النص المفهرس
صفحات 81-100
ربع العبادات كتاب العلم فنظرُ الفقهاءِ في فروضِ العينِ بالإضافةِ إلى صلاح الدنيا ؛ وهذا بالإضافةِ إلى صلاحِ الآخرةِ . ـحن ولو سئِلَ فقيةٌ عنْ معنىٌ مِنْ هذهِ المعاني حتَّى عنِ الإخلاصِ مثلاً ، أوْ عنِ التوكلٍ ، أَوْ عنْ وجهِ الاحترازِ عنِ الرياءِ .. لتوقَّفَ فيهِ مع أنَّهُ فرضُ عينِهِ الذي في إهمالِهِ هلاكُهُ في الآخرةِ ، ولوْ سألتَهُ عنِ اللعانِ والظهارِ ، والسبقِ والرمي .. لسردَ عليكَ مجلداتٍ مِنَ التفريعاتِ الدقيقةِ التي تنقضي الدهورُ ولا يُحتاجُ إلى شيءٍ منها ، وإن احتيجَ .. لمْ يخلُ البلدُ عمَّنْ يقومُ بها ، ويكفيهِ مؤنةَ التعبِ فيها ، فلا يزالَ يتعبُ فيها ليلاً ونهاراً ، في حفظِهِ ودرسِهِ ويغفُلُ عمَّا هوَ مهمُّ نفسِهِ في الدينِ ، وإذا روجعَ فيهِ .. قالَ : اشتغلتُ بهِ لأنَّهُ علمُ الدينِ وفرضُ الكفايةِ ، ويلبِّسُ على نفسِهِ وعلى غيرِهِ في تعلُّلِهِ . كن والفَطِنُ يعلمُ أنَّهُ لوْ كانَ غرضُهُ أداءَ حقِّ الأمرِ في فرْضِ الكفايةِ .. لقدَّمَ عليهِ فرضَ العينِ ، بلْ قدَّمَ عليهِ كثيراً مِنْ فروضِ الكفاياتِ ؛ فكمْ مِنْ بلدةٍ ليسَ فيها طبيبٌ إلا مِنْ أهلِ الذمَّةِ ، ولا يجوزُ قبولُ شهادتِهِمْ فيما يتعلَّقُ بالأطباءِ مِنْ أحكام الفقهِ ، ثمَّ لا نرى أحداً يشتغلُ بهِ ، ويتهاترونَ على علمٍ الفقهِ لا سيَّما الخلافياتِ والجدلياتِ والبلدُ مشحونٌ مِنَ الفقهاءِ ممَّنْ يشتغلُ بالفتوى والجوابِ عَنِ الوقائع ! فليتَ شعري ؛ كيفَ يرخِّصُ فقهاءُ الدينِ في الاشتغالِ بفرضٍ كفايةٍ قدْ قامَ بهِ جماعةٌ ، وإهمالِ ما لا قائمَ بهِ ؟! ٨١ كتاب العلم ربع العبادات هل لههذا سببٌ إلا أنَّ الطبّ ليسَ يتيسَّرُ التوصُّلُ بهِ إلى تولِّي الأوقافِ والوصايا ، وحيازةِ مالِ الأيتام ، وتقلُّدِ القضاءِ والحكومةِ ، والتقدُّم بهِ على الأقرانِ ، والتسلُّطِ بهِ على الأعداءِ ؟ هيهاتَ هيهاتَ ! قدِ اندرسَ علْمُ الدينِ بتلبيسٍ علماءِ السوءِ ، فاللهُ المستعانُ، وإليهِ اللِّياذُ في أنْ يعيذَنا مِنْ هذا الغرورِ الذي يُسخِطُ و الرحمنَ ، ويُضحِكُ الشيطانَ . وقدْ كانَ أهلُ الورع مِنْ علماءِ الظاهرِ مقرِّينَ بفضْلِ علماءِ الباطنِ وأربابِ القلوب : كانَ الإمامُ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ يجلسُ بينَ يدي شيبانَ الراعي كما يقعُدُ الصبيُّ في المكتبِ ، ويسألُهُ كيفَ يفعلُ في كذا وكذا ؛ فيقالُ لهُ : مثلُكَ يسألُ هذا البدويَّ؟! فيقولُ: (إنَّ هذا وُفِّقَ لما علمناهُ)(١). وكانَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ ويحيى بنُ معينٍ يختلفانِ إلى معروف الكرخيِّ ولمْ يكنْ في علمِ الظاهرِ بمنزلتِهِما ، وكانا يسألانِهِ (٢). هنـ وكيفَ وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لما قيلَ لهُ : كيفَ نفعلُ إذا جاءَنا أمرٌ لمْ نجدْهُ في كتابٍ ولا سنَّةٍ ؟ فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (١) قوت القلوب (١٥٨/١)، وفي (ب): (أغفلناهُ) بدل: ( علمناهُ). (٢) قوت القلوب (١٥٨/١). ٨٢ ربع العبادات كتاب العلم ((سَلُوا الصَّالِحِينَ واجعلُوهُ شُورَى بِينَهُمْ؟!))(١). ولذلكَ قيلَ : ( علماءُ الظاهرِ زينةُ الأرضِ والمُلْكِ؛ وعلماءُ الباطن زينةٌ السماءِ والملكوتِ)(٢). وقالَ الجنيدُ رحمهُ اللهُ : ( قالَ ليَ السريُّ شيخي : إذا قمتَ مِنْ عندي فمَنْ تجالسُ ؟ قلت : المحاسبيَّ، فقالَ : نعم ، خُذْ من علمِهِ وأدبِهِ ، ودعْ عنكَ تشقيقَهُ للكلام ورَدَّهُ على المتكلمينَ ، ثمَّ لمَّا وَلَّيتُ .. سمعتُهُ يقولُ : جعلَكَ اللهُ صاحبَ حديثٍ صوفياً ، ولا جعلَكَ صوفياً صاحبَ حديثٍ )(٣). أشارَ إلى أنَّ مَنْ حصَّلَ الحديثَ والعلمَ ثم تصوَّفَ .. أفلحَ ، ومَنْ تصوَّفَ قبلَ العلمِ .. خاطَرَ بنفسِهِ . فإنْ قلتَ : فلمَ لمْ تُورِدْ في أقسام العلوم الكلامَ والفلسفةَ وتبيِّنْ أنَّهما مذمومانٍ أو محمودانِ ؟ فاعلمْ : أنَّ حاصلَ ما يشتملُ عليهِ علمُ الكلام مِنَ الأدلّةِ التي يُنتفعُ بها (١) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٦١٢) بلفظ: (( اجمعوا له العابدين من المؤمنين ، واجعلوه شورى بينكم ، ولا تقضوا فيه برأي واحد)»، ولفظ المصنف عند صاحب ((القوت)) (١٥٨/١)، وروى الخطيب في (( الفقيه والمتفقه)) ( ١١٥٤ ) نحوه كذلك. (٢) قوت القلوب (١٥٧/١) . (٣) قوت القلوب (١٥٨/١) . ٨٣ كتاب العلم ربع العبادات فالقرآنُ والأخبارُ مشتملانِ عليهِ ، وما خرجَ عنهما فهوَ إمَّا مجادلةٌ مذمومةٌ ، وهيَ مِنَ البدع كما سيأتي بيانُهُ، وإمَّا مشاغبةٌ بالتعلُّقِ بمناقضاتِ الفِرَقِ لها ، وتطويلٌ بنقلِ المقالاتِ التي أكثرُها تُرَّهاتٌ وهذياناتٌ تزدريها الطباعُ ، وتمجُّها الأسماعُ . وبعضُها خوضٌ فيما لا يتعلَّقُ بالدينِ ولم يكنْ شيءٌ منهُ مألوفاً في العصرِ الأوَّلِ، وكانَ الخوضُ فيهِ بالكليّةِ مِنَ البدع، ولكنْ تغيَّرَ الآنَ حكمُهُ ؛ إذْ حدثتِ البدعُ الصارفةُ عنْ مقتضى القرآنِ والسنَّةِ ، ونبغتْ جماعةٌ لفَّقوا لها شبهاً، ورتَّبوا فيها كلاماً مؤلفاً ، فصارَ ذلكَ المحذورُ بحكم الضرورةِ مأذوناً فيهِ ، بلْ صارَ من فروضِ الكفاياتِ ، وهوَ القَدْرُ الذي يقابَلُ بهِ المبتدِعُ إذا قصدَ الدعوةَ إلى البدعةِ ، وذلكَ إلى حدٍّ محدودٍ سنذكرُهُ في البابِ الذي يلي هذا . وأمَّا الفلسفةُ : فليستْ علماً برأسها ، بلْ هيَ أربعةُ أجزاءٍ : أحدُها : الهندسةُ والحسابُ ، وهما مباحانِ كما سبقَ ، ولا يُمنعُ عنهما إلا مَنْ يُخافُ عليهِ أنْ يتجاوزَهما إلى علوم مذمومةٍ ؛ فإنَّ أكثرَ الممارسينَ لهما قدْ خرجوا منهما إلى البدع، فيُصانُّ الضعيفُ عنهُ لا لعينِهِ ، كما يصانُ الصبيُّ عن شاطىءِ النهرِ خيفةً مِنَ الوقوع في النهرِ ، وكما يصانُ حديثُ العهدِ بالإسلامِ عَنْ مخالطةِ الكفارِ خوفاً عليهِ ، مع أنَّ القويَّ لا يُندبُ إلى مخالطَتِهِمْ . بقى ـحر ٨٤ ربع العبادات کتاب العلم والثاني : المنطقُ ، وهوَ بحثٌ عَنْ وجهِ الدليلِ وشروطِهِ ، ووجهِ الحدِّ وشروطِهِ ، وهما داخلانِ في علّمِ الكلامِ . والثالثُ : الإلهياتُ ، وهو بحثٌ عَنْ ذاتِ اللهِ سبحانَهُ وصفاتِهِ ، وهوَ أيضاً داخلٌ في الكلامِ . والفلاسفةُ لم ينفردوا فيها بنمطٍ آخرَ مِنَ العلمِ ، بلِ انفردوا بمذاهبَ بعضُها كفرٌ وبعضُها بدعةٌ، وكما أنَّ الاعتزالَ ليسَ علماً برأسِهِ ، بلْ أصحابُهُ طائفةٌ مِنَ المتكلَّمينَ وأهلِ البحثِ والنظرِ وانفردوا بمذاهبَ باطلةٍ .. فكذلكَ الفلسفةُ . حن والرابعُ : الطبيعياتُ، وبعضُها مخالفٌ للشرع والدينِ الحقِّ ، فهوَ جهلٌ وليسَ بعلمٍ حتَّى يورَدَ في أقسامِ العلومِ ، وبعضُها بحثٌ عن صفاتِ الأجسام وخواصِّها وكيفيةِ استحالتِها وتغيُّرِها ، وهو شبيهٌ بنظرِ الأطبّاءِ، إلا أنَّ الطبيبَ ينظرُ في بدنِ الإنسانِ على الخصوصِ مِنْ حيثُ يمرضُ ويصحُ ، وهمْ ينظرونَ في جميع الأجسام مِنْ حيثُ تتغيّرُ وتتحرَّكُ، ولكنْ للطِّبِّ فضْلٌ عليهِ؛ وهو أنَّهُ محتاجٌ إليه ، وأمَّا علومُهُمْ في الطبيعياتِ .. فلا حاجةَ إليها . فمـ فإذاً ؛ الكلامُ صارَ مِنْ جملةِ الصناعاتِ الواجبةِ على الكفايةِ حراسةٌ لقلوبِ العوامِّ عنْ تخييلاتِ المبتدِعةِ ، وإنَّما حدثَ ذلكَ بحدوثِ البدع ، كما حدثتْ حاجةُ الإنسانِ إلى استئجارِ البذْرَقَةِ (١) في طريقِ الحجِّ بحدوثٍ (١) البذرقة : الخفراء وهم الحراس . ٨٥ حر كتاب العلم ربع العبادات ظلّمِ العربِ وقطعِهِمُ الطريقَ ، ولو تركَ العربُ عداونَهُمْ .. لم يكنِ استئجارٌ الحرَّاسِ من شروطِ طريقِ الحجِّ ؛ فكذلكَ لو تركَ المبتدِعُ هذيانَهُ .. لما افتقرَ إلى الزيادةِ على ما عُهِدَ في عصرِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ . فليعلمِ المتكلُّمُ حدَّهُ مِنَ الدينِ ، وأنَّ موقعَهُ منهُ موقعُ الحارسِ في طريقٍ الحجِّ ، فإذا تجرَّدَ الحارسُ للحراسةِ .. لم يكنْ مِنْ جملةِ الحاجِّ ، والمتكلِّمُ إِنْ تجرَّدَ للمناظرةِ والمدافعةِ ولمْ يسلكْ طريقَ الآخرةِ ، ولمْ يشتغلْ بتعهُّدٍ القلبٍ وصلاحِهِ .. لم يكنْ مِنْ جملةِ علماءِ الدينِ أصلاً؛ إذْ ليسَ عندَ المتكلُّمِ مِنَ الدينِ إلا العقيدةُ التي يشاركُهُ سائرُ العوامِّ فيها ، وهيَ من جملةٍ أعمالِ ظاهرِ القلبِ واللسانِ ، وإنَّما تميَّزَ عنِ العامِّيِّ بصنعةِ المجادلةِ والحراسةِ ، فأمَّا معرفةُ اللهِ تعالى وصفاتِهِ وأفعالِهِ وجميع ما أشرنا إليهِ في علْمِ المكاشفةِ .. فلا يحصُلُ من علم الكلام ، بلْ يكادُ يكونُ الكلامُ حجاباً ومانعاً منهُ، وإنَّما الوصولُ إليهِ بالمجاهدةِ التي جعلها اللهُ سبحانَهُ مقدِّمَةً للهدايةِ؛ حيثُ قالَ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ . 0 شن فإنْ قلتَ : فقدْ رددتَ حدَّ المتكلُّم إلى حراسةِ عقيدةِ العوامِّ عَنْ تشويشٍ المبتدعةِ، كما أنَّ حدَّ البذْرَقَةِ حراسةُ أقمشةِ الحجيج عنْ نَهْبِ العربِ (١)، (١) القماش هنا : المتاع ونحوه الذي يكون في حيازة الحاجٌّ. ٨٦ ربع العبادات كتاب العلم ورددتَ حدَّ الفقيهِ إلى حفْظِ القانونِ الذي بهِ يكفتُّ السلطانُ شرَّ بعضٍ أهلِ العدوانِ عنْ بعضٍ ، وهاتانِ رتبتانِ نازلتانِ بالإضافةِ إلى علْمِ الدينِ ، وعلماءُ الأمَّةِ المشهورونَ بالفضْلِ هُمُ الفقهاءُ والمتكلمونَ ، وهُمْ أفضلُ الخلقِ عندَ اللهِ تعالى، فكيفَ تنزلُ درجاتِهِمْ إلى هذهِ المنزلةِ السافلةِ بالإضافةِ إلى علْمِ الدينِ؟ فاعلمْ : أَنَّ مَنْ عَرَفَ الحقَّ بالرجالِ .. حارَ في متاهاتِ الضلالِ ، فاعرفِ الحقَّ .. تعرفُ أهلَهُ إنْ كنتَ سالكاً طريقَ الحقِّ . وإِنْ قَنِعْتَ بالتقليدِ والنظرِ إلى ما اشتهرَ مِنْ درجاتِ الفضْلِ بينَ الناسِ .. فلا تغفُلْ عنِ الصحابةِ وعلوِّ منصبِهِمْ، فقدْ أجمعَ الذينَ عرَّضتَ بذكرِهِمْ على تقدُّمِهِمْ، وأنَّهِمْ لا يُدركُ في الدينِ شأوُهمْ ولا يُشقُّ غبارُهمْ ، ولمْ يكنْ تقدُّمُهُمْ بالكلام والفقهِ ، بلْ بعلْمِ الآخرةِ وسلوك طريقِها . وما فَضَلَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ الناسَ بكثرةٍ صلاةٍ ، ولا بكثرةِ صيامٍ ، ولا بكثرةِ روايةٍ وفتوى وكلامٍ ، ولكنْ بشيءٍ وَفَرَ في صدرِهِ ، كما شهدَ لهُ سيِّدُ البشرِ صلواتُ اللهِ عليهِ(١). فليكنْ حرصُكَ في طلبِ ذلكَ السرِّ ، فهوَ الجوهرُ النفيسُ والدُّرُّ المكنونُ ، ودعْ عنكَ ما تطابقَ أكثرُ الناسِ على تفخيمِهِ وتعظيمِهِ لأسبابٍ ودواع يطولُ تفصيلُها ؛ فلقدْ قُبضَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ آلافٍ مِنَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ كلَّهُمْ علماءُ باللهِ ، أثنى عليهِمْ رسولُ اللهِ (١) انظر ((نوادر الأصول)) (ص٣١). ٨٧ كتاب العلم ربع العبادات صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولمْ يكنْ فيهِمْ أحدٌ يحسنُ صنعةَ الكلام ، ولمْ ينصِّبْ نفسَهُ للفتوى مِنهمْ أحدٌ ، إلا بضعةَ عشرَ رجلاً . وكانَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما منهُمْ ، وكانَ إذا سُئِلَ عنِ الفتوى .. يقولُ للسائلِ : ( اذهبْ إلى هذا الأميرِ الذي تقلَّدَ أمورَ الناسِ وضعْها في عنقِهِ )(١) ؛ إشارةً إلى أنَّ الفتوى في القضايا والأحكام مِنْ توابع الولاية والسلطنةِ . ولمَّا ماتَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ .. قالَ ابنُ مسعودٍ : ( ماتَ تسعةُ أعشارِ العلمِ ، فقيلَ لهُ : أتقولُ ذلكَ وفينا جِلَّةُ الصحابةِ ؟! فقالَ : لستُ أريدُ علمَ الفتوى والأحكام ، إنَّما أريدُ العلمَ باللهِ سبحانَةً)(٢). أفترى أنَّهُ أرادَ صنعةً الكلام والجدلِ ؟ فما لكَ لا تحرصُ على معرفةٍ ذلكَ العلمِ الذي ماتَ بموتِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ تسعةُ أعشارِهِ ؟ وهوَ الذي سدَّ بابَ الكلام والجدلِ، وضربَ صَبِيغاً بالدِّرَّةِ لمَّا أوردَ عليهِ سؤالاً في تعارضٍ آيتينٍ مِنْ كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وهجرَهُ وأمرَ الناسَ بهجرتِهِ (٣). وأمَّا قولُكَ : ( إنَّ المشهورينَ مِنَ العلماءِ هُمُ الفقهاءُ والمتكلمونَ ) .. (١) قوت القلوب (١/ ١٣١). (٢) قوت القلوب (١٣٩/١)، وبنحوه رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٦٣/٩). (٣) صبيغ : كان يعنِّتُ الناسَ بالغوامض والسؤالات في متشابه القرآن، وروى هذا الخبر الدارمي في « سننه)) ( ١٤٦). ٨٨ ربع العبادات كتاب العلم ـحن فاعلمْ أنَّ ما يُنالُ بهِ الفضلُ عندَ اللهِ تعالى شيءٌ، وما يُنالُ بهِ الشهرةُ عندَ الناسِ شيءٌ آخرُ، فلقدْ كانَ شهرةُ أبي بكرِ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ بالخلافةِ ، وكان فضلُهُ بالسرِّ الذي وقرَ في صدرِهِ ، وكانَ شهرةُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ بالسياسةِ ، وكانَ فضلُهُ بالعلْمِ باللهِ الذي ماتَ تسعةُ أعشارِهِ بموتِهِ ، وبقصدِهِ(١) التقرُّبَ إلى اللهِ تعالى في ولايتِهِ ، وعدلِهِ وشفقتِهِ على خلقِهِ ، وهو أمرٌ باطنٌّ في سرِّهِ . ـحة وأمَّا سائرُ أفعالِهِ الظاهرةِ .. فيُتصوَّرُ صدورُها مِنْ طالبِ الجاهِ والاسمِ والسمعةِ والراغبِ في الشهرةِ ، فتكونُ الشهرةُ فيما هوَ المهلكُ ، والفضلُ فيما هوَ سرٍ لا يطْلعُ عليه أحدٌ . فالفقهاءُ والمتكلمونَ مثلُ الخلفاءِ والقضاةِ والعلماءِ ، وقدِ انقسموا : فمنهُمْ مَنْ أرادَ اللهَ بعلمِهِ وفتواهُ وذبِّهِ عن سنَّتِهِ (٢) ، ولمْ يطلبْ فيهِ رياءً ولا سمعةٌ ؛ فأولئكَ أهلُ رضوانِ اللهِ تعالى، وفضلُهُمْ عندَ اللهِ لعملِهِمْ بعلمِهِمْ ، ولإِرادتِهِمْ وجهَ اللهِ تعالى بفتواهُمْ ونظرِهِمْ، فإنَّ كلَّ علَمٍ عملٌ ؛ لأنَّهُ فعلٌ مكتسَبٌ ، وليسَ كلُّ عملٍ علماً(٣) ، والطبيبُ يقدِرُ على التقرُّبِ إلى اللهِ تعالى بعلمِهِ، فيكونُ مثاباً على علمِهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ عاملٌ للهِ بهِ ، (١) معطوف على قوله: ( بالعلم ) . (٢) أي: طريقة الله عز وجل. ((إتحاف)) (١٩٠/١). (٣) لصدور بعض الأعمال خالية عن الإخلاص والنية، فلا يسمى علماً حقيقة. ((إتحاف)) (١٩٠/١ ) . ٨٩ کتاب العلم ربع العبادات والسلطانُ يتوسَّطُ بينَ الخلقِ للهِ فيكونُ مرضياً عندَ اللهِ سبحانَهُ ومثاباً ، لا مِنْ حيثُ إنَّهُ متكفِّلٌ بعلْمِ الدينِ ، بلْ مِنْ حيثُ هوَ متقلِّدٌ لعملٍ يقصدُ بهِ التقرُّبَ إلى اللهِ عزَّ وجلّ بعلمِهِ . وأقسامُ ما يُتُقرَّبُ بهِ إلى اللهِ تعالى ثلاثةٌ : عِلْمٌ مجرَّدٌ ، وهوَ عِلْمُ المكاشفةِ . وعملٌ مجرَّدٌ ؛ وهوَ كعدْلِ السلطانِ مثلاً وضبطِهِ للناسِ . ومركَّبٌ من علمٍ وعملٍ ، وهو علمُ طريقِ الآخرةِ ؛ فإنَّ صاحبَهُ مِنَ العلماءِ والعمَّالِ جميعاً . فانظرْ إلى نفسِك : أتكونُ يومَ القيامةِ في حزْبِ عمَّالِ اللهِ تعالى ، أو علماءِ اللهِ سبحانَهُ ، أو في حزبيهِمَا فتضربُ بسهمِكَ مع كلِّ فريقٍ منهما ؟ فهذا أهمُّ لكَ مِنَ التقليدِ لمجرَّدِ الاشتهارِ : [من البسيط] خُذْ ما تَراهُ وَدَعْ شَيْئاً سَمِعْتَ بِهِ فِي طَلْعَةِ الشَّمْسِ ما يُغْنِيِكَ عَنْ زُحَلٍ(١) على أنَّا سنتقُلُ مِنْ سيرةِ فقهاءِ السلفِ ما تعلَمُ بهِ أنَّ الذينَ انتحلُوا مذاهبَهُمْ ظلمُوهُمْ، وأنَّهمْ مِنْ أشدِّ خصمائِهِمْ يومَ القيامةِ ؛ فإنَّهمْ ما قصدوا بالعلمِ إلا وجهَ اللهِ تعالىُ ، وقدْ شُوهدَ مِنْ أحوالِهِمْ ما هوَ منْ علاماتِ علماءِ الآخرةِ كما سيأتي بيانُهُ في بابِ علاماتِ علماءِ الآخرةِ ، وأنَّهمْ ما كانوا متجرِّدينَ لعلَّمِ الفقهِ ، بل كانوا مشتغلينَ بعلْمِ القلوبِ ومراقبينَ لها ، ولكنْ ھ (١) البيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٨١/٣). ٩٠ ربع العبادات كتاب العلم صرفَهُمْ عنِ التدريسِ والتصنيفِ فيهِ ما صرفَ الصحابةَ عنِ التصنيفِ والتدريسِ في الفقهِ معَ أنَّهِمْ كانوا فقهاءَ مستقلينَ بعلم الفتاوى ، والصوارفُ والدواعي متيقُّنَةٌ ، ولا حاجةَ إلى ذكرِها . ونحنُ الآنَ نوردُ من أحوالِ فقهاءِ الإسلام ما تعلمُ بهِ أَنَّ ما ذكرناهُ ليسَ طعناً فيهِمْ ، بلْ هوَ طعْنٌ فيمنْ أظهرَ الاقتداءَ بهِمْ منتحلاً مذهبَهُمْ وهوَ مخالفٌ لهُمْ في علمِهِمْ وسيرتِهِمْ . فالفقهاءُ الذينَ هُمْ زعماءُ الفقهِ وقادةُ الخلقِ - أعني الذين كَثُرَ أتباعُهُمْ في المذاهبِ - خمسةٌ : الشافعيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةً، وأحمدُ ابنُ حنبلٍ ، وسفيانُ الثوريُّ رحمَهُمُ الله أجمعينَ(١) ، وكلُّ واحدٍ منهُمْ كانَ عابداً، وزاهداً ، وعالماً بعلوم الآخرةِ ، وفقيهاً في مصالحِ الخلقِ في الدنيا ، ومريداً بفقهِهِ وجهَ الله تعالى . فهذهِ خمسُ خصالٍ ، اتبعَهُمْ فقهاءُ العصرِ مِنْ جملتِها على خصلةٍ واحدةٍ ، وهيَ التشميرُ والمبالغةُ في تفاريع الفقهِ ؛ لأنَّ الخصالَ الأربعَ لا تصلحُ إلا للآخرةِ، وهذهِ الخصلةُ الواحدةُ تصلُحُ للدنيا والآخرةِ إنْ أريدَ بها الآخرةُ ، فلصلاحِها للدنيا تشمَّروا لها ، وادَّعَوا بها مشابهةَ أولئكَ (١) وكان مذهب سفيان باقياً إلى القرن الخامس ، وكان من ينتحله موجوداً في زمان المصنف ... ، وأما الآن .. فلم يبق من تقيّدَ مذهبه أو يعتزي إليه. («إتحاف)) (١٩١/١ ). ٩١ کتاب العلم ربع العبادات الأئمةِ ، وهيهاتَ ؛ فلا تقاسُ الملائكةُ بالحذَّادينَ . فلنورِدِ الآنَ مِنْ أحوالِهِمْ ما يدلُّ على هذهِ الخصالِ الأربع ؛ فإنَّ معرفتَهُمْ بالفقهِ ظاهرةٌ : أمَّا الإمامُ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ فيدلُّ على أنَّه كانَ عابداً: ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ يقسمُ الليلَ ثلاثةَ أجزاءٍ : ثُلثاً للعلمِ ، وثلثاً للصلاةِ، وثلثاً للنومِ (١) . قالَ الربيعُ : ( كانَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ يختمُ القرآنَ في رمضانَ ستينَ مرَّةٌ ، كلُّ ذلكَ في الصلاةِ )(٢). وكانَ البويطيُّ أحدُ أصحابِهِ يختمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ مرةً (٣). وقالَ الحسينُ الكرابيسيُّ : ( بتُّ مع الشافعيِّ رحمهُ اللهُ غيرَ ليلةٍ ، فكانَ يصلِّي نحواً مِنْ ثلثِ الليلِ ، فما رأيتُهُ يزيدُ على خمسينَ آيَةً ، فإذا أكثرَ .. فمئةً، وكانَ لا يمرُّ بآيةِ رحمةٍ إلا سألَ اللهَ تعالى لنفسِهِ ولجميع المؤمنينَ ، ولا يمرُّ بآيةِ عذابٍ إلا تعوَّذَ منها وسألَ النجاةَ لنفسِهِ وللمؤمنينَ ؛ وكأنَّما جُمِعَ لهُ الرجاءُ والرهبةُ معاً ) (٤). (١) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢/ ١٥٧). (٢) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (١٥٨/٢). (٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٩٣/٥١). (٤) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (١٥٨/٢). ٩٢ ربع العبادات كتاب العلم ـحر فانظر كيفَ يدلُّ اقتصارُهُ على خمسينَ آيَةُ على تبخّرِهِ في أسرارِ القرآنِ وتدثُرِه فيها . مف عمســــ وقالَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ: ( ما شبعتُ منذُ ستَّ عشرةَ سنةً؛ لأنَّ الشبعَ يثقلُ البدنَ ، ويقسِّ القلبَ ، ويزيلُ الفطنةَ، ويجلبُ النومَ ، ويضعفُ صاحبَهُ عنِ العبادةِ)(١) . فانظرْ إلى حكمتِهِ في ذكرِ آفاتِ الشبع ، ثمَّ في جِدِّهِ في العبادةِ ؛ إذْ طرحَ الشبعَ لأجلِهِ ، ورأسُ التعبّدِ تقليلُ الطعامِ . وقالَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ: ( ما حلفتُ باللهِ تعالى لا صادقاً ولا كاذباً)(٢). فانظرْ إلى حرمتِهِ وتوقيرِهِ اللهِ تعالى ، ودلالةِ ذلكَ على علمِهِ بجلالِ اللهِ سبحانَهُ . وسئلَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ عن مسألةٍ، فسكتَ ، فقيلَ لهُ : ألا تجيبُ رحمَكَ اللهُ؟! فقالَ : حتَّى أدري : الفضلُ في سكوتي أوْ في الجوابِ(٣). فانظرْ في مراقبتِهِ لسانَهُ ، معَ أنَّهُ أشدُ الأعضاءِ تسلُّطاً على الفقهاءِ ، وأعصاها على الضبطِ والقهرِ ، وبهِ يستبينُ أنَّهُ كانَ لا يتكلَّمُ ولا يسكتُ إلا النيلِ الفضْلِ وطلبِ الثوابِ . (١) رواه ابن أبي حاتم في ((آداب الشافعي ومناقيه)) (ص١٠٥). (٢) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢/ ١٦٤) . (٣) ذكره ابن الصلاح في ((فتاواه)) (١/ ١٣ ). ٩٣ کتاب العلم ربع العبادات وقالَ أحمدُ بنُ يحيى بنِ الوزيرِ : ( خرجَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ تعالى يوماً مِنْ سوقِ القناديلِ ، فتبعناهُ ، فإذا رجلٌ يسقِّهُ على رجلٍ مِنْ أهلِ العلمِ ، فالتفتَ الشافعيُّ إلينا وقالَ : نزِّهوا أسماعَكُمْ عَنِ استماع الخنا كما تنزِّهونَ ألسنتكُمْ عَنِ النطْقِ بهِ ، فإنَّ المستمعَ شريكُ القائلِ ، وإنَّ السفيهَ لينظرُ إلى أخبثِ شيءٍ في وعائِهِ فيحرصُ أنْ يفرغَهُ في أوعيتِكُمْ، ولوْ رُدَّتْ كلمةُ السفيهِ .. لسعدَ رادُّها كما شقيَ بها قائلُها)(١). C وقالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( كتبَ حكيمٌ إلى حكيم : قدْ أوتيتَ علماً ، فلا تدنِّسْ علمَكَ بظلمةِ الذنوبِ، فتبقَى في الظلمةِ يومَ يسعى أهلُ العلمِ بنورٍ علمِهِمْ)(٢). وأمَّا زهدُهُ رضيَ اللهُ عنهُ: فقدْ قالَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ: ( مَنِ ادَّعى أنَّهُ جمعَ بينَ حبِّ الدنيا وحبِّ خالِقِها في قلبهِ .. فقدْ كذبَ)(٣). ٠٥٧ وقالَ الحميديُّ : ( خرجَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ إلى اليمنِ مِعَ بعضٍ الولاةِ ، فانصرفَ إلى مكةَ بعشرةِ آلافِ درهمٍ ، فضُرِبَ خباؤُهُ في موضع خارجٍ مِنْ مكةَ ، فكانَ الناسُ يأتونَهُ ، فما برحَ مِنْ موضعِهِ ذلكَ حتَّى فَرَّقَها كلَّها )(٤) وخرجَ مِنَ الحمَّامِ مرةً فأعطى الحماميَّ مالاً كثيراً . (١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٢٣/٩). (٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٤٦/٩). (٣) انظر ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) ( ص ١٦٠). (٤) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٣٠/٩)، والبيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٢٠/٢)، وفيهما : ( خارجاً من مكة ) . ٩٤ ربع العبادات کتاب العلم وسقطَ سَوطُهُ مرةً منْ يدِهِ ، فرفعَهُ إليهِ إنسانٌ ، فأعطاهُ جزاءً عليهِ خمسينَ ديناراً (١) . وسخاوةُ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ أشهرُ مِنْ أنْ تحكَىُ ، ورأسُ الزهدِ السخاءُ؛ لأنَّ مَنْ أحبَّ شيئاً أمسكَهُ ولمْ يفارقْهُ ، فلا يفارقُ المالَ إلا مَنْ صغرَتِ الدنيا في عينِهِ ، وهوَ معنى الزهدِ . ويدلُّ على قوَّةِ زهدِهِ وشدَّةِ خوفِهِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ واشتغالِ همِّهِ بالآخرةِ ما رُويَ أنَّهُ رَوى سفيانُ بنُ عيينةَ حديثاً مِنَ الرقائِقِ ، فغُشِيَ على الشافعيِّ ، فقيلَ لهُ : قَدْماتَ ، فقالَ : إنْ ماتَ .. فقدْ ماتَ أفضلُ أهلِ زمانِهِ(٢). وما رَوىُ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ البَلَوِيُّ قالَ : كنتُ أنا وعمرُ بنُ نباتةَ جلوساً نتذاكرُ العبّادَ والزهَّادَ ، فقالَ لي عمرُ : ما رأيتُ أورعَ ولا أفصحَ مِنْ محمدِ بنِ إدريسَ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ؛ خرجتُ أنا وهوَ والحارثُ بنُ لبيدٍ إلى الصفا ، وكانَ الحارثُ تلميذاً لصالح المرِّيِّ ، فافتحَ يقرأُ وكانَ حسنَ الصوتِ، فقرأ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَطِقُونَ ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْنَذِرُونَ﴾، فرأيتُ الشافعيَّ رحمهُ اللهُ وقدْ تغيَّرَ لونُهُ، واقشعرَّ جلدُهُ ، واضطربَ اضطراباً شديداً ، وخرّ مغشياً عليهِ ، فلمَّا أفاقَ .. جعلَ يقولُ : أعوذُ بكَ مِنْ مقام الكاذبينَ ، وإعراضِ الغافلينَ ، اللهمَّ ؛ لكَ خضعتْ قلوبُ العارفينَ ، (١) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٢١/٢). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٥/٩)، والبيهقي في ((مناقب الشافعي)) (١٧٥/٢) . ٩٥ كتاب العلم ربع العبادات وذَلَّتْ هيبةُ المشتاقينَ ، إلهي ؛ هبْ لي جودَكَ ، وجَلَّلْني بسترِك ، واعفُ عن تقصيري بكرم وجهِكَ . قالَ : ثمَّ قمنا فانصرفْنا ، فلمَّا دخلتُ بغدادَ وكانَ هوَ بالعراقِ ، فقعدتُ على الشطِّ أتوضأُ للصلاةِ .. إذْ مزَّ بي رجلٌ فقالَ لي : يا غلامُ ؛ أحسنْ وضوءَكَ أحسنَ اللهُ إليكَ في الدنيا والآخرةِ ، فالتفتُّ فإذا أنا برجلٍ يتبعُهُ جماعةٌ ، فأسرعتُ في وضوئي ، وجعلتُ أقفو أثرَهُ ، فالتفتَ إليَّ فقالَ : هلْ لكَ مِنْ حاجةٍ ؟ فقلتُ: نعمْ ، تعلِّمني ممَّا علَّمَكَ اللهُ شيئاً ، فقالَ لي : اعلمْ أنَّ مَنْ صَدَقَ اللهَ .. نجا، ومَنْ أشفقَ على دينِهِ .. سَلِمَ من الردى ، ومن زهدَ في الدنيا .. قَرَّتْ عيناهُ بما يرى من ثوابِ اللهِ تعالى غداً ، أفلا أزيدُكَ ؟ قلتُ : بلى ، قالَ : مَنْ كانَ فيه ثلاثُ خصالٍ .. فقدِ استكملَ الإيمانَ : مَنْ أمرَ بالمعروفِ وَأَتَمَرَ ، ونهىُ عَنِ المنكرِ وانتهى ، وحافظَ على حدودِ اللهِ تعالى ، ثمَّ قالَ : ألا أزيدُكَ ؟ قلتُ : بلى . قالَ : كنْ في الدنيا زاهداً ، وفي الآخرةِ راغباً ، واصدقِ اللهَ تعالى في جميع أمورِكَ .. تنجُ معَ الناجينَ، ثمَّ مضى، فسألتُ: مَنْ هذا؟ فقالوا: هوَ الشافعيُّ(١). فانظرْ إلى سقوطِهِ مغشياً عليهِ ، ثمَّ إلى وعظِهِ ، كيفَ يدلُّ ذلكَ على زهدِهِ وغايةِ خوفِهِ ؛ ولا يحصلُ هذا الخوفُ والزهدُ إلا مِنْ معرفةِ اللهِ تعالى ، فإنَّهُ إنَّما يخشى اللهَ مِنْ عبادِهِ العلماءُ . (١) مناقب الشافعي (١٧٦/٢-١٧٧). وانظر ما قاله الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) ( ١ / ١٩٧ ) . ٩٦ ربع العبادات كتاب العلم ولمْ يستفدِ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ هذا الخوفَ والزهدَ مِنْ علمِ كتابِ السَّلَم والإجارةِ وسائرِ كتبِ الفقهِ ، بَلْ مِنْ علومِ الآخرةِ المستخرجةِ مِنَ القرآنِ والأخبارِ ؛ إذْ حِكَمُ الأوَّلِينَ والآخرينَ مودعةٌ فيهما . وأمَّا كونُهُ عالماً بأسرارِ القلبِ وعلوم الآخرةِ : فتعرفُهُ مِنَ الحِكَم المأثورة عنه : رُوِيَ أنَّهُ سُئلَ عنِ الرياءِ ، فقالَ على البديهة: ( الرياءُ فتنةٌ عقدَها الهوى حِيالَ أبصارِ قلوبِ العلماءِ ، فنظروا إليها بسوءِ اختيارِ النفوسِ ، فأحبطتْ أعمالَهُمْ)(١) . وقالَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ: ( إذا أنتَ خفْتَ على عملِكَ العجبَ .. فاذكرْ رضا مَنْ تطلُّبُ ، وفي أيِّ نعيمٍ ترغبُ ، ومِنْ أَيِّ عقابٍ ترهبُ ، وأيَّ عافيةٍ تشكرُ ، وأيَّ بلاءٍ تذكرُ ؛ فإنَّكَ إذا فَكَّرْتَ في واحدةٍ مِنْ هذهِ الخصالِ .. صَغُرَ فِي عِينِكَ عملُكَ )(٢) . على فانظر كيفَ ذكرَ حقيقةَ الرياءِ وعلاجَ العجْبِ ، وهما منْ كبائرِ آفاتٍ القلبِ . -ـ وقالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ: (مَنْ لمْ يصنْ نفسَهُ .. لمْ ينفعْهُ علمُهُ)(٣). (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٣٤/٥١). (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤١٣/٥١). (٣) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ( ٢٨٦/٧). ٩٧ كتاب العلم ربع العبادات وقالَ رحمهُ اللهُ : ( مَنْ أَطاعَ اللهَ تعالى بالعلمِ .. نفعَهُ سرّه ) . وقالَ : ( ما مِنْ أحدٍ إلا لهُ محبٌّ ومبغضٌ ، فإذا كانَ كذلكَ .. فكُنْ معَ أهلِ طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ)(١). ورُوِيَ أنَّ عبد القاهرِ بنَ عبدِ العزيزِ كانَ رجلاً صالحاً ورعاً ، وكانَ يسألُ الشافعيَّ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ مسائلَ في الورع، والشافعيُّ رحمهُ اللهُ يُقبلُ عليهِ لورعِهِ ؛ فقالَ للشافعيِّ يوماً : أيُّما أفضلُ: الصبرُ، أوِ المحنةُ ، أوٍ التمكينُ ؟ فقالَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ: التمكينُ درجةُ الأنبياءِ ، ولا يكونُ التمكينُ إلا بعدَ المحنةِ، فإذا امتحنَ .. صبرَ، وإذا صبرَ .. مُكِّنَ ، ألا ترى أنَّ اللهَ تعالى امتحنَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ ثمَّ مَكْنَهُ ، وامتحنَ موسىُ عليهِ السلامُ ثمَّ مَّنَهُ ، وامتحنَ أيُّوبَ عليهِ السلامُ ثمَّ مكَّنَهُ ، وامتحنَ سلیمانَ علیهِ السلامُ ثمَّ مَكَّنَهُ وآتاهُ مُلْكاً ؟ والتمكينُ أفضلُ الدرجاتِ ، قالَ اللهُ تعالى : وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾، وأيوبُ عليهِ السلامُ بعدَ المحنةِ العظيمةِ مُكِّنَ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ الآيةَ. فهذا الكلامُ مِنَ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ يدلُّ على تبثُرِهِ في أسرارٍ القرآنِ ، واطلاعِهِ على مقاماتِ السائرينَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ مِنَ الأنبياءِ والأولياءِ ، وكلُّ ذلكَ منْ علومِ الآخرةِ . وقيلَ للشافعيِّ رحمَهُ اللهُ: ( متى يكونُ الرجلُ عالماً ؟ قال : إذا تحقَّقَ (١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٩/ ١١٧). ٩٨ ربع العبادات كتاب العلم في علمٍ يعلمُهُ ، وتعرَّضَ لسائرِ العلوم ، فنظرَ فيما فاتَهُ، فعندَ ذلكَ يكونُ عالماً ؛ فإنَّهُ قيلَ لجالينوسَ : إنَّكَ تأمرُ للدَّاءِ الواحدِ بالأدويةِ الكثيرةِ المجتمعةِ ، قالَ : إنَّما المقصودُ منها واحدٌ، وإنَّما يُجعلُ معهُ غيرُهُ ليسكِّنَ حدَّتَهُ ؛ لأنَّ الإِفرادَ قاتلٌ ) . فهذا وأمثالُهُ ممَّا لا يُحصى يدلُّ على عظم رتبتِهِ في معرفةِ اللهِ تعالى وعلوم الآخرةِ . وأمَّا إرادتُهُ بالفقهِ خاصةً والمناظرةِ فيهِ وجْهَ اللهِ تعالى : فيدلُّ علیهِ ما رُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: (وددتُ أنَّ الناسَ انتفعوا بهذا العلم وما نُسِبَ إليَّ منهُ شيءٌ)(١) . فانظر كيفَ اطلعَ على آفةِ العلمِ وطلبِ الاسمِ بهِ ، وكيفَ كانَ منزَّهَ القَلبِ عنِ الالتفاتِ إليهِ ، متجرِّدَ النيّةِ فيهِ لوجهِ اللهِ تعالى. وقالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما ناظرتُ أحداً قطُّ فأحببتُ أنْ يخطىءَ)(٢). وقالَ : ( ما كلَّمْتُ أحداً قطُّ إلا أحببتُ أن يوفَّقَ ويسدَّدَ ويعانَ ويكونَ عليهِ رعايةٌ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ وحفْظُ ، وما كلَّمْتُ أحداً قطُّ وأنا أبالي أنْ يبيِّنَ اللهُ الحقَّ على لساني أو على لسانِهِ )(٣). (١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١١٨/٩). (٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢١٢٥)، والبيهقي في ((المدخل)) ( ١٧٢ ). (٣) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١١٨/٩). ٩٩ كتاب العلم ربع العبادات وقالَ : ( ما أوردتُ الحقَّ والحجَّةَ على أحدٍ فقبلَها مِنِّي إلا هبتُهُ واعتقدتُ موذَّتَهُ ، ولا كابرني على الحقِّ أحدٌ ودافعَ الحَجَّةَ إلا سقَطَ مِنْ عيني ورفضتُهُ)(١) . فههذهِ العلاماتُ هيَ التي تدلُّ على إرادةِ اللهِ وحدَهُ بالفقهِ والمناظرةِ . فانظر كيفَ تابعَهُ الناسُ مِنْ جملةِ هذهِ الخصالِ الخمسِ على خصلةٍ واحدةٍ فقط(٢)، ثمَّ كيفَ خالفوهُ فيها أيضاً . ولهذا قالَ أبو ثورٍ رحمهُ اللهُ: ( ما رأيتُ ولا رأى الراؤون مثلَ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ تعالى )(٣). وقالَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما صليتُ صلاةٌ منذُ أربعينَ سنةً إلا وأنا أدعو للشافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى) (٤). فانظرْ إلى إنصافِ الداعي ، وإلى درجةِ المدعوِّ لهُ، وقسْ بهِ الأقرانَ والأمثالَ مِنَ العلماءِ في هذهِ الأعصارِ وما بينَهُمْ من المشاحنةِ والبغضاءِ ؛ لتعلمَ تقصيرَهُمْ في دعوى الاقتداءِ بهؤلاءِ . ولكثرةِ دعائِهِ لهُ قالَ لهُ ابنُهُ: أيَّ رجلٍ كانَ الشافعيُّ حتَّى تدعوَ لهُ كلَّ (١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١١٧/٩). (٢) وهي المبالغة في تفاريع الفقه مع عدم الاهتمام لأمور الآخرة . (٣) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٦٤/٢) . (٤) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٥٤/٢). ١٠٠