النص المفهرس

صفحات 461-480

٥٧ - كتاب الكلام
(٢) باب
(١٧٨٦) حديث
يَكْتُبِ اللّهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَاهُ)).
روي بما يقاربه، مرفوعاً عن أبي هريرة.
أخرجه البخاريّ في: ٨١ - كتاب الرقاق، ٢٣ - باب حفظ اللسان. ومسلم
في: ٥٣ - كتاب الزهد والرقاق، ٦ - باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار، حديث
٤٩ و٥٠.
تعالى، قال ابن مزين: بلغني أن بعض أهل العلم كان يقول في تفسيره: هي
الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله، وقال عيسى بن دينار:
وهو فيما يرى الرفث والخنا وما أشبهه من الكلام، ولم يرد به من جحد ولا
كفر، اهـ.
(يكتب الله) عز وجل (بها سخطه) أي غضبه (إلى يوم يلقاه) كذا في
النسخ المصرية، وفي الهندية ((إلى يوم القيامة يلقاه)) مثل الأول أي يختم له
بالشقاوة، فيعذب في قبره ويُهان في حشره، ثم إن شاء عذبه، وإن شاء غفر
له، قال القاري: ونظيره قوله تعالى لإبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَغْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ
الدِّينِ (َ) ﴾، اهـ.
قال الزرقاني(١): قال ابن عيينة: هي الكلمة عند السلطان، فالأولى ليرده
بها عن ظلم، والثانية ليجره بها إلى ظلم، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً
في تفسيره بذلك، وإن كان لا يتعين قصره عليه، وروى الحاكم: كان رجل
يدخل على الأمراء فيضحكهم، فقال له علقمة: ويحك لم تدخل على هؤلاء،
فتضحكهم؟ سمعت بلال بن الحارث، فذكره، قال مالك: قال بلال بن
الحارث: لقد منعني هذا الحديث من كلام كثير، اهـ. وفي ((المرقاة)) عن
((الإحياء)): كان علقمة يقول: وكم من كلام منعنيه حديث بلال بن
الحارث، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٢/٤).
٤٦١

٥٧ - كتاب الكلام
(٢) باب
(١٧٨٧) حديث
٦/١٧٨٧ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي
صَالِحِ السَّمَّانِ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلِّمُ
بِالْكَلِمَّةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً
٦/١٧٨٧ - (مالك عن عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر - رضي الله
عنهما - (عن أبي صالح) ذكوان (السَمَّان) بشد الميم بائع السمن (أنه أخبره) أي
أخبر أبو صالح ابن دينار (أن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال) موقوفاً في
((الموطأ)) قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): هذا الحديث قد روي عن ابن
المبارك عن مالك بإسناده هذا مرفوعاً إلى النبي وَلِّ، وإنما في ((الموطأ))
موقوف عند جميع رواته، وقد رواه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه
عن ابن عمر مرفوعاً، ومعناه صحيح مرفوع من حديث مالك وغيره، ومثله لا
يكون رأياً، اهـ. كذا في ((التجريد))، وفي ((التنوير)) و((الزرقاني)): رواه
عبد الرحمن بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً، زاد
الزرقاني: أخرجه البخاري(٢) في الرقاق وأحمد والبزار، اهـ.
قلت: أخرجه البخاري برواية أبي النضر عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
دينار مثل ما حكاه الزرقاني.
(إن الرجل) وفي رواية البخاري ((إن العبد)) (ليتكلم بالكلمة) بالتنكير في
الهندية والتعريف في المصرية، أي الواحدة، زاد في رواية البخاري ((من
سخط الله)) (ما يلقي) قال الزرقاني: بضم الياء وكسر القاف في جميع
الروايات، اهـ. وكذا ضبطه القاري (لها) أي لتلك الكلمة باللام في النسخ
المصرية وبها بالموحدة في الهندية (بالا) أي شأناً وبأساً، وفي ((المحلى)): أي
لا يستمع الله ولا يميل قلبه نحوه، حال من الكلمة.
(١) (ص٢١٠) والحديث في ((التمهيد)) (٤٩/١٣).
(٢) أخرجه البخاري في الرقاق (٦٤٧٨)، باب حفظ اللسان وأحمد في ((مسنده)) (٣٣٤/٢).
٤٦٢

٥٧ - كتاب الكلام
(٢) باب
(١٧٨٧) حديث
يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ .
ولا يذهب عليك أنه سقط لفظ ((بالاً» من أكثر النسخ الهندية، والظاهر
أنه من الناسخ، فإنه موجود في ((المحلى)) وجميع النسخ المصرية، قال
الحافظ(١): قوله: يُلقي بالقاف في جميع الروايات، أي لا يتأملها بخاطره،
ولا يتفكر في عاقبتها، ولا يظن أنها تؤثر شيئاً، وهو من نحو قوله تعالى:
﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيْئًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ .
(يهوي) بفتح الياء وسكون الهاء وكسر الواو (بها) أي بسببها. (في نار
جهنم) والهوى بضم الهاء وفتحها: السقوط من أعلى إلى أسفل، ذكره أبو
زيد، وقيل: أهوى من قريب، وهوى من بعيد، وجملة يهوي جملة مستأنفة،
بيانٌ للموجب كأن قائلاً يقول: ماذا يستحق بعده؟ قيل: يهوي بها، كذا في
((المحلى)) و((المرقاة)).
قال الحافظ: يهوي بفتح أوله وسكون الهاء، قال عياض: المعنى ينزل
فيها ساقطاً، وقد جاء بلفظ: (ينزل بها في النار)) لأن دركات النار إلى أسفل،
فهو نزول سقوط، وقيل: أهوى من قريب، وهوى من بعيد، وأخرج الترمذي
هذا الحديث من طريق محمد بن إبراهيم التيمي بلفظ: ((لا يرى بها بأساً يهوي
بها في النار سبعين خريفاً))، اهـ.
قلت: أخرجه الترمذي(٢) عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن أبي
هريرة رفعه: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في
النار)) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، اهـ. وفي ((المشكاة))
بعد ذكر حديث البخاري هذا: وفي رواية لهما: ((يهوي بها في النار أبعدما بين
المشرق والمغرب))، قال القاري(٣): أي هوياً أبعد من البعد الذي بينهما.
(١) ((فتح الباري)) (٣١١/١١).
(٢) رقم الحديث (٢٣١٤) من كتاب الزهد.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٨/٩).
٤٦٣

