النص المفهرس

صفحات 381-400

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٢) باب
(١٧٦٧) حديث
حَتَّى تَدْخُلَ وَتَنْظُرَ مَا فِي بَيْتِكَ. فَدَخَلَ فَإِذَاهُوَ بِحَيَّةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى
فِرَاشِهِ. فَرَكَزَ فِيهَا رُمْحَهُ. ثُمَّ خَرَجَ بِهَا فَنَصَبَهُ فِي الدَّارِ. فَاضْطَرَبَتِ
الْحَيَّةُ فِي رَأْسِ الرُّمْحِ. وَخَرَّ الْفَتَى مَيِّناً. فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ
مَوْتاً. الْفَتَى أَم الْحَيَّةُ؟ فَذُكِرَ ذُلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَله
المفتوحة في جميع النسخ المصرية، وكذا في ((المحلى)) وفي غيرها من
الهندية: لا تجعل بتقديم الجيم على العين وزيادة عليّ، والأوجه الأول (حتى
تدخل) البيت (وتنظر ما في بيتك) ولفظ مسلم: فقالت له: اكفف عليك
رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني.
(فدخل) الفتى البيت (فإذا هو) أي الفتى (بحية) زاد في مسلم: عظيمة
ولفظ أبي داود: فإذا حية منكرة (منطوية) أي ملتوية مرتمية (على فراشه فركز)
بالراء والزاء بينهما كاف أي غرز (فيها رمحه ثم خرج بها) أي الحية المركوزة
في الرمح (فنصبه) أي الرمح (في الدار) ولفظ مسلم: فأهوى إليها بالرمح
فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار (فاضطربت الحية في رأس الرمح) ولفظ
مسلم: فاضطربت عليه، قال القاري(١): أي اضطربت الحية صائلة على الفتى
(وخرّ) بشد الراء أي سقط (الفتى ميتاً) وأفاد في ((الإرشاد الرضي)): وتوفيت
المرأة أيضاً، اهـ.
(فما يدرى) ببناء المجهول أي ما يعلم (أيُّهما) بفتح الهمزة وشد الياء،
وسيأتي بيان الضمير (كان أسرع موتاً) أي أيهما تقدم موته (الفتى أم الحية؟)
بالرفع بيان لأيهما، كذا في «المرقاة» (فذكر) ببناء المجهول (ذلك) الأمر
العجيب الفزيع (لرسول الله (*) ولفظ مسلم: قال فجئنا إلى رسول الله وَل)
فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع الله يحييه لنا، فقال: ((استغفروا لصاحبكم)) ثم
قال: ((إن بالمدينة)»، الحديث.
(١) (مرقاة المفاتيح)) (١٣٧/٨).
٣٨١

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٢) باب
(١٧٦٧) حديث
فَقَالَ: ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنَّا قَدْ أَسْلَمُوا. فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئاً فَآذِنُوه
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ.
(فقال) وَله: (إن بالمدينة) المنورة بالباء الموحدة في المصرية، و((في
المدينة)) في الهندية (جنّاً) أي طائفة منهم (قد أسلموا) قال القرطبي: وكذا أسلم
بغيرها فيلزم المساواة في منع القتل إلا بإذن، ولا يفهم من الحديث أن الذي
قتله الفتى مسلم، وأن الجن قتلته قصاصاً؛ لأن القصاص وإن شرع بين الإنس
والجن لكن شرطه العمد، فالأولى أن يقال: إن فسقة الجن قتلته بصاحبهم
عدواناً، وإنما قال وَلجه: ((إن بالمدينة جناً قد أسلموا))، ليبين لهم طريقاً يحصل
بها التحرز عن قتل المسلم منهم، ويسلط به على قتل الكافر، اهـ.
(فإذا رأيتم منهم) كذا في جميع النسخ المصرية، وكذا في الهندية غير
نسخة ((المحلى)) ففيها بلفظ ((منها)) بدل منهم، وهكذا ذكر النسختين القاري،
وقال: وفي نسخة ((منها)) أي من طائفتهم (شيئاً فآذنوه) بمد الهمزة وكسر الذال
أمر من الإيذان، بمعنى الإعلام، والمراد به الإنذار، والمعنى قولوا له نحو ما
تقدم أو حلفوه، وقولوا: بالله عليك أن لا تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين،
كذا في ((المرقاة)) (ثلاثة أيام) قال عياض: هذا تفسير لقوله وضّيّ في الرواية
الأخرى.
وبه أخذ مالك أن الإنذار ثلاثة أيام، وإن ظهر في يوم ثلاث مرات لم
يكف حتى ينذر ثلاثة أيام، كذا في ((الزرقاني))(١)، والمراد بالراوية الأخرى ما
في ((مسلم)) من حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم
منها شياً، فحرِّجوا عليه ثلاثاً)).
قال الحافظ(٢): اختلف في المراد بالثلاث، فقيل: ثلاث مرات، وقيل:
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٨/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٤٩/٤).
٣٨٢

