النص المفهرس
صفحات 41-60
ربع العبادات كتاب العلم وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ تعالىُ لا يَنْتَزِعُ العلمَ انِتِزاعاً مِنَ النَّاسِ بعدَ أَنْ يُؤْتِيَهُمْ إِيَّاهُ ، ولَكنْ يذهبُ بذهابِ العلماءِ، فَكلَّما ذَهَبَ عالمٌ .. ذهبَ بما معهُ من العِلْمِ، حتَّى إذا لمْ يَبْقَ عالمٌ .. اتخذَ الناسُ رؤوساً جُهَّالاً، إنْ سُئِلُوا .. أفتَوا بغيرِ علمٍ؛ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ عَلِمَ علماً فكتمَهُ .. أَلْجِمَ يومَ القيامةِ بلجامٍ مِنْ نارٍ))(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( نِعْمَ العطيَّةُ ونِعْمَ الهديَّةُ كلمةُ حكمةٍ تسمَعُهَا ، فَتَطْوِي عليها، ثم تحملُها إلى أخ لكَ مسلمٍ تُعَلِّمُهُ إِيَّاها، تَعْدِلُ عبادةَ سنةٍ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( الدنيا ملعونةٌ، ملعون ما فيها، إلا ذكرَ اللهِ سبحانَهُ وما والاهُ، أو مُعَلِّماً، أو مُتَعلِّماً)) (٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ وملائكَتَهُ وأهلَ السماواتِ والأرضِ، حتَّى الثَّملةَ في جُحْرِها، وحتَّى الحوتَ في البحرِ .. لَيُصَلُّونَ علىْ مُعَلِّم الناسِ الخيرَ))(٥) . (١) رواه البخاري (١٠٠)، ومسلم ( ٢٦٧٣) . (٢) رواه أبو داوود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦١). (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٤٣/١٢). (٤) رواه الترمذي ( ٢٣٢٢)، وابن ماجه (٤١١٢ ). (٥) رواه الترمذي (٢٦٨٥) . ٤١ کتاب العلم ربع العبادات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما أفادَ المسلمُ أخاهُ فائدةُ أفضلَ من حديثٍ حسنٍ بَلَغَهُ فَبَلَّغَهُ))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كلمةٌ مِنَ الخيرِ يسمعُها المؤمنُ فيعملُ بها، ويعلِّمُها .. خيرٌ لهُ مِنْ عبادةِ سنةٍ))(٢). وخرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ ، فرأى مجلسينِ ؛ أحدُهُما : يدعُون اللهَ عزَّ وجلَّ ويرغبونَ إليهِ ، والثاني : يعلِّمونَ الناسَ ، فقالَ: ((أمَّا هؤلاءِ: فيسأَلُونَ اللهَ؛ فإنْ شاءَ .. أعطاهُمْ، وإنْ شاءَ .. منعهُمْ، وأمَّا هؤلاءِ: فَيُعَلِّمُونَ الناسَ، وإنَّما بُعِثْتُ مُعَلِّماً))، ثمَّ عَدَلَ إليهِمْ وجلسَ معهُمْ(٣) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مثلُ ما بَعَشَنِي اللهُ عزَّ وجلَّ بهِ منَ الهدى والعلمِ كمثَلِ الغيثِ الكثيرِ أصابَ أرضاً، فكانتْ منها نَقِيَّةٌ (٤) قبلَتِ الماءَ ، فَأَنْبَتِ الكلأَ والعشبَ الكثيرَ ، وكانتْ منها أجادبُ أمسكَتِ الماءَ ، فنفعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وسَقُوا وَزَرَعُوا، وكَانَتْ منها طائفَةٌ قيعانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً ولا تُنْبِتُ كلاً)) (٥) . (١) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢٠٢) . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٨٦)، وتقدم بنحوه عند الطبراني. (٣) رواه ابن ماجه ( ٢٢٩) . (٤) أي : طيبة طاهرة . (٥) رواه البخاري (٧٩)، ومسلم ( ٢٢٨٢ ) . ٤٢ ربع العبادات كتاب العلم فالأوَّلُ ذكرَهُ مثلاً للمنتفع بعلمِهِ ، والثاني ذكرَهُ مثلاً للنافع ، والثالثُ للمحروم منهما (١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا ماتَ ابنُ آدَمَ .. انقطعَ عملُهُ إلا مِنْ ثَلاَثِ: عِلْمٍ يُنتَفَعُ بهِ ... )) الحديثَ(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الدَّالُّ على الخيرِ كفاعِلِهِ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا حَسَدَ إلا في اثنتين : رجلٌ آتاهُ اللهُ حكمةً ، فهو يَقْضِي بها ويُعَلِّمُها النَّاسَ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مالاً، فهوَ ينفقُ منهُ سرّاً وجهراً )) (٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((على خلفائي رحمهُ اللهِ)) قيلَ: ومَنْ خلفاؤُكَ ؟ قالَ: (( الذينَ يُحيُّونَ سُنتي ويعلِّمونَها عبادَ اللهِ))(٥). (١) أي: حين قال في تتمة الحديث: ((فذلك مَثَلُ من فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ، فعلم وعلَّم ، ومَثَلُ من لم يَرْفَعْ بذلك رأساً ، ولم يقبل هُدَى الله الذي أرسلت به)). (( البخاري)» ( ٧٩) . (٢) رواه مسلم ( ١٦٣١). (٣) رواه الترمذي (٢٦٧٠) بلفظه، وأصله عند مسلم ( ١٨٩٣) . (٤) رواه البخاري ( ٧٣)، ومسلم (٨١٦)، ولفظه: (( ... مالاً، فسلّطه على هلكته في الحقِّ)). (٥) رواه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (١)، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (١١١/١)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢٢٠) واللفظ له . ٤٣ كتاب العلم ربع العبادات وأمَّا الآثارُ : فقدْ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ حدَّثَ بحديثٍ ، فَعُمِلَ به .. فلهُ مثلُ أجرٍ مَنْ عملَ ذلكَ العملِ )(١) . وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما : ( مُعلِّمُ الناسِ الخيرَ يستغفرُ لهُ كلُّ شيءٍ حتَى الحوتُ في البحرِ )(٢). وقالَ بعضُ العلماءِ : ( العالمُ يدخلُ فيما بينَ اللهِ وبينَ خلقِهِ ، فلينظرْ كيفَ يدخلُ )(٣). ورُوِي أنَّ سفيان الثوريَّ رحمهُ اللهُ قِدِمَ عَسْقَلانَ، فمكثَ ولا يسألُهُ إنسانٌ ، فقالَ : ( اكثروا لي لأخرجَ مِنْ هذا البلدِ ، هذا بلدٌ يموتُ فيهِ العلمُ) (٤) ، وإنما قالَ ذلكَ حرصاً على فضيلةِ التعليمِ ، واستبقاءِ العلمِ بهِ . وقالَ عطاءٌ رضيَ اللهُ عنهُ : ( دخلتُ على سعيدِ بنِ المسيَّبِ وهو يبكي ، فقلتُ: ما يبكيكَ ؟ فقال: ليسَ أحدٌ يسألني عَنْ شيءٍ ! )(٥) . (١) رواه الحاكم في ((المدخل إلى الصحيح)) (ص٨٧)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ٢٥٦) عنه مرفوعاً . (٢) رواه الدارمي في ((سننه)) (٣٥٥)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٨٠ ) . (٣) سنن الدارمي (١٣٩)، وحلية الأولياء (١٥٣/٣) عن محمد بن المنكدر . (٤) جامع بيان العلم وفضله ( ١٠٤٦ ). (٥) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٢٦٩٤٣) عن عطاء عن سعيد بن جبير . ٤٤ ربع العبادات كتاب العلم وقالَ بعضُهُمْ : ( العلماءُ سُرجُ الأزمنةِ ، كلُّ واحدٍ مصباحُ زمانِهِ ، يستضيءُ بهِ أهلُ عصرِهِ )(١) . وقالَ الحسنُ رحمهُ اللهُ: ( لولا العلماءُ .. لصارَ الناسُ مثلَ البهائمِ ) أيْ : أنَّهمْ بالتعليمِ يُخرجونَ الناسَ مِنْ حدِّ البهيميَّةِ إلى حدِّ الإنسانيَّةِ . وقالَ عِكْرِمَةُ : ( إنَّ لهذا العلم ثَمناً ، قيلَ : وما هو ؟ قالَ : أنْ تضعَهُ فيمَنْ يُحسنُ حملَهُ ولا يضيّعُهُ)(٢) . وقالَ يحيى بن معاذٍ: ( العلماءُ أرحمُ بأمَّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ آبَائِهِمْ وأمهاتِهِمْ، قيلَ : وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: لأنَّ آبَاءَهُمْ وأمهاتِهِمْ يحفظونَهُمْ مِنْ نارِ الدنيا ، وهمْ يحفظونَهُمْ من نارِ الآخرةِ )(٣). وقيلَ : ( أوَّلُ العلْمِ الصمتُ، ثمَّ الاستماعُ، ثمَّ الحفْظَ، ثمَّ العمَلُ، ثمَّ نشرُهُ) (٤) . وقيلَ : ( علِّمْ علمَكَ مَنْ يجهلُ، وتعلَّم ممَّنْ يعلَمُ ؛ فإنَّكَ إذا فعلتَ ذلكَ .. علمتَ ما جهلتَ، وحفظتَ ما علمتَ)(٥). (١) رواه ابن بطة في ((الإبانة)) (٤١). (٢) المحدث