٥٧ - كتاب الكلام
(٣) باب
وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ.
(٣) باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله
(وإن الرجل ليتكلم بالكلمة) زاد في رواية البخاري ((من رضوان الله)) (ما
يلقي لها) باللام في المصرية والموحدة في الهندية مثل الأول (بالاً) مثل ما
تقدم (يرفعه الله) تعالى (بها في الجنة) ولفظ البخاري: ((يرفع الله بها درجات)).
قال الحافظ(١): وفي رواية: ((يرفعه الله بها درجات)) قال ابن عبد البر:
الكلمة الأولى هي التي يقولها عند السلطان الجائر، زاد ابن بطال: بالبغي أو
بالسعي على المسلم، فتكون سبباً لهلاكه، وإن لم يرد القائل ذلك، لكنها ربما
أدت إلى ذلك، فيكتب على القائل إثمها، والكلمة الثانية هي التي يدفع بها عن
المسلم مظلمة، أو يفرج بها عنه كربة، أو ينصر بها مظلوماً، وقال غيره في
الأولى: هي الكلمة عند السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله، قال ابن التين:
هذا هو الغالب، وربما كانت عند غير السلطان ممن يتأتى منه ذلك.
ونقل عن ابن وهب: أن المراد بها التلفظ بالسوء والفحش ما لم يرد
بذلك الجحد لأمر الله في الدين، وقال عياض: يحتمل أن تكون تلك الكلمة
من الخنى والرفث، وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة، أو استخفاف بحق
النبوة أو الشريعة، وإن لم يعتقد ذلك، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام:
هي الكلمة التي لا يعرف القائل حسنها من قبحها، قال: فيحرم على الإنسان
أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه، وقال النووي: هذا الحديث حَثَّ على
حفظ اللسان، فينبغي لمن أراد أن ينطق أن يتدبر ما يقول قبل أن ينطق.
(٣) ما يكره - ببناء المجهول - من الكلام بغير ذكر الله
وفي ((المشكاة))(٢) برواية الترمذي وابن ماجه عن أم حبيبة مرفوعاً: ((كل
(١) ((فتح الباري)) (٣١١/١١).
(٢) رقم الحديث (٢٢٧٥) من كتاب الدعوات.
٤٦٤

٥٧ - كتاب الكلام
(٣) باب
(١٧٨٨) حديث
١٧٨٨/ ٧ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ؛ أَنَّهُ
كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله)).
قلت: وذكر الله يعم التلاوة والتعلم والتعليم وغيرها، ويدخل فيه الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً، لكنهما خصا بالذكر اهتماماً لشأنهما، وفي
((الحصن)) برواية الطبراني وابن السُنِّي عن معاذ: ((ليس يتحسر أهل الجنة إلا
على ساعة مرّت بهم، ولم يذكروا الله تعالى فيها)) والروايات في ذلك كثيرة،
وفي ((المشكاة)) (١) برواية الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ألا إن
الدنيا ملعون، وملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلمٌ)).
٧/١٧٨٨ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي مولى ابن عمر - رضي الله
عنه -، زاد في نسخة الزرقاني بعد ذلك: عن ابن عمر - رضي الله عنه -، وكذا
في بعض النسخ المصرية الآخر، وليست هذه الزيادة في النسخ الهندية ولا أكثر
المصرية، وهي وإن كانت صحيحة في نفسها، لكنها ليست بصحيحة في رواية
يحيى، فإن روايتها مرسلة، قال ابن عبد البر: هكذا رواه يحيى مرسلاً وما
أظنه أرسله غيره، وقد وصله القعنبي وابن وهب وابن القاسم وابن بكير
وغيرهم عن مالك عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -
وهو الصواب، اهـ، كذا في ((التنوير)) وهكذا في ((التجريد))(٢).
وزاد فيمن وصله عن مالك ابن نافع ومطرفاً والتنيسي، قال: رووه كلهم
عن مالك موصولاً، وسماع زيد بن أسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما -
صحیح، اهـ.
قلت: أخرجه البخاري في الطب برواية عبد الله بن يوسف عن مالك
موصولاً، وفي النكاح برواية سفيان عن زيد بن أسلم موصولاً (أنه) أي زيد
(١) رقم الحديث (٥١٧٦) من كتاب الرقاق.
(٢) (ص٥١).
٤٦٥

٥٧ - كتاب الكلام
(٣) باب
(١٧٨٨) حديث
قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ
(قال: قدم رجلان) قال الزرقاني: قال ابن عبد البر: هما الزبرقان بن بدر
وعمرو بن الأهتم(١) باتفاق العلماء، كذا في ((التمهيد))، ونقله السيوطي عنه
بلفظ يقال: إنهما الزبرقان وعمرو، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): لم أقف على تسميتهما صريحاً، وقد زعم
جماعة أنهما الزبرقان، بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة، وبالقاف،
واسمه الحصين، ولقب الزبرقان لحسنه، والزبرقان من أسماء القمر، وهو ابن
بدر بن امرئ القيس بن خلف، وعمرو بن الأهيم، واسم الأهيم سنان بن
سمي، يجتمع مع الزبرقان في كعب بن سعد، فهما تميميان قَدِمَا في وفد بني
تميم على النبي ◌َّ سنة تسع من الهجرة.
واعتمدوا في تعيينهما على ما أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) وغيره عن
مقسم عن ابن عباس، قال: جلس إلى رسول الله وَطر الزبرقان بن بدر وعمرو بن
الأهيم وقيس بن عاصم، ففخر الزبرقان، فقال: يا رسول الله! أنا سيد بني
تميم، والمطاع فيهم، والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ منهم بحقوقهم،
وهذا يعلم ذلك يعني عمرو بن الأهيم، فقال عمرو: إنه لشديد المعارضة،
مانع لجانبه، مطاعٌ في أذنيه(٣)، فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني
(١) كذا في ((الزرقاني)) وغيره بالفوقية بين الهاء والميم، وسيأتي في كلام الحافظ
بالتحتية بدل الفوقية، واختلف الشراح كلّهم في ذلك اللفظ ذكر كل واحد منهما
جمع من الشراح، اهـ. (ش)) قلت: في ((الاستذكار)) (٣١٨/٢٧) و((التمهيد)» (٥/
١٧١) بالفوقية بين الهاء والميم. وكذلك في نسخة ((فتح الباري)) (٢٣٧/١٠) التي
بین یديّ.
(٢) ((فتح الباري)) (١٠/ ٢٣٧).
(٣) كذا في (الفتح)) و((الزرقاني))، وفي ((المرقاة))، بدله مطاع في أذنه، اهـ. ((ش)). قلت:
وفي ((الاستذكار)) (٣١٨/٢٧) مطاع في ناديه، وفي ((تعليق الموطأ)) الأندلسي (٣٨٥/٢)
مطاع في عشيرته. وفي ((عمدة القاري)) (٩٨/١٤) مطاع في أدانيه كما سيأتي.
٤٦٦

٥٧ - كتاب الكلام
(٣) باب
(١٧٨٨) حديث
غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو: أنا أحسدك؟ والله
يا رسول الله! إنّه لئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيعٌ في
العشيرة، والله يا رسول الله صدقتُ في الأولى، وما كذبتُ في الآخرة، ولكني
رجل إذا رضيتُ قلتُ أحسن ما علمت، وإذا غضبتُ قلتُ أقبح ما وجدتُ،
فقال النبي ◌ُّ: ((إن من البيان سحراً)).
وأخرجه الطبراني من حديث أبي بكرة قال: كنا عند النبي وَّر، فقدم
عليه وفد بني تميم، عليهم قيس بن عاصم والزبرقان وعمرو بن الأهيم(١)،
فقال النبي ◌َّ لعمرو: ما تقول في الزبرقان؟ فذكر نحوه، وهذا لا يلزم منه أن
يكون الزبرقان وعمرو هما المراد بحديث ابن عمر - رضي الله عنه -، فإن
المتكلم هو عمرو بن الأهيم(١) وحده، وكان كلامه في مراجعته الزبرقان، فلا
يصح نسبة الخطبة إليهما إلا مجازا، اهـ.
وما ذكره الحافظ من رواية البيهقي، حكاه القاري(٢) عن التوربشتي بدون
النسبة إلى البيهقي، وزاد في كلام عمرو الثاني، فقال عمرو: أنا أحسدك؟
فوالله إنك لئيم الخال، حديث المال، ضيق العطن، حمق الولد، مضيع في
الغيرة، اهـ.
وفي ((العيني))(٣): فقال عمرو أي في الأولى: إنه لشديد المعارضة، مانع
لجانبه، مطاع في أدانيه، وذكر في الثانية، والله يا رسول الله إنه للئيم الحال
حديث المال أحمق الولد مضيع في العشيرة.
(١) قوله: الأهيم هكذا في النسخة القديمة لـ ((فتح الباري))، وفي الجديدة الأهتم.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٣١/٩).
(٣) ((عمدة القاري)) (٩٨/١٤).
٤٦٧

٥٧ - كتاب الكلام
(٣) باب
(١٧٨٨) حديث
مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا. فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِما. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله :
((إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً) أَوْ قَالَ ((إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ)).
أخرجه البخاريّ في: ٧٦ - كتاب الطب، ٥١ - باب من البيان سحراً.
(من) جهة (المشرق) قال العيني: أراد به مشرق المدينة، وهو طرف
نجد، اهـ. وقال الحافظ: من جهة المشرق، وكانت سكنى بني تميم من جهة
العراق، وهي في شرقي المدينة، اهـ.
(فخطبا) قال القاري: أي بكلمات محسنات جامعة للبلاغة والفصاحة
(فعجب الناس لبيانهما فقال رسول الله وَليقول: إن من البيان) للتبعيض، أي بعض
منه (لسحراً أو) للشك من الراوي، وفي بعض النسخ المصرية ((أو قال)) (إن
بعض البيان لسحر) وهكذا بالشك في البخاري من رواية عبد الله بن يوسف عن
مالك، ومعنى كليهما متحد، فالشك في اللفظ فقط لغاية الاحتياط من الرواة
في ضبط ألفاظ الروايات.
قال الحافظ(١): قال الخطابي: البيان اثنان، أحدهما ما تقع به الإبانة
عن المراد بأي وجه كان، والآخر ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين،
ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر، إذا خلب القلوب، وغلب على
النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته، وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح، وإذا
صرف إلى الباطل يذم، قال: فعلى هذا الذي يشبه بالسحر منه هو المذموم.
وتعقب بأنه لا مانع من تسمية الآخر سحراً، لأن السحر يطلق على
الاستمالة، وقد حمل بعضهم الحديث على المدح والحث على تحسين الكلام،
وتحبير الألفاظ، وهذا واضح إن صح أن الحديث ورد في قصة عمرو بن
الأهيم، وحمله بعضهم على الذم لمن تصنع في الكلام وتكلف لتحسينه وصرف
الشيء عن ظاهره، فشبه بالسحر الذي هو تخييل لغير حقيقة، وإلى هذا أشار
(١) ((فتح الباري)) (٢٣٦/١٠).
٤٦٨

