النص المفهرس
صفحات 421-440
٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٧) حديث وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ. المنصحة، وقال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة، معناها: حيازة الحظ للمنصوح له، وهي من وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة منفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة. وهذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها: إنه أحد أرباع الدين، وممن عدّه فيها الإمام محمد بن أسلم الطوسي، وقال النووي: بل هو وحده محصلٌ لغرض الدين كله؛ لأنه منحصر في الأمور التي ذكرها، فالنصيحة لله وصفه بما هو له أهل، والخضوع له ظاهراً وباطناً، والرغبة في محابه بفعل طاعته، والرهبة من مساخطه بترك معصيته، والجهاد في رد العاصين إليه. وروى الثوري عن عبد العزيز عن أبي ثمامة صاحب علي - رضي الله عنه - قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روحَ الله مَنِ الناصح الله؟. قال: الذي يقدم حق الله على حق الناس، والنصيحة لكتاب الله تعلّمه وتعليمه، وإقامة حروفه في التلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهُم معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه، وذبُّ تحريف المبطلين عنه، والنصيحة لرسوله تعظيمه ونصره حياً وميتاً، وإحياء سنته بتعلمها وتعليمها والاقتداء به في أقواله وأفعاله ومحبته ومحبة أتباعه. والنصيحة لأئمة المسلمين إعانتهم على ما حملوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسدّ خلتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، وردُّ القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن، ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد، وتقع النصيحة لهم ببث علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم، والنصيحة لعامة المسلمين، الشفقة عليهم، والسعي فيما يعود نفعه إليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكف وجوه الأذى عنهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، اهـ. (وأحسن عبادة الله) عزّ وجلّ بأن أقامها بشروطها وواجباتها، وما يمكنه ٤٢١ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٧) حديث فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ)). أخرجه البخاريّ في: ٤٩ - كتاب العتق، ١٦ - باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده. ومسلم في: ٢٧ - كتاب الأيمان، ١١ - باب ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده، حديث ٤٣. من مندوباتها، بأن لا يفوت حق سيده (فله أجره) بزيادة هاء الضمير في النسخ المصرية، وبحذفها في الهندية (مرتين) قال الباجي(١): يريد - والله أعلم - أجر عاملين، لأنه عامل بطاعة الله، وعامل بطاعة سيده وهو مأمور بذلك، اهـ. قال الزرقاني(٢): له أجره مرتين لقيامه بالحقين وانكساره بالرق، وقال الكرماني: وليس الأجران متساويين، لأن طاعة الله أوجب من طاعة المخلوق، وردّه الولي العراقي بأن طاعة المخلوق لههنا من طاعة الله، ويشير إليه قول الباجي، وهو مأمور بذلك. وقال الحافظ(٣): قال ابن عبد البر: معنى الحديث عندي أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان، طاعة الله في العبادات، وطاعة سيده في المعروف، فقام بهما جميعاً كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته، لأنه قد ساواه في طاعة الله، وفضل عليه بطاعة من أمره الله عز وجل بطاعته، قال: ومن ههنا أقول: إن من اجتمع عليه فرضان، فأداهما أفضل ممن ليس عليه إلا فرض واحد، فأداه كمن وجبت عليه صلاة وزكاة فقام بهما، فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاة فقط، ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروض، فلم يؤد منها شيئاً كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها، اهـ. قال الحافظ: والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف لما يدخل (١) ((المنتقى)) (٣٠٧/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٧/٤). (٣) ((فتح الباري)) (١٧٦/٥). ٤٢٢ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٧) حديث عليه من مشقة الرق، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختص العبد بذلك، وقال ابن التين: المراد أن كل عمل يعمله يضاعف له، قال: وقيل: سبب التضعيف أنه زاد لسيده نصحاً، وفي عبادة ربه إحساناً، فكان له أجر الواجبين، وأجر الزيادة عليهما، قال: والظاهر خلاف هذا، وأنه بين ذلك، لئلا يظن ظانٌّ أنه غير مأجور على العبادة. قال الحافظ: وما ادعي أنه الظاهر لا ينافيه ما نقله قبل ذلك، فإن قيل: يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات، أجاب الكرماني بأنه لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفاً من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أخرى يستحق بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدي لحقين على العبد المؤدي لأحدهما، اهـ. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصاً بالعمل الذي يتحد فيه طاعة الله وطاعة السيد، فيعمل عملاً واحداً، ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلف الجهة، فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار، اهـ. وأفاد الشيخ في ((البذل))(١) في حديث الأشعري ((من أعتق جارية وتزوجها كان له أجران)) أي أجر العتق وأجر التزوج، وقيل: له أجران على كل عمل يعمله من الصوم والصلاة وغيرها، قال القاري: أجر على عتقه، وأجر على تزوجه، كذا قالوا، وقيل: أجر على تأديبه، وما بعده، وأجر على عتقه وما بعده، قال الكرماني: فإن قلت: ما العلة في تخصيص هؤلاء الثلاثة، والحال أن غيرهم كذلك مثل من صلى وصام، فإن للصلاة أجراً وللصوم أجراً؟. قلت: الفرق بين هذه الثلاثة وغيرهم أن الفاعل من كل منهم جامع بين (١) ((بذل المجهود)) (٢١/١٠). ٤٢٣ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٧) حديث أمرين بينهما مخالفة عظيمة، كأن الفاعل لهما فاعل للضدين، اهـ. قال الشيخ رحمه الله: وفيه أن هذه الضدية بعينها موجودة في حق الله وحق الوالد، فالأحسن أن يقال: المراد هذه الأشياء وأمثالها، وليس المقصود بذكرها نفي ما عداها، اهـ. قلت: ويؤيد نفي الحصر ما سيأتي من كلام السيوطي عدادهم إلى أكثر من ثلاثين، وأفاد شيخ مشايخنا الگنگوهي - قدس سره - في ((الكوكب الدرى))(١) في حديث الأشعري ((ثلاثة يُعْطون أجرهم مرتين))(٢)، الحديث تقدم قريباً عن البخاري، والظاهر أنهم يعطون أجرهم مرتين على مجموع الصنيع المذکور ههنا . وعلى هذا، فقال بعضهم في تأديبه وعتقه ونكاحه: إن الأجر على الإعتاق والتزويج والتأديب حق مستحق عليه، وقال الآخرون كلاماً غير هذا، والحق أنه يُعْطى على كل فعله أجرين، لأنه لا مِنّة في الأجرين على الفعلين، مع أن المقام يقتضي بيان الفضل ليرغب فيه، ولأن تكرار الأجر على تكرار الفعل ليس له اختصاص بهؤلاء الثلاثة، فللعبد الذي أدى حق الله وحق مولاه أربعة أجور: اثنان على تأدية حقوق مولاه، واثنان على تأدية حقوقه تعالى. وعلى هذا فالحق في الإعتاق وأخويه ستة أجور، على كل صنيعه أجران، والوجه في تكرير الأجر في هذه الأفعال ما فيها من التزاحم، فإن حقوق المولى يمنع أداؤها إتيان حقوقه تعالى على وجهها، وبالعكس، فإتمامه حقوقهما معاً بحيث لم يخلُ بشيء منهما يوجب زيادة الأجر، وكذلك تأديبها مُخِلٌّ بخدمته، وكذلك الإعتاق، بل الإعتاق في الإخلال بالخدمة فوق (١) (٢٢٨/٢). (٢) أخرجه الترمذي (١١١٦) في كتاب النكاح. ٤٢٤ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٧) حدیث التأديب، والتزويج عار عليه، والإيمان بالكتاب الأول تركٌ لأهوائه، وحفظ الكتاب من التحريف غير سهل أيضاً، يعني: كما أن الإيمان بالكتاب الثاني بترك ما ألفه من الكتاب الأول وأحكامه، والعمل بما فيه ليس بسهل أيضاً، بل . ذلك أشدّ من الأول، مع ما يلحقه في ذلك من المطاعن وغيرها، والمشقة في تعلمه وفهمه إلى آخر ما بسطه، والمعنى المقصود ظهر من هذا الذي ذكرته. وأفاد شيخي ووالدي المرحوم عند تدريس ((المشكاة)) كما ذكرته في ((حاشية الكوكب)): أن مناط تكرر الأجر هو التزاحم، فكل فعل يوجد فيه التزاحم يضاعف عليه الأجر، فالرجل الذي يؤدي حق الله وحق مولاه يوجد في أفعاله كلها التزاحم، فيضاعف له الأجر في جميع أعماله من حق الله وحق مولاه، ورجل أدب أمته لا تزاحم فيه، بل هو مأمور بذلك («كلكم راع ومسئول عن رعيته)) لكن الإعتاق بعد ما تأدبت، وكذا التزويج بعدها، فهذان الفعلان يستحق كل منهما تضاعف الأجر. ورجل آمن بنبيه ثم بسيدنا محمد ◌ّ، فلا تزاحم في إيمانه على نبيه - عليه الصلاة والسلام -، فإن الناس كلهم يؤمنون على نبيهم إلا أنه لما آمن بعد ذلك على نبينا وَ﴾، فوقع له التزاحم إذ ذاك، إذ صار جاهلاً بعد ما كان عالماً، فيضاعف له الأجر على الإيمان الثاني، بخلاف الإيمان الأول، فإنه