النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٠ - كتاب العلم
(١) باب
(١٨٢٧) حديث
فَإِنَّ اللهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ.
ويتعلّم من حكمتهم، ولا يفوته من قولهم ما يفوت من بَعُد منهم، وإن كان
مجالساً لهم، وقال في ((المستخرجة)) بأثر قوله: ((وزاحمهم بركبتيك)): فلعل
الرحمة تنزل عليهم، فتصيبك معهم، ولا تجالس الفُجَّار، لئلا ينزل عليهم
سخطةٌ، فيصيبك معهم.
قال الباجي: والمجالسة للعلماء إذا كانت قُربة، فإنما تكون على
وجهين: أحدُهما من ليس في قدرته تعلم العلم، فإنه يجالسهم تبركاً بمجالستهم
وانحيازاً إليهم ومحبةً فيهم، وربما جرى من أقوالهم ما يحتاج إليه، فتحمله
حاجته إليه على أن يعيه ويحفظه أو يستثبت فيه حتى يفهمه، وربما سألهم عن
مسألة مما لا يسعه جهله، فيأخذها عنهم، وأما من كان في قوته تعلم العلم،
ورزق عوناً عليه ورغبة في تعلمه، فيجالسهم ليأخذ عنهم ويتعلم من
علمهم، اهـ.
(فإن الله) تبارك وتعالى (يُحيي) بضم أوله من الإحياء (القلوبَ) بالنصب
(بنور الحكمة) هي تحقيق العلم وإتقان العمل، وروي عن قتادة في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ اُلْحِكْمَةَ﴾ قال: التفقه في الدين، قال النووي: فيها أقوال كثيرة
صفا لها منها أنها العلم المشتمل على معرفة الله تعالى مع نفاذ البصيرة،
وتهذيب النفس، وتحقيق الحق للعمل، والكفّ عن ضده، والحكيم ما حاز
ذلك، كذا في ((الزرقاني)) (١).
وقال الحافظ(٢) في دعائه وَ ل﴿ لابن عباس: «اللَّهم عَلِّمه الحكمةَ)):
اختلف الشراح في المراد بها ههنا، فقيل: القرآن، وقيل: العمل به، وقيل:
السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله،
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤٣٠/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٢٧/١).
٦٢١

٦٠ - كتاب العلم
(١) باب
(١٨٢٧) حديث
كَمَا يُحْبِي اللهُ الْأَرْضَ الْمَيْنَةَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ.
وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نورٌ يفرق به بين الإلهام
والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذكر بعض
أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾ الآية.
قال الباجي: قوله: يُحيي الله تعالى يريد إحياءها بالإيمان والخشوع
والطاعة لله عز وجل، ويُريْها الكفرَ والفسوق وانتهاك محارم الله تعالى، اهـ.
(كما يحيي) بضم أوله (الله) تبارك وتعالى، وليس في النسخ الهندية اسم
الجلالة، فالفاعل الضمير إليه (الأرض) بالنصب (الميتةَ) صفة للأرض، قال
الزرقاني: الميتة بالتخفيف، ويثقل (بوابلِ السماء) وليس في النسخ الهندية لفظ
السماء، لكنه مرادٌ، فإن الوابل يكون منه، وهو بالموحدة الجارة على وابل
مضاف إلى السماء.
قال الزرقاني(١): هو المطر الخفيف، وفي ((المحلى)): المطر عظيم
القطر، وقال الراغب: الوبل والوابل: المَطَرُ الثَّقيلُ القِطارِ، ولمراعاة النقل قيل
للأمر الذي يخاف ضرره: وبال، اهـ.
قال الباجي(٢): يريد أن نور الحكمة تغزر القلوب حياة بعد أن كانت ميتة
بالمعصية، كما أن وابل السماء وهو غزير قطرها يحيي الأرض بالنبات،
والخصب بعد موتها، اهـ.
قال الزرقاني: وهذا البلاغ رواه الطبراني في ((الكبير)) عن أبي أمامة،
قال: قال رسول الله وَالر: ((إن لقمان قال لابنه: يا بنيّ عليك بمجالسة العلماء،
واسمع كلام الحكماء، فإن الله تعالى ليحيي القلب الميت بنور الحكمة، كما
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٣٠/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٣٢٧/٧).
٦٢٢

٦٠ - كتاب العلم
(١) باب
(١٨٢٧) حديث
يحيي الأرض الميتة بوابل المطر))، قال المنذري: سنده حَسن به الترمذيّ غيرَ
هذا الحديث، ولعله موقوف، اهـ.
وعند الطبراني والعسكري عن أبي جحيفة رفعه: ((جالسوا العلماء،
وسائلوا الكبراء، وخالطوا الحكماء)) وعن ابن عباس قيل: يا رسول الله من
نجالس؟ أو قال: أيُّ جلسائنا خيرٌ؟ قال: ((من ذَكَّرَكم اللهَ رؤيتُه، وزاد في
علمكم منطقُه وذَكَّرَكم الآخرةَ عملُه))، وعن ابن عيينة قيل لعيسى عليه السلام:
يا روح الله من نُجالس؟ فقال: ((من يزيد في علمكم منطقُه، ويُذَكِّرُكم اللهَ
رؤيتُه، ويُرَغِّبُكم في الآخرة عملُه))، رواهما العسكري، اهـ.
وفي ((الدر)) (١): أخرج عبد الله في ((زوائده) عن عبد الوهاب بن بخت
المكي، قال: قال لقمان لابنه: يا بُنيّ جالسٍ العلماء، وزاحمهم بركبتيك،
فإن الله ليحيي القلوب الميتة بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بوابل
السماء .
(١) ((الدر المنثور)) (٤٥٧/٦).
٦٢٣

٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب
(١٨٢٨) حديث
بسم الله الرحمن الرحيم
٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب ما يتقى من دعوة المظلوم
١/١٨٢٨ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ؛
(١) ما يُتَّقَى - ببناء المجهول - من دعوة المظلوم
أي ينبغي أن تُتَقَّى منه، فإنه أسرع إجابةً، وقد وردت في ذلك روايات
كثيرة، منها ما في ((الصحيحين)) وغيرهما عن ابن عباس: لما بعث رسول الله وَليه
معاذاً إلى اليمن قال له في حديث طويل: ((اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها
وبين الله حجاب))، وترجم عليه البخاري في ((صحيحه)) ((باب الاتقاء والحذر
من دعوة المظلوم))(١)، وللطبراني، وصححه الضياء عن ابن ثابت رفعه: ((اتقوا
دعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك
ولو بعد حين))، وللحاكم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً: ((اتَّقِ دعوةَ
المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارةٌ))، ولأحمد وأبي يعلى وصححه
الضياء عن أنس مرفوعاً: «اتّقوا دعوةَ المظلوم، وإن كان كافراً، فإنه ليس دونه
حجاب))، كذا في ((الزرقاني)) (٢).
١/١٨٢٨ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن أبيه) أسلم مولى عمر
- رضي الله عنه -، وأخرجه البخاري في (صحيحه)) برواية إسماعيل عن مالك
بهذا السند، وقال الحافظ في ((الفتح)): هذا الحديث ليس في ((الموطأ))، قال
الدارقطني في ((غرائب مالك)): هو حديث غريب صحيح، اهـ.
وتعقب كلام الحافظ الزرقاني بقوله: ((إن هذا لشيء عجاب)) نفى كونه
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٠١/٥).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٤٣٠/٤).
٦٢٤

٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب
(١٨٢٨) حديث
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ مَوْلَّى لَهُ يُدْعَى هُنَيَّا عَلَى الْحِمَى.
في ((الموطأ)) لكن الجواد قد يكبو والكمال لله تعالى، اهـ. ويمكن الاعتذار عن
الحافظ أنه يمكن أن لا يكون في نسخته من ((الموطأ)).
(أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - في زمان خلافته (استعمل مولىّ
له) أي جعله عاملاً (يُدعَى) ببناء المجهول أي يُسَمَّى (هُنيًّا) كذا في جميع
النسخ المصرية والهندية بالتحتية في آخره غير نسخة الباجي، ففيها ((هنبا))
بالموحدة بدل التحتية، وضبطه الزرقاني وصاحب ((المحلى)) بضم الهاء وفتح
النون وشد التحتية، وقال الحافظ(١): بالنون مصغراً بغير همز، وقد يهمز،
وهذا المولى لم أر من ذكره في الصحابة مع إدراكه، وقد وجدت له رواية عن
أبي بكر، وعمر، وعمرو بن العاص، روى عنه ابنه عمير وغيره، وشهد صفين
مع معاوية، ثم تحول إلى علي - رضي الله عنه - لما قتل عمار.
ثم وجدت في (كتاب مكة)) لعمر بن شبّة: أن آل هُنيّ ينتسبون في
همدان، وهم موالي آل عمر - رضي الله عنه - ولولا أنه كان من الفضلاء
النُبهاء الموثوق بهم لما استعمله عمر - رضي الله عنه -، اهـ. وذكره الحافظ في
القسم الثالث من ((الإصابة)).
(على الحِمَى) بكسر الحاء المهملة وفتح الميم المخففة مقصوراً، موضع
يُعيّنه الإمام لرعي مواشي الصدقة يمنع غيره عن الرعي فيه.
قال الباجي(٢): يعني استعمله على حمايته لإبل الصدقة، وهذا الحمى
قيل: هو النقيع بالنون، وقد روي أن النبي ◌ّ حمى النقيع لخيله لما في ذلك
من المنفعة للمسلمين، فوصى عمر بن الخطاب هنباً فيما استعمله فيه، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (١٧٦/٦)، وانظر: ((عمدة القاري)) (٣٨٩/١٠).
(٢) ((المنتقى)) (٣٢٧/٧).
٦٢٥

٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب
(١٨٢٨) حديث
فَقَالَ: يَا هُنَيُّ. اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ النَّاسِ.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١) في حديث الباب: بَيَّنَ ابن سعد من طريق
عمير بن هني عن أبيه أنه كان على حِمَى الربذة، وتقدم ذلك في ((كتاب
الشرب))، اهـ. وأشار الحافظ بذلك إلى ما في البخاري في ((باب لا حمى
إلا لله ولرسوله))، عن الزهري، قال: بلغنا أن النبي ◌ّل حمى النقيع، وأن عمر
- رضي الله عنه - حَمَى الشرفَ والربذةَ، قال الحافظ: الربذة بفتح الراء
والموحدة بعدها ذال معجمة، موضع معروف بين مكة والمدينة، وقد روى ابن
أبي شيبة بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر أن عمر - رضي الله عنهما -
حمى الربذة لنَعَمِ الصدقة، اهـ.
وفي ((الإصابة))(٢): أخرج ابن سعد من طريق الواقدي عن عمرو بن
عمير بن هُنَيّ عن أبيه عن جده، قال: لم يحم أبو بكر - رضي الله عنه - شيئاً
من الأرض إلا البقيع، فلما كان عمر - رضي الله عنه - وكثر الناس استعملني
على حمى الربذة، اهـ. قال الحافظ: وجاء عن مالك أن عِدَّةَ ما كان في
الحِمَى في عهد عمر - رضي الله عنه - بلغ أربعين ألفاً من إبل وخيل
وغيرها ، اهـ.
(فقال) عمر - رضي الله عنه - له: (يا هُنَيُّ) كذا في جميع النسخ لـ((الموطأ)»،
وكذا في ((البخاري))، وفي ((المنتقى)): يا هنب (اضمُم) بضم همزة الوصل والميم
الأولى (جناحك عن الناس) وفي ((البخاري)): اضمم جناحك عن المسلمين.
قال العيني(٣): ضم الجناح كناية عن الشفقة والرحمة، والمعنى كف يدك
عن ظلمهم، اهـ. قال الحافظ: أي اكفف يدك عن ظلمهم، ففي رواية معن بن
(١) ((فتح الباري) (١٧٦/٦).
(٢) (٣٠٣/٦/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٣٨٩/١٠).
٦٢٦

٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب
(١٨٢٨) حديث
وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ. وَأَدْخِلْ رَبَّ
الصُّرَيْمَةِ
عيسى عن مالك عند الدارقطني في ((الغرائب)): ((اضمم جناحك للناس)) وعلى
هذا فمعناه استرهم بجناحك، وهو كناية عن الرحمة والشفقة.
(واتّق دعوة المظلوم) أي اجتنب الظلم، لئلا يدعو عليك المظلوم، وذلك
مستلزم لتجنب جميع أنواع الظلم على أبلغ درجة، وأوجز إشارة، فهو أبلغ من
قوله: ولا تظلم. (فإن دعوة المظلوم مجابة(١)) أي مقبولة وإن كان عاصياً.
وفي ((الحصن)): الذين يستجاب دعاؤهم المضطر والمظلوم (ع)) و((إن كان
فاجراً)) ((ارمص)) و(لو كان كافراً)) ((حب )). وفي هامشه قوله: ((المظلوم)) ((ع))
أي رواه أصحاب الكتب الستة من حديث ابن عباس، وقوله: ((ارمص)) أي
رواه أحمد والبزار وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة، ولفظ أحمد وَله:
((دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه)) وإسناده حسن،
ذكره میرك.
وقوله: ((حب ١)) يعني رواه ابن حبان وأحمد من حديث أبي ذر الغفاري،
قلت: يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: ((كانت أمثالاً كلها أيها
الملك المسلط المبتلى المغرور! إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض،
ولكن بعثتك لترد عني دعوةَ المظلوم، فإني لا أردّها، وإن كانت من كافر))،
وروى أحمد من حديث أنس مرفوعاً: ((دعوة المظلوم وإن كان كافراً ليس دونها
حجاب))، اهـ.
قلت: تقدم حديث أنس في أول الباب بلفظ آخر.
(وأدخل) بفتح الهمزة وسكون الدال المهملة وكسر الخاء المعجمة
ومتعلقه محذوف، والمراد المرعى، كذا في ((الفتح)) (رب) أي صاحب
(الصريمة) بضم الصاد وفتح الراء المهملتين تصغير صرم، كما في ((المحلى)) بل
(١) هكذا في نسخة الشارح.
٦٢٧

٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب
(١٨٢٨) حديث
ورَبَّ الْغُنَيْمَةِ. وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ. وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّنَ،
تصغير صرمة، كما في ((العيني)) (والغنيمة)(١) بضم الغين المعجمة وفتح نون
تصغير غنم، كما في ((العيني)) و((الزرقاني)) وقال: الصريمة القطعة القليلة من
الإبل نحو الثلاثين، وقيل: من عشرين إلى أربعين، والغنيمة قيل: إنها
أربعون، اهـ.
قال الحافظ: الصُريمة مصغراً (٢)، وكذا الغنيمة أي صاحب القطعة القليلة
من الإبل والغنم، وفي ((المحلى)): المراد القليلة أي الفقراء الذين ليس لهم إلا
واحداً واثنين من المواشي يقُوْتُون به، اهـ قال الباجي: قال عيسى بن دينار:
الصريمة والغنيمة هي الأربعون شاة، وقال غيره: الصريمة من الغنم خطأ،
وإنما الصريمة من الإبل العشرون إلى الأربعين، اهـ.
(وإياي) قال الحافظ: فيه تحذير المتكلم نفسه، وهو شاذٌّ عند النحاة،
كذا قيل، والذي يظهر أن الشذوذ في لفظه وإلا فالمراد في التحقيق إنما هو
تحذير المخاطب، وكأنه بتحذير نفسه يحذِّره بطريق الأولى، فيكون أبلغ،
ونحوه نهى المرء نفسه ومراده نهى من يخاطبه، (ونَعَمَ) بفتحتين واحد الأنعام
وهي الأموال الراعية، وأكثر ما يقع على الإبل، والأنعام يُذَكَّرُ ويؤنث، وهي
الإبل والبقر والغنم، والنعم الإبل خاصة، كذا في ((المجمع)) (ابن عفان) عثمان
- رضي الله عنه - (وابن عوف) عبد الرحمن.
قال الحافظ(٣): خصهما بالذكر على طريق المثال لكثرة نعمهما، لأنهما
كانا من مياسير الصحابة، ولم يرد بذلك منعهما ألبتة، وإنما أراد أنه إذا لم
يسع المرعى إلا نَعَمُ أحد الفريقين، فَنَعَمُ المُقِلِّين أولى، فنهاه عن إيثارهما على
(١) وفي نسخة ((ف)) رب الغنيمة.
(٢) قوله: الصُريمة: تصغير صُرْمة وهي القطعة الصغيرة في الماشية ((الاستذكار)) (٤٣٩/٢٧).
(٣) ((فتح الباري)) (١٧٦/٦)، و((عمدة القاري)) (٣٨٩/١٠).
٦٢٨

٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب
(١٨٢٨) حديث
فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلِ وَزَرْعٍ، وَإِنْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ
وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِي بِبَنِهِ
غيرهما أو تقديمهما قبل غيرهما، وقد بين حكمة ذلك في نفس الخبر، اهـ.
كما سيأتي من قوله: إن تهلك، إلخ.
قال الباجي(١): ذكرهما لكونهما من الأغنياء، فلا يخاف عليهما الضياع
ولا الحاجة بذهاب ماشيتهما، لأن مالهما من غير الماشية كثير، والفقير تلحقه
الحاجةُ بذهاب ماشیته، لأنها جمیع ماله، اهـ.
(فإنهما) أي عثمان وعبد الرحمن (إن تَهْلِكْ) بفتح المثناة الفوقية في
جميع النسخ غير الزرقاني، ففيها بالتحتية، وعلى كلٍ الهاء ساكنة، واللام
مكسورة، ((وإن)) بكسر الهمزة شرطية (ماشيتهما يرجعا) كذا في جميع النسخ
المصرية، وهكذا في رواية البخاري بإثبات النون، وفي النسخ الهندية بحذفها
وهو الأوفق بالقواعد، ولم يتعرض الحافظان ابن حجر والعيني عن النون مع
وجودها في روايتهما. (إلى المدينة) كذا في جميع نسخ ((الموطأ))، وليس في
رواية البخاري لفظ ((إلى المدينة))، بل فيها ((يرجعان إلى نخلٍ وزرعٍ)) ومعنى
يرجعان إلى المدينة باعتبار أن فيها زرعهما ونخلهما، والمواشي إذا كثرت لا
يمكن رَعيُها إلا في قرى خارج البلدة (إلى زرع ونخل) فإنهما صاحبا زرع
ونخل أيضاً، فإن معيشتهم ليست بمقتصر على المواشي فقط.
(وإن رب الصريمة والغنيمة) الذي ليس له معيشة غير المواشي القليلة (إن
تَهْلِكْ) بكسر اللام (ماشيته) لفقدان المرعى (يأتني) بحذف التحتية بعد الفوقية،
وهو الصواب للجزم، وفي بعض النسخ بإظهارها، وفي ((البخاري)) بحذف الياء
(ببنيه) بالموحدتين بعدهما نون، فتحتية في جميع نسخ («الموطأ)» المصرية
والهندية، وفي البخاري بالتحتية بدل النون فمثناة (٢).
(١) ((المنتقى)) (٣٢٧/٧).
(٢) أي في ((البخاري)): ((ببيته)).
٦٢٩

٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب
(١٨٢٨) حديث
فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا؟ لَا أَبَا
لَكَ. فَالْمَاءُ وَالْكَلأُّ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ. وَايْمُ اللهِ
قال الحافظ (١): كذا للأكثر بمثناة قبلها تحتانية ساكنة بلفظ مفرد البيوت،
وللكشميهني بنون قبل التحتية بلفظ جمع الابن، والمعنى متقارب، انتهى بتغير.
وقال العيني: المراد بالبيت زوجته، اهـ، يعني بأولاده وأهل بيته كلها يسألُني
ما یعیشهم.
(فيقول: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين) بالتكرار في جميع النسخ
المصرية، وكذا في البخاري، وفي النسخ الهندية بدون تكرار، والأوجه
الأول، قال الحافظ: حذف المقول لدلالة السياق عليه، ولأنه لا يتعين في
لفظ، والتقدير يا أمير المؤمنين أنا فقير، يا أمير المؤمنين أنا أحق، ونحو
ذلك، اهـ. قال الباجي: يعني يكرر مسألته، ولا يمكن عمر رضي الله عنه
ترکھم یموتون، اهـ.
(أفتاركهم أنا؟) استفهام إنكار، والمعنى لا أتركهم محتاجين يموتون، فلا
بُدَّ لي إذ ذاك أن أعطيهم الذهب والفضة من بيت المال، (لا أبا لك) قال
الحافظ: بفتح الهمزة والموحدة بغير تنوين، لأنه صار شبيهاً بالمضاف وإلا
فالأصل لا أب لك، وظاهره الدعاء عليه، لكنه على مجازه لا على حقيقته،
والحاصل أنهم لو منعوا من الماء والكلاء، لهلكت مواشيهم، فاحتاج إلى
تعويضهم بصرف الذهب والفضة لهم لسد خُلَّتهم (فالماء والكلأ) اللذان هما في
المرعى (أيسر) وأهون (عليّ) بشد الياء أي إنفاقهما أسهل عليَّ (من الذهب
والفضة والورق) وهذا هو الباعث لإيثار الفقراء على المياسير.
(وايم الله) هو جمع يمين على قول نحاة الكوفة، وغيرهم يقول: إنه اسم
وضع موضع القسم، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف أي قسمي لازم
(١) ((فتح الباري)) (١٧٦/٦).
٦٣٠

٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب
(١٨٢٨) حديث
إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ.
لي، وفيها لغات، بفتح همزته، وتكسر، وهمزتها همزة وصل، وقد تقطع، كذا
في ((المحلى))، وفي ((المجمع)): ايم الله لفظ قسم، ذو لغات، وهمزتها وصل،
وقد تقطع، تفتح وتکسر، اهـ.
(إنهم ليرون) قال الحافظ: بضم التحتية أوله بمعنى الظن، وبفتحها
بمعنى الاعتقاد (أن) بسكون النون في ((الموطأ))، وبلفظ ((أني)) في رواية
البخاري. (قد ظلمتهم) قال الحافظ(١): قال ابن التين: يريد أرباب المواشي
الكثيرة، كذا قال، والذي يظهر لي أنه أراد أرباب المواشي القليلة، لأنهم
المعظم والأكثر، وهم أهل تلك البلاد من بوادي المدينة، ويدل على ذلك قول
عمر - رضي الله عنه -: ((إنها لبلادهم))، وإنما ساغ ذلك لعمر - رضي الله عنه -
لأنه كان مواتاً، فحماه لنعم الصدقة لمصلحة عموم المسلمين.
وقد أخرج ابن سعد في ((الطبقات)) عن معن بن عيسى عن مالك عن
زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه ((أن عمر - رضي الله عنه -
أتاه رجلٌ من أهل البادية، فقال: يا أمير المؤمنين! بلادنا قاتلنا عليها في
الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام، ثم تحمي علينا؟ فجعل عمر - رضي الله
عنه - ينفخ، ويفتل شاربه)) وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك، من طريق ابن
وهب عن مالك بنحوه، زاد فيه: «فلما رأى الرجل ذلك أَلَحَّ عليه، فلما أكثر
عليه، قال: المال مال الله، والعباد عباد الله، ما أنا بفاعل))، قال ابن المنير:
لم يدخل ابن عفان ولا ابن عوف في قوله: قاتلوا عليها في الجاهلية، فالكلام
عائد على عموم أهل المدينة لا عليهما .
وقال المهلب: إنما قال ذلك عمر - رضي الله عنه -، لأن أهل المدينة
أسلموا عفواً، وكانت أموالهم لهم، ولهذا ساوم بني النجار بمكان مسجده،
(١) ((فتح الباري)) (١٧٧/٦).
٦٣١

٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب
(١٨٢٨) حديث
إِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ. قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي
الْإِسْلَامِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي
سَبِيلِ اللهِ
قال: فاتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح، فهو أحق بأرضه، ومن
أسلم من أهل العنوة، فأرضه فَيْءٌ للمسلمين؛ لأن أهل العنوة غلبوا على
بلادهم، كما غلبوا على أموالهم، بخلاف أهل الصلح.
وفي نقل الاتفاق نظر، لما فيه من خلاف تقدم في محله، وهو ومن بعده
حملوا الأرض على أهل المدينة التي أسلم أهلها عليها، وهي في ملكهم،
وليس المراد ذلك ههنا، وإنما حمى عمر - رضي الله عنه - بعض الموات مما
فيه نباتٌ من غير معالجة أحد، وخص إبل الصدقة، وخيول المجاهدين، وأذن
لمن كان مُقِلّاً أن يرعى فيه مواشيه رفقاً به، فلا حجة فيه للمخالف، اهـ.
(إنّها لبلادهم) بلا شك، زاد في النسخ الهندية واو العطف على قوله:
إنها، وليس هذا في النسخ المصرية ولا في البخاري. والأولى حذفه فإنه من
كلام عمر رضي الله عنه (ومياهُهم) بلا تردد (قاتَلُوا عليها في الجاهلية، وأسْلَمو
عليها في الإسلام)، قال الباجي(١): يريد أن تلك الأرض التي نحميها لجماعة
المسلمين قاتلوا عليها في الجاهلية أكثر من غيرهم، وأسلموا عليها، فهي باقية
لهم من جملة حقوقهم، فليس لأحد أن يستبدَّ بها إلا لمثل ما فعله عمر
- رضي الله عنه - من المنفعة التي تَعُمُّهم وتشتملُهم، لأن إبل الصدقة تصرف
إلى فقرائهم، ويُحمل عليها مسافروهم، وإنما قال ذلك عمر - رضي الله عنه -
بمعنى أنها بلاد لجميع المسلمين، وأنها مخصوصة لمنفعة أخرى وأعم
نفعاً، اهـ.
(والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه) من الإبل والخيل وغيرها
التي يحمل عليها المجاهدين والمسافرين اللذين لا يجدون مركباً (في سبيل الله)
(١) («المنتقى)) (٣٢٧/٧).
٦٣٢

٦١ - كتاب دعوة المظلوم
(١) باب
(١٨٢٨) حديث
مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْراً.
أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد، ١٨٠ - باب إذا أسلم قوم في دار
الحرب، ولهم مال وأرضون، فهي لهم.
الجهاد وغيره (ما حميت عليهم من بلادهم شبراً) قال القسطلاني(١): هذا الأثر
تفرد به البخاري عن الجماعة، وقال الدارقطني فيه: غريب صحيح، اهـ.
قلت: وترجم عليه البخاري في صحيحه ((باب إذا أسلم قوم في دار
الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم)) قال الحافظ(٢): أشار بذلك إلى الرد على
من قال من الحنفية: إن الحربي إذا أسلم في دار الحرب، وأقام بها حتى غلب
المسلمون عليها، فهو أحق بجميع ماله إلا أرضه وعقاره، فإنها تكون فيئاً
للمسلمين، وقد خالفهم أبو يوسف في ذلك ويوافق الجمهور، اهـ.
قلت: المسألة خلافية شهيرة، تحتها فروع مختلفة، تقدم بسطها في ((باب
إحراز من أسلم من أهل الذمة أرضه))، وفي ((الهداية)): من أسلم منهم في دار
الحرب أحرز بإسلامه نفسه، وكل مال هو في يديه، لقوله بَّه: ((مَنْ أسلم على
مال فهو له))، قال الحافظ: في ((الدراية)) تبعاً للزيلعي(٣): رواه أبو يعلى وابن
عدي من حديث أبي هريرة بلفظ ((شيء)) وإسناده ضعيف، ورواه سعيد بن
منصور من طريق عروة مرسلاً، وإسناده صحيح.
واستشهد البخاري لهذه المسألة بحديث عمر، فذكر حديث الباب، فعُلم
أن الحديث من مستدلات الحنفية، لا يخالفها، نعم اختلفوا في فروعها .
(١) ((إرشاد الساري)) (٥٩٨/٦).
(٢) «فتح الباري)) (٦/ ١٧٥).
(٣) انظر: ((نصب الراية)) (٤١٠/٣).
٦٣٣