٥٧ - كتاب الكلام
(٣) باب
(١٧٨٨) حديث
الإمام مالك - رضي الله عنه - حيث أدخل هذا الحديث في ((الموطأ)) في ((باب
ما يكره من الكلام بغير ذكر الله))، اهـ.
قلت: وعليه حمله أبو داود إذ ترجم على الحديث ((باب ما جاء في
التشدق في الكلام))(١) وأخرج فيه حديث الباب برواية القعنبي عن مالك، ثم
ذكر في ((باب الشعر)) (٢) حديث صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده
مرفوعاً: ((إن من البيان سِحْراً، وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حكماً،
وإن من القول عيالاً)) فقال صعصعة بن صوحان: صدق نبي الله وَلّ، أما قوله:
((إن من البيان سحراً))، فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج من
صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق.
قال الحافظ(٣): وتفسير صعصعة يؤيد ذلك، أي حمله على الذم، وحمله
على هذا صحيح، لكنه لا يمنع حمله على المعنى الآخر، إذا كان في تزيين
الحق، وبهذا جزم ابن العربي وغيره من فضلاء المالكية، قال ابن بطال:
أحسن ما يقال في هذا: إن هذا الحديث ليس ذماً للبيان كله، ولا مدحاً
لقوله: من البيان، فأتى بلفظة ((من)) التي للتبعيض، قال: وكيف يذم البيان،
وقد امتنّ الله به على عباده، حيث قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ جَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ،
قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد بالبيان في الآية المعنى الأول الذي نبه
عليه الخطابي، لا خصوص ما نحن فيه، اهـ.
قال الزرقاني(٤): قال الباجي وابن عبد البر: قال قوم: خرج هذا مخرج
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٣٠/٤).
(٢) (٣٣١/٤) ح (٥٠١٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٤٠/١٠).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٤ /٤٠٤).
٤٦٩

٥٧ - كتاب الكلام
(٣) باب
(١٧٨٩) حديث
٨/١٧٨٩ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ
كَانَ يَقُولُ: لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ فَتَفْسُوَ قُلُوبُكُمْ. فَإِنَّ
الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللهِ
الذم، لأنه أطلق عليه سحراً، وهو مذموم، وإلى هذا ذهب طائفة من أصحاب
مالك محتجين بأنه أدخله فيما يكره من الكلام، وقال قوم: خرج مخرج
عَلََّهُ
المدح، لأن الله تعالى امتنّ به على عباده ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ (
الْبَيَانَ ﴾﴾ وإنما جعله سحراً لتعلقه بالنفس وميلها إليه.
وقال ابن العربي وغيره: حمله على الأول صحيح، لكن لا يمنع حمله
على الثاني إذا كان في تزيين الحق، وروي أن رجلاً طلب إلى عمر بن
عبد العزيز حاجة كان يتعذّر عليه إسعافه بها، فاستمال قلبه بالكلام، فأنجزها
له، ثم قال: هذا هو السحر الحلال، قال ابن عبد البر: سار هذا الحديث سير
المثل في الناس إذا سمعوا كلاماً يعجبهم، قالوا: إن من البيان لسحراً، اهـ.
٨/١٧٨٩ - (مالك أنه بلغه) وسيأتي الجزء الأول منه مرفوعاً عن نبينا وعَاله.
(أن عيسى بن مريم) على نبينا وعليه الصلاة والسلام (كان يقول: لا تكثروا)
بضم أوله من الإكثار (الكلام بغير ذكر الله) عز اسمه (فتقسو) بنصب الواو
جواباً للنهي، ومعنى السببية ظاهرة، والقسوة: النّبْوَةُ(١) عن سماع الحق،
والميل إلى مخالطة الخلق، وقلة الخشية، وعدم الخشوع والبكاء، وكثرة
الغفلة، كذا في ((المحلى))، (قلوبكم) بالرفع على الفاعلية، أي فلا ينفعها عظة
ولا يؤثر فيها شيء من التلاوة والتذكير.
قال الباجي(٢): يريد أن كثرة الكلام بغير ذكر الله تكون لغواً، وإن كان
منه المباح، فقد يكون منه المحظور، فالغالب عليه ما تقسو به القلوب، اهـ.
(فإن القلب القاسي بعيد من الله) قال الباجي: بعيد من رحمة الله، اهـ.
(١) قوله: النّبْوَة: نبا الشيءُ عنه نبوة: تَجافى وتَبَاعَدَ.
(٢) ((المنتقى)) (٣١١/٧).
٤٧٠

