النص المفهرس
صفحات 401-420
٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٥) باب ما يؤمر به من العمل في السفر قال الحافظ(١): محرم المرأة من حرم عليه نكاحها على التأبيد إلا أم الموطوءة بشبهة والملاعنة، فإنهما حرامان على التأبيد ولا محرمية هناك، وكذا أمهات المؤمنين، وأخرجهن بعضهم بقوله في التعريف: بسببٍ مباح لا لحرمتها، وخرج بقيد التأبيد أخت المرأة وعمتها وغيرهما إذا عقد على الأم، اهـ. يعني لأن حرمة هؤلاء ليست على التأبيد. (منها) بنسب أو صهر أو رضاع، إلا أن مالكاً - رضي الله عنه - كره تنزيهاً سفرها مع ابن زوجها لفساد الزمان وحداثة الحرمة، ولأن الداعي إلى النفرة عن امرأة الأب ليس كالداعي إلى النفرة عن سائر المحارم، والمرأة فتنة إلا فيما جبلت عليها النفوس من النفرة عن محارم النسب، وعلله الباجي بعداوة المرأة لربيبها وعدم شفقته عليها، وصوب غيره التعليل الأول، وزاد الشيخان من حديث أبي سعيد أو زوج وفي معناه السيد، اهـ. قال الحافظ: استدل بالحديث على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، وهو إجماع في غير الحج والعمرة والخروج من دار الشرك، ومنهم من جعل ذلك من شرائط الحج، اهـ. قلت: وتقدم الكلام على ذلك مفصلاً في آخر ((كتاب الحج))، وذكر الإمام مالك - رضي الله عنه - هذا الحديث لمنع سفر المرأة منفردة، فإنها إذا لم يحل لها السفر بدون محرم، فأحرى أن لا يحل منفردة. (١٥) ما يؤمر به من العمل في السفر (ما يؤمر به) ببناء المجهول (من العمل في السفر) أي بيان الأعمال والآداب التي ينبغي أن يراعى بها في السفر. (١) ((فتح الباري)) (٩/ ٣٣٢). ٤٠١ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٧٧٢) حديث ٣٨/١٧٧٢ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ؛ يَرْفَعُهُ ٣٨/١٧٧٢ - (مالك عن أبي عبيد) بضم العين مصغراً بدون الإضافة، اختلف في اسمه، كما تقدم في محله (مولى سليمان بن عبد الملك) بن مروان وحاجبه، هكذا السياق في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، وهو الصواب، وما في النسخ الهندية عن أبي عبيدة بن سليمان تحريف من الناسخ، لم يذكر ابن عبد البر في ((التجريد)) فيمن روى عنهم مالك في ((الموطأ)) أحداً اسمه أبو عبيدة بن سليمان، وقال فيمن اسمه أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك بن مروان: أبو عبيد هذا حاجب سليمان ومولاه، له حديث واحد مرفوع، وآخر موقوف، فذكر حديث الباب، والآخر عنه عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة موقوفاً «فیمن سبح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين)). (عن خالد بن معدان) الكلاعي الحمصي الشامي، ثقة عابد من رواة الستة، يرسل كثيراً، مات سنة ١٠٣هـ، وقيل: بعد ذلك، وقال: أدركت سبعين رجلاً من أصحاب النبي و ﴿ وكان إذا كبرت حلقته قام مخافة الشهرة (يرفعه) أي إلى النبي ◌َّر، وهذا اللفظ من ألفاظ الرفع الحكمي. قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): هذا الحديث يسند من وجوه كثيرة، قد ذكرناها في ((التمهيد))(٢)، زاد الزرقاني: ظاهر سياقه أنه حديث واحد مشتمل على ما ذكر، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مسند من وجوه كثيرة، وهي أحاديث شتى محفوظة، اهـ. قلت: وهي كذلك، فإن أجزاءها رويت في كتب الحديث في روايات مختلفة، كما سيأتي التنبيه عليها . (١) انظر: (ص٢٤١). (٢) (١٥٦/٢٤). ٤٠٢ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٧٧٢) حديث ((إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيَرْضَى بِهِ، وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ. (إن الله تبارك وتعالى رفيق) أي لطيف بعباده، يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، قال الباجي(١): يريد فيما يحاوله الإنسان من أمر دينه ودنياه، فإن الرفق عون على المراد، واختلف في إطلاق اسم الرفيق على الله سبحانه وتعالى، بسطه النووي في هذا الحديث. وفي كتاب الإيمان في قوله اَلر: ((إن الله جميل يحب الجمال))، وحكى عن جمع منع ما لم يرد بالتواتر، وقال: هو الأصح جواز تسميته تعالى رفيقاً وغيره مما يثبت بخبر الآحاد (يحب الرفق) بكسر الراء وسكون الفاء، أي لين الجانب من القول والفعل والأخذ بأيسر الأمور (ويرضى به) أي بالرفق (ويعين عليه) أي على فاعله، قال صاحب ((المحلى)): أي في الدنيا من نيل المطالب وتسهيل المقاصد وفي الآخرة من الثواب الجزيل. (ما لا يعين على