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٢) باب
(١٧٦٧) حديث
فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ. فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ.
أخرجه مسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ٣٧ - باب قتل الحيات وغيرها،
حديث ١٢٩.
ثلاثة أيام، اهـ. وعزا الدميري القول الثاني إلى الجمهور، قال الباجي(١): قال
عيسى بن دينار: ينذروا ثلاثة أيام، ولا ينظر إلى ظهورها، وإن ظهرت في
اليوم مراراً، اهـ.
(فإن بدا) أي ظهر (لكم بعد ذلك) أي بعد الإيذان ثلاثة أيام (فاقتلوه) أمر
إرشاد (فإنما هو شيطان) وفي رواية لمسلم: ((فإنه كافر، وقال لهم: اذهبوا
فادفنوا صاحبكم))، قال عياض: لأنه إذا لم يذهب بالإنذار بان أنه ليس من
عُمَّار البيوت، ولا ممن أسلم، وأنه شيطان، فقتله مباح.
قال القرطبي: الأمر للإرشاد إلا محقق الضرر، فيجب دفعه، قال الأبي:
هل الموجب للإنذار الإسلام أو خوف الضرر مثل ما وقع للفتى؟ فإن كان
الثاني فخوف وقوعه ممن لم يسلم أقوى إلا أن يقال: يحتمل أن الله تعالى لم
يقدر ذلك إلا على من يسلم دون الكافر، ويدل عليه قوله ◌َّله: ((فإنه كافر فإنه
شيطان))، وبه جزم عياض، كذا في (الزرقاني))(٢).
وفي ((المحلى)): معناه إذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر
البيوت، ولا ممن أسلم من الجن، بل هو شيطان، فإنه لا حرمة له فاقتلوه،
ولن يجعل الله له سبيلاً للانتصار عليكم بثأره، بخلاف العوامر ومن
أسلم، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٣٠٢/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٨/٤).
٣٨٣

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٣) باب
(١٧٦٨) حديث
(١٣) باب ما يؤمر به من الكلام في السفر
٣٤/١٧٦٨ - حدّثني مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ كَانَ
إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ
(١٣) ما يؤمر به من الكلام في السفر
ما يؤمر - ببناء المجهول - به من الكلام - أي الدعاء - في السفر
أي ما ينبغي أن يقرأ من الدعاء في السفر
٣٤/١٧٦٨ - (مالك أنه بلغه) قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): هذا
الحديث يستند من وجوه صحاح من حديث عبد الله بن سرجس والبراء وأبي
هريرة وابن عمر - رضي الله عنهم -، اهـ. وعزا في هامش ((الحصن)) عن
((الحرز الثمين)) حديث عبد الله بن سرجس إلى الترمذي(٢) والنسائي، وحديث
البراء إلى أبي يعلى وابن السني، وحديث أبي هريرة إلى الترمذي والنسائي،
وذكر صاحب ((الحصن)) ويتعوذ في السفر من وعثاء السفر، الحديث، وعزاه
إلى مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، يعني من حديث ابن سرجس.
(أن رسول الله وسلم كان إذا وضع رجله) بكسر الراء وسكون الجيم (في
الغرز) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء ثم زاي معجمة، قال صاحب
((المحلى)): الغرز ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: هو
الكور مطلقاً مثل الركاب للسرج، كذا في ((النهاية)»، انتهى. وقال الباجي:
الغرز من الرحل كالركاب للسرج، انتهى.
وترجم البخاري ((باب الركاب والغرز))، قال الحافظ(٣): قيل: الركاب
يكون من الحديد والخشب، والغرز لا يكون إلا من الجلد، وقيل: هما
مترادفان، أو الغرز للجمل والركاب للفرس، اهـ.
(١) (ص٢٥٢) والحديث في ((التمهيد)) (٣٥٣/٢٤).
(٢) أخرجه الترمذي في الدعوات (٣٤٣٩) والنسائي في الاستعاذة (٢٧٢/٨).
(٣) ((فتح الباري)) (٦٩/٦).
٣٨٤

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٣) باب
(١٧٦٨) حديث
وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ يَقُولُ: ((بِاسْمِ اللهِ. اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ.
وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ. اللَّهُمَّ ازَوِ لَنَا الْأَرْضَ وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ. اللَّهُمَّ
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ،
(وهو يريد السفر) جملة حالية. (يقول باسم الله) أبتدأ السفر، قال
الباجي(١): قوله: بسم الله ابتدأ في دعائه بذكر الله، ويستفتح بالتسمية، ولعله
أراد بذلك استفتاح السفر، فقد يستفتح الأعمال بالتسمية، كالأكل والشرب
(اللَّهم أنت الصاحب) أي المصاحب (في السفر) قال عز اسمه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ
مَا كُتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ((حديد))، وقال الله: ﴿إِنِّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ
الضَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ﴾ الآية، ((مائدة))، وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُ الْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ
مَعَكُمْ﴾ ((محمد)) (والخليفة في الأهل) قال الباجي(٢): يعنى أنه لا يخلو مكان
من أمره تعالى، وحكمه فيصحب المسافر في سفره بأن يسلمه، ويرزقه،
ويعينه، ويخلفه في أهله بأن يرزقهم سعة، فلا حكم لأحد في الأرض ولا في
السماء غيره عز وجل، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُّمْ﴾ فقدم النبي ◌ِّلـ
بين يدي دعائه أن هذا مما يعتقده ويدعوه لجميعه، اهـ. زاد في ((الحصن))
برواية الترمذي والنسائي عن عبد الله بن سرجس بعد قوله: ((اللَّهم أنت الصاحب
في السفر والخليفة في الأهل، اللَّهم اصحبنا في سفرنا واخلُفْنا في أهلنا)).
(اللَّهم ازو) بهمزة الوصل وسكون الزاي المعجمة وكسر الواو بصيغة
الأمر من زوى الشيء جمعه، كذا في ((المحلى)) والمعنى اطوٍ لنا الأرض وهو
سياق رواية ((الحصن)) عن عبد الله بن سرجس (لنا الأرض) قال الباجي: يريد
يقبضها ويجمعها، فتقرب عليه مسافة ما يريد قطعه منها، وذلك بعونه تعالى
عليه (وهَوِّنْ) بتشديد الواو المكسورة أي يسر وخفف (علينا السفر) مفعول هون
أو ظرف والمفعول مقدر، أي يَسِّر أمورنا في السفر، كذا في ((المحلى)).
(اللَّهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر) بفتح واو وعين مهملة ساكنة وثاء
(١) ((المنتقى)) (٣٠٣/٧).
(٢) انظر: ((تنوير الحوالك)) (ص ٧٠٢).
٣٨٥