٥٧ - كتاب الكلام
(٣) باب
(١٧٨٩) حدیث
وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ. وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ.
وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ. فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلَّى وَمُعَافَى.
فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ
قلت: أولاً يحصل له التقرب إليه عزّ اسمه المشار إليه في حديث
البخاري ((إذا تقرب العبد إلي شبراً، تقربت إليه ذراعاً)) الحديث، وهذا القدر
ورد مرفوعاً إلى النبي ◌َلّر، أخرجه الترمذي(١) بطريقين إلى عبد الله بن دينار
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله وَالر: ((لا تكثر الكلام
بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس
من الله القلب القاسي)) (ولكن لا تعلمون) ذلك، أي لا تعلمون شناعة الكلام
بغير ذكر عز اسمه وسوء عاقبة ذلك.
(ولا تنظروا في ذنوب الناس) وترونها (كأنكم أرباب) جمع رب، قال
الباجي: يريد أن العبد لا ينظر في عيوب غيره، لأنه لا يثيب على حسنها ولا
يعاقب على سيئها، وإنما ينظر فيها ربه الذي أمره ونهاه فيثيبه على حسنها
ويعاقبه على سيئها (وانظروا) أي ينبغي لكم أن تنظروا (في ذنوبكم كأنكم عبيد)
الذين يخافون اطلاع ساداتهم على ذنوبهم فيحذرون منها، وفي ((المحلى)):
قوله: كأنكم أرباب، أي متكبرين معجبين، وقوله: ((كأنكم عبيد)) أي متواضعين
متخاشعين، اهـ.
قال الباجي: فإن العبد ينظر في عيوب نفسه ليصلح منها ما فسد، ويتوب
منها عما فرط، اهـ. وفي ((المشكاة)) برواية البيهقي في ((الشعب)) عن أبي ذر
- رضي الله عنه - في وصاياه وََّ، وقال فيها: ((ليحجزك عن الناس ما تعلم من
نفسك)) (فإنما الناس) بعضهم (مبتلى) بالذنوب أو العاهات والمصائب، (و)
بعضهم (معافى) منها ببناء المجهول.
(فارحموا أهل البلاء) من الذنوب بنحو الدعاء برفعه عنهم، وعدم النظر
(١) ((سنن الترمذي)) (٦٠٧/٤) رقم الحديث (٢٤١١).
٤٧١

٥٧ - كتاب الكلام
(٣) باب
(١٧٨٩) حديث
وَاحْمَدُوا اللهَ عَلَى الْعَافِيَةِ.
مرسل. وقد وصله العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي
هريرة. أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٢٠ - باب تحريم
الغيبة، حديث ٧٠.
إلى ذنوبهم وهتكهم بها، وعظوهم بلين ورفق، كذا في ((الزرقاني))(١)، وهذا إذا
كانوا أهل البلاء من الذنوب، وإن كانوا أهل بلاء بآلام فبإعانتهم في دفعها
بالمداواة والتدابير وغيرها، وفي الحديث المشهور على الألسنة: ((ارحموا من
في الأرض يرحمكم من في السماء)) ذكره صاحب ((المشكاة))(٢) برواية أبي داود
والترمذي وغيرهما عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - (واحمدوا الله)
عز وجل (على العافية) أي على عافيتكم منها، فإن الحمد على ذلك يعافيه من
ذلك البلاء.
قال الباجي(٣): الناس مبتلى أي بالذنوب ومعافى منها أي من الذنوب،
وقوله: ((فارحموا أهل البلاء)) يريد من امتحن بالذنوب، واحمدوا الله على
العافية أي من الذنوب، فإنكم بفضل الله عصمتم منها، ويحتمل أن يريد به غير
ذلك من أنواع البلاء من الأمراض والحاجة وغيرها، والمعافاة منها بالصحة
والغنى عن الناس، اهـ.
وفي ((المشكاة)) (٤) برواية الترمذي عن عبيد الله بن محصن مرفوعاً: ((من
أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قُؤْت يومه، فكأنما حيزت
له الدنيا بحذافيرها))، وفي ((الحصن)): ((من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٤٠٤).
(٢) ((مشكاة المصابيح)) رقم الحديث (٤٩٦٩)، كتاب الأدب. و((مصنف ابن أبي شيبة))
(١١/ ٥٤٨ و١٣ - ١٩٣).
(٣) انظر: ((المنتقى)) (٣١١/٧).
(٤) («مشكاة المصابيح)) (٥١٩١) في كتاب الرقاق.
٤٧٢

٥٧ - كتاب الكلام
(٣) باب
(١٧٩٠) حديث
٩/١٧٩٠ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ
النَّبِيِّ وَ كَانَتْ تُرْسِلُ إِلَى بَعْضِ أَهْلِهَا بَعْدَ الْعَتْمَةِ فَتَقُولُ: أَلَا
تُرِيحُونَ الْكُتَّابَ؟
عافاني مما ابتلاك به وفضَّلني على كثير ممن خلق تفضيلاً لم يصبه ذلك البلاء))
وفي ((هامشه)) زاد في ((المشكاة)) ((كائناً ما كان)) رواه الترمذي عن أبي هريرة،
وحسّن إسناده، وعن عمر - رضي الله عنه - بمعناه وضعفه، وابن ماجه عن ابن
عمر - رضي الله عنه -، والطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عمرو بالواو، اهـ.
وفي ((التشرف)): ((إذا رأى أحدكم بأخيه بلاءً فليحمد الله ولا يُسمعه
ذلك))، ابن النجار عن جابر، قال الشيخ التهانوي: البلاء يعم الدنيوى،
كالمرض والبؤس، والديني من الذنوب، وعدم الإسماع، لئلا يُخْزِنه ذلك.
٩/١٧٩٠ - (مالك أنه بلغه أن عائشة) أم المؤمنين (زوج النبي وَلّ كانت
ترسل) بضم أوله من الإرسال، والمفعول محذوف أي ترسل قاصداً (إلى بعض
أهلها) قال صاحب ((المحلى)): هو ابن أخته عروة، بينته رواية عبد الرزاق
الآتية قريباً (بعد العتمة) بالعين المهملة والفوقية المفتوحتين أي العشاء (فتقول:
ألا تريحون) بضم أوله من الإراحة (الكُتَّابَ؟) بضم الكاف وتشديد الفوقية، أي
الملائكة التي تكتب صحائف الأعمال، وفي ((المحلى)): روى عبد الرزاق عن
عروة: كنت أتحدث بعد العشاء الآخرة، فنادتني عائشة ألا تريح كما(١) منك
أنه وَ لّ قال: ((لا ينام قبلها، ويكره الحديث بعدها))، اهـ.
قال الزرقاني(٢): قال أبو عبد الملك: أرادَتْ بذلك - والله أعلم -
أصحابَ الشمال، لأنها كارهة، لأعمال ابن آدم السيئة، فإذا تركها فقد أراحها
من كراهتها، وأما الملائكة الذين عن اليمين، فهم يَسُرُّون بعمل ابن آدم
الصالح، فلا تعود الإراحة عليهم، اهـ.
(١) كذا فى الأصل، والظاهر كاتبك، اهـ. (ش)).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٥/٤).
٤٧٣

