النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٩ - كتاب الصدقة (١) باب (١٨١٧) حديث فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَتَعْجَبُ؟ كَمْ تَرَى فِي هَذِهِ الْحَبَّةِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ؟ (فقالت عائشة: أتعجب؟) بهمزة الاستفهام وصيغة الخطاب من المجرد في جميع النسخ (كم) استفهامية (ترى في هذه الحبة) الواحدة (من مثقال) أي زنة (ذرة) إشارة إلى قوله عز اسمه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ﴾(١). وفي ((الدر))(٢): أخرج مالك وابن سعد وعبد بن حميد عن عائشة - رضي الله عنها - أن سائلاً أتاها وعندها سُلَّةٌ من عنب، فأخذت حبة من عنب، فأعطته، فقيل لها في ذلك، فقالت: هذه أثقلُ من ذَرِّ كثيرة، ثم قرأت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ . وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن برقان قال: بلغنا أن عمر - رضي الله عنه - أتاه مسكين، وفي يده عنقود من عنب، فناوله منه حبة، وقال: ((فيه مثاقيلُ ذرِّ كثيرة))، وأخرج الزجاجي في ((أماليه)) عن أنس - رضي الله عنه - أن سائلاً أتى النبي ومليار فأعطاه تمرة، فقال السائل: نبيٌّ من الأنبياء يتصدّق بتمرة، فقال النبيِ وَلّ: ((أما علمت أن فيها مثاقيلَ ذَرِّ كثيرةً)). وفيه أيضاً برواية البيهقي عن أنس أن سائلاً أتى النبي وَلّز، فأعطاه تمرة، فقال الرجل: سبحان الله نبيّ من الأنبياء يتصدق بتمرة، فقال النبي وَلقال: ((أما علمت أن فيها مثاقيلَ ذَرِّ كثيرةً))، فأتاه آخر، فسأله فأعطاه تمرة فقال: تمرة من نبي لا تفارقني هذه التمرة ما بقيت، ولا أزال أرجو بركتها أبداً، فأمر له النبي ◌ُّ بمعروف، وما لبث الرجل أن استغنى. وفيه أيضاً برواية أحمد والبيهقي عن أنس قال: أتى النبي وَّ سائل، فأمر له بتمرة، فلم يأخذها وأتاه آخر، فأمر له بتمرة فتقبلها، وقال: تمرة من رسول الله ، فقال للجارية: اذهبي إلى أم سلمة فأعطيه أربعين درهماً التي عندها . (١) سورة الزلزلة: الآية ٧. (٢) ((الدر المنثور)) (٥٤٦/٨). ٥٨١ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨١٨) حديث (٢) باب ما جاء في التعفف عن المسألة ٧/١٨١٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ نَاساً مِنَ الْأَنْصَارِ (٢) ما جاء في التعفف تفعل من العفة، قال الراغب(١): العفة حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف: المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، وأصله: الاقتصار على تناول الشيء القليل الجاري مجرى العفافة، أي البقية من الشيء، أو مجرى العَفْعَفِ، وهو ثمر الأراك، اهـ. عن المسألة وترجم البخاري ((باب الاستعفاف عن المسألة)) قال الحافظ (٢): أي في شيء من غير المصالح الدينية. ١٨١٨/ ٧ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عطاء بن يزيد) بتحتية فزاي، (الليثي) المدني (عن أبي سعيد الخدري) وأخرجه البخاري في الزكاة برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بهذا السند (أن ناساً) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية غير الزرقاني بدون الألف في أوله، وكذا في رواية البخاري، وفي ((الزرقاني)): أناساً، وضبطه بضم الهمزة، وهكذا في ((المشكاة)) برواية (الصحيحين))، قال القاري(٣): وفي نسخة بترك الهمزة أي جماعة، اهـ. (من الأنصار) قال الحافظ(٤): لم يتعين لي أسماؤهم إلا أن النسائي (6) (١) ((مفردات القرآن)) (ص٥٧٣). (٢) ((فتح الباري)) (٣٣٥/٣). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٦/٤). (٤) ((فتح الباري)) (٣٣٦/٣). (٥) أخرجه النسائي (٢٥٩٥). ٥٨٢ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨١٨) حديث سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَلَ فَأَعْطَاهُمْ. ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ. حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ ثُمَّ قَالَ: روى عن أبي سعيد الخدري ما يدل على أنه خوطب بشيء من ذلك، ولفظه: ((سرحتني أمي إلى النبي والقر يعني لأسأله من حاجةٍ شديدة، فأتيته، وقعدت، فاستقبلني، فقال: من استغنى أغناه الله)) الحديث، وزاد فيه ((ومن سأل وله أوقية، فقد ألحف، فقلت: ناقتي خيرٌ من أوقية، فرجعت، ولم أسأله))، وعند الطبراني من حديث حكيم بن حزام أنه ممن خوطب ببعض ذلك، لكنه ليس أنصارياً إلا بالمعنى الأعم، اهـ. قلت: قصة أبي سعيد التي في النسائي لا تدخل في حديث الباب إذ فيه ((سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم))، وصرح أبو سعيد أنه لم يسأله، بل رجع، فتأمل. (سألوا رسول الله وَ﴾) شيئاً من المال (فأعطاهم) إياه (ثم سألوه) وَل مرة أخرى (فأعطاهم) ثانياً هكذا في جميع النسخ المصرية، وكذا في ((التجريد))، وزاد في النسخ الهندية بعد ذلك لفظ (ثلاثاً) وليس