٥٥ - کتاب الاستئذان
(١٣) باب
(١٧٦٨) حديث
وَمِنْ كَابَةِ الْمُنْقَلَبِ وَمِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ».
هذا البلاغ مما صح عن عبد الله بن سرجس وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم.
فأخرجه مسلم عن ابن عمر في: ١٥ - كتاب الحج، ٧٥ - باب ما يقول إذا ركب إلى
سفر الحج وغيره، حدیث ٤٢٥.
مثلثة ممدودة، أي شدة السفر ومشقته، يقال: رمل وعث، ورملة وعثاء لما
يشتدّ فيه السير للينة، ثم قيل للشدة والمشقة وعثاء على التمثيل، كذا في
((المحلى)) عن ((النهاية)) (ومن كآبة المنقلب) بفتح اللام مصدر ميمي بمعنى
الرجوع، والكآبة بفتح الكاف والهمزة والمد، تغير النفس بالانكسار من شدة
الهم والحزن، والإضافة ظرفية أي من تغير النفس من شدة الهم عند الرجوع
بأن يعود غير مقضي الحاجة أو مصاباً بمال أو مرض، كذا في ((المحلى)).
وفي ((هامش الحصن)): قيل: المراد منه الاستعاذة من كل منظر يعقب
الكآبة، وقال الباجي(١): يريد أن ينقلب إلى ما يقتضي كآبةً من فوات ما يريد
أو وقوع ما يخطر (ومن سوء المنظر) بفتح الظاء المعجمة مصدر ميمي (في
المال والأهل) وهو كل ما يسوء النظر إليه فيهما .
قال صاحب ((المحلى)): بأن يفقد بعض ماله أو أهله من الزوجة
والأقارب، قال الباجي: يريد الاستعاذة من أن يكون في أهله وماله ما يسوؤه
النظر إليه، يقال: منظر حسن ومنظر قبيح، اهـ.
وفي ((هامش الحصن)): أي من أن يطمع ظالم أو فاجر في الأهل
والمال، اهـ. وفي ((الحصن)): ((ما راكب يخلو في مسيره بالله وبذكره إلا
ردفه الله بملك، ولا يخلو بشعر ونحوه إلا ردفه بشيطان))، قال صاحب
((الحرز)): رواه الطبراني عن عقبة بن عامر.
وفي ((الحصن)) أيضاً: قال وَ له: ((أتحب يا جبير إذا خرجت في سفر أن
(١) ((المنتقى)) (٣٠٣/٧).
٣٨٦

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٣) باب
(١٧٦٨) حديث
وحدّثني مَالِكٌ عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ خَوْلَةً
تكون أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زاداً؟)) فقلت: نعم بأبي أنت وأمي، قال:
﴿﴾ و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾
((فاقرأ هذه السور الخمس ﴿قُلٌ يَأَيُهَا الْكَافِرُونَ
و﴿قُلُ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
النَّاسِ ﴾﴾، وافتتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم، واختم قراءتك
بها))، قال جبير: وكنت غنياً كثير المال، فكنت أخرج في سفر، فأكون أبذّهم
هيئة، وأقلهم زاداً، فما زلت منذ علمتهن من رسول الله مَله، وقرأت بهن أكون
من أحسنهم هيئة وأكثرهم زاداً، حتى أرجع من سفري، قال صاحب ((الحرز)):
رواه أبو يعلى (١) عن جبير بن مطعم، اهـ.
(مالك عن الثقة عنده) قال ابن عبد البر في ((التجريد)) (٢) هكذا قال يحيى
عن مالك عن الثقة عنده، وقال القعنبي وابن بكير وابن القاسم وابن وهب:
عن مالك أنه بلغه عن يعقوب، والمعنى واحد، ولم يكن مالك يروي إلا عن
ثقة، اهـ (عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج) أبو يوسف المدني من رواة مسلم
والنسائي وغيرهما، قتل في البحر شهيداً سنة ١٢٢هـ، وروي عن مالك وغيره
أن يعقوب قال في غزاته التي قتل فيها: إني رأيت أني دخلت الجنة فسقيت
فيها لبناً، قال: فاستقاء فقاء اللبن، قال أبو القاسم: وكان في البحر بموضع لا
لبن فيه، كذا في ((التهذيب))، والحديث أخرجه مسلم بطرق عن يعقوب بن
عبد الله مثل ما في ((الموطأ)).
(عن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة (ابن سعيد) بفتح السين وكسر
العين المهملتين المدني (عن سعد) بسكون العين (ابن أبي وقاص) أحد العشرة
المبشرة (عن خولة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، ويقال لها: خويلة
(١) ((مسند أبي يعلى)) (١٣ /٧٤١٩).
(٢) (ص١٤٣).
٣٨٧

