النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
بأنها عامة فيمن ترك شيئاً كان يملكه، وإذا ثبت أنه وقفه قبل موته فلم يخلف
ما يورث عنه فلم يورث، وعلى تقدير أنه خلف شيئاً مما كان يملكه، فدخوله
في الخطاب قابل للتخصيص لما عرف من كثرة خصائصه، وقد اشتهر عنه أنه
لا یورث فظهر تخصیصه بذلك دون الناس، اهـ.
قلت: وقوله: إذا ثبت أنه وقفه إشارة إلى حديث البخاري وغيره بلفظ
((وأرضاً جعلها صدقة)) إذا قالوا في معناه: إنه وقفها قبل موته وَظله .
قال النووي(١): قال العلماء الحكمة في أن الأنبياء - صلوات الله عليهم
أجمعين - لا يورثون أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته فيهلك،
ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثهم، فيهلك الظان، وينفر الناس عنهم، اهـ.
وتقدم ذلك قريباً في كلام الحافظ عن ابن بطال أن الله بعثهم مبلغين
رسالته، وأمرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجراً، فكانت الحكمة في أن لا
يورثوا لئلا يظن أنهم جمعوا المال لوارثهم.
قال الحافظ(٢): وقيل: الحكمة فيه حسم المادة في تمني الوارث موت
المورث من أجل المال، وقيل: لكون النبي كالأب لأمته، فيكون ميراثه
للجميع، وهذا معنى الصدقة العامة، اهـ.
وزاد القاري في ((شرح الشمائل))(٣): وأن لا يظن بهم أنهم راغبون في
الدنيا، ويجمعون المال لورثتهم، وأن لا يرغب الناس في الدنيا، وجمعها بناء
على ظنهم أن الأنبياء كانوا كذلك، وأما ما قيل: لأنهم لا ملك لهم فضعيف،
وهو بإشارات القوم أشبه، ولذا قيل: الصوفي لا يَمْلِكُ ولا يُمَلِّك، اهـ.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للتووي (٧٤/١٢).
(٢) (٢٣٠/٢).
(٣) (٢٢٦/٢).
٥٤١
٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
قلت: أو لأنهم أحياء في قبورهم، فالأموال باقٍ على ملكهم، قال
المناوي في ((شرح الشمائل)) (١): حكى إمام الحرمين فيما تركه المصطفى
وجهين: أحدهما: أنه باقٍ على ملكه، ينفق منه على أهله كحياته، قال: وهو
الصحيح، والثاني: أن ما خلفه سبيل الصدقات، وبه قطع الروياني، ومال
السبكي إلى الأول؛ لأن الأنبياء أحياء في قبورهم، وقضية أنهم يعطون بعض
أحكام الدنيا، وصوّب النووي زوال ملكه، وأنه صدقة، اهـ.
زاد الدسوقي على ((الشرح الكبير))(٢) للمالكية: لأن نسبة المؤمنين له وَال
واحدة، فإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقيل: لأن الأنبياء لا ملك لهم
مع الله، حتى قال ابن عطاء الله: لا زكاة عليهم إلا أنه خلاف ظاهر قوله
تعالى: ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوَةِ﴾ الآية، اهـ.
وقال ابن عابدين في ((رسائله)): إن المنع ههنا لانتفاء الشرط، وهو إما
عدم وجود الوارث بصفة الوارثية كما اقتضاه الحديث(٣)، وإما عدم موت
المورث، بناء على أن الأنبياء أحياء في قبورهم، كما ورد في الحديث،
واقتضاؤه أن يكون الشهيد أيضاً كذلك لحياته بدليل الآية، وقد يقال: إن ذلك
فيمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولعله أحدث رياءً، أو قصد غنيمة، فلم
يتحقق ذلك، بخلاف الأنبياء، فتدبر، وأما جعله لانتفاء السبب فبعيدٌ جداً، اهـ
مختصراً .
وأجاد شيخ مشايخنا الگنگوهي - قدس سره - في ((الكوكب الدري)) (٤) في
(١) (٢٣٠/٢).
(٢) (٢١٤/٢).
(٣) لعله أشار إلى قوله: ((نحن معاشر الأنبياء)) فاقتضاؤه كون الوارث نبياً، اهـ. ((ش)).
(٤) (٤٢١/٢).
٥٤٢
٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
(باب ما جاء في تركة النبي (وَ ل)) تقريراً أنيقاً ينبغي أن يكتب بماء الذهب،
فقال: اعلم أن النبي وَلّ كان يحب أن يرحل إلى ربه تبارك وتعالى، وليس له
من أمتعة الدنيا شيء كثير ولا قليل، لما علم من سخطه تعالى إياها، ولما فيه
من التلوث الذي لم ندرك حقيقته، ولذا ترى أحاديثه وَله مشحونة بما يعلم به
غاية تباعده منه، ونهاية تسارعه إلى تصدق ما بقي من أقوات أهله، ولذلك قال
النبي ◌َّر: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) إزالةً لما يبقى في ملكه عن ملكه حين
الموت، طلباً لما قدمنا من رغبته، وإظهاراً لما في قلبه من أن الباقي في يده
لا يعلمونه من ملكه، إنما هو من مال المسلمين، وكان في تصرفه نيابة عنهم
حتى يعمل فيه لهم، ولأن النبيين - صلوات الله عليهم أجمعين - لما كانوا
أحياء، فلا معنى لتوريث الأحياء عنهم إلى آخر ما بسطه فارجع إليه.
