النص المفهرس

صفحات 201-220

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٢) حديث
مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ. نُسَلُّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا .
إلى السوق (من أجل السلام) وأوضحه بقوله: (نسلم على من لقينا) قال
القارى: بكسر القاف وسكون الياء، ويؤيده نسخة لقيناه بالضمير، وفي نسخة
بفتح الياء، واللقي يحصل من الجانبين، اهـ. والحديث أخرجه صاحب
((المشكاة)) وقال: رواه مالك والبيهقي في ((شعب الإيمان))، اهـ.
قال صاحب ((المحلى)): وروى الطبراني عنه مرفوعاً ((من سلّم على
عشرين رجلاً من المسلمين في يوم جماعةً أو فُرَادَى، ثم مات من يومه ذلك
وجبت له الجنة وفي ليلة مثل ذلك)) وروى ابن جرير عنه ((من سلّم على عشرة
من المسلمين، فكأنما أعتق رقبة، ولو مات من يومه وجبت له الجنة))، كذا في
«جمع الجوامع))، اهـ.
قلت: ولعله - رضي الله عنه - لتحصيل ذلك يغدو إلى السوق ليحصل له
التسليم على عشرة، بل أكثر منها في أول يوم، قال الحافظ(١): ذكر الماوردي
أن من مشى في الشوارع المطروقة كالسوق أنه لا يُسلِّم إلا على البعض، لأنه
لو سلّم على كل من لقي لتشاغل به عن المهم الذي خرج لأجله، ولخرج به
عن العرف.
قال الحافظ(٢): ولا يُعَكِّرُ عليه ما أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)»
عن الطفيل بن أبيّ بن كعب، فذكر أثر الباب فقال: لأن مراد الماوردي من
خرج في حاجة له، والأثر المذكور ظاهر في أنه خرج لقصد تحصيل ثواب
السلام، اهـ. فقد أخرج ابن أبي شيبة عنه قال: إن كنت لأخرج إلى السوق
ومَالِي حاجةٌ إلا أن أسُلِّمَ ويُسَلَّم عليّ ((فتح)).
(١) ((فتح الباري)) (١٧/١١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٧/١١).
٢٠١

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٣) حديث
٧/١٧٣٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
رَجُلاً سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ
وَبَرَكَاتُهُ. وَالْغَادِيَاتُ وَالرَّائِحَاتُ. فَقَالَ لَّهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: وَعَلَيْكَ،
أَلْفاً، ثُمَّ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذُلِكَ.
٧/١٧٣٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن رجلاً سلم على
عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (فقال) في سلامه: (السلام عليك) يا ابن عمر
بضمير الإفراد في النسخ المصرية، وعليكم بضمير الجمع في النسخ الهندية
(ورحمة الله وبركاته والغاديات والرائحات) قال صاحب ((المحلى)): أي النعم
الآتية غدوة وروحة، وفي ((المنتقى)): قال عيسى بن دينار: معناه الطير التي
تغدو وتروح، قال الباجي(١): ويحتمل عندي أن يريد الملائكة الحفظة الغادية
الرائحة لتكتب أعمال بني آدم.
(فقال له عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما: (وعليك) بإفراد الضمير في
جميع النسيخ (ألفاً) بالنصب في الهندية وبعض المصرية، وفي الأخرى من
المصرية ألف بالرفع، والمعنى عليك ما قلت ألف مرة، (ثم) كذا في النسخ
المصرية، وليس لفظ ثم في الهندية (كأنه) أي ابن عمر (كره ذلك) أي الزيادة
على المعروف عن ألفاظ السلام، والرواية هكذا في جميع النسخ المصرية من
المتون والشروح بلفظ ((ثم)) وليس في النسخ الهندية لفظة ((ثم)) ولا غيرها إلا
في نسخة ((المحلى)) ففيها لفظ الفاء، فكأنه كره ذلك، وسياق الهندية واضح في
الكراهة، ولم يتعرضوا عن لفظ ثم، بل حملوا الأثر على الكراهة فقط.
قال الزرقاني(٢): ثم كأنه كره ذلك، لأنه استظهار على الشرع، وقد روى
الطبراني وغيره عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل، الحديث بطوله تقدم في
ذيل أثر ابن عباس قريباً، وفي آخره ((إنك لم تدع لنا شيئاً)).
(١) ((المنتقى)) (٣٨٣/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٢/٤).
٢٠٢

