النص المفهرس
صفحات 1-20
طبعةٌ خَاصَّة بمناسَبَة مُرُور ◌ِسْعِمِئَةِسَنَةٍ على وَفاة حجّ الإِسْلامِ الغَزَّلِيّ K ١١١١ - ٢٠١١ م ـي. الْقَاءُعَلُمُ الدِّين ٧٤٢ V 7 مـ الخَيَّاء عَلَوْمُ الدِّين ٢ ٤ ٧ تأليف الإِمَامِ الْجُدِّدِ، حُجَّةِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ زَيْرِالدّيْنِ، أَيْ حَكَامِدِ مُحَدِ بْنٍ مُحَدِ بْنِ مُحَمَّدِبْنِ أَحْمَدَ الغَزَالِيّ الطُّوْسِيّ الطَّابَرَانِيِ الشََّافِيّ رَضِىَ اللهُعَنْهُ (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) - (١٠٥٨ - ١١١١ م ) رُبعُ الْعِبَادَاتِ / الْقِسْمُ الأوّل كِتَابُ العِلْمِ - قَوَاعِدِ العَقَائِدِ أَشْرَارِ الطَّهَارَة وَمُهِمَّاتِهَا - أَسْرَارِ الصَّلَاةِ وَمُهِمَّاتِهَا المُجَلّدُ الأَوَّلُ دَارُ المُنفَّارة كر. م ته. الطّبْعَة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١م جميع الحقوق محفوظة للناشر دَارُ المُنَفَانْ لِلْنَشِرِ وَالتَّوَيع المملكة العربية السعودية - جدة حي الكندرة - شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون هاتف رئيسي 6326666 _ الإدارة 6300655 المكتبة 6322471 - فاكس 6320392 ص. ب 22943 - جدة 21416 www.alminhaj.com E-mail: info@alminhaj.com ISBN: 978 - 9953 - 541 - 50 - 1 .. --- - D بِسِْللهِ الرَّمِ الرَّحَيَّةِ أَمَّنْ هُوَقَيْتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآيَمَا يَخَذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُواْرَحْمَةَ رَبِّهِ ١٤١هـ إِنَّمَا يَتَذَّكَُّأُوْلُواْأَ لْبَبِ .٥ خُطْبَةُ المؤلّف ٢٠٠. شارع ربع العبادات خطبة المؤلف بِسِْاللهِ الرَّمِنِالرَّحِيَّةِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ انت لسه وأمن ومسم الجسير بالكريم ثال الشّيخ الإمام الأوحد زين الدين شرف الأئمة حيّة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمّد الغزاليّ رحم الشّة عليه: أحمدُ اللهَ تعالى أوَّلاً، حمداً كثيراً متوالياً وإنْ كانَ يتضاءلُ دونَ حقِّ جلالِهِ حمدُ الحامدينَ . وأصلِّي وأسلِّمُ على رسولِهِ ثانياً، صلاةً تستغرقُ مع سيِّدِ البشرِ سائرَ المرسلينَ . وأستخيرُهُ سبحانَهُ وتعالى ثالثاً ، فيما انبعثَ لهُ عزمي مِنْ تحريرِ كتابٍ في إحياءِ علومِ الدينِ . وأنتدبُ لقطع تعُبكَ رابعاً ، أيُّها العاذلُ الغالي في العذلِ مِنْ بينِ زمرةٍ الجاحدينَ(١)، المسرفُ في التقريع والإنكارِ مِنْ طبقاتِ المنكرينَ الغافلينَ. (١) أنتدب : أسارع ، والغالي : المجاوز الحد في كل أمر . ٧ خطبة المؤلف ربع العبادات فلقدْ حلَّ عَنْ لساني عقدةَ الصمتِ ، وطوَّقني