٦٢ - كتاب أسماء النبي تَليل
(١) باب
بسم الله الرحمن الرحيم
٦٢ - كتاب أسماء النبي
(١) باب أسماء النبي
صلى الله
وَسلم
(١) ما جاء في أسماء النبي
جمع اسم، وهو اللفظ الموضوع على الجوهر والعرض للتمييز، كما في
((القاموس))، وقال الراغب (١): سماء كل شيء أعلاه، والاسم: ما يُعْرف به
ذات الشيء، وأصله سِمْوٌ بدلالة قولهم: أسماءٌ وسُمَيٍّ، وأصله من السُّمُوِّ،
وهو الذي رفع ذكر المسمى، فيعرف به، اهـ. وقال القاري (٢): المراد بالأسماء
ههنا ألفاظ تطلق على رسول الله وَ ل# أعم من كونه علماً أو وصفاً، اهـ.
وقال الشيخ ابن القيم (٣): أسماؤه و ليل كلها أسماء نعوت ليست إعلاماً
محضة لمجرد التعريف، بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به ولا توجب له
المدح والكمال، فمنها محمد، وهو أشهرها، وبه سمي في ((التوراة)) صريحاً،
كما بيناه بالبرهان الواضح في ((كتاب جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام
على خير الأنام)» (٤)، وهو كتاب فرد في معناه لم يسبق إلى مثله في كثرة فوائده
وغزارتها بيّنا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه وَله .
ثم قال: وأسماؤه إذا كانت أوصاف مدح فله من كل وصف اسم، لكن
ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به أو الغالب عليه، ويشتق له منه اسم
وبین الوصف المشترك، فلا یکون له اسم يخصه.
(١) ((مفردات القرآن)) (ص٤٢٨).
(٢) ((جمع الوسائل)) (١٨١/٢).
(٣) ((زاد المعاد)) (٨٤/١ - ٨٦).
(٤) طبع هذا الكتاب عدة مرات.
٦٣٤

(١) باب
٦٢ - كتاب أسماء النبي وَلـ
وأسماؤه وَ لّ نوعان: أحدهما خاص، لا يشركه فيه غيره من الرسل،
كمحمد وأحمد والعاقب والحاشر والمقفي ونبي الملحمة، والثاني: ما يشركه
في معناه غيره من الرسل، ولکن له منه کماله، فهو مختص بکماله دون أصله،
كرسول الله، ونبيه، وعبده، والشاهد، والمبشر، والنذير، ونبي الرحمة، ونبي
التوبة، وأما إن جعل له من كل وصف من أوصافه اسم تجاوزت أسماؤه
المائتين، كالصادق، والمصدوق، والرؤوف الرحيم إلى أمثال ذلك، وفي هذا
قال من قال من الناس: إن الله تعالى ألف اسم، وللنبي ◌ّ ألف اسم، قاله أبو
الخطاب بن دحية ومقصوده الأوصاف، اهـ.
وقال الحافظ(١): ذكر ابن دحية في تصنيف له مفرد في الأسماء النبوية،
قال بعضهم: أسماء النبي ◌َّر عدد أسماء الله تعالى الحسنى تسعة وتسعون
اسما، قال: ولو بحث عنها باحث لبلغت ثلثمائة اسم، وذكر في تصنيفه
المذكور أماكنها من القرآن والأخبار، وضبط ألفاظها، وشرح معانيها .
وغالب الأسماء التي ذكرها وصف النبي ◌َّر، ولم يرد الكثير منها على
سبيل التسمية مثل عده اللبنة بفتح اللام وكسر الموحدة ثم النون، للحديث
الذي في البخاري من حديث أبي هريرة في مَثَله ومَثَل الأنبياء في القصر الذي
من ذهب وفضة إلا موضع لبنة، قال: فكنت أنا اللبنة. ونقل ابن العربي في
شرح الترمذي عن بعض الصوفية أن الله ألف اسم، ولرسوله وَير ألف اسم، اهـ.
زاد القاري في ((شرح الشمائل))(٢): ثم ذكر أي ابن العربي منها على
سبيل التفصيل بضعاً وستين، وقد أفرد السيوطي رسالة في الأسماء النبوية
سماها بـ ((البهجة السَّنية)) وقد قاربت الخمسمائة، ولخصت منها تسعة وتسعين
(١) ((فتح الباري)) (٥٥٨/٦).
(٢) (١٨١/٢).
٦٣٥