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٣) باب
(١٧٦٨) حديث
بِنْتِ حَكِيم؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ
بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. فَإِنَّهُ لَنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى
بالتصغير أيضاً (بنت حكيم) أم شريك صحابية شهيرة.
(أن رسول الله وَ لّ قال) والحديث أخرجه الترمذي(١) برواية قتيبة عن
الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن الحارث بن يعقوب عن يعقوب بن عبد الله بن
الأشج عن بسر بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص عن خولة بنت حكيم السلمية
عن رسول الله ﴾﴾ قال، ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
:
وروى مالك بن أنس هذا الحديث أنه بلغه عن يعقوب بن الأشج، فذكر
نحو هذا، وروى عن ابن عجلان هذا الحديث عن يعقوب بن عبد الله بن
الأشج، ويقول: عن سعيد بن المسيب عن خولة.
وحديث الليث أصح من رواية ابن عجلان، اهـ.
والحديث ذكره صاحب ((الحصن)) وعزاه إلى م ت س ق ا ط مص،
يعني رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، والطبراني، وابن
أبي شيبة، كلهم عن خولة بنت الحكيم، وليس لها في الكتب إلا هذا الحديث
إلا الطبراني، فعن عبد الرحمن بن عائش، كذا في هامشه عن ((الحرز)).
(من نزل منزلاً) في سفر كذا في ((المحلى)) ويؤيده تبويب المصنف، وقال
الزرقاني: أي مظنَّة للهوام والحشرات ونحوهما مما يؤذي ولو في غير
سفر (فليقل) أمر ندب، وفي رواية لمسلم عن خولة ((إذا نزل أحدكم منزلاً فليقل))،
وفي أخرى له ((من نزل منزلاً ثم قال))، الحديث. وهكذا سياق الترمذي.
(أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) تقدم الدعاء بهذا اللفظ فيما
يؤمر به من التعوذ عند النوم (فإنه لم يضره شيء) من المخلوقات (حتى
(١) ((سنن الترمذي)) ح (٣٤٣٧).
٣٨٨

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
يَرْتَحِلَ)).
أخرجه مسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ١٦ - باب
التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، حديث ٥٤، ٥٥.
(١٤) باب ما جاء في الوحدة في السفر للرجال والنساء
يرتحل) من هذا المنزل، قال الباجي(١): يريد أن تعوذه يتناول مدة مقامه فيه،
قال الزرقاني(٢): وشرط نفع ذلك الحضور والنية، وهي استحضار أنه لاَل
أرشده إلى التحصن به، وأنه الصادق المصدوق، فلو قاله أحد واتفق أنه ضره
شيء، فلأنه لم يقله بنية وقوة يقين، اهـ.
وفي ((المحلى)): وفيه رد لما كان يفعله أهل الجاهلية عن كونهم إذا نزلوا
منزلاً قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي يعنون كبير الجن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ
كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِعَالٍ مِّنَ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾﴾(٣)، اهـ.
(١٤) ما جاء في الوحدة في السفر للرجال والنساء
(ما جاء في الوحدة) قال الزرقاني(٤): بفتح الواو وتكسر، وأنكره
بعضهم، اهـ. (في السفر) أي يسافر وحده (للرجال والنساء) يعني هذا الحكم لا
يختص بأحد النوعين، بل يعمُّهما كليهما، والروايات التي ذكرها الإمام في هذا
الباب صريحة في المنع عن الوحدة في السفر، وإليه يظهر ميل الإمام إذا اكتفى
بذكر هذه الروايات المانعة، وعند الجمهور هذه الروايات، إما منسوخة أو
محمولة على حالة خاصة، وقد ترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب هل يبعث
(١) ((المنتقى)) (٣٠٣/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٠/٤).
(٣) سورة الجن: الآية ٦.
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٠/٤).
٣٨٩

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
الطليعة وحده))، وأورد فيه حديث جابر (ندب النبي وَل يوم الخندق، فانتدب
الزبير))، الحديث.
قال الحافظ (١): فيه جواز سفر الرجل وحده، وأن النهي عن السفر وحده
إنما هو حيث لا تدعو الحاجة إليه، ثم ترجم ((باب سفر الاثنين))، وأورد فيه
حديث مالك بن الحويرث مرفوعاً ((أذّنا وأقيما))، الحديث، قال الحافظ: كأنه
لمح بضعف الحديث الوارد في الزجر عن سفر الواحد والاثنين، وهو ما
أخرجه أصحاب السنن من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً :
((الراكب شيطان))، الحديث يأتي قريباً.
ثم ترجم البخاري ((باب السير وحده))، وأورد فيه حديثين، أحدهما:
حديث جابر المذكور في انتداب الزبير، والثاني: حديث ابن عمر - رضي الله
عنهما - مرفوعاً: ((لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل
وحده)» .
قال الحافظ(٢): قال ابن المنير: السير لمصلحة الحرب أخص من
السفر، والخبر ورد في السفر، فيؤخذ من حديث جابر جواز السفر منفرداً
للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالانفراد، كإرسال الجاسوس والطليعة،
والكراهية لما عدا ذلك.
ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع
مقيدة بالخوف حيث لا ضرورة، وقد وقع في ((كتاب المغازي)) بعث كل من
حذيفة ونعيم بن معسود وعبد الله بن أنيس وخوّات بن جبير وعمرو بن أمية
(١) ((فتح الباري)) (٦/ ٥٣).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣٨/٦).
٣٩٠