الفاصل ( ص ٥٧٥ ) . (٣) ذكره السخاوي في ((المنهل العذب الروي)) (ص ٨٥)، والشعراني في (( طبقاته)) (٨٠/١) . (٤) حلية الأولياء (٣٦٢/٦)، وبنحوه من قول محمد الحارثي (٢١٨/٨) . (٥) جامع بيان العلم وفضله ( ٦٤٧)، ورواه عن الأحنف ابنُ عساكر في (( تاريخ دمشق )) ( ٢٤ / ٣٤٤ ) . ٤٥ کتاب العلم ربع العبادات ـييديب - وقالَ معاذُ بنُ جبلِ في التعليم والتعلُّم ورأيتُهُ أيضاً مرفوعاً: ( تعلَّموا العلمَ ؛ فإنَّ تعلُّمَهُ للهِ خشيةٌ، وطلبَهُ عبادةٌ، ومدارستَهُ تسبيحٌ ، والبحثَ عنهُ جهادٌ ، وتعليمَهُ لمنْ لا يعلمُهُ صدقةٌ ، وبذلَهُ لأهلِهِ قربةٌ ، وهوَ الأنيسُ في الوحدةِ ، والصاحبُ في الخلوةِ ، والدليلُ على الدِّين، والمصبِّرُ على السّراءِ والضرّاءِ، والوزيرُ عندَ الأخلاءِ ، والقريبُ عندَ الغرباءِ ، ومنارُ سبيلِ الجنَّةِ ، يرفعُ اللهُ بهِ أقواماً ، فيجعلُهُمْ في الخيرِ قادةً سادةٌ هُدالةً يُقتدَى بِهِمْ ، أدلةً في الخيرِ ، تُقْتَصُّ آثارُهُمْ وتُرمقُ أفعالُهم ، وتَرْغَبُّ الملائكةُ في خُلَّتِهِمْ وبأجنحتِها تمسحُهُمْ ، وكلُّ رطْبٍ ويابسٍ يستغفرُ لهُمْ، حتَّى حيتانُ البحْرِ وهوامُّهُ ، وسباعُ البرِّ وأنعامُهُ، والسماءُ ونجومُها؛ لأنَّ العلمَ حياةٌ القلوبِ مِنَ العمى ، ونورُ الأبصارِ مِنَ الظُّلَمِ ، وقوةُ الأبدانِ مِنَ الضعفِ ، يبلغُ بهِ العبدُ منازلَ الأبرارِ والدرجاتِ العُلى، التفكّرُ فيهِ يعدلُ بالصيامِ ، ومدارستُهُ بالقيام ، بهِ يُطاعُ اللهُ عزَّ وجلَّ، وبهِ يُعبدُ ، وبهِ يُوحَّدُ ، وبهِ يُمجَّدُ، وبهِ يُتورَّعُ، وبهِ تُوصَلُ الأرحامُ، وبهِ يعرفُ الحلال والحرامُ، وهوَ إمامٌ والعملُ تابعُهُ ، يُلْهَمُهُ السعداءُ، ويُحْرَمُهُ الأشقياءُ)(١). نسألُ اللهَ تعالىُ حسْنَ التوفيقِ . ٢ في الشواهدِ العقليّةِ : اعلمْ : أنَّ المطلوبَ مِنْ هذا البابِ معرفةُ فضيلةِ العلمِ ونفاستِهِ ، وما لمْ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٨/١) موقوفاً، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ٢٦٨) مرفوعاً . من حن ثن ٤٦ ربع العبادات كتاب العلم تُفْهَم الفضيلةُ في نفسِها ولمْ يُتَحقَّقِ المرادُ منها .. لمْ يمكنْ أنْ يُعلمَ وجودُها صفةٌ للعلمِ أوْ لغيرِهِ مِنَ الخصالِ ؛ فلقدْ ضلَّ عَنِ الطريقِ مَنْ طمعَ أنْ يعرفَ أنَّ زيداً حكيمٌ أم لا وهو بعدُ لمْ يفهمْ معنى الحكمةِ وحقيقتها . والفضيلةُ مأخوذةٌ مِنَ الفضْلِ ، وهوَ الزيادةُ ، فإذا تشاركَ شيئانٍ في أمرٍ واختصَّ أحدُهُما بمزيدٍ .. يقالُ: فَضَلَهُ، ولهُ الفضْلُ عليه ، مهما كانتْ زيادتُهُ فيما هوَ كمالُ ذلكَ الشيءِ ، كما يقالُ : الفرسُ أفضلُ مِنَ الحمارِ ؛ بمعنى أنَّهُ يشاركُهُ في قوَّةِ الحملِ ويزيدُ عليهِ بقوَّةِ الكرِّ والفرِّ وشدَّةِ العدْوِ وحسْنِ الصورةِ ، فلوْ فُرِضَ حمارٌ اختُصَّ بسلعةٍ زائدةٍ .. لمْ يُقَلْ: إنَّهُ أفضلُ ؛ لأنَّ تلكَ زيادةٌ في الجسمِ ونقصانٌ في المعنى ، وليستْ مِنَ الكمالِ في شيءٍ ، والحيوانُ مطلوبٌ لمعناهُ وصفاتِهِ لا لجسمِهِ . فإذا فهمتَ هذا .. لمْ يخْفَ عليكَ أنَّ العلمَ فضيلةٌ إنْ أخذتَهُ بالإضافةِ إلى سائرِ الأوصافِ؛ كما أنَّ للفرسِ فضيلةً إنْ أخذتَهُ بالإضافةِ إلى سائرِ الحيواناتِ ، بل شدَّةُ العَدْوِ فضيلةٌ في الفرسِ وليسَ فضيلةً على الإطلاقِ ، والعلمُ فضيلةٌ في ذاتِهِ وعلى الإطلاقِ مِنْ غيرِ إضافةٍ ؛ فإنَّهُ وصفُ كمالِ اللهِ سبحانَهُ، وبهِ شرَّفَ الملائكةَ والأنبياءَ ، بلِ الكيِّسُ مِنَ الخيلِ خيرٌ من البليدِ ، فهيَ فضيلةٌ على الإطلاقِ مِنْ غيرِ إضافةٍ . واعلمْ : أنَّ الشيءَ النفيسَ المرغوبَ فيهِ ينقسمُ إلى ما