٦٢ - كتاب أسماء النبي وَلّ
(١) باب
(١٨٢٩) حديث
١/١٨٢٩ - حدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم؛ أَنَّ النَّبِيَّ رَّ قَالَ: ((لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ
اسماً على طبق أسماء الله الحسنى، وذكرتها في ذيل شرح الصلوات المحمدية
المسمى بـ ((الصلاة العلوية))، والمقصود أن كثرة الأسماء تدل على شرف
المسمى، اهـ. وقال المناوي: أوصلها بعضُ الصوفية إلى ألف كأسمائه تعالى،
وأكثرها من قبيل الصفات، اهـ.
١/١٨٢٩ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن محمد بن جبير) بجيم
وموحدة مصغراً (ابن مطعم) القرشي، قال ابن عبد البر: كذا أرسله يحيى وأكثر
رواة ((الموطأ)) فلم يقولوا عن أبيه، وأسنده معن بن عيسى وأبو مصعب
ومحمد بن المبارك الصوري وآخرون، فرواه عن مالك عن ابن شهاب عن
محمد بن جبير عن أبيه، وكذا رواه سفيان بن عيينة وسائر أصحاب ابن شهاب
عن ابن شهاب مسنداً، كذا في ((التنوير)) مختصراً، قلت: وأخرجه البخاري
برواية معن عن مالك مسنداً .
(أن النبي وَّل قال: لي خمسة أسماء) يعني أختصُّ بها لم يتسمّ بها أحد
قبله، أو مُعظمة أو مشهورة في الأمم الماضية والكتب المتقدمة، كما قاله
عياض والقرطبي، وجزم به النووي، وحكاه عن العلماء، وتُعُقِّبَ بأن أسماءه
في الأمم الماضية والكتب المنزلة أكثر من خمسة، ويدفع بقوله: مشهورة،
لأنها وإن كانت أكثر لكن المشهور منها خمسة، كذا في ((الزرقاني)) (١).
قال الحافظ(٢): زعم بعضهم أن العدد ليس من قول النبي ◌َّ، وإنما
ذكره الراوي بالمعنى، وفيه نظر، لتصريحه في الحديث بقوله: ((إن لي خمسة
أسماء)» والذي يظهر أنه أراد خمسة أختصُّ بها لم يُسَم بها أحد قبلي، أو
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٣٣/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٦/ ٥٥٦).
٦٣٦

٦٢ - كتاب أسماء النبي ◌َّه
(١) باب
(١٨٢٩) حديث
أَنَا مُحَمَّدٌ. وَأَنَا أَحْمَدُ
معظمة أو مشهورة؛ لأنه أراد الحصر فيها، قال عياض: حمى الله تعالى هذه
الأسماء أن يُسَمَّى بها أحد قبله، وإنما تسمي بعض العرب محمداً قرب
ميلاده ◌َ * لما سمعوا من الكُهّان والأحبار أن نبياً سيُبعث في ذلك الزمان،
يسمى محمداً، فرجَوْا أن يكونوا هم ذلك، فَسمَّوا أبناءَهم بذلك، قال: وهم
ستة، لا سابع لهم، كذا قال، وبسط الحافظ في أسماء من سمَّى أولادهم
محمداً أشدّ البسط، وذكر أكثر من ستة.
(أنا محمد) روى ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) عن ابن عباس قال: لما
ولد النبي ◌َ﴿ عقَّ عنه عبد المطلب، وسماه محمداً، فقيل له: ما حملك على
أن سميتَه محمداً، ولم تسمه باسم آبائه؟ فقال: أردت أن يحمده الله في السماء
ويحمده الناس في الأرض، كذا في ((التنوير))(١).
وقال الشيخ ابن القيم (٢): هو اسم مفعول من حمد إذا كان كثير الخصال
التي يُحمد عليها، ولذا كان أبلغ من محمود، فإن محموداً من الثلاثي المجرد،
ومحمد من المضاعف للمبالغة، فهو الذي يحمله أكثر مما يحمله غيره من
البشر، ولذا سمي في ((التوراة))، لكثرة الخصال المحمودة التي وصف بها هو
ودينه وأمته في ((التوراة))، حتى تَمَنَّى موسى - عليه السلام - أن يكون منهم،
وبَيَّنا في كتابنا غلط أبي القَاسم السهيلي حيث جعل الأمر بالعكس، وأن اسمه
في التوراة أحمد، اهـ.
(وأنا أحمد) روى أحمد في ((مسنده))، عن علي - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله وسلم: ((أعطيتُ ما لم يعط أحد من الأنبياء قبلي، نصرت
بالرعب، وسميت أحمد)) الحديث، كذا في ((التنوير))، وبسط ابن القيم أشد
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص٧٢٧).
(٢) ((زاد المعاد)) (٨٧/١).
٦٣٧

٦٢ - كتاب أسماء النبي
(١) باب
(١٨٢٩) حديث
البسط في أنه بمعنى فاعل أي أكثر الحامدين لله تعالى، أو بمعنى مفعول أي
أحقُّ الناس بأن يحمد، وبسط الكلام على أن أفعل التفضيل، هل يجوز بمعنى
المفعول أم لا؟ وصَوّب الاحتمالين، وقال القاري: أي أحمد الحامدين أو
أحمد المحمودين، فهو أفعل بمعنى الفاعل كأعلم أو بمعنى المفعول كأشهر،
قال: والأوّل في أفعل التفضيل أكثر، وهو في هذا المقام أنسب لئلا يتكرر.
قال الحافظ(١): هذان الاسمان أشهر أسمائه وَ ل وأشهرهما محمد، وقد
تكرر في القرآن، وأما أحمد، فذكر فيه حكايةً عن قول عيسى عليه السلام،
فأما محمد، فمن باب التفعيل للمبالغة، وأما أحمد فمن باب التفضيل، وقيل:
سُمّي أحمد؛ لأنه عَلَم منقول من صفة، وهي أفعل التفضيل، ومعناه أحمد
الحامدين، وسبب ذلك ما في الصحيح أنه يُفْتَحُ عليه في المقام المحمود
بمحامد، لم يُفتح بها على أحد قبله، وقيل: الأنبياء حمّادون، وهو أحمدهم
أي أكثرهم حمداً، أو أعظمهم في صفة الحمد، وأما محمد، فهو منقول من
صفة الحمد أيضاً، وهو بمعنى محمود، وفيه معنى المبالغة، وقد أخرج
البخاري في ((التاريخ الصغير)) من طريق علي بن زيد، قال: كان أبو طالب
يقول :
وشقّ له من اسمه ليُجِلَّه فذو العرش محمود، وهذا محمد
والمحمد هو الذي حُمِدَ مرة بعد مرة، أو الذي تكاملت فيه الخصال
المحمودة، قال عياض: كان رسول الله وَ ل ل أحمد قبل أن يكون محمداً، كما
وقع في الوجود، ولأن تسمية أحمد وقعت في الكتب السابقة، وتسميته محمداً
وقعت في القرآن العظيم، وذلك أنه حمد ربه قبل أن يحمده الناسُ، وكذلك
في الآخرة يحمد ربه عزَّ وجلَّ، فيشفعه، فيحمده الناس، وقد خص بسورة
(١) ((فتح الباري)) (٥٥٥/٦).
٦٣٨