بقي ههنا مسألة أخرى، وهي أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كما
لا یورثون، هل یرثون من مورثیھم؟
واختلفت أقوال علمائنا الحنفية في ذلك(١)، قال ابن عابدين في ((رسائله))
في أسباب المنع عن الإرث: إن النبوة مانعة عن الإرث، وهل هي مانعة عن
الوارثية والموروثية جميعاً، أو عن الموروثية فقط؟ ذهب الشافعية إلى الثاني،
لحديث ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث)) واضطرب كلام أئمتنا .
ففي ((الأشباه)) عن ((التتمة)): كل إنسان يرث ويورث إلا الأنبياء - عليهم
السلام - لا يرثون ولا يورثون، وما قيل: إنه وَل ورث خديجة لم يصح، وإنما
وهبت مالها له في صحتها، ونقله عنه في ((معين المفتي))، و((الدر المنتقى))،
وكلام ابن الكمال و(سكب الأنهر)) يشعر بأنهم يرثون فليحرر، اهـ. وكذا في
((رد المحتار)(٢) مختصراً.
(١) انظر: ((هامش الكوكب الدري)) (١٠٣/٣).
(٢) (٥٤٣/١٠).
٥٤٣
٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
وما حكي عن الشافعية هو كذلك، قال شارح ((الإقناع)) (١): عَدَّ بعضُهم
من الموانع النَّبُوَّةَ، لخبر الصحيحين («نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه
صدقة)) ثم قال: وعلم مما تقررنا أن الناس في الإرث أربعة أقسام: منهم، من
يرث ويُورث، وعكسه فيهما، ومنهم، من يُؤْرث ولا يرث، وعكسه، ومثل
الرابع بالأنبياء - عليهم السلام - قال: فإنهم يرثون ولا يورثون، قال البجيرمي:
قوله: ((نحن معاشر الأنبياء)) هذا الحديث بلفظ ((نحن)) قال الحفاظ: غير
موجود، وإنما الموجود في ((سنن النسائي الكبرى)): ((إنا معاشر الأنبياء)) وقوله:
((ما تركناه صدقة)) فيصير من جنس الأوقاف المطلقة ينتفع به من يحتاج إليه،
ويقر تحت يد مؤتمن عليه، ولهذا كان عند سهل قدح وعند أنس آخر، وعند
عبد الله بن سلام آخر، وكان الناس يشربون منها تبركاً .
ثم أجاب عن قصة زكريا وسليمان بما تقدم من أنّ المراد به إرث العلم،
قال: ودخل أبو هريرة السوق، فقال: أراكم ههنا وميراث محمد بَّ يقسم في
المسجد؟ فذهب الناس إلى المسجد، وتركوا السوق، فلم يروا ميراثاً، فقالوا:
يا أبا هريرة ما رأينا ميراثاً يُقْسَم؟ قال: فماذا رأيتم؟ قالوا: رأينا قوماً
يذكرون الله عزّ وجلّ، ويقرؤون القرآن، قال: فذاك ميراث محمد ◌َّةٍ، ثم ذكر
الروايات الأخر في هذا المعنى.
وما حكى ابن عابدين عن الشافعية، هو المرجح عند المالكية، قال
الدردير (٢) في خصائصه بَ له: أن لا يورث، وكذا غيره من الأنبياء، لقوله وَليه :
((إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)) قال الدسوقي: ومقتضى اقتصار
المصنف على كونه لا يورث أنه يرث، وهو الراجح، كما في ((ح))، وقد ثبت
أنه وَلّ ورث من أبيه أم أيمن بركة الحبشية وبعض غنم وغير ذلك، وقيل: إن
(١) (٣١٩/٣).
(٢) (الشرح الكبير)) (٢١٤/٢).
٥٤٤
٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
الأنبياء كما أنهم لا يورثون لا يرثون، لئلا يستشعر مورثه أنه يحب موته،
فیکرهه فيهلك، اهـ.
وفي ((الإصابة))(١): أخرج البخاري في ((تاريخه)) ومسلم وابن السكن من
طريق الزهري، قال: كان من شأن أم أيمن أنها كانت وصيفة لعبد الله والد
النبي ◌َ ﴿، فلما ولدت آمنة رسول الله وَ﴾ بعد ما توفي أبوه كانت أم أيمن
تحضنه، الحديث، وقال ابن سعد: قالوا: كان ورثها عن أمه، فأعتق
رسول الله وسلم أم أيمن حين تزوَّج خديجة، اهـ.
قلت: واختار شيخ مشايخنا القطب الگنگوهي أنھم یرثون ولا یورثون،
وقرّر ذلك في عدة مواضع من تقاريره التي كتبها والدي المرحوم - برد الله
مضجعه - منها ما في ((الكوكب الدري))(٢) على حديث عائشة(٣) - رضي الله
عنها - أن مولّى له وَل﴾ مات، فقال: ارفعوه إلى بعض أهل القرية، قال الشيخ:
اختلف العلماء في توريث الأنبياء من غيرهم، فقال بعضهم: لا يرثون، ورووا
((نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث))، والصحيح أن هذه اللفظة غير ثابتة،
والنبي ◌ّ أعطى هذا المال لأهل القرية من جانبه، أو لكون هذا البعض ممن
له استحقاق في بيت المال، اهـ.