هذا اللفظ في المصرية ولا في ((التجريد)) والأولى إثباته، لأن الحديث أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك، وذكر فيها لفظ: سألوا فأعطاهم، ثم سألوا فأعطاهم، ثم سألوا فأعطاهم ثلاث مرات، فإن لم يكن في رواية ((الموطأ)) هذا اللفظ ثلاث مرات، فالأولى أن يكون الإشارة إليه بلفظ ((ثلاثاً)) (حتى نفد) بفتح النون وكسر الفاء آخره دال مهملة، أي فَنِيَ وختم (ما عنده) وََّ من الذخيرة. (ثم قال) وَيّ، هكذا في جميع النسخ المصرية وفي النسخ الهندية بدون حرف العطف بلفظ ((قال)) وفي ((البخاري)) وكذا في ((المشكاة)) برواية ((الصحيحين)) ((فقال)) بالفاء، وفي ((البخاري) في ((باب الصبر عن محارم الله)) برواية شعيب عن الزهري بهذا السند ((إن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله وَلات، فلم يسأله أحد منهم إلا أعطاه، حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين نفد كل شيء أنفق بيديه: ما يكون عندي من خير لا أدّخره عنكم)) الحديث. ٥٨٣ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨١٨) حديث («مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرِ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ. وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ. (ما يكون عندي من خير) قال القاري: أي مال، ومن بيان لما، وما خبرية متضمنة للشرط أي كل شيء من المال موجود عندي أعطيكم، اهـ. يعني جواب الشرط قوله: فلن أدخره عنكم ومعناه أعطيكم (فلن أدخره عنكم) بفتح الهمزة وتشديد الدال المهملة المفتوحة، أي لن أجعله ذخيرة محبوسة عنكم، قال الحافظ(١): أي أحبسه، وأخبئه، وأمنعكم إياه منفرداً عنكم، اهـ. وقال في موضع آخر (٢): أي أجعله ذخيرة لغيركم معرضاً عنكم، وداله مهملة، وقيل: معجمة، اهـ. قال الباجي: قال عيسى بن دينار: الادّخار الاكتناز، والرفع في البيوت، والمعنى فلن أمنعكموه وأدّخره لنفسي، اهـ. (ومن يستعفف) بالفائين في جميع نسخ ((الموطأ)) وكذا في رواية البخاري المذكورة، وفي ((المشكاة)): ((من يستعفّ)) بفاء واحد، أي بالإدغام، قال القاري(٣): وفي نسخة بالفك أي من يطلب من نفسه العفة عن السؤال، قال الطيبي: أو يطلب العفة من الله تعالى، فليس السين لمجرد التأكيد، كما اختاره ابن حجر، اهـ. (يُعِفَّه الله) بضم التحتية ونصب الفاء المشددة، أي يصونه الله تبارك وتعالى عن ذُلّ السؤال، قال ابن التين: معنى قوله: يُعِفَّه الله، إما أن يرزقه الله من المال ما يستغني به عن السؤال، وإما أن يرزقه الله القناعة، كذا في ((الفتح)) (٤) . والأوجه عندي أن يراد بالعفة في الموضعين الأعم من السؤال الشامل لكل ما لا يلائم الشرع، والمعنى من يطلب العِفَّة عن الله تبارك وتعالى يعطيه (١) ((فتح الباري)) (٣٣٦/٣). (٢) ((فتح الباري)) (١١/ ٣٠٤). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٦/٤). (٤) ((فتح الباري)) (٣٠٥/١١). ٥٨٤ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨١٨) حديث وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ. وَمَنْ يَتَصَبَُّ الكريم العفة في المناهي كلها ويدخل فيها السؤال أيضاً، وقال القاري(١): قوله: يعِفَّ اللهُ أي يجعله عفيفاً من الإعفاف، وهو إعطاء العفة، وهي الحفظ عن المناهي، يعني من قنع بأدنى قوت، وترك السؤال تسهل عليه القناعة، وهي كنز لا يفنى، اهـ. (ومن يستغن) قال القاري: أي يظهر الغنى بالاستغناء عن الناس، والتعفف عن السؤال، حتى يحسبه الجاهل أغنياء من التعفف، اهـ. وقال الزرقاني(٢): أي يظهر بالغنى بما عنده من اليسير، اهـ. وهكذا شرحه غير واحد، بل كل واحد من شراح الحديث. والأوجه عندي في معناه من يطلب الغنى من الله عز وجل يعطيه الله تعالى؛ لما في ((المشكاة)) برواية أبي داود والترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: ((من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله عز وجل أوشك الله له بالغنى)) الحديث (يغنه الله) بضم أوله من الإغناء، قال القاري: أي يجعله غنياً بالقلب، ففي الحديث(٣) ((ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس»، اهـ. وقال الباجي: أي يمده الله بالغنى من عنده، ويحتمل أن يريد يغني الله سبحانه نفسه، اهـ. (ومن يتصبر) بفتح الفوقية وتشديد الموحدة المفتوحة، قال القاري: أي يطلب توفيق الصبر من الله تبارك وتعالى، لأنه تعالى قال: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، ويأمر نفسه بالصبر، ويتكلف في التحمل عن مشاقه، وهو تعميم (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٦/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٢/٤). (٣) رواه البخاري في ((صحيحه)) كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس (١١٨/٨)، ومسلم كتاب الزكاة باب ليس الغنى عن كثرة العرض (١٠٥١)، والترمذي (٢٣٧٤)، وابن ماجه (٤١٣٧). ٥٨٥ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨١٨) حديث يُصَبِّرْهُ اللهُ. وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءَ هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٥ - باب الاستعفاف عن المسئلة. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٤٢ - باب فضل التعفف والصبر، حديث ١٢٤. بعد تخصيص، لأن الصبر يشتمل صبراً لطاعة المعصية والبلية، أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس، بأن يتجرع مرارة ذلك، ولا يشكو حاله إلى غير ربه، اهـ. (يصبره الله) بضم أوله وتشديد الموحدة المكسورة أي يعطيه الله تعالى الصبر على المشاق ويسهله عليه، قال القاري(١): فتكون الجمل مؤكدات، ويؤيد إرادة معنى العموم قوله الآتي: ((وما أعطي أحد)) إلخ. وقال الباجي(٢): معناه من يَتَصَذَّ للصبر ويؤثره، يعنه الله تعالى عليه، ويوفقه، اهـ. (وما أعطي) بضم الهمزة مبني للمفعول (أحد) بالرفع نائب الفاعل (عطاء) بالنصب على أنه مفعول ثان لأعطي (هو خير) أي أفضل لاحتياج السالك إليه في جميع المقامات، كذا في ((المرقاة)) (وأوسع) أي أشرح للصدر (من الصبر) قال الباجي: يريد أنه أمر يدوم به الغنى بما يعطى وإن كان قليلاً، ولأنه يفيء وربما لا يفيء وامتد الأمل إلى أكثر منه ممن عدم الصبر، اهـ. وقال القاري: قوله: أوسع من الصبر، أي أشرح للصدر، وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات، لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَ﴾ ومعنى كونه أوسع أنه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد، فإن قيل: الرضاء أفضل منه، كما صرحوا به، أجيب بأنه غايته التي لا يعتد به إلا معها فليس أجنبياً عنه ، اهـ. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٧/٤). (٢) ((المنتقى)) (٣٢٢/٧). ٥٨٦ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨١٩) حديث ٨/١٨١٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نََّ قَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفَّفَ عَنِ الْمَسْئَلَةِ، وفي ((الزرقاني)) (١): قال الطيبي: يريد أن من طلب عن نفسه العفة عن السؤال، ولم يظهر الاستغناء يعفه الله، أي يصيره عفيفاً، ومن ترقى عن هذا المقام إلى ما هو أعلى من إظهار الاستغناء عن الخلق، لكن إن أعطي شيئاً لم يرده يملأ الله قلبه غنى، ومن فاز بالقدح المعلى وتَصَبَّر ولم يسأل وإن أعطي لم يقبل، فهذا هو الصبر الجامع لمكارم الأخلاق، اهـ. وفيه أنه ورد المنع عن رد ما أعطي عن غير مسألة، وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب من أعطاه الله شيئاً عن غير مسألة ولا إشراف نفس)) وذكر فيه حديث(٢) عمر - رضي الله عنه - الآتي في ((الموطأ)) بأطول مما في ((البخاري)). ٨/١٨١٩ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - أخرجه البخاري(٣) برواية القعنبي عن مالك (أن رسول الله وَ لو قال: وهو على المنبر) جملة اسمية وقعت حالاً (وهو يذكر الصدقة) أي يحض عليها الأغنياء جملة اسمية حالية أيضاً (والتعفف) بالفائين (عن المسألة) أي السؤال، أي ويذكر التعفف ويحض عليه الفقير، قال الباجي: يذكر فضل الصدقة، ويعيب المسألة، ويحض على التعفف منها، ولفظ البخاري في الرواية المذكورة ((وذكر الصدقة والتعفف والمسألة)). قال الحافظ (٤): كذا للبخاري بالواو قبل المسألة، وفي رواية مسلم عن (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٢/٤). (٢) صحيح البخاري (١٤٧٣)، و((فتح الباري)) (٣٣٧/٤). (٣) أخرجه في الزكاة (١٤٢٩). (٤) ((فتح الباري)) (٢٩٧/٣). ٥٨٧ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨١٩) حديث ((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ. قتيبة عن مالك ((والتعفف عن المسألة)) ولأبي داود ((والتعفف منها)) أي من أخذ الصدقة، والمعنى أنه كان يحض الغني على الصدقة والفقير على التعفف عن المسألة، أو يحضه على التعفف ويذم المسألة. (اليد العليا خير من اليد السفلى) وهذه مقولته وسلّ، قال الباجي(١): يريد أنها أكثر ثواباً، وتسمى يد المعطي العليا، بمعنى أنه أرفع درجة ومحلاً في الدنيا والآخرة، وهذا رسم شرعي، ومعنى ذلك أنه بالشرع عرف، ولما كانت تسمية لا تعرفها العرب، فسرها رسول الله ﴿ بأن يد المعطي هي اليد العليا، وأن اليد السائلة هي السفلى. (واليد العليا هي المنفقة) اسم فاعل من أنفق، هكذا رواه مالك، قال أبو داود: وكذا قال الأكثر عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع، وقال واحد عنه: المتعففة، وكذا قال عبد الوارث عن أيوب، قال الحافظ: الواحد القائل: المتعففة بعين وفائين هو مسدد في ((مسنده))، وأخرجه ابن عبد البر من طريقه، وقد رواه أبو نعيم في ((المستخرج)) من طريق سليمان بن حرب عن حماد بلفظ: ((واليد العليا يد المعطي))، وهذا يدل على أن من رواه عن نافع بلفظ ((المتعففة))، فقد صحف، ورجح الخطابي الثانية، بأن السياق في ذكر المسألة والتعفف عنها، كذا في ((الزرقاني)) (٢) عن ((الفتح)(٣). وقال القاري(٤): قال الخطابي: الأرجح ما في ((أبي داود)) عن ابن عمر أن العليا هي المتعففة، والسفلى هي السائلة، لأن السياق في ذكر المسألة (١) ((المنتقى)) (٣٢٢/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٣/٤). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٢٩٧/٣). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٦/٤). ٥٨٨ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨١٩) حديث وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ١٨ - باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٣٢ - باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، حديث ٩٤. والتعفف عنها، وأغرب ابن حجر في قوله: مردود، بل الراجح الذي عليه الجمهور، هو الرواية الأولى، أي العليا المنفقة، كما قاله النووي، لأنه لا منافاة بينهما، حيث يمكن جمعهما باعتبار الحالتين، مع أنه إنما أراد الترجيح، الرواية المتعففة على المنفقة في هذا المقام لنظام المرام، لا لما يترتب عليه أحكام أئمة الأنام، اهـ. (والسفلى هي السائلة) قال الحافظ(١): قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢): لم تختلف الرواة عن مالك أي في سياقه، كذا قال، وفيه نظر، كما سيأتي، وقال القرطبي: وقع تفسير اليد العليا والسفلى في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - هذا، وهو نص يرفع الخلاف، ويدفع تعسف من تعسف في تأويله، اهـ. لكن ادّعَى أبو العباس الداني في ((أطراف الموطأ)) أن التفسير المذكور مدرج من ابن عمر - رضي الله عنه -، ولم يذكر مستنداً لذلك، ووجدت في ((كتاب العسكري)) في الصحابة بإسناد له فيه انقطاع، عن ابن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان إني سمعت النبي ◌ّلل يقول: ((اليد العليا خير من اليد السفلى، ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية)). فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر - رضي الله عنه -، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر - رضي الله عنه -: (كنا نتحدث أن العليا هي المنفقة)). (١) ((فتح الباري)) (٢٩٦/٣). (٢) (٢٤٧/١٥). ٥٨٩ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨١٩) حديث ثم قال الحافظ بعد ما بسط في الروايات: فهذه الأحاديث متظافرة على أن اليد العليا، هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور، وقيل: اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال أو بغير سؤال، وهذا أباه قوم، واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد الله تعالى قبل يد المتصدق، قال ابن العربي: التحقيق أن السفلى هي يد السائل، وأما يد الآخذ فلا، لأن يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة وكلتاهما عليا . قال الحافظ: وفيه نظر، لأن البحث في أيدي الآدميين، وأما يد الله تعالى فباعتبار كونه مالك كل شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله الصدقة ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ ويده العليا على كل حال. وأما يد الآدمي فهي أربعة: يد المعطي، وقد تظافرت الروايات بأنها عليا، ثانيها: يد السائل، وقد تظافرت بأنها سفلى، سواء أخذت أم لا، وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ، ثالثها: يد المتعفف عن الأخذ، ولو بعد أن تمدّ إليه يد المعطي مثلاً، وهذه توصف بكونها علياً علواً معنوياً، رابعها: يد الآخذ بغير سؤال. وهذه قد اختلف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، وأما المعنوي فلا يطرد، فقد تكون عليا في بعض الصور، وعليه يحمل كلام من أطلق كونها عليا، قال ابن حبان: اليد المتصدقة أفضل من السائلة، لا الآخذة بغير سؤال، إذ محال أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل باستعماله، دون من فرض عليه إتيان شيء، فأتى به أو تقرب إلى ربه متنفلاً، فربما كان الآخذ لما أبيح له أفضل وأورع من الذي يعطي، اهـ. وعن الحسن البصري: اليد العليا المعطية والسفلى المانعة ولم يوافق عليه، وأطلق آخرون من المتصوفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقاً، وحكى ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) ذلك عن قوم، ثم قال: وما أرى هؤلاء ٥٩٠ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨١٩) حديث إلا قوماً استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناءة، ولو جاز هذا لكان المولى من فوق هو الذي كان رقيقاً فأعتق، والمولى من أسفل هو السيد الذي أعتقه، اهـ. وقرأت في ((مطلع الفوائد)) للعلامة جمال الدين بن