٥٧ - كتاب الكلام
(٤) باب
(١٧٩١) حديث
(٤) باب ما جاء في الغيبة
١٠/١٧٩١ - حدّثني مَالِكٌ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيَّادٍ؛
أَنَّ الْمُطَلِبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبَ
(٤) ما جاء في الغيبة
قال القاري(١): الغيبة بكسر الغين أن تذكر أخاك بما يكره في الغيبة
بالفتح، بشرط أن يكون ذاك موجوداً وإلا فهو بهتان، اهـ. وسيأتي تفسير الغيبة
من قوله اَلل نصاً.
١٧٩١/ ١٠ - (مالك عن الوليد بن عبد الله بن صياد) المدني، قال ابن
عبد البر في ((التجريد))(٢): له حديث واحد، وقال الحافظ في ((التعجيل))(٣): لم
يترجم ابن عبد البر للوليد هذا الذي روى عنه مالك، وأما ابن الحذّاء، فقال
في ((رجال الموطأ)): هو أخو عمارة، قال: ولم يقع ذكره في ((تاريخ البخاري))
قال الحافظ: ولا في ((كتاب ابن أبي حاتم))، ولكن ذكره ابن حبان في الطبقة
الثالثة من ((الثقات))، ولم يزد فيه على ما في ((الموطأ))، ولم يذكر له شيخاً
سوى المطلب، ولا راوياً عنه غير مالك، وكأنه أصغر من عمارة، فإن عمارة
مذكور في التابعين، له سماع من جابر، اهـ.
قلت: وذكره السيوطي في (الإسعاف))(٤) ولم يزد على أنه قال: الوليد بن
عبد الله بن صياد عن المطلب، وعنه مالك بحديث مرسل في الغيبة، اهـ. قال
الزرقاني(٥): وكفى برواية مالك عنه توثيقاً.
(أن المطلب بن عبد الله بن حويطب) هكذا في ((نسخة الباجي))
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٣٥/٩).
(٢) (ص٢٠٣)، وانظر ((الاستذكار)) (٣٢٦/٢٧).
(٣) ((تعجيل المنفعة)) (١١٥٤).
(٤) (ص ٢٨٠).
(٥). (شرح الزرقاني)) (٥٢٠/٤).
٤٧٤

٥٧ - كتاب الكلام
(٤) باب
(١٧٩١) حديث
الْمَخْزُومِيَّ
و((التجريد)) و((التنوير)) وهو وإن كان غلطاً في نفسه، لكن رواية يحيى هكذا،
يعني بتصغير حوطب، وفي غيرها من النسخ المصرية بدلها حنطب، وضبطه
الزرقاني بفتح المهملتين بينهما نون ساكنة، وهو وإن كان صحيحاً في نفسه،
لكنه ليس رواية يحيى، فينبغي أن يكتب في الكتاب الأول.
قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): هكذا قال يحيى: ابنُ حويطب، وإنما
هو ابن حنطب، كذا قال جمهور الرواة عن مالك، اهـ.
وقال السيوطي في ((التنوير))(٢)، وتبعه الزرقاني: قال ابن عبد البر: هكذا
قال يحيى: ابن حويطب، وإنما هو ابن حنطب، كذا قال ابن القاسم وابن
وهب وابن بكير والقعنبي وغيرهم، وهو الصواب، اهـ.
ووقع في النسخ الهندية التحريف أكثر من هذا، واختلفت النسخ الهندية
في ذلك، وكلها تحريف من الناسخ، والصواب في رواية يحيى: ابن حويطب،
ولا يذهب عليك أن ما في بعض النسخ الهندية ابن خطب بالخاء المعجمة،
فالطاء المهملة تحريف من الناسخ لا أصل له.
(المخزومي) قال الحافظ في ((التهذيب))(٣): مطلب بن عبد الله بن
المطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي، وقيل: بإسقاط المطلب في نسبه،
وقيل: إنهما اثنان، ثم بسط الكلام على شيوخه، وتلاميذه وعلى أنه سمع منهم
أو أرسل، وقال في ((التقريب)) (٤): صدوق كثير التدليس والإرسال.
(١) (ص٢٥٣).
(٢) (تنوير الحوالك)) (ص٧١٠). و((شرح الزرقاني)) (٤٠٥/٤)، وانظر: ((الاستذكار)) (٢٧/
٣٢٦).
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (١٧٨/١٠).
(٤) ((تقريب التهذيب)) (٢٥٤/٢).
٤٧٥