العنف) بضم العيم وسكون النون: الشدة والمشقة، وفي ((المحلى)): العنف بتثليث العين والضم أشهر ضد الرفق، وأخرج مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن رسول الله وَلّه قال: ((يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه))، قال الزرقاني: ورواه البخاري في ((الأدب المفرد))(٢) وأبو داود من حديث عبد الله بن مغفل وابن ماجه عن أبي هريرة وأحمد عن علي - رضي الله عنه - والطبراني عن أبي أمامة والبزار عن أنس، اهـ. وأخرج أبو داود(٣) من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله وَلّ يبدو إلى هذه الثّلاع، وأنّه أراد البداوةَ مرةً، فأرسل إليَّ ناقةً (١) ((المنتقى)) (٣٠٤/٧). (٢) (ص٤٧٢). (٣) أخرجه أبو داود (٤٨٠٨). ٤٠٣ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٧٧٢) حديث فَإِذَا رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ، فَأَنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا. فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ جَدْبَةً محرَّمَةً من إبل الصدقة، فقال: ((يا عائشة ارفِقي، فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نُزع من شيء قط إلا شانه))، وأخرجه مسلم بسياق آخر (فإذا ركبتم هذه الدواب) بشدة الموحدة جمع دابة (العجم) بضم العين المهملة وسكون الجيم، جمع عجماء، وهي البهيمة سميت بها لأنها لا تتكلم، كذا في ((الزرقاني))، وفي ((المحلى)): جمع عجم بالتحريك، خلاف العرب، يعني الغير الناطقة المفصحة عما في الضمير (فأنزلوها) بقطع الهمزة (منازلها) جمع منزل، وهي المواضع التي اعتيد النزول فيها لترعى، وتستريح، فتتقوى على السير. قال الزرقاني(١): وللدار قطني من حديث أبي هريرة: «فأعطوها حظها من المنازل، ولا تكونوا عليها شياطين))، أي لا تركبوها ركوبهم، ولا تستعملوها استعمالهم في عدم مراعاة الشفقة على خلق الله، اهـ. وفي رواية لأبي داود عن جابر ((ولا تَعْدُوْا المنازل))، قال الشيخ(٢): أي لا تجاوزوا عن المنزل المتعارف إلى آخر استسراعاً، لأن فيه إتعاب النفس والبهائم من غير ضرورة، اهـ. وهذا هو الظاهر في معنى حديث الباب، لرواية جابر عند أبي داود، وقال الباجي: معنى قوله: ((أنزلوها منازلها)) يريد أجروها على ما فيه صلاحها من غير عنف عليها، يقال: أنزلت فلانا منزلته، أي عاملته بما يجب في أمره، ويليق بحاله غير مقصر به ولا مبلغ له ما لا يستأهله، اهـ ويؤيده ما تقدم من لفظ الدارقطني: ((ولا تكونوا عليها شياطين)). (فإن كانت الأرض) التي تسيرون فيها (جدبة) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة التي لا كلا فيها . (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٤/٤). (٢) ((بذل المجهود)) (٦٩/١٢). ٤٠٤ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٧٧٢) حدیث فَانْجُوا عَلَيْهَا بِنِقْبِهَا . (فانجوا عليها) بالنون والجيم في جميع النسخ المصرية، وكذا في ((المحلى))، وفسره بمعنى أسرعوا، وفي غيرها من النسخ الهندية باللام بدل النون والصواب الأول، وهو بهمزة وصل وسكون نون بمعنى أسرعوا، والنجا بالمد والقصر السرعة، أي اطلبوا النجا من تلك الأرض بسرعة السير، كذا في ((الزرقاني)) (١). قال الباجي(٢): قال أبو عبيد: أي أسرعوا السير، يقال: نجوت أنجو نجاء إذا أسرعت، ويحتمل عندي أن يكون المعنى فانجوا عليها أي أسلموا عليها ما دامت بِنِقْبِها، يقال: نجا فلان ينجو إذا سلم، فيكون المعنى انجوا عليها من أرض الجدب، فإنكم إن أبطأتم في أرض الجدب ضعفت، فلم تنجوا عن أرض الجدب، فجعل ذلك معنى يبيح الإسراع، اهـ. وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حقها، وإذا سافرتم في الجدب، فأسرعوا السير، فإذا أردتم التعريس فنكبوا عن الطريق))، وعن جابر - رضي الله عنه -، نحو هذا، قال بعد قوله: حقها: ((ولا تَعْدُوا المنازل)). (بنقيها) بكسر النون وسكون القاف، أي شحمها، فإنكم إن أبطأتم عليها في أرض جدبة هزلت، ولفظ مسلم برواية أبي هريرة (٣): ((إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السَّنَةِ، فأسرعوا عليها السير، وإذا عرّستم بالليل، فاجتنبوا الطريق، فإنها مأوى الهوام بالليل)) وفي أخرى له: ((إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، (١) (٤٩٤/٤). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٤/٧). (٣) أخرجه مسلم في الإمارة (١٩٢٦)، وأبو داود في الجهاد (٢٥٦٩)، والترمذي في الأدب (٢٨٥٨). ٤٠٥ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٧٧٢) حديث وَعَلَيْكُمْ بِسَيْرِ اللَّيْلِ. فَإِنَّ الْأَرْضَ تُظْوَى بِاللَّيْلِ مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ. وإذا سافرتم في السنة، فبادروا بها نقيها، وإذا عرّستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل)). (وعليكم) اسم فعل بمعنى الزموا (بسير الليل) أي الزموا سيرها، والباء زائدة (فإن الأرض تطوى) بضم الفوقية وسكون الطاء المهملة (بالليل ما لا تطوى) ببناء المجهول فيهما (بالنهار). قال الزرقاني: والفاعل هو الله سبحانه، شبّه سهولة السير ليلاً بثوب مطويّ يسهل حمله، والطبراني برجال ثقات عن عبد الله بن مغفل مرفوعاً: ((إذا ركبتم هذه الدواب العجم، فانجوا عليها، فإذا كانت سنة فانجوا، وعليكم بالدلجة، فإنما يطويها الله))، أي لا يطوي الأرض للمسافر فيها ليلاً إلا الله عز وجل إكراماً للمسافر، حيث أتى بهذا الأدب الشرعي، اهـ. قلت: وأخرج أبو داود(١) من حديث أنس - رضي الله عنه - مرفوعاً ((عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل))، اهـ. (وإياكم) للتحذير (والتعريس) هو النزول في آخر الليل للنوم أو الراحة، هذا قول الخليل والأكثر، وقال أبو زيد: هو النزول أيّ وقت كان ليلاً أو نهاراً، والمراد ههنا الأول، كذا في ((المحلى))، (على الطريق) كذا في النسخ المصرية بلفظ الإفراد، وفي النسخ الهندية على الطرق بلفظ الجمع، ولابن ماجه عن جابر: ((على جوادّ الطريق)) بشد الدال، جمع جادة، أي معظم الطريق، والمراد نفسها، كذا في (الزرقاني))(٢)، وتقدم قريباً بروايتي مسلم عن أبي هريرة: ((وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق))، الحديث. (١) أخرجه أبو داود في الجهاد (٢٥٧١). (٢) (٣٩٤/٤). ٤٠٦ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٧٧٣) حديث فَإِنَّهَا طُرُقُ الذَّوَابِ وَمَأْوَى الْحَيَّاتِ)). أخرجه مسلم عن أبي هريرة في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٥٤ - باب مراعاة مصلحة الدواب في السير، حديث ١٧٨. ٣٩/١٧٧٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، (فإنها طرق) بلفظ الإفراد في المصرية وفي الهندية بلفظ الجمع (الدواب) بشد الموحدة جمع دابة أي دواب المسافرين، أو دواب الأرض من السباع وغيرها، كذا في ((البذل)) (١) (ومأوى الحيات) بشد التحتية، جمع حية أي محل ترددها ونزولها، وتقدم من روايتي مسلم عن أبي هريرة: ((ومأوى الهوام)»، قال النووي(٢): هذا أدب من آداب النزول أرشد إليه النبي وَلو؛ لأن دواب الأرض من ذوات السموم، والسباع وغيرها يمشي في الطريق لسهولتها، وكي يلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، فإذا عرّس الإنسان في الطريق، ربما مر به منها ما يؤذيه، فينبغي أن يتباعد عن الطريق، كذا في ((المحلى)). ٣٩/١٧٧٣ - (مالك عن سمي) بضم السين المهملة وفتح الميم وشد التحتية (مولى أبي بكر) بن عبد الرحمن القرشي المخزومي، قال ابن عبد البر(٣): انفرد بهذا الحديث مالك عن سمي فلا يصح لغيره، وانفرد به سمي أيضاً فلا يحفظ عن غيره، وليس له غير هذا الإسناد من وجه يصح، اهـ. وأخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٤) برواية القعنبي عن مالك بهذا الإسناد، قال الحافظ(٥): قوله: عن سُمَيّ، كذا لأكثر الرواة عن مالك، وكذا هو في (١) ((بذل المجهود)) (٦٨/١٢). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٦٩/١٣/٧). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨٠/٢٧). (٤) ح (١٨٠٤) من كتاب العمرة . (٥) ((فتح الباري)) (٦٤٣٣/٣). ٤٠٧ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٧٧٣) حدیث ((الموطأ))، وصرح يحيى بن يحيى النيسابوري عن مالك بتحديث سُمَيٍّ له به، وشذّ خالد بن مخلد عن مالك، فقال: عن سهيل بدل سُمَيٍّ، أخرجه ابن عدي، وذكره الدارقطني أن ابن الماجشون رواه عن مالك عن سهيل أيضاً، فتابع خالد بن مخلد، لكن قال الدارقطني: إن أبا علقمة القروي تفرد به عن ابن الماجشون، وأنه وهم فيه، ورواه الطبراني عن بشير الطيالسي عن ابن جعفر الوركاني عن مالك عن سهيل، وخالفه موسى بن هارون، فرواه عن الوركاني عن مالك عن سمي، قال الدارقطني: حدثنا به دعلج عن موسى، قال: والوهم في هذا من الطبراني أو من شيخه، وسُمَي هو المحفوظ في رواية مالك، قاله ابن عدي، وأخرجه الدارقطني وغيرهما، ولم يروه عن سمي غير مالك، قاله ابن عبد البر. ثم أسند عن عبد الملك بن الماجشون، قال: قال مالك: ما لأهل العراق يسألونني عن حديث ((السفر قطعة من العذاب))؟ فقيل له: لم يروه عن سمي أحد غيرك، فقال: لو عرفت هذا ما حدثت به، وكان مالك ربما أرسله لذلك، ورواه عتيق بن يعقوب عن مالك عن أبي النضر عن أبي صالح، ووهم فيه أيضاً على مالك، أخرجه الطبراني والدارقطني، ورواه روّاد بن الجراح عن مالك، فزاد فيه إسناداً آخر، فقال: عن ربيعة عن القاسم عن عائشة، وعن سُمي بإسناده، فذكره. قال الدار قطني: أخطأ فيه روَّاد(١) بن الجراح، وأخرجه ابن عبد البر من طريق أبي مصعب عن الدراوردي عن سهيل عن أبيه، وهذا يدل على أن له في حديث سهيل أصلاً، وأن سمياً لم ينفرد به، وقد أخرجه أحمد في ((مسنده)) من طريق المقبري عن أبي هريرة، وأخرجه ابن عدي من طريق جمهان عن أبي (١) وحكى الزرقاني (٣٩٤/٤) عن ابن عبد البر ((ليس رواد ممن يحتجُّ به ولا يُعوّل عليه))، اهـ. ((ش)). ٤٠٨ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٧٧٣) حديث عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ قَالَ: ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ. هريرة أيضاً، فلم ينفرد به أبو صالح، وأخرجه الدارقطني والحاكم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بإسناد جيد، فلم ينفرد به أبو هريرة، بل في الباب عن ابن عباس وابن عمر وابن سعيد وجابر عند ابن عدي بأسانيد ضعيفة، اهـ. (عن أبي صالح السمان) الزيات، اسمه ذكوان، وتقدم في كلام الحافظ أن الحديث أخرجه أحمد من طريق المقبري وابن عدي عن جمهان كلاهما عن أبي هريرة، فلم ينفرد به أبو صالح أيضاً (عن أبي هريرة) وتقدم في كلام الحافظ أن أبا هريرة أيضاً لم ينفرد بهذا الحديث، بل أخرجه الدارقطني والحاكم بإسناد جيد عن عائشة، وأخرجه ابن عدي عن جماعة من الصحابة بأسانيد ضعيفة. (أن رسول الله وَلّ قال: السفر قطعة) أي جزء (من العذاب) وترجم البخاري على الحديث بلفظه، فقال: ((باب السفر قطعة من العذاب»، اهـ. قال العيني(١): وروي ((قطعة من النار)) ولا أعلم صحته، اهـ. قال الحافظ (٢): المراد من العذاب الألم الناشئ عن المشقة، لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف، اهـ. وفي ((المحلى)): لما فيه من المشقة والتعب ومقاساة الحر والبرد وقلة الماء والزاد، اهـ. قال الحافظ: سئل إمام الحرمين حين جلس موضع أبيه، لِمَ كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور، لأن فيه فراق الأحباب، اهـ. (١) ((عمدة القاري)) (٤٤١/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٦٢٣/٣). ٤٠٩ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٧٧٣) حدیث يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ. فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ، ثم علله النبي وَهو بنفسه بقوله: (يمنع) السفر (أحدكم) بالنصب (نومه) أي كماله (وطعامه وشرابه) بنصب الثلاثة على نزع الخافض، أو على أنه مفعول ثان ليمنع، لأنه يطلب مفعولين، قال الحافظ (١): قوله: ((يمنع)) فصله عما قبله بياناً لذلك، بطريق الاستئناف، كالجواب لمن قال: لِمَ كان كذلك؟ فقال: يمنع أحدكم، إلخ، أي وجه التشبيه الاشتمال على المشقة، وقد ورد التعليل في رواية المقبري بلفظ: ((السفر قطعة من العذاب، لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه))، فذكر الحديث، والمراد بالمنع في الأشياء المذكورة منع كمالها لا أصلها . وفي ((العيني))(٢): قال الخطابي: أي يمنعه الطعام في الوقت الذي يستوفيه منه لغدائه وعشائه، والنوم كذلك يمنعه في وقته واستيفائه القدر الذي يحتاج إليه، قال الحافظ: وقد وقع عند الطبراني بلفظ: ((لا يهنأ أحدكم بنومه ولا طعامه ولا شرابه))، وفي حديث ابن عمر - رضي الله عنه - عند ابن عدي: ((وأنه ليس له دواء إلا سرعة السير))، اهـ. (فإذا قضى أحدكم نهمته) بفتح النون وسكون الهاء، قال ابن التين: وضبطناه أيضاً بكسر النون أي حاجته (من وجهه) أي من مقصده، والجار والمجرور متعلق بقضى، أي حصل مقصوده من وجهه الذي توجه إليه، كذا في ((المحلی)). قال الحافظ: وفي رواية ابن عباس عند ابن عدي: ((إذا قضى أحدكم وطره من سفره))، وفي رواية رواد بن الجراح: ((فإذا فرغ أحدكم من حاجته))، (١) ((فتح الباري)) (٦٢٣/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٤٢/٧). ٤١٠ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٥) باب (١٧٧٣) حديث فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٦ - كتاب العمرة، ١٩ - باب السفر قطعة من العذاب. ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٥٥ - باب السفر قطعة من العذاب، حديث ١٧٩. (فليعجل) ضبطه الزرقاني بضم التحتية وكسر الجيم مشددة، يعني من التعجيل، وقال صاحب ((المحلى)): بفتح الجيم من فرح يفرح، وفي نسخة من التعجيل، اهـ، أي يسرع في الرجوع (إلى أهله). قال الحافظ(١): وفي رواية عتيق والمقبري: ((فليعجل الرجوع إلى أهله))، وفي رواية أبي مصعب: ((فليعجل الكرة إلى أهله))، وفي حديث عائشة: ((فليعجل الرحلة إلى أهله فإنه أعظم لأجره))، قال ابن عبد البر: زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك: ((وليتخذ لأهله هدية، وإن لم يجد إلا حجراً فلينقله في مخلاته))، يعني حجر الزناد، قال: وهذه زيادة منكرة لا تصح، اهـ. قال العيني(٢): إن قلت: روى وكيع عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً: «لو يعلم الناس ما لمسافر لأصبحوا على الظهر سفراً، إن الله لينظر إلى الغريب في كل يوم مرتين))، وفي حديث ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - مرفوعاً: ((سافروا تغنموا))، وفي رواية: ((تُرْزقوا))، ويروى: ((سافروا تصِخُّوا)) فهذا معارض لحديث الباب. قلت: حديث أبي هريرة، قال أبو عمر: هذا حديث غريب لا أصل له من حديث مالك ولا غيره، وأما حديث ابن عباس وابن عمر، فقد قال ابن بطال: لا تعارض بينه وبين حديث الباب؛ لأنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب، لما فيه من المشقة، فصار كالدواء المر المعقب للصحة، وإن كان في تناوله الكراهة، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (٦٢٣/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٤٣/٧). ٤١١ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٦) باب (١٧٧٤) حديث (١٦) باب الأمر بالرفق بالمملوك ١٧٧٤/ ٤٠ - حدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((لِلْممُلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ (١٦) الأمر بالرفق بكسر الراء وسكون الفاء ضد العنف، والجار متعلق بالأمر (بالمملوك) والجار يتعلق بالرفق، والمراد بالمملوك الرقيق. ٤٠/١٧٧٤ - (مالك أنه بلغه أن أبا هريرة) قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): هذا الحديث رواه إبراهيم بن طهمان عن مالك بن أنس عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، وتابعه على هذا الإسناد الثوري، ورواه ابن عيينة وغيره عن ابن عجلان عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عجلان أبي محمد عن أبي هريرة، وهذا الإسناد هو الصحيح عند أهل العلم بالنقل، والله أعلم، اهـ. كذا في ((التجريد)). وقال السيوطي في ((التنوير))(٢): قال ابن عبد البر، والمزي في ((الأطراف)): رواه إبراهيم بن طهمان عن مالك عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، وتابعه النعمان بن عبد السلام عن مالك، اهـ. قلت: وأخرجه مسلم من طريق ابن وهب أنا عمرو بن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه عن العجلان مولى فاطمة عن أبي هريرة، فذكر مثل حديث الباب، وقد وقع التحريف من الناسخ فيما حكى العلامة الزرقاني من رواية مسلم. (قال: قال رسول الله (وَلّ للمملوك) أي الرقيق ذكراً كان أو أنثى خبر مقدم (طعامه) بالرفع مبتدأ مؤخر (وكسوته) عطف على طعامه، والكسوة بكسر (١) (ص٢٤٩). (٢) (تنوير الحوالك)) (ص ٧٠٥). ٤١٢ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٦) باب (١٧٧٤) حديث بِالْمَعْرُوفِ . الكاف وضمه لغتان والكسر أفصح، وبه ورد في التنزيل، قال النووي: نَبَّه بالطعام والكسوة على سائر المؤون التي يحتاج إليها العبد، اهـ. (بالمعروف) قال الزرقاني(١): وغيره: أي بلا إسراف ولا تقتير على اللائق بأمثاله. وقال الباجي(٢): قوله: بالمعروف يريد مما يليق بمثله في حاله وتصرفه ونفاذه في التجارة والعمل، وقد روى أبو ذر(٣) عن النبي وَّر قال: ((فمن كان أخوه تحت يده فليُطعمه مما يأكل وليُلْبسه مما يلبس))، ويحتمل أن يريد من ماله الذي منه يأكل ومنه يلبس، وهو يعطي منه عبده كسوته وطعامه بالمعروف من الوجه المعتاد لمثله. ويحتمل أن يريد من جنس ما يلبس، فيكون ذلك على وجه الندب نصاً، وسُئل مالك هل يأكل السيد من طعام لا يأكل منه العبد، ويلبس ثياباً لا يلبسها العبد؟ قال: هو من ذلك في سعة، قيل له: فحديث أبي ذر؟ قال: لم يكن لهم يومئذٍ هذا القوت، اهـ. قال النووي(٤) تحت حديث أبي ذر - رضي الله عنه -: الأمر بإطعامهم مما يأكل السيد، وإلباسهم مما يلبس محمول على الاستحباب لا على الإيجاب، وهذا بإجماع المسلمين، وأما فعل أبي ذر - رضي الله عنه - في كسوة غلامه مثل كسوته، فعمل بالمستحب، وإنما يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه حتى لو قَتَّرَ السيد على نفسه تقتيراً خارجاً (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٦/٤). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٥/٧). (٣) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان (٣٠). (٤) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١١/ ١٣٣). ٤١٣ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٦) باب (١٧٧٤) حدیث وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ)). أخرجه مسلم في: ٢٧ - كتاب الأيمان، ١٠ - باب إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه، حديث ٤١. عن عادة أمثاله إما زهداً وإما شحاً، لا يحل التقتير على المملوك، وإلزامه موافقته إلا برضاه، اهـ. وقال الحافظ(١) في حديث أبي ذر: ((فليطعمه مما يأكل)) أي من جنس ما يأكل للتبعيض الذي دلت عليه ((من))، ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة عند البخاري بلفظ: ((فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة))، فالمراد المواساة لا المساواة من كل جهة، لكن من أخذ بالأكمل كأبي ذر فعل المساواة، وهو الأفضل، فلا يستأثر المرء على عياله من ذلك، وإن كان جائزاً. وفي ((مسلم)) و((الموطأ)) عن أبي هريرة، فذكر حديث الباب [وهو] يقتضي الرد في ذلك إلى العرف، فمن زاد عليه كان متطوعاً، وأما ما حكاه ابن بطال عن مالك أنه سئل عن حديث أبي ذر فقال: كانوا يومئذٍ ليس لهم هذا القوت، واستحسنه، ففيه نظر لا يخفى، لأن ذلك لا يمنع حمل الأمر على عمومه في حق كل أحد بحسبه، اهـ. (ولا يكلف) ببناء المجهول نفي بمعنى نهي، ولفظ البخاري في حديث أبي ذر: (ولا تكلفوهم ما يغلبهم))، الحديث (من العمل إلا ما يطيق) أي لا يؤمر العبد بعمل لا يتحمله، قال النووي: أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيقه، فإن كلفه ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره، اهـ. ولفظ البخاري(٢) من حديث أبي ذر: ((ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم)). (١) ((فتح الباري)) (١٧٤/٥). (٢) ((صحيح البخاري) ح(٢٥٤٥). ٤١٤ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٦) باب (١٧٧٥ - ١٧٧٦) حديث ١٧٧٥/ ٤١ - وحدّثني مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب كَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْعَوَالِي كُلَّ يَوْمِ سَبْتٍ. فَإِذَا وَجَدَ عَبْداً فِي عَملٍ لَا يُطِيقُهُ، وَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ. ٤٢/١٧٧٦ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَخْطُبُ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا تُكَلِّفُوا الْأَمَةَ، غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ، ١٧٧٥/ ٤١ - (مالك أنه بلغه أن) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (كان) في زمان خلافته (يذهب إلى العوالي) وهي القرى المجتمعة حول المدينة المنورة، ومن جملتها قباء (كل يوم سبت) بالنصب على الظرفية، ولعله كان اتباعاً لفعله وَل﴿، فقد أخرج البخاري في ((صحيحه))(١) عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كان النبي ولم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً، وكان عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يفعله، وترجم عليه البخاري(٢) ((باب من أتى مسجد قباء كل سبت)) (فإذا وجد) عمر - رضي الله عنه - (عبداً) يشتغل (في عمل لا يطيقه) إلا بمشقة شديدة أو لا يطيق الدوام عليه (وضع عنه) أي عن الغلام (منه) أي من العمل، أي نقص من العمل شيئاً يأمر مولاه بذلك. ١٧٧٦ / ٤٢ - (مالك عن عمه أبي سهيل) بضم السين المهملة مصغرا نافع (ابن مالك عن أبيه) مالك بن أبي عامر الأصبحي جد الإمام مالك (أنه سمع) أمير المؤمنين (عثمان بن عفان وهو يخطب) جملة حالية (وهو يقول) في خطبته: (لا تكلفوا) بضم الفوقية وكسر اللام المشددة (الأمة) بالنصب (غير ذات الصنعة) بنصب الغير على صفة الأمة، والصنعة بالصاد المهملة والنون في جميع النسخ (١) ح (١١٩٣). (٢) ((صحيح