٥٥ - كتاب الاستئذان
.
(١٤) باب
(١٧٦٩) حدیث
١٧٦٩/ ٣٥ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ:
وسالم بن عمير وبسسة(١) في عدة مواضع وبعضها في الصحيح، اهـ.
وفي ((الزرقاني))(٢): قال أبو عمر: لم تختلف الآثار في كراهية السفر
للواحد، واختلفت في الاثنين، ووجه الكراهة أن الواحد لو مرض لم يجد من
یمرضه ونحو هذا، اهـ.
أما قوله: لم تختلف الآثار في الواحد، يشكل عليه ما تقدم في كلام
الحافظ من إرسال جماعة منفرداً كل واحد منهم.
٣٥/١٧٦٩ - (مالك عن عبد الرحمن بن حرملة) الأسلمي المدني (عن
عمرو) بفتح العين (ابن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص (عن
أبيه عن جده) تقدم البحث في المراد عن أبيه وجده، والاحتجاج بهذا السند
في أول البيوع.
(أن رسول الله (وَلير قال) تقدم قريباً في كلام الحافظ أن الحديث رواه
أصحاب السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأن البخاري لمح إلى
ضعفه، قال الحافظ: وهو حديث حسن الإسناد، قد صححه ابن خزيمة
والحاكم، وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة وصححه، اهـ.
وفي ((الزرقاني)): أنكر مجاهد رفع الحديث، وقال: لم يقله النبي
وقد بعث ابن مسعود وغيره سرية وحده، ولكن قال عمر - رضي الله عنه -:
يحتاط للمسلمين كونوا في أسفاركم ثلاثة، إن مات واحد وليه اثنان، الواحد
(١) كذا في الأصل، والصواب بسبسة أو بسيسة على اختلاف الأقوال فيه، انتهى، ((ش))،
هو بسبسة بن عمرو الجهني، ورد في ((صحيح مسلم)) من حديث أنس أنه وَ ل بعثه عيناً
ينظر ما صنعت عير أبي سفيان.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٠/٤).
٣٩١

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
(١٧٦٩) حديث
((الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ. وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ. وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ)).
أخرجه أبو داود في: ١٥ - كتاب الجهاد، ٧٩ - باب في الرجل يسافر
وحده. والترمذيّ في: ٢١ - كتاب الجهاد، ٤ - باب ما جاء في كراهية أن يسافر
الرجل وحده.
شيطان، والاثنان شيطانان، أخرجه ابن عبد البر، وقال: لا معنى لإنكاره؛ لأن
الثقات نقلوه مرفوعاً، اهـ.
وفي ((التنوير))(١): قال ابن عبد البر: كان مجاهد ينكر هذا الحديث
مرفوعاً ويجعله قول عمر، ثم أخرج من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه
قيل له: إن النبي وَّليّ قال: الواحد في السفر شيطان، والاثنان شيطانان؟ قال:
لا، لم يقله النبي ◌َّ﴾، فذكر بمعنى ما تقدم عن الزرقاني.
(الراكب) الواحد، قال ابن عبد البر: وفي معناه الراحل الواحد (شيطان)
أي بعيد عن الخير في الأنس والرفق، وهذا أصل الكلمة لغةً يقال: بئر شطون
أي بعيدة، وفي ((المحلى)): روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في رجل
سافر وحده: أرأيتم إن مات من أسأل عنه؟ اهـ.
(والراكبان شيطانان) كذلك (والثلاثة ركب) بفتح فسكون أي جماعة، وفي
الحديث: ((يد الله على الجماعة))، وفي ((النهاية)): الركب اسم من أسماء
الجموع، كنفر ورهط، ولذا صُغِّرَ على لفظه، وقيل: جمع راكب، كصحب
جمع صاحب، ولو كان كذلك لقيل في تصغيره: رويكبون، كما يقال:
صويحبون، والراكب في الأصل هو راكب الإبل خاصة، ثم اتسع فيه، وأطلق
على كل من ركب دابة، كذا في ((المرقاة))(٢).
قال الباجي(٣): قوله {َّر: ((الراكب شيطان)) يريد - والله أعلم - حكمه
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص ٧٠٣).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٣/٩).
(٣) ((المنتقى)) (٣٠٣/٧).
٣٩٢