نباتة في تأويل الحديث المذكور معنى آخر، فقال: اليد ههنا النعمة، وكأن المعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة، قال: وهذا حتٌّ على المكارم بأوجز لفظ، ويشهد له أحد التأويلين في قوله: ((ما أبقت غنى))، أي ما حصل به للسائل غنى عن سؤاله، كمن أراد أن يتصدّق بألف، فلو أعطاها لمائة إنسان لم يظهر عليهم الغنى، بخلاف ما لو أعطاها لرجل واحد، قال: وهو أولى من حمل اليد على الجارحة، لأن ذلك لا يستمر إذ فيمن يأخذ من هو خير عند الله ممن يعطي. قال الحافظ(١): التفاضل ههنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق، قال الحافظ: وكل هذه التأويلات المتعسفة تضمحل عند الأحاديث المتقدمة المصرحة بالمراد، فأولى ما فسر الحديث بالحديث، ومحصل ما في الآثار المتقدمة أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة والمانعة، اهـ. وقال القاري(٢): قال الشيخ أبو النجيب السهروردي: أجمعوا - أي الصوفية - على أن الفقير أفضل من الغني، إذا كان مقروناً بالرضا، فإن احتجّ محتجّ بقول النبي وَلّر: ((اليد العليا خير من اليد السفلى))، قيل له: اليد العليا تنالها الفضيلة بإخراج ما فيها، واليد السفلى تنالها المنقصة بحصول الشيء فيها . قال القاري: الظاهر أن المراد به السائل إذا لم يكن مضطراً، وأما إذا (١) (فتح الباري)) (٢٩٨/٣). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٦/٤). ٥٩١ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٠) حديث ٩/١٨٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله وجب عليه السؤال، فانقلب المثال، ولذا قال خواجه عبيد الله السمرقندي - قدس سره - لما سُئِل: الفقير الصابر أفضل أم الغني الشاكر؟ فقال: بل الفقير الشاكي: وهو إما أراد المبالغة أو الشكاية الضرورية، أو الإشارة إلى قوله تعالى حكاية: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوْ بَتِى وَحُزْنِ إِلَى اَللَّهِ﴾، اهـ. قلت: وهذا الثالث هو المتعين عندي، لما في ((المشكاة)) (١) برواية أحمد والترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَ له: ((عرض لي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا، يا رب، ولكن أشبعُ يوماً، وأجوعُ يوماً، فإذا جعتُ تضرعت إليك، وذكرتُك، وإذا شبعتُ حمدتك، وشكرتك)) وفي هذا المعنى غير ما رواية. ٩/١٨٢٠ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر - رضي الله عنه - (عن عطاء بن يسار) الليثي، كذا في ((الموطأ)) مرسلاً، قال ابن عبد البر: باتفاق الرواة يتصل بوجوه عن عمر - رضي الله عنه -، منها ما أخرجه قاسم بن أصبغ من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر - رضي الله عنه - كذا في ((التنوير)) و((الزرقاني)) (٢) وسكت عليه في ((التجريد)). وقال السيوطي في ((الدر)) بعد ذكر رواية مالك عن زيد هذه: وأخرج البيهقي من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول، فذكر نحوه، اهـ. (أن رسول الله (وَل) أخرج البخاري في ((صحيحه)) (٣) حدثنا يحيى بن بكير نا الليث عن يونس عن الزهري عن سالم أن عبد الله بن عمر - رضي الله (١) ((مشكاة المصابيح)) (٥١٩٠) من كتاب الرقاق. (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٤/٤)، وانظر («التمهيد)) (٤١٥/٢٧)، و ((التمهيد)» (٨٢/٥). (٣) أخرجه البخاري في: ٩٣ - كتاب الأحكام، ١٧ - باب رزق الحكام والعاملين عليها. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٣٧ - باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إسراف حديث (١١٠ - ١١٢). ٥٩٢ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٠) حديث أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَطَاءٍ. عنهما - قال: سمعت عمر يقول: ((كان رسول الله صل يعطيني العطاء، فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: خذه إذا جاءك من هذا المال شيء، وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك)). قال الحافظ (١): ذكر فيه شعيب عن الزهري إسناداً آخر، فقال: أخبرني السائب بن يزيد أن حويطب بن عبد العزّى أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر - رضي الله عنه - في خلافته، فذكر قصة فيها هذا الحديث، وأخرجه مسلم من رواية عمرو بن الحارث عن الزهري بالإسنادين، لكن قال فيه: عن سالم عن أبيه أن رسول الله وَلّر كان يعطي عمر - رضي الله عنه - فذكره، فجعله من مسند ابن عمر - رضي الله عنهما -، وأخرجه مسلم أيضاً من وجه آخر عن ابن السعدي عن عمر - رضي الله عنه - لكن قال فيه: ابن الساعدي، وزاد فيه: أن عطية النبي و ﴿ لعمر - رضي الله عنه - بسبب العمالة، اهـ. وبسط الحافظ في موضع آخر الكلام على أسانيده. (أرسل إلى عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (بعطاء) قال الحافظ (٢): أخرجه مسلم من