارُهُما بالورع والزهدِ أظهرُ ، وجميعُ ههذا الكتابِ مشحونٌ بحكاياتٍ أفعالِهِما وأقوالِهِما ، فلا حاجةَ إلى التفصيلِ الآنَ . فانظرْ الآنَ في سيَرِ هؤلاءِ الأئمةِ ، وتأمَّلْ أنَّ هذهِ الأحوالَ والأقوالَ والأعمالَ في الإعراضِ عَنِ الدنيا ، والتجُّدِ للهِ عزَّ وجلَّ : هلْ يُثمرُها مجرَّدُ العلمِ بفروع الفقهِ ؛ مِنْ معرفةِ السَّلَمِ والإجارةِ والظِّهارِ والإيلاءِ واللِّعانِ ، أو يثمرُها علمٌ آخرُ أعلى وأشرفُ منهُ ؟ وانظرْ إلى الذينَ ادَّعَوا الاقتداءَ بهؤلاءِ: أصدقوا في دعواهُمْ أمْ لا؟ واللهُ أعلمُ . EYY ١٠٩ كتاب العلم ربع العبادات الْبَابُ الثَّالِثُ فيما يَعُدّة العامة من العلوم لحمودة وسي منها وفيه بيان الوجه الذي به يكون بعض العلوم مذمونا وبيان تبديل أسامي العلوم، وهو الفقه والعلم والتوحيد والتّذكير والحكمة وبيان القدر المحمود من العلوم الشرعية والقدر المذموم منها بيان علّ وم العسلم المذموم لعلَّكَ تقولُ : العلمُ هوَ معرفةُ الشيءِ على ما هوَ بهِ ، وهوَ مِنْ صفاتِ اللهِ سبحانَهُ ، فكيفَ يكونُ الشيءُ علماً ويكونُ - مع كونِهِ علماً - مذموماً؟ فاعلمْ : أنَّ العلمَ لا يُذُّ لعينِهِ ، وإنَّما يُذُ في حقِّ العبادِ لأحدٍ أسبابٍ ثلاثةٍ : الأولُ : أنْ يكونَ مؤدِّيّاً إلى ضررٍ ما ؛ إمَّا بصاحبهِ ، وإمَّا بغيرِهِ ، كما يُدَتُّ علمُ السحْرِ والطَّلَّسْماتِ، وهوَ حقٌّ(١)؛ إذْ شهِدَ القرآنُ لهُ، وأَنَّهُ سببٌ يتوصَّلُ بهِ إلى التفرقةِ بينَ الزوجينِ . وقدْ سُحِرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومرضَ بسببهِ ، حتَّى أخبرَهُ ٢٠ ـشفر؟ (١) أي: ثابت وجوده ولا يمكن إنكاره، وإن اختلفوا في ماهيته، وليس المراد الحقَّ الذي هو ضد الباطل . ١١٠ كتاب العلم ربع العبادات جبريلُ عليهِ السلامُ بذلكَ، وأُخرِجَ السحرُ مِنْ تحتِ حَجَرٍ في قعْرِ بئرٍ(١). وهوَ نوعٌ يستفادُ مِنَ العلْمِ بخواصِّ الجواهِرِ ، وبأمورٍ حسابيَّةٍ في مطالِعٍ النجوم ، فَيُتَّخَذُ مِنْ تلكَ الجواهرِ هيْكَلٌ على صورةِ الشخصِ المسحورِ ، ويُترصَّدُ لهُ في وقْتٍ مخصوصٍ في المطالع ، ويُقْرَنُ بهِ كلماتٌ يُتلقَّظُ بها مِنَ الكفرِ والفخشِ المخالفِ للشرع، ويُتوصَّلُ بسببها إلى الاستعانةِ بالشياطينِ ، ويحصُلُ مِنْ مجموع ذلكَ - بحكمٍ إجراءِ اللهِ تعالى العادةَ - أحوالٌ غريبةٌ في الشخصِ المسحورِ . ومعرفةُ هذهِ الأسبابِ مِنْ حيثُ إنَّها معرفةٌ ليستْ مذمومةً ، ولكنَّها ليستْ تصلُّحُ إلا للإضرارِ بالخلْقِ ، والوسيلةُ إلى الشرِّ شرٌّ؛ فكانَ ذلكَ هوَ السببَ في كونِهِ مذموماً ، بلْ مَنِ اتبعَ ولياً من أولياءِ اللهِ ليقتلَهُ وقدِ اختفى منهُ في موضع حريزٍ (٢) إذا سألَ الظالمُ عَنْ محلِّهِ .. لم يجزْ تنبيهُهُ عليهِ ، بلْ وجبَ الكذبُ فيهِ ، وذكرُ موضعِهِ إرشادٌ وإفادةُ علمٍ بالشيءٍ على ما هوَ عليهِ ، ولكنَّهُ مذمومٌ ؛ لأدائِهِ إلى الضررِ . السببُ الثاني : أنْ يكونَ مضرّاً بصاحبهِ في غالبِ الأمرِ ؛ كعلمٍ النجوم ؛ فإنَّهُ في نفسِهِ غيرُ مذموم لذاتِهِ ، إذْ هوَ قسمانِ : ----- (١) رواه البخاري (٣١٧٥)، ومسلم ( ٢١٨٩) . (٢) حريز : منيع . ١١١ كتاب العلم ربع العبادات قسمٌ حسابيٌّ : وقدْ نطقَ القرآنُ بأنَّ مسيرَ الشمسِ والقمرِ محسوبٌ ؛ إذْ قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾، وقالَ عزَّ مِنْ قائلِ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُونِ اَلْقَدِيمِ﴾ . والثاني الأحكامُ : وحاصلُهُ يرجعُ إلى الاستدلالِ على الحوادثِ بالأسبابِ ، وهوَ يضاهي استدلالَ الطبيبِ بالنبْضِ على ما سيحدثُ مِنَ المرضٍ ، وهو معرفةٌ بمجاري سنَّةِ اللهِ تعالى وعادتِهِ في خلقِهِ ، ولكنْ ذمَّهُ الشرعُ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا ذُكِرَ القَدَرُ .. فأمسكُوا، وإذا ذُكِرَتِ النجُومُ .. فأمسكُوا، وإذا ذُكِرَ أصحابي .. فأمسكُوا))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أخافُ على أُمَّتي بعدي ثلاثاً: حَيْفُ الأثِمَّةِ، وإيمانٌ بالنُجُوم ، وتكذيبٌ بالقَدَرِ))(٢). وقالَ عمرُ بنُ الخطّابِ رضيَ اللهُ عنهُ : ( تعلَّموا مِنَ النجوم ما تهتدونَ بهِ في البرِّ والبحرِ ثمَّ أمسكُوا)(٣). وإنَّما زُجِرَ عنهُ مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ : ٢ أحدُها : أنَّهُ مضرٌ بأكثرِ الخلقِ ؛ فإنَّهُ إذا ألقيَ إليهِمْ أنَّ هذهِ الآثارَ (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٩٦/٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٨/٤). (٢) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٤٨٢). (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٢٦١٦٢). ١١٢ ـG ربع العبادات كتاب العلم ز تحدثُ عقيبَ سيرِ الكواكبِ .. وقعَ في نفوسِهِمْ أنَّ الكواكبَ هيَ المؤثرةُ ، وأنَّها الآلهةُ المدبِّرةُ ؛ لأنَّها جواهرُ شريفةٌ سماويةٌ ، يعظُمُ وقعُها في القلوبِ ، فيبقَى القلبُ ملتفتاً إليها ، ويرى الخيرَ والشرَّ مرجوّاً ومحذوراً مِنْ جهتِها ، وينمحي ذكرُ اللهِ تعالىُ عَنِ القلبِ، فإنَّ الضعيفَ يقصُّرُ نظرُهُ على الوسائطِ ، والعالِمُ الراسخُ هو الذي يطّلِعُ على أنَّ الشمسَ والقمر والنجومَ مسخراتٌ بأمرِهِ سبحانَهُ وتعالى . ومثالُ نظرِ الضعيفِ إلى حصولِ ضوءِ الشمسِ عَقيبَ طلوع الشمسِ مثالٌ النملةِ لو خُلِقَ لها عقْلٌ وكانتْ على سطح قرطاسٍ وهيَ تنظرُ إلى سوادِ الخطُّ يتجدَّدُ ، فتعتقدُ أنَّهُ فعلُ القلمِ ، ولا يترقَّى نظرُها إلى مشاهدةِ الإصبعِ، ثمَّ منها