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
(١٧٦٩) حديث
حكم الشيطان، وفعله فعل الشيطان في انفراده عن الإنس، وتركه الإنس بهم،
وبُعده من الارتفاق بمجاورتهم، وتركه الجماعة المأمور بها، وكذلك الاثنان،
وأما الثلاثة فركب وجمع، قد خرجوا عن حكم الشيطان إلى حكم الاجتماع
بالإنس، ويحتمل أن يريد أن الواحد والاثنين يفرون من الناس ويستترون منهم
ويخافون لقلتهم، وأن الثلاثة يأمنون ويأنسون بالناس، وهذا عام، وقد أنفذ
النبي ◌َلل يوم الحديبية عتبة الخزاعي وحده، وأرسل الزبير بن العوام وحده،
فيجب أن يكون ذلك في شيء مخصوص أو على وجه مخصوص.
وروى ابن القاسم عن مالك في ((المزنية)): أن ذلك في سفر القصر، فأما
ما قصر عن ذلك فلا بأس أن ينفرد الواحد فيه، وهذا إذا حملنا قوله ولايته :
((الراكب والراكبان)) على الجنس، وإن حملنا ذلك على العهد جاز أن يريد به
أنه أشار إلى واحد واثنين وصفهما بصفة الشياطين، وأشار إلى جماعة نفى
عنهم هذه الصفة، اهـ.
قال الحافظ: وترجم له ابن خزيمة («النهي عن سفر الاثنين وأن ما دون
الثلاثة عصاة))، لأنّ معنى قوله: شيطان عاص، وقال الطبري: هذا الزجر زجر
أدب وإرشاد لما يخشى على الواحد من الوحشة، وليس بحرام، فالسائر وحده
في فلاة، وكذا البائت في بيت وحده لا يأمن من الاستيحاش، لا سيما إذا
كان ذا فكرة رديئة وقلب ضعيف، والحق أن الناس يتباينون في ذلك، فيحتمل
أن يكون الزجر عن ذلك وقع لحسم المادة، فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة
لذلك.
وقيل في تفسيره: قوله: ((الراكب شيطان))، أي سفره وحده يحمله عليه
الشيطان، أو أشبه الشيطان في فعله، وقيل: إنما كره ذلك؛ لأن الواحد لو
مات في سفره ذلك لم يجد من يقوم عليه، وكذلك الاثنان إذا مات أحدهما لم
يجد من يعينه، بخلاف الثلاثة، اهـ.
٣٩٣

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
(١٧٧٠) حديث
٣٦/١٧٧٠ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه :
وفي ((الزرقاني)) (١): قال المنذري: قوله: شيطان أي عاص، كقوله
تعالى: ﴿شَيَطِيْنَ اُلْإِنِسِ وَآلْجِنِّ﴾ أي عصاتهم.
وفي ((المرقاة))(٢): قوله: ((الراكب شيطان)) لفوات الجماعة وتعسر
المعيشة وعدم المعونة عند الحاجة وإمكان المنية، والراكبان شيطانان إذ ربما
مات الواحد أو مرض، واضطر الآخر بغير مساعد له، وقال المظهر: يعني
مشي الواحد متفرداً منهيٍّ عنه، وكذا مشي الاثنين، ومن ارتكب منهياً عنه فقد
أطاع الشيطان، ومن أطاعه فكأنه هو، ولذا أطلق وَلّ اسمه عليه.
وفي ((شرح السنة)): معنى الحديث عندي ما روي عن سعيد بن المسيب
مرسلاً، ويأتي قريباً، اهـ. وكتب الشيخ في ((البذل))(٣) عن تقرير والدي
المرحوم عن شيخه الگنگوهي - قدس سره - قوله: ((الراكب شيطان)) قيل: كان
ذلك في أول الأمر لغلبة الكفار، ثم رخص لما شاع الإسلام في السفر وحده،
وقيل: هو باق، وإطلاق الشيطان عليه كناية عن سروره بتكاليفه ومشاقه، وعلى
الأول، فكان إطلاقه عليه لما أنه معرض له ومظنة لسلب إيمانه، اهـ. قال
شيخنا: ويؤيد الأول قوله ﴿ في الحديث: ((حتى تسير الظعينة لا تخاف إلا الله
تعالی))، اهـ.
٣٦/١٧٧٠ - (مالك عن عبد الرحمن بن حرملة) بفتح الحاء وسكون الراء
المهملتين (عن سعيد بن المسيب أنه) أي ابن المسيب (كان يقول: قال
رسول الله ( 18) قال ابن عبد البر: مرسل باتفاق رواة ((الموطأ)» ووصله قاسم بن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٠/٤).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٣/٩).
(٣) ((بذل المجهود)) (١١٠/١٢).
٣٩٤

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
(١٧٧٠) حدیث
((الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالإِثْنَيْنِ. فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ)).
أصبغ من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعن عبد الرحمن بن حرملة عن
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله و 8- كذا في
((الزرقاني))(١) .
وفي ((المحلى)): أخرجه البزار موصولاً عن أبي هريرة، اهـ. قلت: وإليه
عزاه في ((مجمع الزوائد)) وقال فيه: عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ضعيف،
وقد وثق، اهـ. (الشيطان يهم) ضبط الزرقاني بضم الهاء، وصاحب ((المحلى))
بكسرها، والميم مشددة على الوجهين، من الهم بمعنى قصد القلب (بالواحد
والاثنين).
قال الباجي(٢): يحتمل - والله أعلم - يريد به أنه يهم باغتيالهما والتسلط
عليهما، ويحتمل أن يريد أنه يهم بالظهور لهما، والترويع لهما، ويحتمل أن
يريد أنه يهم بفتنتهم وصرفهم عن الحق وإغوائهم بالباطل، ويحتمل أن يريد
بالواحد والاثنين المنفرد في السفر، ويحتمل أن يريد به المنفرد بالرأي
والمذهب، وأن الجماعة أبعد من الخطأ من الواحد والاثنين، اهـ.
وفي ((المحلى)): يحتمل أن يكون المراد شيطان الجن، كما هو ظاهر
اللفظ، فإنه يعرض للواحد والاثنين في الفيافي والبراري. (فإذا كانوا ثلاثة) أي
فصاعداً (لم يهم بهم) لأنهم ركب، ويد الله على الجماعة.
قال الزرقاني(٣): وروى البخاري، وأصحاب السنن عن ابن عمر
- رضي الله عنه - مرفوعاً: ((لو يعلم الناس من الوحدة ما أعلم ما سار راكب
بليل وحده))، قال أبو عمر: يتصل معنى الحديث من وجوه حسان، وأورد منها
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٠/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٣٠٤/٧).
(٣) (٣٩١/٤).
٣٩٥

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
(١٧٧٠) حديث
جملة، ثم أخرج له سبباً عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه سافر مرة، فمر بقبر
جاهلي، فخرج منه رجل يتأجج ناراً في عنقه سلسلة، ومعي إداوة من ماء،
فقال: يا عبد الله اسقني، فقلت: عَرِّفْني أول كلمة تقولها العرب، فخرج على
إثره رجل من القبر، فقال: ((يا عبد الله لا تسقه، فإنه كافر، ثم أخذ السلسلة
فاجتذبه، فأدخله القبر)).
ثم أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانبها قبر، فسمعت منه صوتاً
يقول: بول ومابول؟ شن وماشن؟ فقلت للعجوز: ما هذا؟ قالت: كان زوجاً
لي، وكان لا يتقي من البول، وأقول له: ويحك، إن الجمل إذا بال تفاجَّ،
فيأبى، فهو ينادي من يوم مات: بول وما بول؟ قلت: وما الشن؟ قالت: جاء
رجل عطشان، فقال: اسقني، فقال: دونك الشن؟ فإذا ليس فيه شيء، فخرًّ
الرجل ميتاً، فهو ينادي شن وماشن؟ فلما قدمت على النبي صَ لّ أخبرته، فنهى
أن يسافر الرجل وحده، قال أبو عمر (١): رواته مجهولون، ولم أورده
للاحتجاج، ولكن للاعتبار، وما لا حكم فيه يسامح في روايته عن الضعفاء، اهـ.
قلت: وحديث ابن عمر - رضي الله عنه - هذا أخرجه في ((مجمع
الزوائد))(٢) مختصراً ومقتصراً على ذكر الرجل الأول، وزاد في أوله قال: ((بينما
أسير في جَنَبَات بدرٍ، إذ خرج رجل من حُفرة في عنقه سلسلة، فناداني: يا
عبد الله اسقني، فلا أدري أعرف اسمي أو دعاني بدعاية العرب؟، وخرج
رجل)) الحديث، وقال في آخره وَلجر: ((ذاك عدو الله أبو جهل، وذاك عذابه إلى
يوم القيامة))، رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه عبد الله بن محمد بن المغيرة،
وهو ضعيف، اهـ.
(١) انظر: ((التمهيد)) (٩/٢٠).
(٢) (٥٧/٣).
٣٩٦

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
(١٧٧١) حديث
٣٧/١٧٧١ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ
الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ
٣٧/١٧٧١ - (مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري) بضم الموحدة
وفتحها (عن أبي هريرة) كذا في جميع نسخ (الموطأ))، قال الزرقاني(١): كذا
لمعظم رواة ((الموطأ»، وهو المشهور عن مالك، ورواه بشر الزهراني عند أبي
داود والترمذي وغيرهما، وإسحاق القروي عند الدارقطني، والوليد بن مسلم
عند الإسماعيلي، الثلاثة عن مالك عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وكذا
اختلف فيه على ابن أبي ذئب، كما بسطه الزرقاني والحافظ في ((الفتح))،
وصوّب الدار قطني رواية إسقاط عن أبيه لاتفاق مالك وابن كثير وسهيل على
إسقاطه، وانتقد على الشيخين إخراجهما رواية ابن أبي ذئب، وعلى مسلم
إخراجه رواية الليث بإثبات عن أبيه.
وأجيب بأن هذا اختلاف لا يقدح، فإن سماع سعيد عن أبي هريرة
صحيح معروف، فلعله سمعه عن أبيه عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة نفسه،
فحدث به على الوجهين، وبهذا جزم ابن حبان، فقال: سمع هذا الخبر سعيد
عن أبي هريرة، وسمعه عن أبيه عن أبي هريرة، فالطريقان جميعاً محفوظان، اهـ
مختصراً .
(أن رسول الله وَيرٍ قال: لا يحل لامرأة) قال الزرقاني: هو عام في جميع
النساء، ونقل عياض عن بعضهم لا عن الباجي، كما زعم أنه في الشابة، أما
الكبيرة التي لا تشتهى، فتسافر في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم، قال ابن
دقيق العيد: هو تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، وقال القرطبي: فيه بُعد؛
لأن الخلوة بها حرام، فالمظنة موجودة فيها، والعموم صالح لها، فينبغي أن لا
تخرج منه.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩١/٤).
٣٩٧

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
(١٧٧١) حديث
تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر. تُسَافِرُ مَسِيرَةً
قال النووي(١): المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كبيرة، وقد
قالوا لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا
يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ونحو ذلك، اهـ
مختصراً .
(تؤمن بالله واليوم الآخر) قال الحافظ(٢): مفهومه أن النهي المذكور
يختص بالمؤمنات، فتخرج الكافرات كتابية كانت أو حربية، وقد قال به بعض
أهل العلم، وأجيب بأن الإيمان هو الذي يستمر للمتصف به خطاب الشارع،
فينتفع به وينقاد، فلذلك قيد به، أو أن الوصف ذكر لتأكيد التحريم، ولم يقصد
به إخراج ما سواه، اهـ.
قال الباجي(٣): هذا بمعنى التغليظ، يريد أن مخالفة هذا ليست من أفعال
من يؤمن بالله، ويخاف عقوبته في الآخرة (تسافر) كذا في جميع النسخ المصرية
بدون زيادة أن في أوله، وبزيادتها في النسخ الهندية، قال الزرقاني(٤): هكذا
الرواية بدون أن نظير قولهم: ((تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)) فتسمع موضعه
رفع على الابتداء، وتسافر موضعه رفع على الفاعلية، فيجوز رفعه ونصبه
بإضمار أن، قاله الولي العراقي.
(مسيرة) كذا في النسخ المصرية وهامش الهندية بطريق النسخة، وكذا في
((المحلى))، وقال: مصدر يسمى بمعنى السير، كمعيشة بمعنى العيش، وليست
التاء فيه للمرة، وفي متون النسخ الهندية بدله ((مسافة)).
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٠٤/٩/٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٧٨/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٣٠٤/٧).
(٤): ((شرح الزرقاني)) (٣٥٣/٤).
٣٩٨