وجه آخر عن ابن الساعدي عن عمر - رضي الله عنه -، وزاد فيه: أن عطية النبي وَل﴿ لعمر بسبب العمالة، ولذا قال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام، وليست هي من جهة الفقر، ولكن من الحقوق، فلما قال عمر - رضي الله عنه -: أعطِه من هو أفقر إليه مني لم يرض بذلك، لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، قال: ويؤيده قوله في رواية شعيب: خذه فتموله، فدل ذلك على أنه ليس من الصدقات، اهـ. وفي ((الزرقاني)): نقل عياض عن الطحاوي أن العطاء ما يفرقه الإمام بين الأغنياء والفقراء من غير مال الزكاة. (١) ((فتح الباري)) (٣٣٧/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٣٣٨/٣). ٥٩٣ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٠) حديث فَرَدَّهُ عُمَرُ. فَقَالَ لَّهُ رَسُولُ اللهِ وَجِِّ: ((لِمَ رَدَدْتَهُ؟)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَيْسَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ خَيْراً لِأَحَدِنَا أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئاً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا ذُلِكَ عَنِ الْمَسْئَلَةِ. فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ مَسْئَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ يَرْزُقُكَهُ الله)) (فرده عمر) - رضي الله عنه - زهداً وعدم حرص على التكثير من المال وإيثاراً للغير، كما في ((الصحيحين)) عن عمر - رضي الله عنه - كان ◌َي يعطيني العطاء، فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، الحديث. قال الباجي(١): إنما رده عمر - رضي الله عنه - لما سمع من النبي أنه قال: ((خير لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئاً)) فتأوله عمر - رضي الله عنه - على عمومه في الأخذ عن مسألة وغير مسألة، وإنما أراد النبي وهل# أن لا يأخذ أحد عن المسألة، ولعله وَ له قد خاطب بذلك سائلاً، اهـ. (فقال له رسول الله وَله: لِمَ) بكسر اللام وتخفيف الميم المفتوحة أي لأي وجه، (رددته) بالدالين على صيغة الخطاب (فقال) عمر رضي الله عنه: (يا رسول الله أليس قد أخبرتنا) بصيغة الخطاب، وليس في النسخ المصرية لفظ ((قد)) (أن خيراً) بالخاء والتحتية أي أفضل (لأحدنا أن لا يأخذ) أي الرجل (من أحد شيئاً) فحمله عمر - رضي الله عنه - على العموم، (فقال له رسول الله وخلقه : إنما ذلك) أي كون عدم الأخذ خيراً إذا كان الأخذ (عن المسألة) أي السؤال عن الناس. (فأما ما كان) من العطاء أو الهدية (من غير مسألة) أي بدون سؤال عن الناس (فإنما هو رزق يرزقكه الله) عز وجل بذكر ضمير المفعول في النسخ المصرية، وبحذفه بلفظ: (يرزقك الله)) في النسخ الهندية، قال الباجي (٢): يريد ابتدأك به من غير مسألة منك، ومعناه فلا ترده، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٥٢٢/٧). (٢) ((المنتقى)) (٣٢٢/٧). ٥٩٤ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٠) حديث فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَسْأَلُ أَحَداً شَيْئاً، وَلَا يَأْتِيْنِي شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ مَسْئَلَةٍ إِلَّا أَخَذْتُهُ. وفي ((الصحيحين)) في رواية أخرى: ((فخذه فتموله أو تصدق به)) ولفظ البخاري برواية شعيب عن الزهري بلفظ ((خذه فتموله، وتصدق به))، قال الحافظ(١): وفي رواية سالم ((أو تصدق)) بلفظ ((أو)) بدل الواو، وهو أمر إرشاد على الصحيح، قال ابن بطال: أشار ◌َ ﴿ على عمر - رضي الله عنه - بالأفضل، لأنه وإن كان مأجوراً بإيثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه، فإن أخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدل على عظيم فضل الصدقة بعد التمول لما في النفوس من الشحّ على المال، اهـ (فقال عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه -: (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (والذي نفسي بيده، لا أسأل أحداً شيئاً، ولا يأتيني) بعد ذلك (شيء من غير مسألة) مني (إلا أخذته) بصيغة المتكلم اتباعاً للإرشاد النبوي في الوجهين، قال الزرقاني(٢): وفيه أن ردّ عطية الإمام ليس من الأدب، ولا سيما عنه وَل لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَالَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وإنما ردّها عمر - رضي الله مَى له عنه - منه لشبهة أزالها النبي قال ابن جرير: أجمعوا على أن الأخذ من النبي وَلّ مستحب، واختلفوا في إعطاء غيره دون مسألة، والمعطي من يجوز إعطاؤه، فقيل باستحبابه أيضاً، كان المعطي سلطاناً أو غيره، وهذا هو الراجح، يعني بالشرطين المذكورين في قوله وَلّ لعمر - رضي الله عنه -: ((إذا جاءك من هذا المال شيء، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه)) وقيل: هو مخصوص