٦٢ - كتاب أسماء النبي ◌َلّ
(١) باب
(١٨٢٩) حدیث
وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ الْكُفْرَ.
الحمد، وبلواء الحمد وبالمقام المحمود، وشرع له الحمد بعد الأكل، وبعد
الشرب، وبعد الدعاء، وبعد القدوم من السفر، وسُمِّيَتْ أُمَّتُه الحمَّادون.
فجمعت له معاني الحمد وأنواعه مَلآ، اهـ.
وما حكى الحافظ من شعر أبي طالب يحكيه أكثر الشراح من شعر
حسان، قال الزرقاني(١): هذا البيت في قصيدة لحسان، فإما أنه توارد مع أبي
طالب أو ضمنه شعره سمي به بإلهام من الله تعالى لجده عبد المطلب، اهـ.
(وأنا الماحي الذي يمحو الله بي) كذا في جميع النسخ المصرية والهندية
بالجارة على ياء المتكلم، وكذا في ((البخاري))(٢)، وفي نسخة الزرقاني:
يمحو الله به، قال: وفي رواية ابن بكير ومعن وغيرهما (بي))، اهـ. وهو يشير
إلى أن رواية يحيى بالجارة على ضمير الغائب (الكفر) قال المناوي: فيه إشعار
بأن الأولين عَلَمٌ والثلاثة بعده صفاتٌ، اهـ.
قال الحافظ(٣): قيل: المراد به إزالة ذلك من جزيرة العرب، وفيه نظر،
لأنه وقع في رواية عقيل ومعمر ((يمحو بي الله الكفرة)) ويجاب بأن المراد إزالة
الكفر بإزالة أهله، وإنما قيد بجزيرة العرب، لأن الكفر ما انمحى من جميع
البلاد، وقيل: إنه محمول على الأغلب، أو أنه ينمحي بسببه أولاً فأولاً إلى أن
يضمحل في زمن عيسى بن مريم - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - فإنه يرفع
الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، وتُعقّب بأن الساعة لا تقوم إلا على شرار
الناس، ويجاب بجواز أن يرتدّ بعضُهم بعد موت عيسى عليه السلام وتُرسل
الرياح، فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، فحينئذٍ فلا يبقى إلا الشرار، وفي رواية
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٣٣/٤).
(٢) كذا نسخة ((الاستذكار)) (٤٤١/٢٧)، والحديث في ((التمهيد)) (١٥١/٩).
(٣) ((فتح الباري)) (٦/ ٥٥٧).
٦٣٩

٦٢ - كتاب أسماء النبي ◌َله.
(١٨٢٩) حديث
وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي.
(١) باب
نافع بن جبير: ((وأنا الماحي فإن الله يمحو به سيئات من اتّبعه)) وهذا يشبه أن
یکون من قول الراوي، اهـ.
زاد الزرقاني: أي بمغفرتها له بلا سبب أو بإلهام التوبة النصوح لمن
صدرت منه وقبولها، أن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات،
ولا يخالف هذا تفسيره بمحو الكفر، لأن محو أحدهما لا يمنع محو الآخر،
وكأنه وَ ل ◌ّ خصَّ الكفر لظهوره محوه برسالته، اهـ.
وفي ((التنوير)) (١): قال القاضي عياض: يمحو من مكة وبلاد العرب، وما
زوي له من الأرض، ووعد أنه يبلغه ملكُ أمته، أو يكون المحو عاماً بمعنى
الظهور والغلبة، كما قال تعالى ﴿لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، اهـ
وقال الشيخ ابن القيم(٢): أي محا الله به الكفر، ولم يمح الكفر بأحد
من الخلق ما محي بالنبي وََّ، فإنه بُعثَ، وأهل الأرض كلهم كفَّارٌ إلا بقايا
من أهل الكتاب، وهم ما بين عبَّاد أوثانٍ، ويهود مغضوبٍ عليهِم، ونصارى
ضالِّين، وصائبة دهريَّة، لا يعرفون رباً ولا معاداً، وبين عُبَّاد الكواكب، وعُبَّاد
النار، وفلاسفة، لا يعرفون شرائع الأنبياء، فمحا الله سبحانه برسوله ذلك،
حتى ظهر دين الله على كل دين، وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار، وسارت دعوته
مسير الشمس في الأقطار، اهـ.
(وأنا الحاشر الذي يحشر) ببناء المجهول (الناس على قدمي) قال
الزرقاني: بكسر الميم وخفة الياء بالإفراد وبشد الياء مع فتح الميم مثنى،
روايتان، قال ابن عبد البر: أي قدّامي وأمامي أنهم يجتمعون إليه وينضمُّون
حوله، ويكون أمامه يوم القيامة ووراءه، اهـ.
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص ٧٢٧).
(٢) ((زاد المعاد)) (٨٦/١).
٦٤٠