البخاري)) (٢/ ٧٢). ٤١٥ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٦) باب (١٧٧٦) حديث الْكَسْبَ. فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذُلِكَ، كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا . الهندية والمصرية، فهو بفتح الصاد المهملة وسكون النون مصدر، قال صاحب ((مختار الصحاح)): الصناعة بالكسر حرفة الصانع وعمله الصنعة، اهـ. قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ﴾ الآية، وضبطه صاحب ((المحلى)) بفتح الضاد والعين بينهما تحتية ساكنة، قال: والمراد به حرفة الرجل وصناعته، اهـ. قال صاحب ((المختار)): الضيعة العقار، وقال الأزهري: الضيعة عند الحاضرة النخل والكرم والأرض، والعرب لا تعرف الضيعة إلا الحرفة والصناعة، اهـ. (الكسب) بالنصب مفعول لا تكلفوا (فإنكم متى) بفتح الميم وخفة الفوقية بمعنى إذا، وفي النسخ الهندية: ((متى ما)) بزيادة ما (كلفتموها) بصيغة الجمع من التكليف (ذلك) أي الكسب في هذه الحالة. (كسبت بفرجها) قال الباجي(١): يريد أنها إن ألزمت خراجاً، وهي ليست بذات صنعة تصنعها بخراج اضطرها ذلك إلى الكسب، من أي وجه أمكنها، وكان ذلك سبباً إلى أن تكسب بفرجها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الِْغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَّحَصُّنَا لِيْبَغُواْ عَرَضَ الْخَيَّوَةِ الدُّنْيَا﴾(٢)، اهـ. وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب ضريبة العبد وتعاهد ضرائب الإماء)»، قال الحافظ(٣): الضريبة فعيلة، بمعنى مفعولة، ما يقدره السيد على عبده في كل يوم، وضرائب جمعها، واختصاصها بالتعاهد لكونها مظنة تطرق الفساد في الأغلب والأكثر، وإلا فكما يخشى من اكتساب الأمة بفرجها يخشى من اكتساب العبد بالسرقة مثلاً . (١) ((المنتقى)» (٣٠٦/٧). (٢) سورة النور: الآية ٣٣. (٣) ((فتح الباري)) (٢٢٠/٥). ٤١٦ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٦) باب (١٧٧٦) حديث وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ. فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ وَعِقُّوا ولعله أشار بالترجمة إلى ما أخرجه هو في ((تاريخه)) من طريق أبي داود الأحمري قال: خطبنا حذيفةُ حين قدم المدائن، فقال: تعاهدوا ضرائب إمائكم، وهو عند ابن نعيم في ((الحلية)) بلفظ: ((ضرائب غلمانكم))، وأورده سعيد بن منصور في ((السنن)) مطولاً، ولأبي داود من حديث رافع بن خديج مرفوعاً: ((نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو؟))، اهـ. (ولا تكلفوا) بضم المثناة الفوقية وكسر اللام المشددة (الصغير) بالنصب على المفعولية أي الغلام الصغير الذي لا يطيق (الكسب) مفعول ثان (فإنه) أي الصغير (إذا لم يجد) شيئاً يؤديه إلى السيد (سرق) جزاء الشرط. قال الباجي(١): يعني كذلك الصبي الصغير إذا كلف الكسب، وأن يأتي بالخراج، وهو لا يطيق ذلك، فإنه ربما اضطره إلى أن يتخلص مما لزمه من الخراج بأن يسرق، اهـ. وتقدم قريباً من خطبة حذيفة براوية أبي نعيم في ((الحلية)): ((تعاهدوا ضرائب غلمانكم)). (وعِقُوا) بكسر العين المهملة وشد الفاء المضمومة. قال الزرقاني(٢): أمر من عفّ يعِفّ، كضرب يضرب، أي تنزهوا واستغنوا عن تكليف الأمة والصغير المذكورين، وقوله: إذ تعليل، وأعفّكم الله أي أغناكم الله عن ذلك بما فتحه علیکم ووسعه في الرزق، اهـ. وقريب منه ما في ((الباجي)) إذ قال: يريد عِفُّوا عن الكسب الخبيث، أي اتركوه واصبروا عنه إذا أعفّكم الله، أي إذا أوجدكم الله تعالى السبيل إلى التعفف بالغنى ، اهـ. والأوجه عندي أنه تأسيس وأمر مستأنف، أي كُفُّوا عن المحارم كلها، (١) ((المنتقى)) (٣٠٧/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٦/٤). ٤١٧ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٦) باب (١٧٧٦) حدیث إِذَا أَعَفَّكُمُ اللهُ. وَعَلَيْكُمْ، مِنَ الْمَطَاعِم، بِمَا طَابَ مِنْهَا . سواء كان من باب أخذ الخراج الحرام أو السؤال الحرام أو النظر الحرام أو غير ذلك، كما في ((الصحيحين))، وسيأتي في ((الموطأ)) من حديث أبي سعيد الخدري: ((ومن يستعفِفْ يُعِفُّه الله))، وفي ((الجامع الصغير)) بروايات مختلفة قوله: ((عِفّوا تعف نساؤكم))، وعن أبي هريرة برواية الحاكم، ورقم عليه بالصحة ((عِفُّوا عن نساء الناس تعف نساؤكم))، اهـ. وفي ((المشكاة)) برواية أحمد وغيره عن عبد الله بن عمر مرفوعاً: ((أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك الدنيا))، الحديث، وفيه: ((وعفة في طعمة)). (إذا أعفّكم الله) اختلفت النسخ في سياق هذه الكلمة اختلافاً كثيراً، وهذا سياق النسخ الهندية يعني بالألفين، وهكذا في نسخة ((المحلى))، وتقدم ما في الزرقاني إذ جعله ((إذ)) يعني بسكون الذال، ((وأعفكم)) بالألف، يعني من الإفعال، وفي نسخة الباجي ((إذا)) بالألف في آخره ((وعفّكم الله)) بدون الألف يعني من المجرد، وهكذا في بعض النسخ المصرية الأخر، وفي نسخة ((التنوير)) من النسخ المصرية كالهندية. (وعليكم من المطاعم) بفتح الميم وكسر العين أي من الأطعمة (بما طاب منها) أي بما حلَّ، وجاز، قال صاحب ((المحلى)): ويكون عارياً عن الشبهة، اهـ. قال الباجي(١): أي بما حلّ وسَلِمَ من التحريم والكراهية، قال الله عز وجل: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُواْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾(٢) وكان عثمان - رضي الله عنه - يقول ذلك في خطبته لتعُمَّ موعظته، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٣٠٤/٧). (٢) سورة المؤمنون: الآية ٥١. ٤١٨ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧) باب ما جاء في المملوك وهبته ٤٣/١٧٧٧ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلّهِ قَالَ: (١٧) ما جاء في المملوك وهيئته (ما جاء في المملوك) من النصح لسيده والعبادة لربه (وهيئته) كذا في أكثر النسخ المصرية من الهمزة بعد التحتية، وهو الصواب، فما في النسخ الهندية ونسخة ((الزرقاني)) و((التنوير)) وغيرهما من المصرية بلفظ ((هبته)) بالموحدة بعد الهاء تحريف من الناسخ، لا معنى له لههنا، قال الراغب: الهيئة الحالة التي يكون عليها الشيء محسوسة كانت أو معقولة، لكن في المحسوس أكثر، قال تعالى: ﴿أَنّ أَغْلُقُ لَكُم مِّنَ اُلْطِّينِ كَهَّئَةِ اَلَّيْرِ﴾(١) الآية. ١٧٧٧/ ٤٣ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - أخرجه البخاري(٢) برواية القعنبي عن مالك، ولا يذهب عليك أنه وقع في النسخ الهندية عبيد الله بن عمر بلفظ التصغير، وهو تحريف من الناسخ، فالرواية عن ابن عمر معروفة بهذا السند والمتن. (أن رسول الله وَالَةٍ قال). وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده))، وأخرج فيه حديث الباب وحديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً: ((أيما رجل كانت له جارية، فأدبها فأحسن تأديبها، وأعتقها وتزوجها، فله أجران، وأيما عبد أدى حق الله وحق مواليه فله أجران))، وحديث أبي هريرة: ((للعبد المملوك الصالح أجران»، وفي لفظ له: «نَعِمّا ما لأحدكم يحسن عبادة ربه وينصح لسیده)) . (١) سورة آل عمران: الآية ٤٩. (٢) ح (٢٥٤٦) والحديث في ((التمهيد)) (٢٣٦/١٤). ٤١٩ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧) باب (١٧٧٧) حديث ((الْعَبْدُ. إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ. قلت: وحديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أخرجه البخاري في كتاب العلم(١) بلفظ «ثلاثة لهم أجران، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد بَلَّ، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران)) (العبد) أي الرقيق يعم الذكر والأنثى (إذا نصح لسيده) بزيادة اللام في أوله في النسخ المصرية، وكذا في ((المحلى)) وفي غيرها من الهندية بحذفها . قال الزرقاني(٢): بزيادة اللام للمبالغة، قاله الطيبي، أي قام بمصالحه على وجه الخلوص، وامتثل أمره وتجنب نهيه، وفي ((الصحيح)) من حديث أبي موسى: ((العبد الذي يحسن عبادة ربه، ويؤدي إلى سيده الذي له عليه من الحق والنصيحة والطاعة له أجران)). قال الكرماني: النصيحة كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له، وهو إرادة صلاح حاله وتخليصه من الخلل، وتصفيته من الغش، كذا في ((الزرقاني))، وترجم البخاري في (صحيحه)) ((باب قول النبي ◌ُّر الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) وقوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِةٍ﴾، وأخرج فيه حديث جرير في البيعة على النصح لكل مسلم. قال الحافظ(٣): قال المازري: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيّته، يقال: نصح الشيء إذا خلص، أو مشتقة من النصح، وهي الخياطة بالمنصحة، وهي الإبرة، والمعنى أنه يلُمَّ شعث أخيه بالنصح، كما تلُمَّ (١) ح (٩٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٤/٤). (٣) (فتح الباري)) (١٣٨/١). ٤٢٠