بالسلطان، لحديث سمرة في ((السنن)): ((إلا أن تسأل ذا سلطان))، وقيل: يستحب من غير السلطان لامنه فحرام، وقيل: مكروه، اهـ. ء (١) ((فتح الباري)) (١٣/ ١٥٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٥/٤). ٥٩٥ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٠) حديث قال الحافظ(١): قال الطبري: اختلفوا في قوله: فخذه بعد إجماعهم على أنه أمر ندب، فقيل: هو ندب لكل من أعطي عطية أبى قبولها كائناً من كان، وهذا هو الراجح، يعني بالشرطين المتقدمين، وقيل: هو مخصوص بالسلطان، لحديث سمرة، وكان بعضهم يقول: يحرم قبول العطية من السلطان، وبعضهم يقول: يكره، وهو محمول على ما إذا كانت العطية من السلطان الجائر، والكراهة محمولة على الورع، وهو المشهور من تصرف السلف. والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالاً، فلا ترد عطيته، ومن علم كون ماله حراماً، فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده، وهو الورع، ومن أباحه أخذ بالأصل، قال ابن المنذر: احتجَّ من رخص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود: ﴿سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ﴾ وقد رهن الشارع عليه الصلاة والسلام درعه عند يهودي مع علمه بذلك، وكذلك أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة، اهـ. وبسط الحافظ في الأحكام(٢) في جوائز السلطان أشدّ البسط، وذكر اختلافهم في ذلك، وقال أيضاً: في الحديث أن التصدق بعد الأخذ أفضل من التصدق قبل الأخذ، لأن الذي يحصل بيده هو أحرص عليه مما لم يدخل في يده، فإن استوت عند أحد الحالين، فمرتبته أعلى، ولذلك أمره بأخذه، وبَيَّن له جواز تموله إن أحبّ والتصدق به، وذهب بعض الصوفية إلى أن المال إذا جاء بغير سؤال فلم يقبله، فإن الراد له يعاقب بحرمان العطاء، اهـ. وقال القاري(٣): ظاهر هذا الحديث وغيره وجوب قبول ما أعطيه (١) ((فتح الباري)) (٣٣٨/٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٥٤/١٣). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٣/٤). ٥٩٦ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢١) حديث ١٠/١٨٢١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَخْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ الإنسان من غير سؤال ولا إشراف نفس، وبه قال أحمد وغيره، وحمل الجمهور الأمر على الاستحباب أو الإباحة، اهـ، قلت: وتقدم قريباً في كلام الحافظ عن ابن المنذر الإجماع على أن الأمر للندب. ٩/١٨٢١ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بهذا السند، وأخرج أيضاً بسند آخر عن الزبير بن العوام بنحو هذا (أن رسول الله وَ لير قال: والذي نفسي بيده) قال الحافظ: فيه القسم على الشيء المقطوع بصدقه لتأكيده في نفس السامع (ليأخذ) قال ابن عبد البر(١): كذا في جلّ ((الموطآت)) وفي رواية معن وابن نافع: (لأن يأخذ))، اهـ. قلت: وكذلك في رواية البخاري المذكورة ((لأن يأخذ)) وكذا عنده في رواية الزبير بن العوام (أحدكم) بالرفع على الفاعلية (حبله) بالنصب على المفعولية، قال الزرقاني: حبله بالإفراد، وفي رواية: ((أحبله)) بالجمع. (فيحتطب) كذا في النسخ الهندية، وأكثر المصرية(٢)، وكذا في (البخاري))، قال صاحب ((المحلى)): ببناء الافتعال، أي يجمع الحطب، اهـ. وفي نسخة الزرقاني ((فيحطب)) أي من المجرد، قال: بكسر الطاء، أي يجمع الحطب، اهـ. قال النووي: يحطب هكذا وقع بغير تاء بين الحاء والطاء في الموضعین، وهو صحیح، اهـ. (على ظهره) وفي حديث الزبير بن العوام المذكور عند البخاري: ((فيأتي (١) انظر: (التمهيد)) (٣٢٠/١٨). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٤١٨/٢٧). ٥٩٧ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢١) حديث خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً أَعْطَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ. فَيَسْأَّلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعُه)) . أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٥٠ - باب الاستعفاف عن المسئلة. ومسلم من وجه آخر في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٣٥ - باب كراهة المسئلة للناس، حديث ١٠٦. بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها فيكف الله بها وجهه)). قال الحافظ: في رواية الزبير زيادة، وذلك مراد في حديث أبي هريرة، وحذف لدلالة السياق عليه (خير له) قال صاحب ((المحلى)): ليست خير هذه اسم تفضيل، بل من قبيل ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا﴾، قال الحافظ(١): إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام، ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذي يعطاه خيراً، وهو في الحقيقة شر، اهـ. (من أن يأتي رجلاً) موصوف صفته (أعطاه) أي الرجل