٥٧ - كتاب الكلام
(٤) باب
(١٧٩١) حديث
أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: مَا الْغِيَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْمَرْءِ مَا يَكْرُهُ أَنْ يَسْمَعَ))
(أخبره) أي أخبر المطلب وليداً، قال الحافظ في ((التعجيل))(١): هذا
الحديث وصله العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة،
أخرجه مسلم، وصححه الترمذي، والمطلب كثير الإرسال، ولم يصح سماعه
عن أبي هريرة، فلعله أخذه عن عبد الرحمن بن يعقوب، اهـ.
قلت: أخرجه مسلم (٢) عن يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، قالوا: ثنا
إسماعيل عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله وَل﴾ قال: ((أتدرون
ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذكرك أخاك بما يكره))، قيل:
أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبتَه، وإن
لم یکن فيه فقد بَهَنَّه)).
(أن رجلاً سأل رسول الله وَلّ ما الغيبة؟) أي ما حقيقتها، قال الباجي(٣):
لعله لما سمع فيها من النهي من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَّعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ سأل
النبي وَل عنها ليجتنبها (فقال رسول الله وَله: أن) بنصب الألف (تذكر) باللفظ
أو الكتابة أو الإشارة (من المرء) في غيبته بالفتح (ما يكره) مفعول تذكر (أن
يسمع) مفعول يكره، أي الذي يكره سمعه، فالعائد إلى الموصول محذوف،
سواء كان في دينه أو دنياه أو خلقه أو أهله أو ماله أو غير ذلك.
ففي ((الدر)) (٤) برواية عبد بن حميد عن عكرمة: أن امرأة دخلت على
النبي وَ﴾، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: يا رسول الله ما أجملها وأحسنها
(١) ((تعجيل المنفعة)) (ص٤٣٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٩). في باب تحريم الغيبة من كتاب البر والصلة.
(٣) ((المنتقى)) (٣١١/٧).
(٤) ((الدر المنثور)) (٤٩٧/٧).
٤٧٦

٥٧ - كتاب الكلام
(٤) باب
(١٧٩١) حدیث
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((إِذَا قُلْتَ
بَاطِلاً
لولا أن بها قِصَراً؟ فقال لها النبي ◌َّهو: ((اغتبتيها يا عائشة))، الحديث، وبرواية
البيهقي في ((الشعب)) وابن مردويه وغيرهما عن عائشة قالت: كنت عند
رسول الله صل﴾، فمرت امرأة طويلة الذيل، فقلت: يا رسول الله إنها الطويلة
الذيل، فقال النبي وَّ: الفِظِيْ، فلفظتُ بضعةَ لحم.
وبرواية الضياء المقدسي في ((المختارة)) عن أنس قال: كانت العرب
يخدم بعضهم بعضاً في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -
رجلٌ يخدمهما، فناما، فاستيقظا، ولم يهيئ لهما طعاماً، فقالا: إن هذا لنؤومٌ،
فأيقظاه، فقالا: ائتِ رسول الله وَّله فقل له: إن أبا بكر وعمر - رضي الله
عنهما - يقرآنك السلام ويستأذنك(١)، فقال: ((إنهما ائتدما)) فجاءاه، فقالا: يا
رسول الله بأيّ شيء ائتدمنا؟ قال: ((بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى
لحمه بين ثناياكما))، فقالا: استغفر لنا يا رسول الله، قال: «مُرَاه، فليستغفر
لكما))، وبسط السيوطي في الروايات بمعنى ذلك.
وذكر برواية ابن مردويه والبيهقي (٢) عن أبي سعيد وجابر، قالا: قال
رسول الله وَل: ((الغيبة أشدّ من الزنا، قالوا: يا رسول الله كيف الغيبة أشدّ من
الزنا؟ قال: إن الرجل ليزني فيتوب، فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا
يغفر له حتى يغفرها له صاحبه)) وبرواية البيهقي بسند ضعيف عن أنس مرفوعاً:
((كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته)).
(قال) الرجل المذكور: (يا رسول الله وإن) وصلية (كان) الذي قلته (حقاً؟)
بأن كان هذا الوصف موجوداً فيه (قال رسول الله وَ ل﴿) زاد في رواية مسلم عن أبي
هريرة: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته)) كما تقدم قريباً (إذا قلت باطلاً) أي لم
(١) كذا في الأصل ولعل الصواب: يسألانك الإدام، اهـ. ((ش)).
(٢) انظر: ((مشكاة المصابيح)» (١٣٦٦/٣).
٤٧٧