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٣) حديث
وقال الباجي: قول ابن عمر - رضي الله عنه -: وعليك ألف، قال
عيسى بن دينار: معناه ألف كسلامك على معنى الكراهية لتعمقه، والزيادة على
البركة في السلام، ثم كره قوله لما كان في معنى ما أنكره رأى الإنكار لغير
هذا كان أولى، اهـ. هكذا في الأصل.
ويشكل على هذا كله عندي أن لفظة ((ثم)) لا فائدة فيها فيما بنوا عليه من
الشرح، ويشكل عليه أيضاً أن ابن عمر - رضي الله عنه - يروى عنه جواز
الزيادة على البركة.
قال الحافظ(١): وجاء عن ابن عمر - رضي الله عنه - الجواز، فأخرج
مالك في ((الموطأ)) عنه أنه زاد في الجواب والغاديات والرائحات.
وأخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) من طريق عمرو بن شعيب عن سالم
مولى ابن عمر قال كان ابن عمر - رضي الله عنه - يزيد إذا رد السلام، فأتيته
مرة، فقلت: السلام عليكم، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم أتيته فزدت
وبركاته فردّ وزاد: وطيب صلواته، اهـ.
وأخرجه السيوطي في ((الدر)) فقال: أخرجه البخاري في ((الأدب
المفرد))(٢) عن سالم قال: كان ابن عمر - رضي الله عنه - إذا سلّم عليه فردّ،
زاد: فأتيته وهو جالس فقلت: السلام عليكم، فقال: السلام عليكم ورحمة الله،
ثم أتيته مرة أخرى، فقالت: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته، ثم أتيته مرة أخرى، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطيب صلواته، اهـ.
فالأوجه عندي أن معنى قوله: ثم كره ذلك، أن ابن عمر - رضي الله عنه -
(١) ((فتح الباري)) (١٩/١١).
(٢) ح (١٠١).
٢٠٣

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٣) حديث
كان يرى الجواز أولاً، ويحمل عليه أول الأثر، وعليك ألفاً، فكأنه إشارة إلى
جواز الزيادة، وعليه يحمل ما في ((الأدب المفرد)) من البخاري من زيادة
وطيب صلواته، قال الإمام مالك - رضي الله عنه -: ثم ابن عمر - رضي الله
عنه - كأنه كره الزيادة بعد ذلك، وعليه يحمل ما روي عنه من المنع عن
الزيادة .
قال الحافظ(١): أخرج البيهقي في ((الشعب)) من طريق عبد الله بن بابيه،
قال: جاء رجل إلى ابن عمر - رضي الله عنه -، فقال: السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: حسبك إلى وبركاته، انتهى إلى
وبر كاته، اهـ.
قلت: وأوضح من ذلك ما في ((مصنف عبد الرزاق)) (٢) عن أيوب عن
نافع أو غيره أن رجلاً كان يلقى ابن عمر - رضي الله عنه - يسلم عليه،
فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ومعافاته. قال: فكثر من
هذا، فقال له ابن عمر: وعليك مائة مرة، لئن عدت هذا لأسوءنَّكَ، اهـ.
وهذا كله علي وجود لفظ ((ثم))، وأما على سياق النسخ الهندية، فالكراهة
واضحة، ويكون أثر ((الموطأ)) موافقاً لأثر ((مصنف عبد الرزاق))، وعلى هذا
يجمعان بأثر ((الأدب المفرد)» بأنه تحمَّل إضافة لفظ واحد وأنكر الألفاظ
الكثيرة .
ومما يجب عليه التنبيه أيضاً أن الحافظ حكى عن رواية ((الموطأ)» أن ابن
عمر زاد في الجواب ((والغاديات والرائحات))، وليس هذا في ((الموطأ)»، بل
سياقه صريح في أن هذين اللفظين من كلام المسلم، اللهم إلا أن يقال: إن
(١) (فتح الباري)) (٦/١١).
(٢) ح (١٩٤٥٣).
٢٠٤