وقال أيضاً في تفسير سورة الشعراء تحت قوله وَير: ((سلوني من مالي)):
والإيراد بأنه وَّ لم يكن له مالٌ سيما بمكة توهمٌ، أفلم يكن له وَلّ ما فيه أكله
وشربه، والتركة التي أصابه من أبيه، وما اشتهر من ((إنا لا نرث ولا نورث))
فالكلمة الأولى منها لم تثبت، اهـ.
(١) (٢١٣/٨).
(٢) (١٠٣/٣).
(٣) ((سنن الترمذي)) (٢١٠٥) من كتاب الفرائض.
٥٤٥
٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٩) حديث
٢٨/١٨٠٩ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((لَا يَقْتَسِمُ
وبذلك جزم في تقريره على ((أبي داود)) كما حكاه سيدي وشيخي أبو
إبراهيم حبيب الله خليل أحمد في ((البذل)) (١) إذ قال على حديث عائشة المذكور
قريباً عن الترمذي: كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: وإنما
كان ذلك مِنةً منه وَّ لكونه وَلَّه وارثه للعتاقة، وما روي من قوله: ((لا نرث
ولا نورث)) فزيادة: لا نرث، فيه غلط من الرواة، والصحيح الاكتفاء بقوله:
((لا نورث)) وذلك لأنه ◌َ﴾ل ورث من أبيه، اهـ. قال الشيخ: قال في ((السيرة
الحلبية)): وترك عبد الله خمسة رجال وقطعة من غنم، فورث ذلك رسول الله وله
من أبیه، اهـ.
قال الشيخ: ودعوى بعضهم أنه رَّ لم يرث بناته التي مِتْنَ في حياته،
فعلى تقدير صحته جاز أن يكون و 8# ترك أخذ ميراثه تعففاً، قال: وقال
القاري: إنما أمر أن يعطي رجلاً من أهل القرية تصدقاً أو ترفعاً، أو لأنه كان
لبيت المال، فإن الأنبياء كما لا يورث عنهم لا يرثون، إلى آخر ما نقل من
کلا مه .
٢٨/١٨٠٩ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري برواية إسماعيل عن
مالك بهذا السند (أن رسول الله وسلم قال: لا يقتسم)(٢) كذا في النسخ الهندية
بالتحتية في أوله والفوقية بعد القاف من الافتعال، قال صاحب ((المحلى)):
بتحتية وفوقية مفتوحتين بينهما قاف ساكنة، وفي نسخة بإسقاط الفوقية، ثم هو
مرفوع على أنه خبر، وروي بالسكون، اهـ. يعني على صيغة النهي، وفي النسخ
المصرية ((لا تقسم)) بالفوقية في أوله وحذف الفوقية بعد القاف، قال الزرقاني:
(١) ((بذل المجهود)) (١٧٩/١٣).
(٢) الحديث في ((التمهيد)) (١٧١/١٨).
٥٤٦
٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٩) حدیث
وَرَثَّتِي دَنَانِيرَ،
بفوقية أوله وتحتية روايتان، وفي رواية بتاء بعد القاف، وأخرى بحذفها، اهـ
وفي ((البخاري)): ((لا يقتسم)) قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر عن غير
الكشميهني، وللباقين ((لا يقسم)) بحذف التاء الثانية، قال ابن التين: الرواية في
((الموطأ))، وكذا قرأته في ((البخاري)) برفع الميم على أنه خبر، والمعنى ليس
يقسم، ورواه بعضهم بالجزم كأنه نهاهم أن خلف شيئاً لا يقسم بعده، فلا
تعارض بينه وبين ما في كتاب الوصايا من البخاري عن حديث عمرو بن
الحارث الخزاعي ((ما ترك رسول الله وَ ل﴿ ديناراً ولا درهماً)) الحديث.
ويحتمل أن يكون الخبر بمعنى النهي، فيتحد معنى الروايتين(٢) ويستفاد
من رواية الرفع أنه أخبر أنه لا يخلف شيئاً ممن جرت العادة بقسمته، كالذهب
والفضة، وأن الذي يخلفه من غيرها لا يقسم أيضاً بطريق الإرث، بل تقسم
منافعه لمن ذکر، اهـ.
(ورثتي) أي بالقوة لو كنت ممن يورث، أو المراد لا يقسم مال تركه
لجهة الإرث فأتى بلفظ: ((ورثتي)) ليكون الحكم معللاً بما به الاشتقاق، وهو
الإرث، فالمنفي اقتسامهم بالإرث عنه، قاله السبكي الكبير، كذا في ((الفتح))
(دنانير) كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية بدلها ديناراً، وجزم الزرقاني بأن
رواية يحيى الأول إذ قال: قوله: ((دنانير)) كذا ليحيى بالجمع، ولسائر الرواة
ديناراً بالإفراد، قال ابن عبد البر(٣): هو الصواب، اهـ.
قال المناوي في ((شرح الشمائل)) (٤): قوله: ((ديناراً)) بلفظ الإفراد هو
(١) ((فتح الباري)) (١٢/ ٧).
(٢) أي روايتي النفي والنهي في هذا الحديث، اهـ. (ش)).