إلى اليدِ ، ثمَّ منها إلى الإرادةِ المحرِّكَةِ لليدِ ، ثمَّ منها إلى الكاتبِ القادرِ المريدِ ، ثمَّ منه إلى خالِقِ اليدِ والقدرةِ والإرادةِ ، فأكثرُ نظرِ الخلْقِ مقصورٌ على الأسبابِ القريبةِ السافلةِ ، مقطوعٌ عنِ الترقي إلى مسبِّبِ الأسبابِ . هذا أحدُ أسبابِ النهيِ عنِ النجومِ . تيبـ وثانيها : أنَّ أحكامَ النجوم تخمينٌ محْضٌ ، ليسَ يُدرَكُ في حقِّ آحادٍ الأشخاصِ لا يقيناً ولا ظنّاً ، فالحكمُ بهِ حكمٌ بجهلٍ ، فيكونُ ذمُّهُ على هذا مِنْ حيثُ إنَّهُ جَهْلٌ، لا مِنْ حيثُ إنَّهُ عِلْمٌ . ولقدْ كانَ ذلكَ معجزةً لإدريسَ عليهِ السلامُ فيما يُحكى(١) ، وقدِ اندرسَ (١) وحملوا عليه الحديث الذي رواه مسلم في ((صحيحه)) (٥٣٧): ((كان نبي من الأنبياء = ١١٣ كتاب العلم ربع العبادات ذلكَ العلمُ وانمحقَ ، وما يتفقُ مِنْ إصابةِ المنجِّمِ على ندورِ . . فهوَ اتفاقٌ ؛ لأَنَّهُ قدْ يطَّلِعُ على بعضِ الأسبابِ ولا يحصلُ المسبَّبُ عقيبَها إلا بعدّ شروطٍ كثيرةٍ ليسَ في قدرةِ البشرِ الاطلاعُ على حقائِقِها ، فإنِ اتفقَ أنْ قدَّرَ اللهُ تعالى بقيََّ الأسبابِ .. وقعتِ الإصابةُ، وإنْ لم يقدِّرْ .. أخطأَ . ويكونُ ذلكَ كتخمينِ الإنسانِ في أنَّ السماءَ تمطِرُ اليومَ مهما رأى الغيمَ يجتمعُ وينبعثُ مِنَ الجبالِ ، فيتحرَّكُ ظنُّهُ بذلكَ ، وربَّما يَحمى النهارُ بالشمسِ ويتبدَّدُ الغيمُ، وربَّما يكونُ بخلافِهِ ، ومجرَّدُ الغيمِ ليسَ كافياً في مجيءِ المطرِ ، وبقيَّةُ الأسبابِ لا تُدْرَى ، وكذلكَ تخمينُ الملاّح أنَّ السفينةَ تسلَمُ اعتماداً على ما ألفَهُ مِنَ العادةِ في الرياحِ ، ولتلكَ الرياحِ أسبابٌ خفيَّةٌ هوَ لا يطلعُ عليها، فتارةٌ يصيبُ في تخمينِهِ ، وتارةً يخطىءُ ، ولهذهِ العلَّةِ يُمنعُ القويُّ(١) عنِ النجومِ أيضاً . ٠٧ وثالثُها : أنَّهُ لا فائدةَ فيهِ ، فأقلُّ أحوالِهِ أنَّهُ خوْضٌ في فضولٍ لا يغني ، وتضييعُ العمرِ الذي هوَ أنفسُ بضاعةِ الإنسانِ بغيرِ فائدةٍ غايةُ الخسرانِ ؛ فقدْ مرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ برجلٍ والناسُ مجتمعونَ عليهِ ، فقالَ : ((ما هذا؟)) فقالوا: رجلٌ علاّمةٌ، فقالَ: ((بماذا؟)) قالوا: بالشعرِ = يخط، فمن وافق خطّه .. فذاك))، قيل: هو إدريس عليه السلام ، وقيل : المراد بالخط علم النجوم أو علم الرمل. انظر ((فيض القدير)) (٥٤٥/٤). (١) أي : في إيمانه واعتقاده. ١١٤ ربع العيادات كتاب العلم وأنسابِ العربِ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((عِلمٌ لا ينفعُ، وجهلٌ لا يضُرُ))(١). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( إنَّما العلمُ آيَةٌ محكمةٌ، أو سنَّةٌ قائمةٌ ، أو فريضةٌ عادلةٌ))(٢) . فإذاً؛ الخوضُ في النجوم وما يشبهُهُ اقتحامُ خطَرٍ ، وخوضٌ في جهالةٍ مِنْ غيرِ فائدةٍ، فإنَّ ما قُدِّرَ كائنٌ، والاحترازُ منهُ غيرُ ممكِنٍ، بخلافِ الطبِّ؛ فإنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إليهِ ، وأكثرُ أدلتِهِ ممَّا يُطَّلَعُ عليهِ ، وبخلافِ التعبيرِ وإنْ كانَ تخميناً ؛ لأنَّهُ جزءٌ من ستةٍ وأربعينَ جزءاً مِنَ النبوةِ ، ولا خطرَ فيهِ (٣). ٠٢٧ مالك . وه السببُ الثالثُ : الخوضُ في علم لا يستقلُّ الخائضُ فيهِ بهِ ، فإنَّهُ مذمومٌ في حقِّهِ ؛ كتعلُّم دقيقِ العلوم قبلَ جليلِهَا ، وخفيِّها قبل جليِّها ، وكالبحثِ عنِ الأسرارِ الإلهيّةِ ؛ إذْ تطلَّعَ الفلاسفةُ والمتكلمونَ إليها ولمْ يستقلُّوا بها ، ولا يستقلُّ بها وبالوقوفِ على طُرُقِ بعضِها إلا الأنبياءُ والأولياءُ ، فيجبُ كفُّ الناسِ عنِ البحثِ عنها ، وردُّهم إلى ما نطَقَ الشرعُ بهِ ، ففي ذلكَ مَقْنَعٌ (١) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٣٨٥). (٢) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٣٨٤، ١٣٨٦)، وأصله عند أبي داوود ( ٢٨٨٥ )، وابن ماجه (٥٤ ) . (٣) لما رواه البخاري (٦٩٨٣) ومسلم (٢٢٦٤): (( الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة )) . ١١٥ كتاب العلم ربع العبادات للموفَّقِ ، وكمْ مِنْ شخصٍ خاضَ في العلومِ واستضرَّ بذلكَ ! ولوْ لمْ يخضْ فيها .. لكانَ حالُهُ أحسنَ في الدينِ ممَّا صارَ إليهِ. ولا يُنكرُ كونُ العلمِ ضارّاً لبعضِ الناسِ ؛ كما يضرُّ لحمُ الطيرِ وأنواعُ الحلاواتِ اللطيفةِ بالصبيِّ الرضيع ، بلْ ربَّ شخصٍ ينفعُهُ الجهلُ ببعضٍ الأمورِ . فلقدْ حُكِيَ أنَّ بعضَ الناسِ شكا إلى طبيبٍ عُقْمَ امرأتِهِ ، وأنَّها لا تلدُ ، فجسنَّ الطبيبُ نبضَها وقال لها : لا حاجةَ لكِ إلى دواءِ الولادةِ ؛ فإنَّكِ ستموتينَ إلى أربعينَ يوماً ، وقدْ دلَّ النبضُ عليهِ ، فاستشعرتِ المرأةُ خوفاً عظيماً، وتنغَّصَ عليها عيشُها ؛ وأخرجتْ أموالَها وفرقتُها ، وأوصَتْ ، وبقيَتْ لا تأكلُ ولا تشربُ حتى انقضتِ المدَّةُ ، فلمْ تمتْ ، فجاءَ زوجُها إلى الطبيبٍ وقالَ لهُ : لمْ تمتْ ، فقالَ الطبيبُ : علمتُ ذلكَ ، فجامعْها الآنَ ، فإنَّها تلدُ ، فقالَ : كيفَ ذلكَ ؟ قال : رأيتُها سمينةً وقدِ انعقدَ الشحْمُ علىُ فَمِ رَحِمِها ، فعلمتُ أنَّها لا تهزلُ إلا بخوفِ الموتِ ، فخوَّفْتُها بذلكَ حتَّى هُزِلَتْ ، وزالَ المانعُ مِنَ الولادةِ . فهذا ينبِّهُكَ على استشعارِ خطرِ بعضِ العلومِ ، ويُفهمُكَ معنى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((نعوذُ باللهِ مِنْ علمٍ لا ينفعُ))(١) . فاعتبرْ بهذهِ الحكايةِ ، ولا تكنْ بحّاثاً عن علومِ ذمَّها الشرعُ وزجرَ (١) رواه مسلم ( ٢٧٢٢). ١١٦ ربع العبادات كتاب العلم عنها ، ولازم الاقتداءَ بالصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ ، واقتصرْ على اتباع السنَّةِ ، فالسلامةُ في الاتباع ، والخطرُ في البحثِ والاستقلالِ ، ولا تكثرِ التبجُّحَ برأيِكَ ومعقولِكَ، ودليلِكَ وبرهانِكَ، وزعمِكَ : أَنِّي أبحثُ عَنِ الأشياءِ لأعرفَها على ما هيَ عليهِ ، فأيُّ ضررٍ عليَّ في التفكّرِ في العلم ؟ فإنَّ ما يعودُ عليكَ مِنْ ضررِهِ أكثرُ ، وكمْ مِنْ شيءٍ تطَّلِعُ عليهِ فيضرُّكَ اطلاعُكَ ضرراً يكادُ يهلكُكَ في الآخرةِ إنْ لمْ يتداركْكَ اللهُ برحمتِهِ . واعلمْ : أنَّهُ كما يطلعُ الطبيبُ الحاذقُ على أسرارٍ في المعالجاتِ يستبعدُها مَنْ لا يعرفُها .. فكذلكَ الأنبياءُ أطباءُ القلوبِ والعلماءُ بأسبابٍ الحياةِ الأُخرويةِ ، فلا تتحكَّمْ على سنَّتِهِمْ بمعقولِكَ فتهلَكَ ، فَكمْ مِنْ شخصٍ يصيبُهُ عارضٌ في إصبعِهِ فيقتضي عقلُهُ أنْ يطليَهُ ، حتَّى ينبهَهُ الطبيبُ الحاذقُ أنَّ علاجَهُ أنْ يُطلَى الكتفُ مِنَ الجانبِ الآخرِ مِنَ البدنِ ، فيستبعدُ ذلكَ غايةَ الاستبعادِ مِنْ حيثُ لا يعلمُ كيفيةَ انشعابِ الأعصابِ ومنابتَها ووجهَ التفافِها على البدنِ ، فهكذا الأمرُ في طريقِ الآخرةِ . ٨٠ وفي دقائقِ سننِ الشرعِ وآدابِهِ ، وفي عقائدِهِ التي تعبَّدَ الناسَ بها .. أسرارٌ ولطائفُ ليسَ في سَعةِ العقلِ وقوَّتِهِ الإِحاطةُ بها ؛ كما أنَّ في خواصِّ الأحجارِ أموراً عجائبَ غابَ عنْ أهلِ الصنعَةِ علمُها ، حتَّى لمْ يقدرْ أحدٌ على أنْ يعرفَ السببَ الذي بهِ يجذِبُ المغناطيسُ الحديدَ . والعجائبُ والغرائبُ في العقائدِ والأعمالِ ، وإفادتِها لصفاءِ القلوب ١١٧ من كتاب العلم ربع العبادات ونقائِها وطهارتها ، وتزكيتِها وإصلاحِها للترقّ إلى جوارِ اللهِ تعالى، وتعريضِها لنفحاتِ فضلِهِ .. أكثرُ وأعظمُ ممَّا في الأدويةِ والعقاقيرِ ، وكما أنَّ العقولَ تقصُرُ عنْ إدراكِ منافع الأدويةِ مع أنَّ التجربةَ سبيلٌ إليها .. فالعقولُ تقصرُ عنْ إدراكِ ما ينفعُ في حياةِ الآخرةِ مع أنَّ التجربةَ غيرُ متطرِّقَةٍ إليها ، وإنَّما كانتِ التجرِبَةُ تتطرّقُ إليها لوْ رجعَ إلينا بعضُ الأمواتِ فأخبرنا عنِ الأعمالِ المقبولَةِ النافعةِ المقرِّبَةِ إلى اللهِ تعالى زُلْفَى، وعنِ الأعمالِ المبعِّدَةِ عنهُ، وكذا عنِ العقائِدِ ، وذلكَ لا مطمعَ فيهِ ، فيكفيكَ منْ منفعةِ العقلِ أنْ يهديَكَ إلى صدْقِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ويفهمَكَ مواردَ إشاراتِهِ . فاعزلِ العقلَ بعدَ ذلكَ عنِ التصرُّفِ ، ولازمِ الاتباعَ فلا تسلَمُ إلا بهِ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ مِنَ العلمِ جهلاً، وإِنَّ مِنَ القولِ عَيالاً ))(١) ، ومعلومٌ أنَّ العلمَ لا يكونُ جهلاً، ولكنَّهُ يؤثِّرُ تأثيرَ الجهْلِ في الإضرارِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أيضاً : (( قليلٌ مِنَ التوفيقِ خيرٌ مِنْ كثيرٍ مِنَ العلم))(٢) . (١) رواه أبو داوود (٥٠١٢)، والعيال في الحديث : عرضك للكلام على من ليس من شأنه ولا يريده، وقال الحافظ المناوي في ((التيسير)) (٣٤٥/١): (أي: ملالاً، فالسامع إما عالم فيملُّ، أو جاهل فلا يفهم فيسأم ، وهو من عال العالة يعيل عيلاً وعيالاً بالفتح، إذا لم يدرِ أيَّ جهة يبغيها ). وجاء في بعض النسخ : ( عِيّاً) بدل (عيالاً)، وهو نصُّ ((القوت)) (١٣١/١). (٢) كذا أورده صاحب ((القوت)) (١٣١/١) بقوله: ( وفي الخبر الآخر ) وذكره ، ١١٨ ربع العبادات كتاب العلم وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( ما أكثرَ الشجرَ وليسَ كلُّها بمثمرٍ ، وما أكثرَ الثمرَ وليسَ كلَّها بطيِّب ، وما أكثرَ العلومَ وليسَ كلَّها بنافع !! )(١). والمصنف تبعه على ذلك، وبنحوه رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق" (٣٤٨/٦٠) بلفظ: ((قليل التوفيق خير من كثير العقل ... )). (١) رواه الخطيب في ((اقتضاء العلم العمل)) (ص٦٨) بلفظ: ( ويلكم يا عبيد الدنيا؛ ماذا يغني عن الأعمى سعة نور الشمس وهو لا يبصرها ؟ ! كذلك لا يغني عن العالم كثرة علمه إذا لم يعمل به ، ما أكثر أثمار الشجر وليس كلها ينفع ، ولا يؤكل ! ! وما أكثر العلماء وليس كلكم ينتفع بما علم ... ). وأورده بلفظه الزمخشري في ((ربيع الأبرار)) (١٢٣/٤ ). ١١٩ كتاب العلم ربع العبادات بيان ما يُذِل من ألفاظ العلوم اعلمْ : أنَّ منشأً التباسِ العلومِ المذمومةِ بالعلومِ الشرعيَّةِ تحريفُ الأسامي المحمودةِ وتبديلُها ، ونقلُها بالأغراضِ الفاسدةِ إلى معانٍ غيرِ ما أرادَهُ السلفُ الصالحُ والقرْنُ الأوَّلُ ، وهيَ خمسةُ ألفاظٍ : الفقهُ، والعلمُ ، والتوحيدُ ، والتذكيرُ ، والحكمةُ . فهذهِ أسام محمودةٌ ، والمتصفونَ بها أربابُ المناصبِ في الدينِ ، ولكنَّها نقلتِ الآنَ إلى معانٍ مذمومةٍ ، فصارتِ القلوبُ تنفِرُ عنْ مذمَّةِ مَنْ يتَّصِفُ بمعانيها ؛ لشيوع إطلاقِ هذهِ الأسامي عليهِمْ . اللفظُ الأوَّلُّ : الفقهُ : فقدْ تصرَّفوا فيهِ بالتخصيصِ لا بالنقلِ والتحويلِ ؛ إذْ خصَّصُوهُ بمعرفةٍ الفروع الغريبةِ في الفتاوى ، والوقوفِ على دقائقِ عللِها ، واستكثارِ الكلام فيها ، وحِفْظِ المقالاتِ المتعلّقةِ بها ، فمَنْ كانَ أشدَّ تعمُّقاً فيها وأكثرَ اشتغالاً بها .. يقالُ : هوَ الأفقهُ . جن مخفى ـكرم ولقدْ كانَ اسمُ الفقهِ في العصْرِ الأَوَّلِ مطلقاً على علمٍ طريقِ الآخرةِ ، ومعرفةِ دقائقِ آفاتِ النفوسِ ومفسداتِ الأعمالِ ، وقوَّةِ الإحاطةِ بحقارةِ الدنيا ، وشدَّةِ التطلّع إلى نعيم الآخرةِ ، واستيلاءِ الخوفِ على القلبِ. ١٢٠