فيه سواء للناس، اهـ. قلت: وهذا أوجه الوجوه عند ذلك العبد الضعيف المقر بالتقصير، قال الله عز اسمه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن زَّحْنِهِ﴾(١) الآية، وتقدم من حديث أبي هريرة عند البخاري: ((للعبد المملوك الصالح أجران))، ولأبي عوانة وأحمد عن أبي هريرة سمعت رسول الله وله (١) سورة الحديد الآية: ٢٨. ٤٢٥ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٧) حدیث يقول: ((ما خلق الله عبداً، يؤدي حق الله عليه وحق سيده، إلا وفّاه الله أجره مرتین)) . وقال السيوطي في ((التنوير))(١) وردت أحاديث كثيرة فيمن يؤتى أجره مرتين، فجمعت منها نيفاً وثلاثين في أبيات فقلت: يثنى لهم أجر حووه محققا وجمع أتى فيما رويناه أنهم على زوجها أو للقريب تصدّقا والوضوء اثنتين والكتابي صدّقا وعابر يسري مع غنى له تقا وينكحها من بعده حين أعتقا كذاك جبان إذ يجاهد ذا شقا له القتل من أهل الكتاب فألحقا وضوءاً لذى البرد الشديد فحققا بتأخير صف أول مسلماً وقا ومن كان في وقت الفساد موفقا يرى فرحاً مستبشراً بالذي ارتقى ومن فيه حقاً قد غدا متصدقا بذا اليوم خيراً ما، فضعفه مطلقا ونازع نعمل أن لخير تسبقا يداً بعد أكل، والمجاهد أخفقا ومستمع القرآن فيما روى الثقا فأزواج خير الخلق أوّلهم ومن وقار بجهد ذو اجتهاد أصابه وعبدٌ أتى حق الإله وسيد ومن أمةً يشري فأدب محسناً ومن سنَّ خيراً أو أعاد(٢) صلاته كذاك شهيد في البحار ومن أتى وطالبُ(٣) علم مدرك ثم مسبغ ومستمع في خطبة قد دنا، ومن وحافظ عصر مع إمام مؤذن وعامل خيرٍ مخفياً ثم إن بدا ومغتسل في جمعة عن جنابة وماشٍ يصلي جمعة، ثم من أتى ومن حتفه قد جاءه من سلاحه وماشٍ لدى تشييع ميتٍ وغاسل ومتبع ميتاً حياء من أهله (١) ((تنوير الحوالك)) (ص٧٠٥). (٢) لعله أراد من صلى أولاً بالتيمم كما في ((أبي داود)) من حديث الخدري، اهـ. ((ش)). (٣) كما في ((المشكاة)) برواية الدارمي عن واثلة، اهـ. ((ش)). ٤٢٦ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٨) حدیث ٤٤/١٧٧٨ - وحدّثني مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ أَمَةً كَانَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. رَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ. فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ حَقْصَةَ. فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ جَارِيَةَ أَخِيكِ تَجُوسُ وفي مصحف يقرأ وقارئه معرباً بتفهيم معناه الشريف محققا زاد العلامة فقال: وذيّله بعضهم بثلاثة، فقال: وحجة حاج من عمان فألحقا إمام مطيع يالها من سعادة فلا هبة لا بيع لا مهر مطلقا ومنْ أمة تشترى أو يشترط لها على المصطفى المبعوث بالحق والتقا(١) وهي حرة إن متُ صلى إلهنا قلت: وقد بقي مُعمِّرُ يسار المسجد، ففي ((الجامع الصغير)) برواية ابن ماجه من ابن عمر عن عمر: ((ميسرة المسجد، كتب الله له كفلين من الأجر))، وبرواية الطبراني عن ابن عباس: ((من عَمَّرَ جانب المسجد الأيسر لقلة أهله، فله أجران»، وفي ((المشكاة)) برواية الترمذي(٢) عن بلال بن الحارث مرفوعاً: ((من أحيا سنة من سنتي قد أميتت، فإن له من الأجر مثل أجور من عمل بها))، الحديث. ٤٤/١٧٧٨ - (مالك أنه بلغه) والآثار عن عمر - رضي الله عنه - في ذلك معروفة، كما سيأتي ذكر بعضها (أن أمة) لم تسم (كانت لعبد الله بن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه ــ (رآها) أي الأمة المذكورة (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (وقد تهيأت) جملة حالة (بهيئة الحرائر) أي لبست لباس الحرائر. (فدخل) عمر - رضي الله عنه - (على ابنته حفصة) أم المؤمنين (فقال) لها: (ألم أر) باستفهام الإنكار (جارية أخيك) عبد الله (تجوس)(٣) بالجيم في (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٩٧/٤، ٣٩٨). (٢) ((سنن الترمذي)) (٢٣١٩). (٣) قوله: تَجُوسُ النّاسَ: معناه تجول في أزقَّة المدينة مُقْبِلة ومدبرة، وهذا من قول الله عزّ وجل: ﴿فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: ٥]. ٤٢٧ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٨) حديث النَّاسَ، وَقَدَ تَهَيََّتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ؟ وَأَنْكَرَ ذُلِكَ عُمَرُ. جميع النسخ المصرية، واختلفت النسخ الهندية في الجيم والحاء، وفي ((المحلى)): بالحاء والسين المهملتين، أي تخالط الناس، وفي ((النهاية)): الحوس: شدة الاختلاط ومداركة الضرب، وفي ((القاموس)) في فصل الحاء: الحوس، وفي فصل الجيم الجوس: طلب الشيء بالاستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت والطواف فيهما، انتهى ما في ((المحلى)). وقال الزرقاني(١): بالجيم وبالحاء المهملة، أي تتخطاهم وتختلف عليهم، قال أبو عبيدة: كل موضع خالطته ووطئته فقد حسته وجسته بالجيم والحاء، اهـ. (الناس) بالنصب (وقد تهيأت بهيئة الحرائر) قال الباجي: معناه تتخطى الناس وتختلف عليهم مختمرة بشكل الحرائر (وأنكر ذلك عمر) - رضي الله عنه - قال الزرقاني: للفرق بينها وبين الحرة. قال الباجي (٢): وكان عمر - رضي الله عنه - يضرب الإماء إذا رأى عليهن الجلابيب، قاله عيسى بن دينار، وقيل: إنه - رضي الله عنه - كان يفعل ذلك، لأنهن ليس فيهن خفر الحرائر ولا سترهن، ولا يلزمهن ذلك، فإذا لبسن ثياب الحرائر اعتقد فيهن من لا يعرفهن أنها متبرجات الحرائر، فمنع لهذا، اهـ. وفي ((الهداية))(٣): ما كان عورة من الرجل، فهو عورة من الأمة، وبطنها وظهرها عورة، وما سوى ذلك من بدنها ليس بعورة، لقول عمر - رضي الله عنه -: ((ألق عنك الخمار يا دِفارُ(٤) أتتشبهين بالحرائر))، قال الحافظ في ((الدراية))(٥): لم أره بهذا اللفظ، والمعروف عن عمر - رضي الله عنه - أنه (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٨/٤). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٧/٧). (٣) (٢٩٢/١). (٤) أي يا فتية. (٥) ((الدراية)) (١٤٣/١)، و((نصب الراية)) (٣٠٠/١). ٤٢٨ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٨) حديث ضرب أمة لآل أنس رآها متقنعة، وقال: ((اكشفي رأسك ولا تشبهي بالحرائر))، أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، وقال: أخبرنا ابن جريج عن عطاء أن عمر بن الخطاب كان ينهى الإماء عن الجلابيب أن يتشبّهن بالحرائر. قال ابن جريج: وحدثت أن عمر - رضي الله عنه - ضرب عقيلة أمة أبي موسى في الجلباب أن تتجلب، أنا ابن جريج عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد حدثته قالت: خرجت امرأة مختمرة متجلببة، فقال عمر: من هذه المرأة؟ فقيل له: جارية لفلان رجل من بيته، فأرسل إلى حفصة، فقال: ما حملك على أن تخمري هذه الأمة وتجلببيها؟ حتى هممت أن أقع بها لا أحسبها إلا من المحصنات، لا تشبهوا الإماء بالمحصنات، ورواه البيهقي، وقال: الآثار بذلك عن عمر صحيحة، اهـ بزيادة من الزيلعي في ألفاظ الروايات. وأخرجه البيهقي بسنده إلى الوليد بن كثير عن نافع مثله إلا أن فيه جارية لفلان رجل من بنيه، وأخرج أيضاً بسنده إلى أنس بن مالك، قال: كن إماء عمر - رضي الله عنه - يخدمننا كاشفات عن شعورهن تضربن ثديهن، قال الشيخ: والآثار عن عمر - رضي الله عنه - في ذلك صحيحة، وأنها تدل على أن رأسها ورقبتها وما يظهر منها في حال المحنة ليس بعورة، اهـ. ثم قال الحافظ: وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر صحيح عن أنس قال: دخلت على عمر - رضي الله عنه - أمةٌ قد كان يعرفها لبعض المهاجرين أو الأنصار، وعليها جلباب متقنعة به، فسألها عتقت؟ قالت: لا، قال: فما بال الجلباب، ضعيه عن رأسك؟ إنما الجلباب على الحرائر من نساء المسلمين فتلكأت، فقام إليه بالدرة، فضرب رأسها، حتى ألقته. وأخرج محمد بن الحسن في ((كتاب الآثار)): عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن عمر - رضي الله عنه - كان يضرب الإماء أن يتقنعن، ويقول: ٤٢٩ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٨) حديث ((لا تشبهن بالحرائر))، انتهى بزيادة من الزيلعي(١). قال الموفق(٢): صلاة الأمة مكشوفة الرأس جائزة، لا نعلم أحداً خالف في ذلك إلا الحسن، فإنه من بين أهل العلم أوجب عليها الخمار إذا تزوّجت، أو اتخذها الرجل لنفسه، واستحب لها عطاء أن تتقَنَّعَ إذا صلت، ولنا أن عمر - رضي الله عنه - ضرب أمةً لآل أنس رآها متقنِّعة، وقال: ((اكشفي رأسك، ولا تَشَبَّهِي بالحرائر))، وهذا يدل على أن هذا كان مشهوراً بين الصحابة لا ينكر حتى أنكر عمر - رضي الله عنه - مخالفته، وقال أبو قلابة: إن عمر - رضي الله عنه - كان لا يدع أمة تقنَّعُ في خلافته، وقال: إنما القِنَاعُ للحرائر، اهـ. (١) انظر: ((نصب الراية)) (٣٠٠/١)، (٢) ((المغني)) (٣٣١/٢). ٤٣٠ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٧٩) حديث بسم الله الرحمن الرحيم ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب ما جاء في البيعة ١/١٧٧٩ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّ (١) ما جاء في البيعة قال الراغب(١): بايع السلطان إذا تضمّن بذل الطاعة له بما رضخ له، ويقال لذلك: بيعة ومبايعة، وقوله تعالى: ﴿فَأُسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِدٍ﴾(٢) إشارة إلى بيعة الرضوان المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾(٣)، وإلى ما ذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾(٤) الآية. وقال الحافظ: المبايعة عبارة عن المعاهدة، سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ج اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، اهـ. قال العيني(٥): المبايعة على الإسلام عبارة عن المعاقدة والمعاهدة عليه تشبيهاً بالمعاوضة المالية، كأن كل واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه، فمن طرف رسول الله و18 وعد الثواب، ومن جهتهم التزام الطاعة، وقد تعرف بأنها عقد الإمام العهد بما يأمر به الناس، اهـ. ١/١٧٧٩ - (مالك عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني (أن) (١) ((مفردات القرآن)) (ص ١٥٥). (٢) سورة التوبة: الآية ١١١. (٣) سورة الفتح: الآية ١٨. (٤) سورة التوبة: الآية ١١١. (٥) ((عمدة القاري)) (٢٣٦/١) ٤٣١ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٧٩) حديث عَبْدَ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ وَّهَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ)). أخرجه البخاريّ في: ٩٣ - كتاب الأحكام، ٤٣ - باب كيف يبايع الإمام الناس. ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٢٢ - باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع، حديث ٩٠. مولاه (عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -، والحديث أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بهذا السند والمتن، (قال: كنا) معاشر المسلمين (إذا بايعنا رسول الله (وَلير على السمع) للأوامر والنواهي (والطاعة) لله ولرسوله، وأخرج البخاري بسنده إلى عبادة بن الصامت قال: ((بايعنا رسول الله بَل على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق، حيث ما كنا، ولا نخالف في الله لومة لائم)). (يقول لنا رسول الله وَ ل18) لكمال شفقته ورأفته علينا (فيما استطعتم) قال صاحب ((المحلى)): أي يلقن أحدهم أن يقول: ((فيما استطعت)) لئلا يدخل في بيعته ما لا يطيقه، قاله النووي، اهـ. قال الحافظ(١): قوله: ((فيما استطعتم)) ووقع في رواية المستملي والسرخسي ((فيما استطعت)) بالإفراد، والأولى هو الذي في ((الموطأ)) وهو يقيد المطلق من الأحاديث. قلت: وأخرج البخاري من حديث جرير بن عبد الله قال: ((بايعت النبي ◌َّ على السمع والطاعة، فلقنني فيما استطعت)). قال الباجي(٢): المبايعة تختص بمعاقدة الإمام ، قال الله عز وجل: ﴿َّأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئً﴾(٣) الآية إلى (١) ((فتح الباري)) (١٩٤/١٣). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٧/٧). (٣) سورة الفتح: الآية ١٠. ٤٣٢ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨٠) حديث ٢/١٧٨٠ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ؛ قوله عز وجل: ﴿فَايِعْهُنَّ﴾، ومبايعة الإمام إنما هي على السمع والطاعة، ومعنى ذلك امتثال الأمر والنهي، وكان النبي ◌ُّل يقول لهم: فيما استطعتم يريد من السمع والطاعة، وذلك لقوله عز اسمه: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾، وأنه قد يقع من المكلف ما لا يقدر على التحرز منه من الخطأ والنسيان، قال الله عز وجل: ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َِّينَآَ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾(١)، اهـ. ١٧٨٠/ ٢ - (مالك عن محمد بن المنكدر) بضم الميم وسكون النون ابن عبد الله التيمي (عن أميمة) بضم الهمزة وبالميمين بينهما تحتية مصغرا (بنت رقيقة) بضم الراء المهملة وبقافين بينهما تحتية مصغراً أيضاً بنت خويلد بن أسد، وعلى هذا فخديجة أم المؤمنين خالة أميمة، وحكى الحافظ في ((الإصابة)) الاختلاف في ذلك، واختلف أيضاً في اسم والد أميمة، قال الحافظ في ((التهذيب))(٢): أميمة بنت عبد الله بن بجاد بن عمير بن الحارث بن حارثة، كذا حكى أولاً عن ((تهذيب المزي)»، ثم قال: قلت: واسم أبيها بجاد بموحدة ثم جيم ابن عبد الله بن عمير بن الحارث، اهـ. وقال في ((التقريب))(٣): اسم أبيها عبد الله بن بجاد التيمي، صحابية، لها حديثان، وهي غير أميمة بنت رقيقة الثقفية تلك تابعية، اهـ. قلت: ووافق الحافظ في هذا الضبط صاحب ((جامع الأصول))، وضبطه في ((الخلاصة)) بنون ثم جيم، وقال الزرقاني(٤): هي بنت بجاه بموحدة وجيم (١) سورة البقرة: الآية ٢٨٦. (٢) (٤٠١/١٢). (٣) (٥٩٠/٢). (٤) (شرح الزرقاني)) (٣٩٨/٤). ٤٣٣ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨٠) حديث أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلهَ فِي نِسْوَةٍ بَايَعْنَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ. وهاء بنت نجاد بن عبد الله بن عمير، ويقال: بنت عبد الله بن نجاد القرشية التيمية، اهـ. قال الحافظ في ((الإصابة))(١): هذا الحديث في الترمذي وغيره من طريق ابن عيينة عن ابن المنكدر يعني مختصراً. قال: وأخرجه مالك مطولاً عن ابن المنكدر، وصححه ابن حبان من طريقه، وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن ابن المنكدر، اهـ. وقال الترمذي(٢): هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر، ورواه الثوري ومالك وغير واحد عن ابن المنكدر، اهـ. (أنها قالت: أتيت رسول الله وَالر في) جماعة من (نسوة) أي معهن (بايعنه) أي أردن أن يبايعنه (على الإسلام) قال الباجي (٣): هذه البيعة التي ذكرتها أميمة كانت بالمدينة بعد الحديبية؛ لأنها مذكورة في الممتحنة، وهي مدنية، قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئً﴾(٤) الآية، وما كان قبل الهجرة بمكة من مبايعة لم يكن فيها ذكر شيء من ذلك، اهـ. قلت: ويؤيد ذلك ما في ((الدر)) (٥) برواية عبد الرزاق وغيره من جماعة المخرجين عن أميمة، قالت: أتيت النبي وَ ل﴿ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئاً، حتى بلغ ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِىِ مَعْرُوفٍ﴾ فقال: فيما استطعتن، الحديث. (١) (١٨/٨/٤). (٢) ((سنن الترمذي)) (١٥٢/٤). (٣) ((المنتقى)) (٣٠٨/٧). (٤) سورة الممتحنة: الآية ١٢. (٥) ((الدر المنثور)) (١٣٠/٨). ٤٣٤ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨٠) حديث فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللهِ! نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئاً، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، (فقلن له: يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئاً) قال الزرقاني: عام، لأنه نكرة في سياق النهي كالنفي، وقُدِّمَ على ما بعده، لأنه الأصل، اهـ. (ولا نسرق) شيئاً حذف المفعول دلالة على العموم، كان فيه قطع أم لا ، وأخرج الحاكم برواية فاطمة بنت عتبة في قصة بيعة هند بنت عتبة قالت هند: لا أبايعك على السرقة، فإني أسرق من مال زوجي، فكفّ النبي وَلّ يده، وكفت يدها، حتى أرسل إلى أبي سفيان أي زوجها، فتحلّل لها منه، فقال أبو سفيان: أما الرطب فنعم، وأما اليابس فلا، ولا نعمة، قالت: فبايعناه. (ولا نزني) سواء كان فيه الحد أم لا، زادت في بيعة هند، فلما قال: ولا يزنين، قالت: أو تزني الحرة؟ لقد كنا نستحي من ذلك في الجاهلية فكيف بالإسلام! (ولا نقتل أولادنا) خصهم بالذكر، لأنهم كانوا يقتلونهم خشية إملاق، كما أشار إليه في القرآن المجيد: ﴿وَلَا نَقْتُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلٍَّّ﴾(١). وفي ((الجلالين)): ولا يقتلن أولادهن، كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات أي دفنهن أحياءً خوف العار والفقر. قال الحافظ(٢): قال محمد بن إسماعيل التيمي وغيره: خص القتل بالأولاد، لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد، ولأنه كان شائعاً بينهم وهو وأد البنات وقتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذكر، لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم، اهـ. وفي قصة بيعة هند فلما قال: ولا يقتلن أولادهن، قالت: أنت قتلت آباءهم، وتوصينا بأبنائهم، فضحك رسول الله وَير، كذا في ((الدر))، وفي (١) سورة الإسراء: الآية ٣١. (٢) ((فتح الباري)) (٦٤/١). ٤٣٥ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨٠) حدیث وَلَا نَأَتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ. ((الجمل))(١): قالت: ربَّيْنَاهُم صغاراً، وقتلتموهم كباراً، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، فضحك عمر - رضي الله عنه - حتى استلقى، وتبسم رسول الله وَ﴾ (ولا نأتي ببهتان) أي بكذب يُبْهِتُ سامعه، أي يدهشه لشدته، كالرمي بالزنا ونحوه (نفتريه) أي