(٣) (تنوير الحوالك)) (ص٧١٦).
(٤) (٢٢٨/٢).
٥٤٧
٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٩) حدیث
مَا تَرَكْتُ، بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي
المحفوظ، وفي رواية يحيى الأندلسي عن مالك ((دنانير)) بلفظ الجمع، قال أبو
زرعة: والصواب الأول، لأن الواحد في هذا الموضع أعم، اهـ. قال الباجي:
نص على الدينار لقلته، ونَبَّه ◌َ له بما زاد على الدينار، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم
مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّةٍ إِلَيْكَ﴾، اهـ
وفي ((البخاري)) بروايتي إسماعيل وعبد الله بن يوسف عن مالك ديناراً
بالإفراد، قال الحافظ: كذا وقع في رواية مالك عن أبي الزناد في
((الصحيحين))، فقيل: هو تنبيه بالأدنى على الأعلى، وأخرجه مسلم من رواية
سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بلفظ: ((ديناراً ولا درهماً)) وهي زيادة حسنة،
وتابعه عليها الثوري عن أبي الزناد عند الترمذي في ((الشمائل))، اهـ.
(ما تركت) بالضم وما موصولة (بعد نفقة نسائي) قال الحافظ: يدخل في
لفظ النفقة كسوتهن وسائر اللوازم، ومن ثم استمرت المساكن التي كن قبل
وفاته بَّر، كل واحدة باسم التي كانت فيه.
وقال(١) في موضع آخر: قال الطبري: قيل: كان النبيِ نَّ مَلَّكَ كلاً من
أزواجه البيت الذي هي فيه، فسكنَّ بعده فيهن بهذا التمليك، وقيل: إنما لم
ينازعهن في مساكنهن، لأن ذلك من جملة مؤنتهن التي كان النبي ◌َّ استثناها
لهن مما كان بيده أيام حياته، قال: وهذا أرجح، ويؤيده أن ورثتهن لم يرثن
عنهن منازلهن، ولو كانت البيوت ملكاً لهن لانتقلت إلى ورثتهن، ولذا زيدت
بيوتهن في المسجد النبوي بعد موتهن، لعموم نفعه للمسلمين، كما فعل فيما
كان يصرف لهن من النفقات، اهـ.
وفي (شرح الشمائل))(٢): قال الكرماني: ليس معنى نفقة نسائي إرثهن
(١) ((فتح الباري)) (٢١١/٦).
(٢) (٢٢٨/٢).
٥٤٨
٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٩) حدیث
وَمُؤْنَةِ عَامِلِي،
منه، بل لكونهن محبوسات عن الأزواج بسببه، فهن في حكم المعتدات ما دام
حياتهن، أو لعظم حقوقهن، وقدم هجرتهن، وكونهن أمهات المؤمنين، ولذلك
اختصصن بمساكنهن، ولم يرثها ورثتهن، وقيل: لا عدة على أزواجه وَ لته
لأنه وَسير حي في قبره، وكذا سائر الأنبياء، وفي ((شرح السنة)): قال سفيان بن
عيينة: كان أزواج النبي و ◌َل﴿ في معنى المعتدات، إذ كن لا يجوز أن ينكحن
أبداً، فجرت لهن النفقة، اهـ.
(ومؤنة عاملي) قال القاري في ((شرح الشمائل)): المؤنة الثقل فعولة من
مانت، أي احتملت مؤنتهم، وفي ((الصحاح)): المؤنة تهمز ولا تهمز، قال
الفراء: مفعلة من الأين، وهو التعب والشدة، وقيل: مفعلة من الأون، وهي
الجرح والعدل؛ لأنها تثقل على الإنسان، كذا في ((شرح المشارق))، اهـ.
قال الحافظ(١): واختلف في المراد ((بعاملي)) فقيل: الخليفة بعده، وهذا
هو المعتمد، وهو الذي يوافق حديث عمر، يعني في منازعة علي وعباس،
وقيل: يراد بذلك العامل على النخل، وبه جزم الطبري وابن بطال، وأبعد من
قال: المراد بعامله حافر قبره و 18، وقال ابن دحية في ((الخصائص)): المراد
بعامله خادمه، وقيل: العامل على الصدقة، وقيل: العامل فيها كالأجير.
وقال في موضع آخر: يتحصل من المجموع خمسة أقوال، الخليفة،
والصانع، والناظر، والخادم، وحافر قبره، وترجم عليه(٢) البخاري في آخر
الوصايا ((باب نفقة قيم الوقف)) وفيه إشارة إلى ترجيح حمل العامل على
الناظر، ومما يسأل عنه تخصيص النساء بالنفقة والمؤنة بالعامل، وهل بينهما
مغايرة؟ وقد أجاب عنه السبكي الكبير بأن المؤنة في اللغة، القيام بالكفاية،
(١) ((فتح الباري)) (٨/١٢).
(٢) الوصايا (٢٧٧٦).
٥٤٩
٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٩) حديث
فَهُوَ صَدَقَةٌ)).
أخرجه البخاريّ في: ٨٥ - كتاب الفرائض، ٣ - باب قول النبي وَلَو: ((لا
نورث، ما تركنا صدقة))، ومسلم في: ٣٢، كتاب الجهاد والسير، ١٦ - باب قول
النبي ◌َ﴾: ((لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)) حديث ٥٥.