يُطلبُ لغيرِهِ ، وإلى ما يُطلبُ لذاتِهِ ، وإلى ما يُطلبُ لغيرِهِ ولذاتِهِ جميعاً ، فما يُطلبُ لذاتِهِ أشرفُ وأفضلُ ممَّا يُطلبُ لغيرِهِ . ٤٧ كتاب العلم ربع العبادات والمطلوبُ لغيرِهِ الدراهمُ والدنانيرُ ؛ فإنَّهما حجرانٍ لا منفعةً فيهما ، ولولا أنَّ اللهَ تعالى يسَّرَ قضاءَ الحاجاتِ بهما .. لكانا والحصباءُ بمثابةٍ واحدةٍ . وأمَّا الذي يُطلبُ لذاتِهِ .. فالسعادةُ في الآخرةِ ، ولذّةُ النظرِ إلى وجْهِ اللهِ تعالى(١) . وأمَّا الذي يُطلبُ لذاتِهِ ولغيرِهِ .. فكسلامةِ البدنِ ؛ فإنَّ سلامةَ الرِّجْل مثلاً مطلوبةٌ مِنْ حيثُ إنَّها سلامةٌ للبدنِ عَنِ الألمِ ، ومطلوبةٌ للمشي بها والتوصُّلِ إلى المآربِ والحاجاتِ . وبهذا الاعتبارِ إذا نظرتَ إلى العلم .. رأيتَهُ لذيذاً في نفسِهِ ، فيكونُ مطلوباً لذاتِهِ ، ووجدتَهُ وسيلةً إلى دارِ الآخرةِ وسعادتِها ، وذريعةً إلى القربِ من اللهِ تعالىُ ، ولا يُتوصَّلُ إليهِ إلا بهِ . وأعظمُ الأشياءِ رتبةٌ في حقِّ الآدميِّ السعادةُ الأبديَّةُ ، وأفضلُ الأشياءِ ما هوَ وسيلةٌ إليها، ولنْ يُتوصَّلَ إليها إلا بالعلمِ والعملِ، ولا يُتوصَّلُ إلى العملِ أيضاً إلا بالعلمِ بكيفيَّةِ العملِ ، فأصلُ السعادةِ في الدنيا والآخرةِ هوَ العلمُ ، فهوَ إذاً أفضلُ الأعمالِ . (١) وهو أعلى أنواع نعم الله الموهوبة والمكتسبة وأشرفُها، وإياها قصد بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ﴾ الآية، وذلك هو الخير المحض والفضيلة الصرف ، وهو أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وقدرة بلا عجز، وعلم بلا جهل، وغناء بلا فقر. ((إتحاف)) (١٢٥/١ ) . ٤٨ ربع العبادات كتاب العلم وكيفَ لا وقدْ تُعرفُ فضيلةُ الشيءِ أيضاً بشرفِ ثمرتِهِ ، وقدْ عرفتَ أنَّ ثمرةَ العلمِ القربُ مِنْ ربِّ العالمينَ ، والالتحاقُ بأَفْقِ الملائكةِ ، ومقارنةُ الملا الأعلى . هذا في الآخرةِ . وأمَّا في الدنيا .. فالعزُّ والوقارُ ، ونفوذُ الحكْم على الملوكِ ، ولزومُ الاحترامِ في الطباع ، حتَّى إنَّ أغبياءَ التُّرْكِ وأجلافَ العربِ يصادفونَ طباعَهَمْ مجبولةً على التوقيرِ لشيوخِهِمْ ؛ لاختصاصِهِمْ بمزيدِ عِلْمٍ مستفادٍ مِنَ التجرِبَةِ ، بلِ البهيمةُ بطبعِها توقِّرُ الإنسانَ ؛ لشعورِها بتميُّزِ الإنسانِ بكمالٍ مجاوزٍ لدرجتها . هذهِ فضيلةُ العلمِ مطلقاً ، ثم تختلفُ العلومُ كما سيأتي بيانُهُ وتتفاوتُ . لا محالةَ - فضائِلُها بتفاوتِها . وأمَّا فضيلةُ التعليم والتعلُّم .. فظاهرةٌ ممَّا ذكرناهُ؛ فإنَّ العلمَ إذا كانَ أفضلَ الأمورِ .. كانَ تعلُّمُهُ طلباً للأفضلِ، وكانَ تعليمُهُ إفادةً للأفضلِ . وبيانه : أنَّ مقاصدَ الخلقِ مجموعةٌ في الدينِ والدنيا ، ولا نظامَ للدينِ إلا بنظام الدنيا؛ فإنَّ الدنيا مزرعةُ الآخرةِ ، وهي الآلةُ الموصلَةُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ لمنِ اتخذَها آلةً ومنزلاً ، ولم يتخذها مستقرّاً ووطناً ، وليسَ ينتظمُ أمرُ الدنيا إلا بأعمالِ الآدميِّينَ ، وأعمالُهم وحرفُهُمْ وصناعاتُهُمْ تنحصرُ في ثلاثةِ أقسام : أحدُها : أصولٌ لا قِوامَ للعالَمِ دونَها ، وهيَ أربعةٌ : الزراعةُ وهىَ ٤٩ ١ : كتاب العلم ربع العبادات لِلمَطْعَمِ ، والحياكةُ وهيَ للملبَسِ ، والبناءُ وهوَ للمسكِّنِ ، والسياسةُ وهيَ للتأليفِ والاجتماع ، والتعاونِ على أسبابِ المعيشةِ وضبطِها . الثاني : ما هيَ مهيِئَةٌ لكلِّ واحدةٍ مِنْ هذهِ الصناعاتِ وخادمةٌ لها ؛ كالحدادَةِ ، فإنَّها تخدُم الزراعةَ ، وجملةٌ مِنَ الصناعاتِ بإعدادِ آلاتِها ، وكالحلاجةِ والغزلِ ، فإنَّها تخدُم الحياكةَ بإعدادِ محلُّها . الثالثُ : ما