نختلقه (بين أيدينا وأرجلنا) أي من قبل أنفسنا فكنى بالأيدي والأرجل عن الذات، لأن معظم الأفعال تقع بهما إذ هي العوامل والحوامل للمباشرة، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية، فيقال: هذا بما كسبت يداك، قاله الخطابي. وفيه نظر لذكر الأرجل، وأجاب الكرماني بأن المراد الأيدي، وذكر الأرجل تأكيداً، وقيل: المراد بما بين الأيدي والأرجل القلب، لأن البهتان ناشئ عما يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل، ثم يبرزه على لسانه، أو المعنى لا نُبْهِتُ الناسَ بالمعايب كفاحاً مواجهة، كذا في ((الزرقاني)) (٢) و((الفتح)(٣). وفي ((المحلى)) عن التفسير: كانت المرأة يلتقط المولود، فيقول لوالدها : هو الذي منك، كنى بالبهتان عن الولد الذي تلصقه بزوجها، لأن بطنه الذي تحمله بين اليدين، وفرجها الذي تلد به بين الرجلين، اهـ. وفي ((الدر)) عن ابن عباس: لا يفترين ببهتان، أي لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن، وفي رواية عنه قال: كانت الحرة يولد لها الجارية، فتجعل مكانها غلاماً، اهـ. (ولا نعصيك في معروف) كذا قيده به في الآية الشريفة، قال صاحب ((الجمل)): المراد بالمعروف ما عرف حسنه من الشارع، وفي ((النهاية)): (١) (٤٨٧/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٩/٤). (٣) ((فتح الباري)) (٦٥/١). ٤٣٦ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨٠) حدیث فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَجَه: ((فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَفْتُنَّ)) المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والإحسان إلى الناس، وكل ما أمر به الشارع ونهى عنه، وفي الكرخي: قيد المعروف في بيعته وَلّ للتنبيه على أن غيره أولى بذلك وألزم، يعني إذا قيد معصية الرسول وصّل بالمعروف مع جلالة قدره وعلو منزلته، وأنه لا يأمر إلا بالمعروف، فما ظنك بطاعة غيره في المعصية؟، اهـ. وفي ((الدر)): أخرج الترمذي(١) وغيره عن أم سلمة قالت امرأة من النسوة: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: لا تَنُحْنَ، وفي رواية أخرى عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله وَ﴿ أن لا نعصيه فيه من المعروف وأن لا نُخَمِّشَ وجهاً، ولا نشُقّ جيباً ولا ندعو ويلا . (فقال رسول الله وَله: فيما استطعتن وأطقتن) عطف تفسير، قال الطيبي: متعلق بمحذوف أي أبايعكن فيما استطعتن، كذا في ((المحلى))، وفي ((الدر)): أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن سعد وأحمد والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه (٢) عن أميمة بنت رقيقة، قالت: أتيت النبي 18 في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئاً، حتى بلغ ولا يعصينك في معروف، فقال: فيما استطعتن وأطقتن، قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: ((إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة))، وتقدم في الحديث السابق في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أيضاً تلقينُهُ وَّ فيما استطعتم .. (١) أخرجه الترمذي (٣٣٠٧). (٢) الحديث في ((التمهيد)) (٢٣٥/١٢)، وأخرجه أحمد (٣٥٧/٦)، والنسائي (١٤٩/٧)، والترمذي في السير (١٥٩٧)، وابن ماجه في الجهاد (١٨٧٤). ٤٣٧ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨٠) حديث قَالَتْ فَقُلْنَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا. هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُول الله! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ. (قالت) أميمة بصيغة التأنيث في جميع النسخ المصرية، وفي الهندية ((قال)) بصيغة التذكير فالضمير إلى الراوي (فقلن) أي النسوة: (الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا) قال الباجي: معناه أنه يرفقنا ويرضى منا مما بذلنا من أنفسنا إكراماً منه (هلم) بشد الميم اسم فعل بمعنى تعال (نبايعك) أي نصافحك (يا رسول الله) كما يصافح الرجال عند البيعة، وفي ((النسائي)) من طريق ابن عيينة عن ابن المنكدر عن أميمة فقلن: ابسط يدك نصافحك، كذا في ((الزرقاني))، وتقدم من رواية ((الدر)): يا رسول الله ألا تصافحنا؟ (فقال رسول الله وَله: إني لا أصافح النساء) قال الباجي(١): يريد لا أباشر أيديهن بيدي، يريد - والله أعلم - الاجتناب، وذلك أن من حكم مبايعة الرجال المصافحة، فمنع من ذلك في مبايعة النساء لما فيه من مباشرتهن، وليس ذلك بشرط في صحة المبايعة لأنها عقد، فإنما ينعقد بالقول كسائر العقود، ولذلك صحت مبايعة ابن عمر - رضي الله عنه - لعبد الملك في الحديث الآتي بالمكاتبة دون المصافحة، اهـ. وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب بيعة النساء)) وأخرج فيه عدة أحاديث: منها حديث عائشة برواية محمود عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عنها قالت: كان النبي ◌ّير يبايع النساء بالكلام بهذه الآية ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ قالت: وما مسّت يد رسول الله بَله يد امرأة إلا امرأة يملكها . قال الحافظ(٢): قوله: وما مست إلخ، هذا القدر أفرده النسائي، فأخرجه (١) ((المنتقى)) (٣٠٨/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٢٠٤/١٣). ٤٣٨ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨٠) حديث عن محمد بن يحيى عن عبد الرزاق بسند حديث الباب بلفظ: لكن مامسّ، وقال: يد امرأة قط، وكذا أفرده مالك عن الزهري بلفظ: ((ما مسّ رسول الله وله بيده امرأة قط إلا أن يأخذ عليها، فإذا أخذ عليها فأعطته، قال: اذهبي فقد بايعتك)»، أخرجه مسلم، قال النووي: هذا الاستثناء منقطع، وتقدير الكلام ما مَسَّ يدَ امرأة قط، ولكن يأخذ عليها البيعة، ثم يقول: اذهبي، اهـ. وأخرج أيضاً في تفسير الممتحنة بلفظ: قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله عليه: قد بايعتك كلاماً، ولا والله ما مسَّتْ يدُه يدَ امرأة قط. قال الحافظ: قوله: ولا والله، فيه القسم لتأكيد الخبر، وكانت عائشة أشارت بذلك إلى الرد على ما جاء عن أم عطية، فعند ابن خزيمة وابن حبان والبزار والطبري وابن مردويه عن أم عطية في قصة المبايعة، قالت: فمدّ يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللَّهم اشهد، وكذا عند البخاري من حديث أم عطية قالت: بايعنا رسول الله وي ليه فقرأ علينا ﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، الحديث، فإنه يشعر بأنهن کن یبایعنه بالأيدي. ويمكن الجواب عن الأول بأن مدّ الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة وإن لم تقع مصافحة، وعن الثاني بأن المراد بقبض اليد التأخر عن القبول، أو كانت المبايعة تقع بحائل، فقد روى أبو داود في ((المراسيل)) عن الشعبي أن النبي وَ لّ حين بايع النساء أتى ببرد قطريّ، فوضعه على يده، وقال: لا أصافح النساء، وعند عبد الرزاق من طريق إبراهيم النخعي مرسلاً نحوه، وعند سعيد بن منصور من طريق قيس بن أبي حازم كذلك، وأخرج ابن إسحاق في المغازي عن أبان بن صالح أنه يسير كان يغمس يده في إناء وتغمس المرأة يدها فيه، ويحتمل التعدد. ٤٣٩ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨٠) حدیث وقد أخرج الطبراني أنه بايعهن بواسطة عمر - رضي الله عنه -، وروى النسائي والطبراني من طريق ابن المنكدر أن أميمة بنت رقيقة، فذكر حديث الباب، وقد جاء في أخبار أخرى أنهن كن يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوب، أخرجه يحيي بن سلام في تفسيره عن الشعبي، وفي ((المغازي)) لابن إسحاق عن أبان بن صالح: أنه كان يغمس يده في إناء، فيغمسن أيديهن فيه ، اهـ. قلت: وما في ((الدر))(١) من رواية الشعبي يدل على أن وضع الثوب على يده كان في أول أمره، فقد قال: أخرج سعيد بن منصور وابن سعد عن الشعبي قال: كان رسول الله وَ ل﴿ يبابع النساء ووضع على يده ثوباً، فلما كان بعدُ يخبرُ النساء، فيقرأ عليهن هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَثُ﴾ الآية، فإذا أقررن قال: قد بايعتكن، الحديث، وما أفاد الحافظ - رحمه الله - من احتمال التعدد، وهو متعين لا مرية فيه. ففي ((الدر)) من رواية البخاري وغيره عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله # كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية، الحديث نص في أنه لو كان يفعله مرة بعد مرة، وحديث الباب عن أميمة بلفظ ((أتيت النبي ◌َّر في نسوة لنبايعه))، الحديث قصة مستقلة، وأخرج ابن سعد وغيره عن سليمى بنت قيس قالت: جئت رسول الله وَ لّ أبايعه على الإسلام في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا أن لا نشرك بالله، الحديث، وفي آخره: ولا تغششن أزواجكن، فبايعناه ثم انصرفنا، فقلت لامرأة: ارجعي، فاسأليه ما غشّ أزواجنا، فسألته، فقال: تأخذ ماله فتحابي غيره به. وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع (١) ((الدر المنثور)) (١٣٢/٨). ٤٤٠