والإنفاق بذل القوت، وهذا يقتضي أن النفقة دون المؤنة، والسر في التخصيص
المذكور الإشارة إلى أن أزواجه ◌َ لتر لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، كان
لابد لهن من القوت، فاقتصر على ما يدل عليه، والعامل لما كان في صورة
الأجير، فيحتاج إلى ما يكفيه اقتصر على ما يدل عليه، ولا يعترض عليه بأن
عمر - رضي الله عنه - كان فضَّل عائشة في العطاء، لأنه علل ذلك بمزيد
حبه ◌َ﴾ إياها، قال الحافظ: وهذا ليس مما بدأ به، لأن قسمة عمر - رضي الله
عنه - كانت من الفتوح، وأما ما يتعلق بحديث الباب، ففيما يتعلق بما خلفه
النبي وَله وأنه يبدأ منه بما ذكر، اهـ.
(فهو) أي المتروك بعد ما ذكر (صدقة) وهذا اللفظ أيضاً يردُّ تأويل الشيعة
في قوله {وَحجر: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) أنها بالنصب.
٥٥٠
٥٨ - كتاب جهنم
(١) باب
(١٨١٠) حديث
بسم الله الرحمن الرحيم
٥٨ - كتاب جهنم
(١) باب ما جاء في صفة جهنم
١/١٨١٠ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَهِ قَالَ: ((نَارُ بَنِي آدَمَ، الَّتِي يُوقِدُونَ،
(١) ما جاء في صفة جهنم
قال الراغب(١): جهنم اسم لنار الله الموقدة، قيل: أصلها فارسي
معرب، وهو جهنام، اهـ. وقال المجد: رَكيَّةٌ جهنام مثلثة، وجهنم كَعَمَلَّس:
بعيدة القعر، وبه سميت جهنم - أعاذنا الله منها -، اهـ. وترجم البخاري في
((صحيحه)) ((بابي صفة الجنة والنار)) وقيدهما بأنها مخلوقة، قال الحافظ (٢):
أشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة،
وذكر البخاري أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به، وأصرح مما ذكره ما
أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قويّ عن أبي هريرة عن النبي وَّر قال: ((لما
خلق الله الجنة قال لجبرئيل: اذهب فانظر إليها)) الحديث. قال الزرقاني(٣):
وأخرجه أيضاً الترمذي والنسائي، وصححه الحاكم، اهـ.
١/١٨١٠ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - وأخرجه البخاري
برواية إسماعيل بن أبي أويس عن مالك بهذا السند (أن رسول الله وَ لير قال: نار
بني آدم) ولفظ البخاري ((ناركم جزء من سبعين جزءاً)) (التي يوقدون) إياها في
(١) ((مفردات القرآن)) (ص٢٠٩).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٣٠/٦).
(٣) (شرح الزرقاني)) (٤١٦/٤).
٥٥١
٥٨ - كتاب جهنم
(١) باب
(١٨١٠) حديث
جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْأَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كَانَتْ
لَكَافِيَةً. قَالَ: ((إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةِ وَسِتِّيْنَ جُزْءًا)).
أخرجه البخاريّ فى: ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٠ - باب صفة النار وأنها
مخلوقة. ومسلم في: ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٢ - باب في شدّة
حر جهنم، حديث ٣٠.
الدنيا، ولفظ مسلم ((ناركم هذه التي يوقد ابن آدم)) قال الباجي(١): خصصها
بذلك لأن نار جهنم لا يوقدها بنو آدم، ولا يستطيعون حرارتها (جزء) زاد في
رواية مسلم ((جزء واحد)) (من سبعين جزءاً من نار جهنم) قال الباجي: يريد
حرها جزء من سبعين جزءاً من حر نار جهنم، اهـ.
قال الحافظ(٢): وفي رواية لأحمد ((من مائة جزء)) والجمع بأن المراد
المبالغة في الكثرة، لا العدد الخاص أو الحكم للزائد، زاد الترمذي من حديث
أبي سعيد ((لكل جزء منها حرها))، اهـ. وفي ((المحلى)): زاد ابن ماجه والحاكم
وصححه: ((لولا أنها طفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها، وأنها لتدعو الله تعالى
لا يعيدها إليها»، انتهى، وسيأتي لفظها عن الزرقاني.
(فقالوا) أي الصحابة الحاضرون (يا رسول الله إن) مخففة من المثقلة،
يعني إنها (كانت) أي نار بني آدم (الكافية) لتحريق بني آدم، وأنهم لا
يستطيعونها أيضاً، وهذا أوجه عندي في معناها، وقال الزرقاني تبعاً للحافظ
وغيره: كافية أي مجزئة في إحراق الكفار، وتعذيب الفجار، فهلا اكتفى
بها ، اهـ.
(قال) وَلّ: (إنها) أي نار جهنم (فضلت عليها) أي على نار الدنيا، وليس
في النسخ الهندية لفظ ((عليها)) (بتسعة وستين جزءاً) هكذا في جميع النسخ
(١) ((المنتقى)) (٣١٨/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٣٤/٦).
٥٥٢
٥٨ - كتاب جهنم
(١) باب
(١٨١١) حديث
٢/١٨١١ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛
المصرية، وهو الصواب، فما في النسخ الهندية بدله من قوله: تسعة وستون
تحريف من الناسخ، إذ لا يصح ربطه بقوله الأول: ((جزء من سبعين جزءاً))،
ولفظ البخاري: ((فضلت عليهن بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرّها)).
قال الحافظ(١): قوله: ((عليهن)) أي على نيران الدنيا، ولفظ مسلم:
((عليها)) أي على نار الدنيا، قال الطيبي ما محصله: إنما أعاد بَ ل حكاية
تفضيل نار جهنم على نار الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الإجزاء، أي لا بد
من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه،
اهـ. وهذا يناسب ما تقدم من قولهم في معنى كافية.
والأوجه عندي: أنه يَّر أعادها لزيادة التخويف عنها .
قال الزرقاني(٢): قال الغزالي: نار الدنيا لا تناسب نار جهنم، لكن لما
كان أشد عذاب في الدنيا عذاب هذه النار عرف عذاب جهنم بها، وهيهات لو
وجد أهل الجحيم مثل هذه النار لخاضوها هرباً مما هم فيه، قال الحافظ: زاد
ابن حبان وأحمد من وجه آخر عن أبي هريرة: ((وضربت بالبحر مرتين، ولولا
ذلك ما انتفع به أحد))، ونحوه لابن ماجه والحاكم عن أنس، وزاد ((فإنها
لتدعو الله أن لا يعيدها فيها))، وفي ((الجامع)) لابن عيينة عن ابن عباس: هذه
النار ضربت بماء البحر سبع مرات، ولولا ذلك ما انتفع بها أحد، اهـ.
٢/١٨١١ - (مالك عن عمه أبي سهيل) بضم السين المهملة مصغراً،
اسمه نافع، وترك من النسخ الهندية لفظ: أبي من سهو الناسخ، فإن عَمَّ الإمام
هو أبو سهيل لا سهيل (ابن مالك عن أبيه) مالك بن أبي عامر (عن أبي هريرة)
(١) ((فتح الباري)) (٦/ ٣٣٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤١٦/٤).
٥٥٣
٥٨ - كتاب جهنم
(١) باب
(١٨١١) حديث
أَنَّهُ قَالَ: أَتْرَوْنَهَا حَمْرَاءَ كَنَارِكُمْ هذِهِ؟ لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ. وَالْقَارُ
الزِّفْتُ.
هكذا في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، وليس في النسخ الهندية
لفظ عن أبيه (أنه قال) موقوف لفظاً مرفوع حكماً، قال الباجي(١): مثل هذا لا
يعلمه أبو هريرة إلا بتوقيف، اهـ.
قلت: روي عنه مرفوعاً (شدةَ سوادها)) كما سيأتي قريباً.
(أَتْرَوْنَها) بضم الفوقية، أي أتظنون نار جهنم (حمراء كناركم هذه) التي
ترونها في الدنيا (لهي) أي نار جهنم (أسود) أي أشدّ سواداً (من القار) بالقاف
وتخفيف الراء، يأتي معناه في كلام مالك، قال الباجي: أخبر رسول الله وَ ل
بشدة أمرها في الحر، وأخبر أبو هريرة عن شدة أمرها في اللون. (قال مالك:
القار) المذكور معناه (الزفت) بكسر الزاي المعجمة، معروف يُطْلى بها السفن،
وفي ((المشكاة))(٢) عن أبي هريرة عن النبي وسلم قال: ((أوقد على النار ألف
سنة، حتى احمرَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة، حتى ابيضّت، ثم أوقد عليها
ألف سنة، حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة)) رواه الترمذي، قال القاري(٣):
وابن ماجه، وزاد في ((الجامع)): كما في الليل المظلم.
(١) ((المنتقى)) (٣١٩/٧)، وانظر ((الاستذكار)) (٣٩٠/٢٧)، و((التمهيد)) (١٦٢/١٨ و١٦٣).
(٢) (٥٦٧٣) من كتاب أقوال القيامة.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٠/١٠).
٥٥٤
٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٢) حديث
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب الترغيب في الصدقة
١/١٨١٢ - حدّثني مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي
الْحُبَابِ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ:
(١) الترغيب في الصدقة
قال الراغب(١): الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة
كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوع به، والزكاة للواجب، وقد
يسمى الواجب صدقةً إذا تحرى صاحبها الصِّدْقَ في فعله، اهـ.
قلت: ولما كان الأصل فيها التطوع، فناسب ذكرها في كتاب الجامع،
ولعله لذلك لم يذكرها في ((كتاب الزكاة)).
١/١٨١٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن أبي الحباب) بضم
الحاء المهملة وبموحدتين خفيفتين (سعيد بن يسار) بالتحتية وخفة السين (أن
رسول الله ◌َ﴿ قال) قال ابن عبد البر (٢): كذا أرسله يحيى وأكثر الرواة، وأسنده
معن بن عيسى وابن بكير عن مالك عن يحيى عن أبي الحباب عن أبي هريرة،
كذا في ((التنوير)).
وفي ((التجريد))(٣): هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك في ((الموطأ)»
مرسلاً، وتابعه ابن القاسم وابن وهب ومطرف وأبو مصعب وجماعة، ورواه
معن وابن بكير عن مالك عن يحيى بن أبي الحباب مسنداً، اهـ. وفي
(١) ((مفردات القرآن)) (ص ٤٨٠).