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٤) حديث
٨/١٧٣٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ إِذَا دُخِلَ الْبَيْتُ غَيْرُ
الْمَسْكُونِ يُقَالُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ.
ابن عمر - رضي الله عنه - لما أقره بلفظ: وعليك ألفاً، كما أولت الأثر من
عند نفسه، فيصح نسبة اللفظين إليه، وعلى هذا يصح نسبة الجواز إلى ابن عمر
في حديث ((الموطأ))، كما فهمه الحافظ، وإن لم يقبل هذا التوجيه، فلا يصح
كلام الحافظ في نسبة الجواز إلى ابن عمر في ((الموطأ)) ولا في نسبة زيادة
اللفظين إلى ابن عمر - رضي الله عنه -.
٨/١٧٣٤ - (مالك أنه بلغه) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (أنه قال)
وليس هذا اللفظ في النسخ المصرية(١) ولا في نسخة ((المصفى))، و((المحلى))
من الهندية، وهو الأوجه لعدم ذكر المرجع، ولا يبعد أنه سقط بعد قوله: بلغه
لفظ عن ابن عمر مثلاً، فحينئذٍ لا غبار في قوله: ((أنه قال))، وذلك لأن نحو
هذا الكلام سيأتي في كلام الحافظ برواية البخاري وابن أبي شيبة عن ابن عمر
- رضي الله عنه -.
(يستحب) ببناء المجهول وهذا أيضاً يوجد في النسخ الهندية لا المصرية
(إذا دخل) الأوجه عندي ببناء الفاعل، فالضمير إلى الرجل الداخل المفهوم من
الفعل، وهو المناسب لقوله الآتي في النسخ الهندية ((يقول)) وأعرب عليه في
النسخ المصرية ببناء المجهول، وهو المناسب لما في النسخ المصرية بلفظ:
يقال (البيت) بالنصب أو الرفع موصوف صفته (غير المسكون) أي لم يكن فيه
أحد.
(يقول) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية بدله (يقال)) أي عند الدخول
(السلام علينا وعلى جميع عباد الله الصالحين).
قال الباجي(٢): معناه أنه إذا لم يكن فيه من يسلم عليه، فيسلم على نفسه
(١) ولا يوجد هذا اللفظ في نسخة ((الاستذكار)) (١٤٨/٢٧) أيضاً.
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٣/٧).
٢٠٥

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٤) حديث
وعلى عباد الله الصالحين، كما يفعل في التشهد، قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا
فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ قال ابن عباس: معناه إذا دخلتم بيوتاً ليس فيها أحد،
فقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقال جابر بن عبد الله
الأنصاري: معناه إذا دخلت على أهلك فسَلِّم عليهم، اهـ.
قال النووي في ((الأذكار)): إذا دخل بيته يستحب أن يقول عند الدخول:
بسم الله، وأن يكثر من ذكر الله، وأن يسلم، سواء كان في البيت آدمي أولا،
لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُونًا﴾ أي غير مسكونة ﴿فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ
عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةُ طَيِّبَةٌ﴾، اهـ. كذا في ((المحلى)).
وقال السيوطي في ((الدر)) (١): أخرج سعيد بن منصور والبيهقي وغيرهما
عن أبي مالك، قال: إذا دخلت بيتاً فيه ناس من المسلمين، فسلّم عليهم، وإن
لم يكن فيه أحد أو كان فيه ناس من المشركين، فقل: السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين، وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في ((الأدب)) عن ابن عمر
قال: إذا دخل البيت غير المسكون، أو المسجد، فليقل: السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن مجاهد بمعناه.
وأخرج البيهقي وغيره عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُونًا﴾ قال:
إذا دخلت بيتك، فسلم على أهلك، وإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه، فقل: السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك، وحدثنا أن الملائكة ترد
عليه، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح)): أخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) وابن أبي
شيبة عن ابن عمر، فيستحب إذا لم يكن أحد في البيت أن يقول: السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين، وأخرج الطبري عن ابن عباس، ومن طريق كل من
علقمة وعطاء ومجاهد نحوه، اهـ.
(١) (٢٠٨/٦).
٢٠٦

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٤) حديث
قال البجيرمي(١): ذكر أبو طالب المكي في ((كتاب التحيات)): أن سلام
اليهود كان بالأكف والأصابع، والأكاسرة بالسجود للملك وتقبيل الأرض،
والفرس طرح اليد على الأرض أمام الملك، والحبشة عقد اليدين على الصدر
مع السكينة، والروم بكشف الرأس وتنكيسها، والنوبة الإيماء بفمه مع جعل
يديه على رأسه ووجهه، وحمير بالإيماء بالدعاء بالأصابع، وتحية ملك اليمامة
بوضع اليد على كتف المحيا، فإن بالغ رفعها مراراً، وتحية العرب بالسلام،
وهو أفضل التحيات، وهو تحية الملائكة بينهم، وتحية أهل الجنة في الجنة،
قال تعالى: ﴿وَغَمِيَّنُهُمْ فِيَهَا سَلَمْ﴾ أي يحيي بعضهم بعضاً.
قال ابن العربي: إذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أو
سلّمت على أحد في الطريق، فقلت: السلام عليكم فأحضر في قلبك كل عبد
صالح الله تعالى من عباده في الأرض والسماء وميت وحيّ، فإنه من ذلك
المقام يرد عليه، فلا يبقى ملك مقرب يبلغه سلامك إلا ويرد عليك، وهو دعاء
يستجاب فيك فتفلح، ومن لم يبلغه سلامك من عباد الله المهيمن في جلاله
المشتغل به، فإنك قد سلمت عليه بهذا الشمول، فإن الله تبارك وتعالى ينوب
عنه في الرد عليك، وكفى بهذا شرفاً، اهـ.
(١) ((شرح الإقناع)) (٤٢٦/١).
٢٠٧