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
(١٧٧١) حديث
يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
قال الحافظ: قال شيخنا ابن الملقن تبعاً لشيخه مغلطاي: الهاء في قوله:
مسيرة للمرة الواحدة، والتقدير أن تسافر مرة واحدة مخصوصة بيوم وليلة، ولا
سلف له في هذا الإعراب، ومسيرة إنما هي مصدر سار، كقوله: سيراً، مثل
عاش معيشة وعيشاً، اهـ. (يوم وليلة) وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين
وغيرهما: ((أن تسافر فوق ثلاثة أيام فصاعداً)).
وفي حديث ابن عمر في ((الصحيحين)) و((أبي داود)): ((لا تسافر المرأة
ثلاثاً))، وفي رواية الليث عن أبي هريرة: ((تسافر مسيرة ليلة))، وفي رواية
أحمد: ((يوم))، وفي ((أبي داود)): ((بريد)) بدل (يوم))، وفي رواية: (يومين))، وفي
أخرى إطلاق السفر من غير تقييد، فجمع ابن عبد البر والبيهقي وعياض
وغيرهم، وعزاه النووي للعلماء بأن هذا الاختلاف بحسب اختلاف السائلین،
فسئل مرة عن سفرها ليلة؟ فقال: لا، وأخرى عن السفر يوماً؟ فقال: لا،
وهكذا في جميع الروايات، وليس فيها تحدید.
قال الأبي(١): المراد أنها إذا كانت جواباً للسائلين فلا مفهوم لأحدها،
وبالجملة فالفقه جمع أحاديث الباب، فحق الناظر أن يستحضر جميعها، وينظر
أخصها فينيط الحكم به، وأخصها باعتبار ترتب الحكم يوم؛ لأنه إذا امتنع فيه
امتنع فيما هو أكثر، ثم أخص من يوم وصف السفر المذكور بجميعها، فيمتنع
في أقل ما يطلق عليه اسم السفر، كذا في ((الزرقاني)).
وقال الحافظ(٢): في حديث ابن عباس مرفوعاً: ((لا تسافر المرأة إلا مع
ذي محرم))، الحديث، أخرجه البخاري، قال: كذا أطلق السفر، وقيده في حديث
أبي سعيد ((مسيرة يومين))، ثم قال بعد ذكر اختلاف الروايات: وقد عمل أكثر
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٣٦/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٧٥).
٣٩٩

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١٤) باب
(١٧٧١) حديث
إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا)).
أخرجه البخاريّ في: ١٨ - كتاب تقصير الصلاة، ٤ - باب في كم يَقْصُرُ
الصلاة. ومسلم في: ٢٥ - كتاب الحج، ٧٤ - باب سفر المرأة مع محرم إلى حج
وغيره، حديث ٤٢١.
العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات، وقال النووي: ليس المراد من
التحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفراً، فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع
التحديد عن أمر واقع، فلا يعمل بمفهومه، قال: ولا يتوقف امتناع سير المرأة
على مسافة القصر، خلافاً للحنفية، اهـ. يعني أنهم قيدوا المنع بمسافة القصر
والتحديد بثلاثة أيام، كما بسطه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١).
ولخصه الشيخ في ((البذل)) (٢) وحاصله: أن التقييد بالثلاثة معمول به في
كل حال، والتقييد بما دونه مشكوك فيه، يجب العمل به إذا كان مؤخراً عن
روايات الثلاث، ولا يجب إن كان مقدماً، فالذي وجب علينا استعماله والأخذ
به في كلا الوجهين أولى، اهـ.
ووافق الإمام أحمد في ذلك الجمهور، فقد نقل عنه الموفق بعد ذكر
الروايات المختلفة في ذلك: قلت: ما تقول أنت؟ قال: لا تسافر سفراً قليلاً
ولا كثيراً إلا مع ذي محرم، اهـ.
وقال الباجي(٣): لا يمنع أن يمنع من ذلك في ثلاثة أيام ثم في يومين ثم
في يوم وليلة، وليس بين الأحاديث على هذا اختلاف، ولو بدأ فمنع من ذلك
في يوم وليلة لاقتضى ذلك منعه في يومين وفي ثلاثة، فإذا ورد بعد ذلك منعه
في يومين وفي ثلاثة، فليس بخلاف لما تقدم، بل هي تأكيد له، اهـ.
(إلا مع ذي محرم منها) بفتح الميم وسكون الحاء، أي حرام.
(١) انظر: (٣٥٦/١).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٠٤/٨).
(٣) ((المنتقى)) (٣٠٤/٧).
٤٠٠