(٢) «التمهيد)» (١٧٢/٢٣).
(٣) (ص٢١٦).
٥٥٥
٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٢) حديث
((مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبِ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا طَيِّباً،
.
((المحلى)): وصله الشيخان من طريق الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن سعيد بن
يسار أنه سمع أبا هريرة، اهـ.
قلت: أخرجه مسلم برواية الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن ابن يسار
عن أبي هريرة، وأخرجه البخاري برواية ابن دينار عن أبي صالح عن أبي
هريرة، ثم قال: تابعه سليمان عن ابن دينار، وقال: ورقاء عن ابن دينار عن
سعيد بن يسار عن أبي هريرة، وأشار الداودي إلى أنها وهم لتوارد الرواة عن
أبي صالح دون ابن يسار.
وتعقب عليه الحافظ في ((الفتح))(١)، ولفظ البخاري في الرواية المذكورة
عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((من تصدّق بعدل تمرة
من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها
لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل)).
(من تصدق بصدقة من كسب) قال الحافظ: معنى الكسب المكسوب،
والمراد به ما هو أعم من تعاطي التكسب، أو حصول المكسوب بغير تعاط
كالميراث، وكأنه ذكر الكسب لكونه الغالب في تحصيل المال (طيب) المراد
بالطيب الحلال، لأنه صفة الكسب، قال القرطبي: أصل الطيب المستلذ
بالطبع، ثم أطلق على المطلوب بالشرع، وهو الحلال، كذا في ((الفتح))، (ولا
يقبل الله إلا طيباً) جملة معترضة بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله، وفي رواية
سليمان بن بلال عن ابن دينار عند البخاري ((ولا يصعد إلى الله إلا الطيب)).
قال الباجي(٢): الطيب يريد به الحلال، ولا يقبل الله إلا الحلال، لأنه
من تصدق بحرام، فإنه غير مأجور عليها، بل هو مأثوم فيه حيث لم يرده إلى
(١) ((فتح الباري)) (٢٨١/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٩/٧).
٥٥٦
٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٢) حديث
مستحقه، اهـ. قال القرطبي: لا يقبل الله الصدقة بالحرام، لأنه غير مملوك
للمصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والمتصدق به متصرف فيه، فلو قبل منه
لزم أن يكون الشيء مأموراً منهياً من وجه واحد، وهو محال، كذا في
((الفتح)).
قلت: ويشكل عليهم أن الفقهاء قاطبة صرحوا بأن من اكتسب مالاً حراماً
بغير حق، ولا يمكن له الردُّ إلى مالكه للنسيان أو لعدم الوجدان أو لغير ذلك
من الوجوه يجب عليه التصدّق بذلك المال، فإذا تصدَّق به امتثل الواجب،
وهذا هو القبول.
وأجابوا عن ذلك بأن المنفيَّ في القبول الأجرُ والثوابُ، حتى قال بعض
العلماء: من تصدّق بمال حرام يرجو الثواب كُفِّرَ، والتصدق في الصورة
المذكورة دفع للحرج، إذ لا سبيل له إلى ذلك، كما حققه الشيخ في
((البذل)) (١) .
وفي ((الزرقاني)) (٢): قال الأبيّ(٣): القبول حصول الثواب على الفعل،
فالمعنى لا يثيب الله من تصدّق بحرام، وإنما يصح الحج بالمال الحرام، لأن
القبول أخص من الصحة، لأنها عبارة عن كون الفعل مسقطاً للفرض، ولا يلزم
من نفي الأخص نفي الأعم، فالحج بالحرام صحيح، إذ يسقط به الفرض،
وهو غير مقبول أي لا ثواب فيه.
ولا يتعقب هذا بأنه لا واجب إلا وفيه ثواب، لأن رد الشيء المغصوب
واجب، ولا ثواب فيه، ولا يشكل صحة الحج بالمال الحرام بقول مالك في
(١) انظر: ((بذل المجهود)» (١٤٧/١).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٤١٧/٤).
(٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (١٤٩/٣).
٥٥٧
٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٢) حديث
كَانَ إِنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمنِ.
النكاح بالمال الحرام: أخاف أن يضارع الزنا، لأن ذلك مبالغة في التنفير عنه
وإلا فالنكاح صحیح، اهـ.
(فإنه) أي المتصدق بالطيب (كان إنما يضعها) أي صدقته (في كف
الرحمن) كنى عن قبول الصدقة بوضعها في الكف، على ما هو المعتاد في
العرف، تقريباً للإفهام، فإن من ارتضى عن شيء يأخذ ما بيده سريعاً، وفي
التعبير بالرحمن إشارة إلى غاية رحمته ولطفه إذ ذاك.
وقال القاري(١): ولعل ذكر الرحمن للإشعار بأن هذا من فضل رحمته،
ولمسلم ((أخذها الرحمن بيده))، قال المازري: هذا الحديث وشبهه إنما عبّر به
على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه فكنى عن قبول الصدقة باليمين، وعن
تضعيف أجرها بالتربية، وقال الترمذي في ((جامعه))(٢): قال أهل العلم من أهل
السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهاً، ولا نقول:
كيف؟، هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم، وأنكرت
الجهمية هذه الروايات، كذا في ((الفتح)).
وبسط البخاري في الرد عليهم في آخر ((جامعه))، وتقدم عن البخاري:
((فإن الله يتقبلها بيمينه))، ومؤدى هذه الروايات كلها أن الله تبارك وتعالى يقبل
الصدقة عن المال الطيب، قال القاري: فيه إشارة إلى أن غير الحلال غير
مقبول، وأن الحلال المكتسب يقع بمحل عظيم.
وكان شيخنا العارف بالله الشيخ علي المتقي يحكي أن أحداً من
الصالحين كان يكتسب، ويتصدق بالثلث، وينفق الثلث، ويصرف الثلث في
المكتسب، فجاءه أحد من أرباب الدنيا، فقال: يا شيخ أريد أن أتصدّق،
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٠/٤).
(٢) (٥٠/٣).
٥٥٨
٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٢) حديث
يُرَبِِّهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ
فدُلّني على المستحق، فقال: حصِّل المال من الحلال، ثم أنفق، فإنه يقع في
يد المستحق، فألحّ عليه الغنيّ، قال: اخرج فإذا لقيت أحداً حَنَّ عليه قلبك
فأعطه، فخرج فرأى شيخاً كبيراً أعمى فقيراً، فأعطاه، فمر عليه يوماً آخر،
فسمع الأعمى يحكي إلى من بجنبه أنه مرّ على شخص بالأمس، فأعطاني كذا
وكذا، فانبسطت، وصرفت البارحة في الشرب مع فلانة المغنية، فجاء إلى
الشيخ، وحكى له بالواقعة، فأعطاه الشيخ درهماً من دراهم كسبه، وقال له:
إذا خرجت من البيت، فأول من يقع نظرك عليه، فأعطه، فخرج فرأى رجلاً
من ذوي الهيئات، يظهر منه آثار الغنى، فخاف منه أن يعطيه، لكن لما كان أمر
الشيخ دفع إليه، فلما أخذه رجع من طريقه، وتبعه الغنيّ إلى أن رآه دخل في
خرابة، وخرج من باب آخر، ورجع إلى البلد، فدخل وراءه في تلك الخرابة،
فلم ير فيها إلا حمامة ميتة، فتبعه وأقسم عليه أن يخبره بحاله، فذكر أن معه
أولاداً صغاراً، وكانوا في غاية من المجاعة، فحصل له اضطراب، فخرج
دائراً، فرأى الحمامة فأخذها لهم، فلما حصل له من الفتوح رد الحمامة إلى
مكانها، فعرف تحقيق معنى كلام الشيخ، اهـ.
(يربيها له) بفتح الراء وتشديد الموحدة، قال القاري (١): التربية إشارة
كناية عن الزيادة، أي يزيد ويعظمها حتى تثقل في الميزان، اهـ.
(كما يربي) من التربية (أحدكم فلوه) بفتح الفاء وضم اللام وشد الواو،
وهو المهر، لأنه يفلي أي يفطم، وقيل: هو كل فطيم من ذات حافر، والجمع
أفلاء، كعدو وأعداء، وقال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا
كسرتها سكنت اللام كجرو، كذا في ((الفتح))(٢).
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٠/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٧٩/٣).
٥٥٩
٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٢) حديث
أَوْ فَضِيلَهُ. حتَّى تَكُونَ
وفي ((المحلى)): الفلو المهر، وهو ولد الفرس، سُمِّيَ بذلك لأنه فُلِيَ أي
فُصِلَ عن أمه، وفيه لغتان فصيحتان، أفصحهما وأشهرهما فتح الفاء وضم اللام
وشدّ الواو، والثانية كسر الفاء وإسكان اللام وخفة الواو، قاله النووي، وقال
المجد: فلا الصبيُّ والمهر فلواً وفلاءً: عزله عن الرضاع أو فطمه، والفِلْوُ:
الجحش والمهر فُطِمَا، أو بلغا السنة، اهـ.
قال الحافظ: ضرب به المثل، لأن الفلو يزيد زيادةً بينةً، ولأن الصدقة
نتاج العمل، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية، إذا كان فطيماً، فإذا أحسن
العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذلك عمل ابن آدم لا سيما الصدقة، فإن
العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال،
حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما تقدم نسبة ما بين
التمر إلى الجبل، اهـ.
(أو فصيله) شك من الراوي، وهو ولد الناقة، إذا فُصِل من رضاع أمه،
فعيل بمعنى مفعول، كذا في ((المحلى))، وليس هذا اللفظ في رواية البخاري
المذكورة كما تقدم.
قال الحافظ: وقع في رواية القاسم عن أبي هريرة عند الترمذي(١):
((فلوه أو مهره))، ولعبد الرزاق من وجه آخر عن القاسم ((مهره أو فصيله))،
وفي رواية له عند البزار: ((مهره أو رضيعه أو فصيله))، ولابن خزيمة من
طريق سعيد بن يسار عن أبي هريرة: ((فلوه أو قال: فصيله))، وهذا يشعر بأن
أو للشك، اهـ.
(حتى تكون) في جميع النسخ المصرية، وكذا في رواية البخاري،
وبالتأنيث ضبطه صاحب ((المحلى))، وقال: أي الصدقة، وفي متون الهندية
(١) (٦٦١) في الزكاة: باب ما جاء في فضل الصدقة.
٥٦٠