عهدةَ الكلام وقلادةَ النطقِ ما أنتَ مثابرٌ عليهِ من العمىُ عَنْ جليَّةِ الحقِّ ، مع اللَّجاجِ في نصرةِ الباطلِ وتحسينِ الجهلِ ، والتشغيبِ على مَنْ آثرَ النزوعَ قليلاً عَنْ مراسمِ الخلقِ ، ومالَ ميلاً يسيراً عن ملازمةِ الرسمِ إلى العملِ بمقتضى العلمِ ؛ طمعاً في نيلٍ ما تعبَّدَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ بهِ من تزكية النفسِ وإصلاحِ القلبِ ، وتداركاً لبعضٍ ما فَرَطَ منْ إضاعةِ العمر يأساً عَنْ تمامِ التلافي والجبْرِ ، وانحيازاً عَنْ غِمارِ مَنْ قالَ فيهم صاحبُ الشرع صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((أشدُّ الناسِ عذاباً يومَ القيامةِ عالمٌ لمْ ينفعْهُ اللهُ سبحانَهُ بعلمِهِ))(١) . ولعمري ؛ لا سببَ لإصرارِكَ على النكيرِ إلا الداءُ الذي عمَّ الجمّ الغفيرَ ، بلْ شمِلَ الجماهيرَ ؛ من القصورِ عنْ ملاحظةِ ذُروةِ هذا الأمرِ ، والجهلِ بأنَّ الأمرَ إذٌّ والخطبَ جِدٌ (٢)، والآخرةَ مقبلةٌ والدنيا مدبرةٌ، والأجلَ قريبٌ والسفرَ بعيدٌ ، والزادَ طفيفٌ والخطرَ عظيمٌ ، والطريقَ سٌَّ، وما سوى الخالصِ لوجْهِ اللهِ تعالى من العلمِ والعملِ عندَ الناقدِ البصيرِ رةٌّ ، وسلوكَ طريقِ الآخرةِ مع كثرةِ الغوائلِ مِنْ غيرِ دليلٍ ولا رفيقٍ متعبٌّ مكٍّ . فأدلَّةُ الطريقِ هم العلماءُ الذينَ همْ ورثةُ الأنبياءِ ، وقد شَغَرَ عنهمُ الزمانُ ، ولمْ يبقَ إلا المترسِّمونَ ، وقد استحوذَ على أكثرِهِمُ الشيطانُ ، (١) رواه الطبراني في (( الصغير)) (١٨٢/١)، والقضاعي في ( مسند الشهاب)) (١١٢٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٦٤٢). (٢) الإدُّ : الداهية والأمر الفظيع . ٨ ربع العبادات خطبة المؤلف واستغواهمُ الطغيانُ ؛ فأصبحَ كلُّ واحدٍ بعاجلِ حظّهِ مشغوفاً ، فصارَ يرى المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ، حتى ظلَّ علَمُ الدينِ مندرساً ، ومنارُ الهدى في أقطارِ الأرضِ منطمساً . ولقد خيَّلُوا إلى الخلقِ أنْ لا علمَ إلا فتوى حكومةٍ تستعينُ بها القضاةُ على فصلِ الخصامِ عندَ تهارشِ الطَّعامِ(١) ، أو جدلٌ يتدرَّعُ بهِ طالبُ المباهاةِ إلى الغلبةِ والإفحام ، أو سجعٌ مزخرفٌ يتوسَّلُ بهِ الواعظَ إلى استدراج ٩ العوامِّ؛ إذْ لمْ يرَوا ما سوى هذهِ الثلاثةِ مصيدةً للحرام وشبكةً للحُطامِ . فأمَّا علمُ طريقِ الآخرةِ وما درجَ عليهِ السلفُ الصالحُ ؛ ممَّا سمَّاهُ اللهُ سبحانَهُ في كتابِهِ فقهاً وحكمةً وعلماً ، وضياءً ونوراً ، وهدايةٌ ورشداً .. فقدْ أصبحَ مِنْ بينِ الخلقِ مطويّاً ، وصارَ نسياً منسيّاً . عـ ولمَّا كانَ هذا ثَلْماً في الدينِ مِلِمّاً ، وخطباً مدلهمّاً .. رأيتُ الاشتغالَ بتحريرِ هذا الكتابِ مهمّاً ؛ إحياءً لعلومِ الدينِ ، وكشفاً عَنْ مناهجِ الأئمَّةِ المتقدمينَ ، وإيضاحاً لما هي العلومُ النافعةُ عندَ النبيِّين والسلفِ الصالحينَ ، سلامُ اللهِ عليهمْ أجمعينَ . ولقدْ أسّسْتُهُ على أربعةِ أرباعِ : ربع العباداتِ ، وربعِ العاداتِ ، وربع المهلكاتِ ، وربع المنجياتِ . (١) قوله : ( إلا فتوى حكومة ) : هو ما يكتب في أجوبة المسائل في الواقعات والنوازل من الحلال والحرام والإباحة والمنع ، والطغام: أراذل الناس وأوغادهم. (( إتحاف)) (٥٨/١ ) . ٩ خطبة المؤلف ربع العبادات وصدَّرتُ الجملةَ بكتابِ العلمِ ؛ لأنَّه غايةُ المهمِّ ، لِأكشفَ أولاً عَنِ العلمِ الذي تعبَّدَ اللهُ عزَّ وجلَّ الأعيانَ بطلبهِ على لسانِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ إذْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم)) (١)، وأميزَ فيهِ العلمَ النافعَ مِنَ الضارِّ ؛ إذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( نعوذُ باللهِ مِنْ عِلْم لا ينفعُ))(٢) ، وأحقَّقَ ميلَ أهلِ العصرِ عَنْ شاكلةِ الصوابِ، وانخداعَهُمْ بلامع السرابِ ، واقتناعَهُمْ مِنَ العلومِ بالقِشْرِ عَنِ اللبابِ . ويشتملُ ربعُ العباداتِ على عشرة كتبٍ : كتابِ العلمِ ، وكتابِ قواعدِ العقائدِ ، وكتابِ أسرارِ الطهارةِ ، وكتابٍ أسرارِ الصلاةِ ، وكتابِ أسرارِ الزكاةِ ، وكتابِ أسرارِ الصيام ، وكتابِ أسرارٍ الحجِّ ، وكتابِ آدابِ تلاوةِ القرآنِ ، وكتابِ الأذكارِ والدعواتِ ، وكتابٍ ترتيبِ الأورادِ في الأوقاتِ . وأمَّا ربعُ العاداتِ .. فيشتملُ على عشرةٍ كتبٍ : كتابِ آدابِ الأكلِ، وكتابِ آدابِ النكاحِ ، وكتابِ أحكامِ الكسْبِ ، وكتابٍ الحلالِ والحرام ، وكتابٍ آدابِ الصحبةِ والمعاشرةِ مع أصنافِ الخلقِ ، وكتابِ العزلةِ ، وكتابٍ آدابِ السفَرِ ، وكتابِ السماع والوجْدِ ، وكتابِ الأمرِ . غير (١) رواه ابن ماجه (٢٢٤) . (٢) رواه مسلم ( ٢٧٢٢) . ١ ربع العبادات خطبة المؤلف بالمعروفِ والنهي عَنِ المنكرِ ، وكتابِ آدابِ المعيشةِ وأخلاقِ النبوّةِ . وأمَّا ربعُ المهلكاتِ .. فيشتملُ علىُ عشرةٍ كتبٍ : كتابٍ شرحٍ عجائبِ القلبِ ، وكتابِ رياضةِ النّفْسِ ، وكتابٍ آفاتٍ الشهوتينِ : شهوةِ البطنِ وشهوةِ الفرج ، وكتابِ آفاتِ اللسانِ ، وكتابِ آفاتٍ الغضبِ والحقدِ والحسدِ ، وكتابٍ ذمِّ الدنيا ، وكتابٍ ذمِّ المالِ والبخلِ ، وكتابٍ ذمِّ الجاهِ والرياءِ ، وكتابٍ ذمّ الكبْرِ والعُجبِ ، وكتابٍ ذمِّ الغرورِ . وأمَّا ربعُ المنجياتِ .. فيشتملُ على عشرةٍ كتبٍ : كتابِ التوبةِ ، وكتابِ الصبرِ والشكرِ ، وكتابِ الخوفِ والرجاءِ ، وكتابٍ الفقرِ والزهدِ ، وكتاب التوحيدِ والتوكلٍ ، وكتابِ المحبَّةِ والشوقِ والأنسِ والرضا ، وكتابِ النيّةِ والصدْقِ والإخلاصِ ، وكتابِ المراقبةِ والمحاسبةِ ، وكتابِ التفكّرِ، وكتابِ ذكرِ المؤْتِ(١). 3 ق بد فأمَّا ربعُ العباداتِ : فأذكرُ فيهِ مِنْ خفايا آدابِها ، ودقائقِ سُنَنِها ، وأسرارِ معانيها ، ما يضطرُّ العالمُ العاملُ إليهِ ، بلْ لا يكونُ مِنْ علماءِ الآخرةِ مَنْ لمْ يطلعْ عليهِ ، وأكثرُ ذلكَ ممَّا أُهملَ في فنِّ الفقهياتِ . وأمَّا ربعُ العاداتِ : فأذكرُ فيهِ أسرارَ المعاملاتِ الجاريةِ بينَ الخلقِ ، (١) وقد التمس الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٦٠/١) ترابطاً منطقياً لههذه الكتب الأربعين . ١ ١ خطبة المؤلف ربع العبادات وأغوارَها ، ودقائقَ سنَّنِها ، وخفايا الورع في مجاريها ، وهيَ ممَّا لا يستغني متديِّنٌ عنها . وأمَّا ربعُ المهلكاتِ : فأذكرُ فيهِ كلَّ خُلُقٍ مذموم وردَ القرآنُ بإماطتِهِ وتزكية النفسِ عنهُ، وتطهيرِ القلبِ منهُ ، وأذكرُ مِنْ كلِّ واحدٍ مِنْ تلكَ الأخلاقِ حدَّهُ وحقيقتَهُ، ثمَّ سببَهُ الذي منهُ يتولَّدُ ، ثمَّ الآفاتِ التي عليها تترتَّبُ ، ثمَّ العلاماتِ التي بها تتعرَّفُ، ثم طرقَ المعالجةِ التي بها منها يُتخلَّصُ . كلُّ ذلكَ مقروناً بشواهدِ الآياتِ والأخبارِ والآثارِ . وأمَّا ربعُ المنجياتِ : فأذكرُ فيهِ كلَّ خُلُقٍ محمودٍ ، وخَصْلةٍ مرغوب فيها مِنْ خصالِ المقرَّبينَ والصدِّيقينَ ، التي بها يتقرَّبُ العبدُ مِنْ ربِّ العالمينَ ، وأذكرُ في كلِّ خَصلةٍ حدَّها وحقيقتَها ، وسببَها الذي بهِ تُجتَلَبُ ، وثمرتَها التي منها تُستفادُ ، وعلامتها التي بها تتعرَّفُ، وفضيلتَها التي لأجلِها فيها يُرغبُ ، مع ما وردَ فيها مِنْ شواهدِ الشرع والعقلِ . ولقدْ صُنَّفَ في بعضِ هذهِ المعاني كتبٌ(١)، ولكنْ يتميَّزُ هذا الكتابُ عنها بخمسةِ أمورٍ : (١) كـ ((قوت القلوب)) و((الرعاية)) و((منازل السائرين)) و((الرسالة)) و((التعرُّف)) وغيرها. ((إتحاف)) (١ / ٦٢). ١٢ ربع العبادات خطبة المؤلف الأوَّلُ : حلُّ ما عقدُوهُ، وكشفُ ما أجملُوهُ . الثاني : ترتيبُ ما بدَّدُوهُ ، ونظمُ ما فرَقُوهُ . الثالثُ : إيجازُ ما طوَّلوهُ ، وضبطُ ما قرَّروهُ . الرابعُ : حذفُ ما كرَّروهُ ، وإثباتُ ما حرّروهُ . الخامسُ : تحقيقُ أمورٍ غامضةٍ اعتاصتْ على الأفهام لمْ يُتعرَّضْ لها في الكتبِ أصلاً ؛ إذِ الكلُّ وإنْ تواردوا على منهج واحدٍ فلا مستنْكَرَ أنْ ينفرِدَ كلٌّ واحدٍ مِنَ السالكينَ بالتنُّهِ لأمرٍ يخصُّهُ ويغفُلُ عنهُ رفقاؤُهُ ، أَوْ لا يغفُلُ عن التنبُّهِ لهُ ولكنْ يسهو عَنْ إيرادِهِ في الكتبِ ، أَوْ لا يسهو ولكنْ يصرفُهُ عَنْ كشفِ الغطاءِ عنهُ صارفٌ . ح حن فهذهِ خواصُّ هذا الكتابِ ، مع كونِهِ حاوياً لمجامعِ هذهِ العلومِ . وإنَّما حملَني على تأسيسِ الكتابِ على أربعةِ أرباعٍ أمرانٍ : - أحدُهما وهو الباعثُ الأصليُّ : أنَّ هذا الترتيبَ في التحقيقِ والتفهيمِ كالضروريِّ؛ لأنَّ العلمَ الذي يُتوجَّهُ بهِ إلى الآخرةِ ينقسمُ إلى علمِ المعاملةِ وعلم المكاشفةِ . وأعني بعلمِ المكاشفةِ : ما يُطلبُ منهُ كشفُ المعلوم فقطٌ . وأعني بعلمٍ المعاملةِ : ما يُطلبُ منهُ معَ الكشْفِ العملُ بهِ . ١٣ خطبة المؤلف ربع العبادات والمقصودُ من هذا الكتابِ : علمُ المعاملةِ فقطْ دونَ علم المكاشفةِ التي لا رخصةَ في إيداعِها الكتبَ ، وإنْ كانتْ هيَ غايةَ مقصدِ الطالبينَ ، ومطمحَ نظرِ الصدِّيقِينَ(١) ، وعلمُ المعاملةِ طريقٌ إليهِ، ولكنْ لمْ يتكلَّمِ الأنبياءُ صلواتُ اللهِ عليهِمْ معَ الخلقِ إلا في علمِ الطريقِ والإرشادِ إليهِ ، وأمَّا علمُ المكاشفةِ .. فلمْ يتكلّموا فيهِ إلا بالرمزِ والإيماءِ على سبيلِ التمثيلِ والإجمالِ (٢) ؛ علماً منهمْ بقصورِ أفهام الخلْقِ عنِ الاحتمالِ، والعلماءُ ورثةُ الأنبياءِ ، فما لهُمْ سبيلٌ إلى العدولِ عن نهج التأسِّي والاقتداءِ . ثُمَّ إِنَّ علمَ المعاملةِ ينقسمُ إلى علم ظاهرٍ ؛ أعني العلمَ بأعمالٍ الجوارحِ ، وإلى علمٍ باطنٍ ؛ أعني العلمَ بأعمالِ القلوبِ . والجاري على الجوارحِ: إِمَّا عبادةٌ أَوْ عادةٌ . والواردُ على القلوبِ التي هيَ بحكمِ الاحتجابِ عنِ الحواسِّ مِنْ عالمٍ الملكوتِ : إِمَّا محمودٌ ، وإمَّا مذمومٌ . فبالواجبِ انقسمَ هذا العلمُ إلى شطرينِ : ظاهرٍ وباطنٍ ، والشطرُ الظاهرُ المتعلَّقُ بالجوارحِ انقسمَ إلى عبادةٍ وعادةٍ ، والشطرُ الباطنُ المتعلِّقُ بأحوالِ القلبِ وأخلاقِ النفسِ انقسمَ إلى مذمومٍ ومحمودٍ ؛ فكانَ المجموعُ (١) كما قرر المؤلف رحمه الله تعالى ذلك في ((المنقذ من الضلال))؛ إذ ألَّفه لتحقيق ذلك . (٢) لأنه من الأمور الوجدانية ، فإن العاقل يكفيه الإشارة ، والغافل لا يفيده صريح العبارة . (إتحاف)) (٦٣/١ ). ١٤ ربع العبادات خطبة المؤلف أربعةَ أقسامٍ ، ولا يشِذُّ نظرٌّ في علمِ المعاملةِ عنْ هذهِ الأقسامِ . - الباعثُ الثاني : أنَّي رأيتُ الرغبةَ مِنْ طلبةِ العلمِ صادقةً في الفقهِ الذي صلَحَ عندَ مَنْ لا يخافُ اللهَ تعالى للتدرُّعِ بهِ إلى المباهاةِ والاستظهارِ بجاهِهِ ومنزلتِهِ في المنافساتِ ، وهو مرتَّبٌ على أربعةِ أرباع ، والمتزبي بزِيٌّ المحبوبِ محبوبٌ ، فلمْ أُبعدْ أنْ يكونَ تصويرُ الكتابِ بصورةِ الفقهِ ؛ تلطّفاً في استدراج القلوبِ ، ولهذا تلطّفَ بعضُ مَنْ رامَ استمالةَ قلوبِ الرؤساءِ إلى الطبِّ ، فوضَعَهُ على هيئةِ تقويمِ النجومِ ، موضوعاً في الجداولِ والرقومٍ، وسمّاهُ ((تقويمَ الصَّةِ))(١)؛ ليكونَ أُنسُهُمْ بذلكَ الجنسِ جاذباً لهمْ إلى المطالعةِ، والتلطَّفُ في اجتذابِ القلوبِ إلى العلمِ الذي يفيدُ حياةً الأبدِ أهمُّ مِنَ التلطّفِ في اجتذابِها إلى الطبِّ الذي لا يفيدُ إلا صحَّةَ الجسدِ . فثمرةُ هذا العلمِ طبُّ القلوبِ والأرواحِ ، للتوصُّلِ بهِ إلى حياةٍ تدومُ أبدَ الآبادِ ، فأينَ منهُ الطبُّ الذي تعالجُ بهِ الأجسادُ وهي معرّضَةٌ بالضرورةِ للفسادِ في أقربِ الآمادِ ؟! فسأل اله سبحانه التوفيق للشاء والنداء إنّ هو الكريم الجواد ٥٠ (١) وكأنه عنى به كتاب المختار بن الحسن بن عبدون المتطبب ؛ فإنه سمَّاه كذلك ، وعلى نهجه بنى ابن جزلة وابن البيطار كتابيهما. ((إتحاف)) (٦٤/١). ١٥ شره كِتَابُ وهو الكتاب الأوّل من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الدين ٠ ١٧ ربع العبادات كتاب العلم كتاب العلم وفيه سبعة أبواب البابُ الأوَّلُ : في فضْلِ العلْمِ والتعليمِ والتعلُّمِ . البابُ الثاني : في بيانِ فرْضِ العيْنِ وفرضِ الكفايةِ مِنَ العلومِ ، وبيانِ حدِّ الفقْهِ والكلام منْ علْمِ الدينِ ، وبيانِ علَّمِ الآخرةِ وعلّم الدنيا . البابُ الثالثُ : فيما تعدُّهُ العامَّةُ منْ علوم الدينِ وليسَ منها ، وفيهِ بيانُ جنْسِ العلْمِ المذمومِ وقدرِهِ . البابُ الرابعُ : في آفاتِ المناظرةِ وسببِ اشتغالِ الناسِ بالخلافِ والجدلِ . البابُ الخامسُ : في آدابِ المعلِّم والمتعلُّم . البابُ السادسُ : في آفاتِ العلمِ والعلماءِ ، والعلاماتِ الفارقةِ بينَ علماءٍ الدنيا والآخرةِ . البابُ السابعُ : في العقلِ وفضيلتِهِ وأقسامِهِ وما جاءَ فيهِ مِنَ الأخبارِ . ١٩ كتاب العلم ربع العبادات الْبَابُ الْأَوَّلُ في فضل السلم والتعليم والتعلّم وشواحده من النقل والعقل فضيلة العسلم شواهدُها من القرآن : قولُهُ تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾، فانظرْ كيفَ بدأَ سبحانه وتعالى بنفسِهِ ، وثَنَّى بملائكتِهِ ، وثلّثَ بأهْلِ العلمِ ، وناهيكَ بهذا شرفاً وفضلاً ، وجلالاً ونبلاً . ٧٨٠ وقالَ اللهُ تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾، قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( للعلماءِ درجاتٌ فوقَ المؤمنينَ بسبع مئةِ درجةٍ ، ما بينَ الدرجتينِ مسيرةُ خمسٍ مئةٍ عامٍ)(١) . وقالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. حة وقالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾. ٢ وقال تعالى: ﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ اُلْكِنَبِ﴾ . (١) قوت القلوب (١٣٩/١). ٢٠