هيَ متمِّمَةٌ للأصولِ ومزينةٌ ؛ كالطَّحْنِ والخَّبْزِ للزراعةِ ، وكالقصارةِ والخياطةِ للحياكةِ . وذلكَ بالإضافةِ إلى قِوام أمرِ العالَمِ الأرضيِّ مثلُ أجزاءِ الشخصِ بالإضافةِ إلى جملتِهِ ؛ فإنَّها ثلاثةُ أضربِ أيضاً : إمَّا أصولٌ ؛ كالقلبِ والكبدِ والدماغ ، وإمَّا خادمةٌ لها ؛ كالمعدةِ والعروقِ والشرايينِ والأعصابِ والأورِدَةِ، وإمَّا مكمّلَةٌ لها ومزيَّنَةٌ ؛ كالأظفارِ والأصابعِ والحاجبينِ . وأشرفُ هذهِ الصناعاتِ أصولُها ، وأشرفُ أصولها السياسةُ بالتأليفِ والاستصلاح ، ولذلكَ تستدعي هذهِ الصناعةُ مِنَ الكمالِ ممَّنْ تكفَّلَ بها ما لا يستدعيهِ سائرُ الصناعاتِ ، ولذلكَ يستخدمُ - لا محالةَ - صاحبُ هذهِ الصناعةِ سائرَ الصُّنَّاعِ . والسياسةُ في استصلاحِ الخلْقِ وإرشادِهِمْ إلى الطريقِ المستقيمِ المنجي في الدنيا والآخرةِ .. على أربع مراتبَ : ربع العيادات كتاب العلم الأولى وهي العليا : سياسةُ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ، وحكمُهُمْ على الخاصَّةِ والعامَّةِ جميعاً في ظاهرِهِمْ وباطنِهِمْ . والثانيةُ : الخلفاءُ والملوكُ والسلاطينُ، وحكمُهُمْ على الخاصَّةِ والعامَّةِ جميعاً ، ولكنْ على ظاهرِهِمْ لا على باطنِهِمْ . والثالثةُ : العلماءُ باللهِ عزَّ وجلَّ وبدينِهِ ، الذين همْ ورثةُ الأنبياءِ ، وحكمُهُمْ على باطنِ الخاصَّةِ فقطْ ، ولا يرتفعُ فَهْمُ العامَّةِ إلى الاستفادةِ منهُمْ ، ولا تنتهي قوتُهُمْ إلى التصرُّفِ في ظواهرِهِمْ بالإلزامِ والمنعِ . والرابعةُ : الوعاظُ ، وحكمُهُمْ على بواطنِ العوامِّ فقطْ . وأشرفُ هذهِ السياساتِ الأربع بعدَ النبوّةِ إفادةُ العلمِ ، وتهذيبُ نفوسٍ الناسِ عنِ الأخلاقِ المذمومةِ المهلِكةِ ، وإرشادُهُمْ إلى الأخلاقِ المحمودةِ المسعِدَةِ ، وهو المرادُ بالتعليمِ (١) . وإنما قلنا : إنَّ هذا أفضلُ من سائرِ الحَرَفِ والصناعاتِ ؛ لأنَّ شرفَ الصناعةِ يعرفُ بثلاثةِ أمورٍ : إمَّا بالالتفاتِ إلى الغريزةِ التي بها يُتوصَّلُ إلى معرفتِها ؛ كفضّلِ العلومِ (١) وهو مقام شريف ، لا يعلوه إلا النبوة والرسالة والصديقية ، وأصحاب هذا المقام هم الجامعون بين علمي الشريعة والحقيقة ؛ فإن إفادة العلم ترجع إلى العلوم الظاهرة ، وتهذيب النفوس والإرشاد بعلماء الحقيقة المتصرفين في بواطن مريدهم. ((إتحاف)) (١ / ١٢٧ ) . 76 كتاب العلم ربع العبادات العقليةِ على اللغويَّةِ ؛ إذْ تُدرَكُ الحكمةُ بالعقلِ ، واللغةُ بالسمع ، والعقلُ أشرفُ من السمع . وإمّا بالنظرِ إلى عمومِ النفْع ؛ كفضْلِ الزراعةِ على الصياغةِ . وإِمَّا بملاحظةِ المحلِّ الذي فيهِ التصرُّفُ ؛ كفضْلِ الصياغةِ على الدباغةِ؛ إذْ محلُّ أحدِهما الذهبُ ، ومحلُّ الآخرِ جلْدُ الميتةِ . وليسَ يخفى أنَّ العلومَ الدينيةَ - وهي فقهُ طريقِ الآخرةِ - إنما تدركُ بكمالِ العقلِ وصفاءِ الذكاءِ ، والعقلُ أشرفُ صفاتِ الإنسانِ كما سيأتي بيانُهُ ؛ إذْ بهِ قَبلَ أمانةَ اللهِ تعالى ، وبهِ يصلُ إلى جوارِ اللهِ سبحانَهُ . وأمَّا عمومُ النفْعِ .. فلا يستريبُ فيهِ أحدٌ؛ فإنَّ نفعَهُ وثمرتَهُ سعادةُ الآخرةِ . وأمَّا شرفُ المحلِّ .. فكيفَ يخفى والمعلِّمُ متصرِّفٌ في قلوبِ البشرِ ونفوسِهِمْ، وأشرفُ موجودٍ على الأرضِ جنسُ الإنسِ ، وأشرفُ جزْءٍ من جواهرِ الإنسانِ قلبُهُ، والمعلِّمُ مشتغِلٌ بتكميلِهِ وتحليتِهِ (١) وتطهيرِهِ وسياقتِهِ إلى القرْبِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ ؟! فتعليمُ العلْمِ مِنْ وجهِ عبادةٌ لله تعالى ، ومِنْ وجهٍ خلافةٌ لله تعالى ، وهو أجلُّ خلافةٍ ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قدْ فتحَ على قَلْبِ العالمِ العلمَ الذي هوَ أخصُّ (١) وفي (أ): ( وتجليته )، وهي التصفية ، وفي نسخة عند الزبيدي: ( وتخليته ) ، وهو مناسب للتطهير. ((إتحاف)) (١٢٨/١) . ٥٢ ربع العبادات كتاب العلم صفاتِهِ ، فهوَ كالخازنِ لأَنْفَسِ خزائِنِهِ ، ثمَّ هوَ مأذونٌ لهُ في الإنفاقِ منهُ على كلٌّ محتاج إليهِ . فأيَّةُ رتبةٍ أجلُّ مِنْ كونِ العبدِ واسطةٌ بينَ ربِّهِ سبحانَهُ وبينَ خلقِهِ في تقريبِهِمْ إلى اللهِ زلفى ، وسياقتِهِمْ إلى جنَّةِ المأوى ؟! جعلَنَا اللهُ منهُمْ بكرمِهِ ، وصلَّى اللهُ على كلِّ عبدٍ مصطفىٌ . ٥٣ كتاب العلم ربع العبادات البَابُ الثّاني في العسلم المحمود، والمذموم، وأقسامهما وأحكامهما وفيبيان ماهو فرض عين ، وما هو فرض كفاية وبيان أن موقع الكلام والفقه من علم الذين إلى أي حدهو، وتفضيل علم الآخرة بيان العلم الذي هو فرض عين قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( طَلَبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ))(١) . وقالَ أيضاً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اطْلُبُوا العلمَ ولَوْ بالصِّينِ))(٢). واختلفَ الناسُ في العلمِ الذي هو فرضٌ على كلِّ مسلمٍ ، وتحزَّبوا فيهِ أكثرَ مِنْ عشرينَ فِرقةً ، ولا نطوِّلُ بنقْلِ التفصيلِ ، ولكنْ حاصلُهُ: أنَّ كلَّ فريقٍ نَزَّلَ الوجوبَ على العلمِ الذي هوَ بصددِهِ : فقالَ المتكلمونَ : هوَ علمُ الكلام ؛ إذْ بهِ يُدركُ التوحيدُ ، وتُعلمُ ذاتُ اللهِ سبحانَهُ وصفاتُهُ . حرة (١) رواه ابن ماجه ( ٢٢٤). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ١٩٢/٣). ٥٤ ربع العبادات كتاب العلم وقالَ الفُقهاءُ : هوَ علمُ الفقْهِ؛ إذْ بهِ تُعرفُ العباداتُ ، والحلالُ والحرامُ ، وما يحرُمُ مِنَ المعاملاتِ وما يحلُّ ، وعَنَوا بهِ ما يحتاجُ إليهِ الآحادُ دونَ الوقائع النادرةِ . وقالَ المفسرونَ والمحدِّثُونَ : هوَ علْمُ الكتابِ والسنَّةِ ؛ إذْ بهما يُتوصَّلُ إلى العلومِ كلِّها (١) . وقالَ المتصوفةُ: المرادُ بهِ هذا العلمُ(٢)؛ فقالَ بعضُهُمْ(٣): (هوَ علمُ العبدِ بحالِهِ ومقامِهِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ ) . وقالَ بعضُهُمْ : ( هوَ العلمُ بالإخلاصِ وآفاتِ النفوسِ ، وتمييزِ لَمَّةِ المَلكِ من لَمَّةِ الشيطانِ )(٤). وقالَ بعضُهُمْ : ( هوَ علمُ الباطنِ ، وذلكَ يجبُ على أقوام مخصوصينَ همْ أهلُ ذلكَ )(٥) ، وصرفوا اللفظَ عنْ عمومِهِ . (١) هما قولان؛ فالمفسرون قالوا : هو علم كتاب الله ، وقال المحدثون : هو علم السنة . (٢) أي : علم التصوف ، ثم فصَّل أقوالهم . (٣) نسبه صاحبُ ((القوت)) (١٢٩/١) إلى سهل التستري رحمه الله تعالى، وذكر كلَّ الأقوال التي أوردها الإمام هنا ، ونسب بعضها لقائل معين . (٤) وبين خاطر الروح ووسوسة النفس ، وبين علم اليقين وقوادح العقل ؛ ليميز بذلك الأحكام ، وهذا عند هؤلاء فريضة ، وهو مذهب مالك بن دينار وفرقد السبخي وعبد الواحد بن زيد وأتباعهم من النساك ، وقد كان أستاذهم الحسن البصري يتكلم في ذلك، وعنه حملوا علوم القلوب. ((قوت القلوب)) (١٢٩/١). (٥) أي: أهل ذلك العلم، ولأنه جاء في لفظ الحديث: ((تعلموا اليقين)) [«حلية الأولياء)» (٩٥/٦)]، وعلم اليقين لا يوجد إلا عند الموقنين. ((إتحاف)) (١٣٠/١). ٥٥ كتاب العلم ربع العبادات وقالَ أبو طالبِ المكيُّ : ( هوَ العلمُ بما يتضمَّنُهُ الحديثُ الذي فيهِ مباني الإسلام)؛ وهوَ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يُتِيَ الإسلامُ على خمسٍ ... )) الحديثَ(١)؛ لأنَّ الواجبَ هذهِ الخمسُ، فيجبُ العلْمُ بكيفيَّةِ العملِ فيها ، وبكيفيَّةِ الوجوبِ . والذي ينبغي أنْ يَقطعَ بهِ المحصِّلُ ولا يستريبَ فيهِ ما نذكرُهُ ؛ وهو أنَّ العلمَ - كما قدَّمناهُ في خطبةِ الكتابِ - ينقسمُ إلى علمٍ معاملةٍ وعلمٍ مكاشفةٍ ، وليسَ المرادُ بهذا العلمِ إِلا علمَ المعاملةِ (٢). والمعاملةُ التي كُلِّفَ العبدُ العاقلُ البالغُ بها ثلاثةُ أقسام : اعتقادٌ ، وفعلٌ ، وتركٌ . فإذا بلغَ الرجلُ العاقلُ بالاحتلام أو السنِّ ضحوةَ نهارٍ مثلاً ، فأوَّلُ واجبٍ عليهِ تعلُّمُ كلمتي الشهادةِ وفهْمُ معناهما ، وهو قولُ : ( لا إلهَ إلا اللهُ محمَّدٌ رسولُ اللهِ ) ، وليس يجبُ عليه أنْ يحصِّلَ كشْفَ ذلكَ لنفسِهِ بالنَّظَرِ والبحثِ وتحريرِ الأدلَّةِ ، بل يكفيهِ أنْ يصدِّقَ بهِ ويعتقدَهُ جزماً من غيرِ اختلاجٍ ريبٍ واضطرابٍ نفْسٍٍ ، وذلكَ قدْ يحصُلُ بمجرَّدِ التقليدِ والسماعِ مِنْ غيرِ بحثٍ ولا برهانٍ ؛ إذِ اكتفى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من أجلافِ (١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦) . (٢) أي : علم المعاملة القلبية والقالبية، فالقلبية: إصلاح الباطن ، والقالبية : العبادات البدنية ونحوها. ((إتحاف )) (١٣٥/١). ٥٦ ربع العبادات كتاب العلم العربِ بالتصديقِ والإقرارِ من غيرِ تعلُّمِ دليلٍ(١). فإذا فعلَ ذلكَ .. فقدْ أدَّىُ واجبَ الوقتِ ، وكانَ العلمُ الذي هوَ فرضٌ عليهِ في الوقتِ تعلُّمَ الكلمتينِ وفهمَهما ، وليسَ يلزمُهُ أمرٌ وراءَ هذا في الوقتِ؛ بدليلٍ أنَّه لو ماتَ عَقيبَ ذلكَ .. ماتَ مطيعاً للهِ عزَّ وجلَّ غيرَ عاصٍ. وإنما يجبُ غيرُ ذلكَ بعوارضَ تعرِضُ ، وليسَ ذلكَ ضرورياً في حقِّ كلٌ شخصٍ ، بلْ يتصوَّرُ الانفكاكُ عنها . وتلكَ العوارضُ إمَّا أنْ تكونَ في الفعلِ ، وإمَّا في التّرْكِ ، وإمَّا في الاعتقادِ : أمَّا الفعلُ : فبأنْ يعيشَ مِنْ ضحوةِ النهارِ إلى وقتِ الظهرِ ، فيتجدَّدُ عليهِ بدخولِ وقتِ الظهرِ تعلُّمُ الطهارةِ والصلاةِ ، فإنْ كانَ صحيحاً ، وكان بحيثُ لو صبرَ إلى زوالِ الشمسِ لمْ يتمكَّنْ منْ تمامِ التعلُّمِ والعملِ في الوقتِ ، بلْ يخرجُ الوقتُ لو اشتغلَ بالتعلُّم .. فلا يبعُدُ أنْ نقولَ : الظاهرُ بقاؤُهُ، فيجبُ عليهِ تقديمُ التعلُّمِ على الوقتِ ، ويحتملُ أنْ يقالَ : وجوبُ العلمِ الذي هوَ شرطُ العملِ بعدَ وجوبِ العملِ ، فلا يجبُ قبلَ الزوالِ ، وهكذا في بقيّةِ الصلواتِ . فإنْ عاشَ إلى رمضانَ .. تجدَّدَ بسببهِ وجوبُ تعلُّم الصوم ، وهوَ أنْ يعلمَ (١) كحديث إيمان ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه في ((البخاري)) ( ٦٣)، وغيره كثير ، وانظر ((الاقتصاد)) ( ص ٢٨٣). ٥٧ كتاب العلم ربع العبادات أنَّ وقتَهُ مِنَ الصبْح إلى غروبِ الشّمْسِ، وأَنَّ الواجبَ فيهِ النيّةُ والإمساكُ عَنِ الأكلِ والشربِ والوقاع ، وأنَّ ذلكَ يتمادى إلى رؤيةِ الهلالِ. فإنْ تجدَّدَ لهُ مالٌ أو كانَ لهُ مالٌ عندَ بلوغِهِ . . لزمَهُ تعلُّمُ ما یجبُ علیهِ من الزكاةِ ، ولكنْ لا يلزمُهُ في الحالِ ، إنما يلزمُهُ عندَ تمام الحولِ مِنْ وقْتِ الإسلام، فإنْ لمْ يملكْ إلا الإبلَ .. لمْ يلزمْهُ تعلَّمُ زكاةِ الغنمِ ، وكذلكَ في سائرِ الأصنافِ . فإذا دخلَتْ أشهرُ الحجِّ .. فلا يلزمُهُ المبادرةُ إلى علْمِ الحجِّ مع أنَّ فعلَهُ على التراخي ، فلا يكونُ علمُهُ على الفورِ ، ولكنْ ينبغي لعلماءِ الإسلام أنْ ينبِّهوهُ على أنَّ الحجَّ فرضٌ على التراخي على كلِّ مَنْ ملكَ الزادَ والراحلةَ إذا كانَ هوَ مالكاً (١) ، حتَّى ربَّما يرى الحزمَ لنفسِهِ في المبادرةِ ، فعندَ ذلكَ إذا عزمَ عليهِ .. لزمَهُ تعلُّمُ كيفيَّةِ الحجِّ، ولمْ يلزمْهُ إلا تعلُّمُ أركانِهِ وواجباتِهِ دونَ نوافلِهِ ؛ فإنَّ فعلَ ذلكَ نفلٌ ، فعلمُهُ أيضاً نفلٌ ، فلا يكونُ فرضَ عينٍ . وفي تحريمِ السكوتِ عَنِ التنبيهِ على وجوبِ أَصْلِ الحجِّ في الحالِ نظرٌ يليقُ بالفقهِ . وهكذا التدريجُ في علمٍ سائرِ الأفعالِ التي هيَ فرضُ عينٍ . وأمَّا التُّروكُ: فيجبُ علْمُ ذلكَ بحسَبِ ما يتجدَّدُ مِنَ الحالِ ، وذلكَ (١) وذلك مما فَضَلَ عن مسكنه وعما لا بدَّ له منه، وعلى نفقة مدة ذهابه وإيابه ونفقة عياله. ((إتحاف)) (١/ ١٤٠). ٥٨ ربع العبادات كتاب العلم يختلفُ بحالِ الشخصِ ؛ إذْ لا يجبُ على الأبكَمِ تعلُّمُ ما يحرمُ من الكلام ، ولا على الأعمى تعلُّمُ ما يحرمُ مِنَ النظرِ ، ولا على البدويِّ تعلُّمُ ما يحرمُ(١) الجلوسُ فيهِ مِنَ المساكنِ ، فذلكَ أيضاً واجبٌ بحسَبِ ما يقتضيهِ الحالُ ، فما يعلمُ أنَّهُ ينفكُ عنهُ لا يجبُ تعلُّمُهُ . وما هوَ ملابسٌ له يجبُّ تنبيهُهُ عليهِ ؛ كما لوْ كانَ عندَ الإسلام لابساً للحريرِ ، أو جالساً في الغصْبِ ، أو ناظراً إلى غيرِ مَحْرَم ، فيجبُ تعريفُهُ ذلكَ، وما ليسَ ملابساً لهُ ولكنَّهُ بصدَدِ التعرُّضِ لهُ على القرْبِ ؛ كالأكْلِ والشربِ .. فيجبُ تعليمُهُ، حتَّى إذا كانَ في بلدٍ يُتعاطَىُ فيه شربُ الخمرِ وأكلُ لحم الخنزيرِ .. فيجبُ تعليمُهُ ذلكَ وتنبيهُهُ عليهِ ، وما وجبَ تعليمُهُ .. وجبَ عليهِ تعلُّمُهُ . جيـ وأمَّا الاعتقاداتُ وأعمالُ القلوبِ : فيجبُ علمُها بحسَبِ الخواطرِ ؛ فإنْ خطرَ لهُ شكّ في المعاني التي تدلُّ عليها كلمتا الشهادةِ .. فيجبُ عليهِ تعلُّمُ ما يتوصَّلُ بهِ إلى إزالةِ الشكِّ، فإنْ لمْ يخطرْ لهُ ذلكَ وماتَ قبلَ أنْ يعتقدَ أنَّ كلامَ اللهِ سبحانَهُ قديمٌ، وأنَّهُ مرئيٌّ، وأنَّهُ تعالى ليسَ محلاً للحوادِث ، إلى غيرِ ذلكَ مما يُذْكَرُ في المعتقداتِ .. فقدْ ماتَ على الإسلام إجماعاً . ولكنْ هذهِ الخواطرُ الموجبةُ للاعتقاداتِ بعضُها يخطرُ بالطبع ، وبعضُها يخطرُ بالسماعِ مِنْ أهلِ البلدِ . (١) في غير (ج): (ما يحلُّ ) . ٥٩ کتاب العلم ربع العبادات فإنْ كانَ في بلدٍ شاعَ فيهِ الكلامُ وتناطقَ الناسُ بالبدع .. فينبغي أنْ يصانَ في أوَّلِ بلوغِهِ عنها بتلقينِ الحقِّ ؛ فإنَّهُ لو أُلقيَ إليه الباطلُ .. لوجبَ إزالتُهُ مِنْ قلبِهِ ، وربَّما عَسُرَ ذلكَ ، كما أنَّهُ لوْ كانَ هذا المسلمُ تاجراً وقدْ شاعَ في البلدِ معاملةُ الربا .. وجبَ عليه تعلُّمُ الحذرِ مِنَ الربا . فهذا هوَ الحقُّ في العلمِ الذي هوَ فرضُ عينٍ ، ومعناهُ : العلمُ بكيفيةِ العملِ الواجبِ ، فمن عَلِمَ العملَ الواجبَ ووقتّ وجوبِهِ .. علمَ العلمَ الذي هو فرضُ عينٍ . وما ذكرَهُ الصوفيَّةُ من فهم خاطرِ العدوِّ ولَمَّةِ المَلَكِ حقٌ أيضاً ، ولكنْ في حقِّ مَنْ يتصدَّى لهُ . وإذا كانَ الغالبُ أنَّ الإنسانَ لا ينفكُ عن دواعي الشرِّ والرياءِ والحسدِ .. فيلزمُّهُ أنْ يتعلَّمَ من علْمٍ ربع المهلكاتِ ما يرى نفسَهُ محتاجاً إليهِ ؛ وكيفَ لا يجبُ وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ثلاثٌ مُهلِكاتٌ: شُخِّ مُطاعٌ، وهوىّ مُتَّبَعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسِهِ )) الحديثَ؟!(١). ولا ينفكُ عنها بشَرٌ، وبقيَّةُ ما سنذكرُهُ مِنْ مذموماتِ أحوالِ القَلْبِ كالكبْرِ والعجْبِ وأخواتِهما تتْبَعُ هذِهِ الثلاثَ المهلكاتِ ، وإزالتها فرضٌ عينٍ ، ولا يمكنُ إلا بمعرفةِ حدودِها ، ومعرفة أسبابِها ، ومعرفةِ علاماتِها ، (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٤٤٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٣/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٧٣١) . ٦٠