٥٧ - كتاب الكلام
(٤) باب
(١٧٩١) حديث
فَذْلِكَ الْبُهْتَانُ)).
يكن فيه ما قلت (فذلك البهتان) أي الافتراء لا الغيبة، قال الباجي: يريد أنه
أشد من الغيبة لما فيه من الباطل.
قال النووي(١): وتباح الغيبة لغرض شرعي، وذلك لستة أسباب:
أحدها: التظلُّم، فيجوز للمظلوم أن يتظلّم إلى السلطان والقاضي وغيرهما
ممن له ولايةٌ وقدرة على إنصافه، فيقول: ظلمني فلان.
الثاني: الاستغاثة على تغيير المنكر، وردّ المعاصي إلى الصواب، فيقول
لمن يرجو قدرته: فلان يعمل كذا، فازجره عنه ونحو ذلك.
الثالث: الاستفتاء بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان أو أبي أو زوجي، فما
طريقي في الخلاص ودفع ظلمه؟ لحديث هند أن أبا سفيان رجل شحيح،
الحدیث .
الرابع: تحذير المسلمين من شره، وذلك من وجوه، منها جرح
المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين، وذلك جائز بالإجماع، بل واجب
صوناً للشريعة، ومنها الإخبار بعيبه عند المشاورة في مواصلته.
قلت: ومنه قوله ◌َّ في حديث فاطمة بنت قيس: ((إن معاويةَ صعلوكٌ،
وإن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه))، قال: ومنها إذا رأيت من يشتري شيئاً
معيباً أو عبداً سارقاً يذكره للمشتري نصيحةً لا للإفساد، ومنها: إذا رأيت
متفقّهاً يتردّد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علماً، وخفت عليه ضرره، فعليك
نصيحته ببيان حاله قاصد النصيحة، ومنها غير ذلك.
الخامس: أن يكون مجاهراً لفسق أو بدعة.
السادس: التعريف، فإذا كان معروفاً بلقب، كالأعمش، والأعرج،
ونحوهما، جاز تعريفه به، ويحرم ذِکره به تنقيصاً، اهـ.
(١) انظر: ((رياض الصالحين)) (ص١٠٤٦) باب ما يُباح من الغيبة.
٤٧٨

٥٧ - كتاب الكلام
(٥) باب
(٥) باب ما جاء فيما يخاف من اللسان
قلت: ومنه حديث ذي اليدين، وترجم البخاري في ((صحيحه))(١) ((باب
ما يجوز من اغتياب أهل الفساد)» وذكر فيه حديث(٢): ((بئس أخو العشيرة))،
وفي ((المحلى)) عن ((الدر المختار)) (٣): لو ذكر مساوئ أخيه على وجه الاهتمام
لا يكون غيبة، إنما الغيبة أن يذكر على وجه الغضب والسب، اهـ.
قال الباجي(٤): من قاله في محدث لئلا يتقوّل على النبي وَّ، وفي
شاهد ليردّ باطل شهادته، أو في متحيّل ليصرف كيده وأذاه عن الناس، ويحذّر
منه من يغترّ به، فليس هذا من الغيبة، بل هو حق أمره الله تعالى أن يقوم به،
وقال عيسى بن دينار في ((العتبية)): لا غيبة في ثلاثة: إمام جائر، وفاسق معلن
بفسقه، وصاحب بدعة، اهـ.
قال الزرقاني(٥): قال ابن عبد البر: ليس هذا الحديث عند القعنبي في
((الموطأ)) وهو عنده في الزيادات، وهو آخر حديث في كتاب الجامع في ((موطأ
ابن بكير))، وهو يدخل في التفسير المسند، اهـ.
(٥) ما جاء فيما يخاف - ببناء المجهول - من اللسان
وترجم عليه البخاري في ((صحيحه)) ((باب حفظ اللسان))، وفي
((المشكاة))(٦): عن سفيان بن عبد الله الثقفي قلت: يا رسول الله ما أخوف ما
تخاف عليّ؟ قال: فأخذ بلسان نفسه، وقال: ((هذا))، رواه الترمذي
وصححه، اهـ.
(١) ((صحيح البخاري)): كتاب الأدب.
(٢) رقم الحديث (٦٠٥٤).
(٣) (٦٧٤/٩).
(٤) ((المنتقى)) (٣١٢/٧).
(٥) (شرح الزرقاني)) (٤٠٥/٤).
(٦) رقم الحديث (٤٨٤٣) في كتاب الأدب.
٤٧٩

٥٧ - كتاب الكلام
(٥) باب
(١٧٩٢) حديث
١١/١٧٩٢ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ اثْنَيْنٍ وَلَجَ الْجَنَّةَ))
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ لَا تُخْبِرْنَا.
١١/١٧٩٢ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) مرسلاً
بلا خلاف أعلمه عن مالك، قاله أبو عمر، ورواه البخاري(١) والترمذي موصولاً عن
سهل بن سعد، والعسكري وابن عبد البر وغيرهما عن جابر، والترمذي وابن حبان
والحاكم عن أبي هريرة، والبيهقي وابن عبد البر والديلمي عن أنس، وجاء أيضاً عن
أبي موسى، كلهم بمعناه، كذا في ((الزرقاني))(٢)، وفي ((التنوير))(٣): قال ابن عبد البر:
ورد معناه متصلاً من حديث جابر وسهل بن سعد وأبي موسى وأبي هريرة، اهـ.
قلت: أخرجه البخاري عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن رسول الله وَاخله
قال: ((من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)) (أن
رسول الله وَ الر قال: من وقاه الله) أي حفظه الله (شر اثنين ولج) بالواو واللام
المفتوحتين أي دخل (الجنة) مع السابقين الأولين أو بغير عذاب.
قال الباجي(٤): قال ذلك 18 على معنى التحذير لأمته من شرهما،
ويحتمل - والله أعلم - أن يريد به اختبارهما في معرفة ذلك (فقال رجل) من
الحاضرين: (يا رسول الله لا تخبرنا) بلفظ النهي، هكذا في نسخة ((التجريد))
ونسخة الشرح من ((الزرقاني)) و((التنوير))، وفي غيرهما في جميع النسخ الهندية
والمصرية من المتون والشروح بلفظ ((ألا تخبرنا)) بهمزة الاستفهام على سبيل
العرض، وعليها بنى شيخنا في ((المصفَّى)).
والعجب أنهم صرحوا بأن رواية يحيى بلفظ النهي، ومع ذلك تظافرت
(١) أخرجه البخاري موصولاً في كتاب الرقاق ٨١ - باب حفظ اللسان (٣٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٦/٤).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٧١١).
(٤) ((المنتقى)) (٣١٢/٧).
٤٨٠