المذكور (الله من فضله) أي خصّه الله تعالى بنوع من المال، وقال الباجي: يحتمل أن يريد به الغنى، ويحتمل أن يريد به السلطان، ويكون معنى آتاه الله من فضله، جعل الله إليه النظر فيه، اهـ. (فيسأله) أي يسأل هذا صاحبَ الخير سواء (أعطاه) ذاك صاحب الخير (أو منعه) ولفظ حديث الزبير ((خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)). قال الحافظ(٢): فيه الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشارع لم يفضل ذلك، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال، ومن ذل الرد إذا لم يعط، ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن (١) ((فتح الباري)) (٣٣٦/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٣٣٦/٣). ٥٩٨ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٢) حديث ١١/١٨٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلْتُ أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ. فَقَالَ لِي أَهْلِي: اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ فَاسْأَلَهُ لَنَا أعطى كل سائل، اهـ. قال الزرقاني(١): وعند ابن عبد البر عن عمر - رضي الله عنه -: مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس، اهـ. ١٠/١٨٢٢ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) ضد اليمين (عن رجل من بني أسد) وإبهام الصحابي لا يضُرُّ، فإنهم كلهم عدول، كما هو معروف عند أهل الفن، والحديث هكذا أخرجه أبو داود(٢) برواية القعنبي عن مالك، وقال في آخره: قال أبو داود: هكذا رواه الثوري، كما قال مالك، وذكره صاحب ((المشكاة)) مختصراً، وقال: رواه مالك وأبو داود والنسائي، قال القاري(٣): وسكت عليه أبو داود، وأقَرَّه المنذري، وله شاهد عند النسائي من حديث أبي سعيد، اهـ. (أنه قال: نزلت) بضم المثناة الفوقية (أنا وأهلي ببقيع) بالموحدتين أولاهما جارة (الغرقد) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة فقاف مفتوحة ثم دال مهملة، قال صاحب ((المحلى)) عن ((النهاية)): ضربٌ من شجر العضاه وشجر الشوك، والغرقدة واحدة، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة: بقيع الغرقد، لأنه كان فيه غرقد فقطع، اهـ. وقال الزرقاني: هي مقبرة أهل المدينة، سميت بذلك لشجر غرقد كان هناك، وهو شجر عظيم، يقال: إنه العوسج. (فقال لي أهلي: اذهب) بصيغة الأمر (إلى رسول الله وَ لّر فاسأله) كذا في جميع النسخ المصرية وأكثر الهندية، وفي بعضها ((فسله)) بحذف الهمزتين (لنا (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٥/٤). (٢) ((سنن أبي داود)) (١٦٢٧). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٩/٤). ٥٩٩ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٢) حديث شَيْئاً نَأْكُلُهُ. وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِمْ. فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهُ . فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ رَجُلاً يَسْأَلُهُ. وَرَسُولُ اللهِ وَهَ يَقُولُ: ((لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيكَ)) فَتَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ، وَهُوَ يَقُولُ: لَعَمْرِي إِنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ شِئْتَ. شيئاً نأكله) فإنه ليس عندنا ما نأكله (وجعلوا) أي أهله (يذكرون) للأسدي (من حاجتهم) أي احتياجهم إلى ما يأكلونه، ويذكرونها ليذكر الأسدي ذلك إلى رسول الله عليه، ويكون حديث العهد بأحوالهم، فيتذكرها عند ذكره للنبي وَ ل . قال الباجي(١): ذكروا حاجتهم مع كونه ذا مال، فهذا يقتضي أن من له من نوع المال ما يحتاج معه يوصف بأنه محتاج مثل صاحب الدابة أو الدار أو الخادم، إذا لم يكن فضل عن حاجته، اهـ. (فذهبت) بصيغة المتكلم (إلى رسول الله وَلي) لأسأله وأذكر له حاجة أهلي وفاقتهم إلى ما يأكلون (فوجدت) بصيغة المتكلم (عنده) وَلير (رجلاً) آخر لم يسم (يسأله) وَ﴾ (ورسول الله وَل يقول له) إظهاراً لعذره وَلّ (لا أجد) إذ ذاك (ما أعطيك) ما موصولة مفعول لا أجد أي لا أجد شيئاً أعطيكه (فتولّى) أي أدبر (الرجل) المذكور (عنه) وَل (وهو) الرجل جملة حالية (مغضب) ضبطه صاحب ((المحلى)) بفتح الضاد، ويحتمل الكسر أيضاً، يعني صار ذا غضب لعدم إعطائه وَّير (وهو) الرجل (يقول: لعمري) أي قسم حياتي (إنك لتعطي من شئت) بصيغة الخطاب، يعني إذا لم ترد أن تعطي أحداً تخترع له عذراً. قال الباجي: هذا من الأمر الممنوع، لأن غضبه إذا لم يعطه ظلمٌ وتعدٍ، وتسخُّطٌ للحق، وإنما على الإمام أن يعطيه من مال الله عز وجل الذي بيده، فإذا لم يكن بيده شيء لم يكن عليه أن يعطيه شيئاً، وزاد من التعدي أن قال: إنك لتعطي من شئت، ولعله كان من المنافقين، أو ممن لا يستقر الإيمان في .(١) ((المنتقى)) (٣٢٤/٧). ٦٠٠