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
بسم الله الرحمن الرحيم
٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب الاستئذان
(١) باب في الاستئذان
بسكون الهمزة وتبدل ياء أي طلب الإذن بالدخول المأمور به في قوله عز
اسمه: ﴿وَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُنَا غَرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِمُواْ عَلَى
أَهْلِهَاً﴾(١) وقد أجمعوا على مشروعيته، قال الحافظ(٢): المراد بالاستئناس في
قوله تعالى الاستئذان بتنحنح ونحوه عند الجمهور، وأخرج الطبري من طريق
أبي عبيدة أن ابن مسعود إذا دخل الدار استأنس يتكلم ويرفع صوته، وأخرج
ابن أبي حاتم بسند ضعيف من حديث أبي أيوب قلت: يا رسول الله هذا
السلام، فما الاستئناس؟ قال: يتكلم الرجل بتسبيحة أو تكبيرة ويتنحنح فيؤذن.
وحكى الطحاوي: أن الاستئناس في لغة اليمن الاستئذان، وجاء عن ابن
عباس إنكار ذلك، فأخرج سعيد بن منصور والطبري والبيهقي في ((الشعب))
بسند صحيح أن ابن عباس كان يقرأ ((حتى تستأذنوا))، ويقول: أخطأ الكاتب،
وكان يقرأ على قراءة أبيّ بن كعب، ومن طريق مغيرة بن مقسم عن إبراهيم
النخعي قال: في مصحف ابن مسعود ((حتى تستأذنوا)).
وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في ((أحكام القرآن)) عن ابن عباس،
واستشكله، وكذا طعن في صحته جماعة ممن بعده، وأجيب بأن ابن عباس
بناها على قراءته التي تلقاها عن أبيّ بن كعب، وأما اتفاق الناس على قراءتها
بالسين فلموافقة خط المصحف الذي وقع الاتفاق على عدم الخروج عما
يوافقه، وكان قراءة أبي من الأحرف التي تركت قراءتها، اهـ.
(١) سورة النور: الآية ٢٧.
(٢) ((فتح الباري)) (٨/١١).
٢٠٨

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
٠
قال النووي(١): أجمع العلماء على أن الاستئذان مشروع، وتظاهرت به
دلائل القرآن والسنة وإجماع الأمة، والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاثاً، فيجمع بين
السلام والاستئذان، كما صرح به القرآن، واختلفوا هل يستحب تقديم السلام
ثم الاستئذان أو عكسه؟، اهـ.
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢) في قوله تعالى: ﴿حَّى تَسْتَأْنِسُواْ
وَتُسَلِّمُواْ﴾: روي عن ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم وقتادة قالوا: الاستئناس
الاستئذان، فيكون معناه حتى تستأنسوا بالإذن، وروي عن مجاهد قال: هو
التنحنح والتنخّع، وفي نسق الآية ما يدل على أنه أراد الاستئذان، وهو قوله
تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْخُلُمُ فَلْيَسْتَنْذِنُوْ كَمَا أُسْتَشْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾(٣)،
وإنما سمي الاستئذان استئناساً؛ لأنهم إذا استأذنوا آنس أهل البيوت بذلك، ولو
دخلوا عليهم بغير إذن لاستوحشوا، وشق عليهم، وأمر مع الاستئذان بالسلام، إذ
هو من سنة المسلمين التي أمروا بها، ولأن السلام أمان منه لهم.
وأما عدد الاستئذان وكيفيته، فقد روي عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ◌َ﴾: ((الاستئذان ثلاث))، فالأولى يستنصتون، والثانية يستصلحون،
والثالثة يأذنون أو يردون، وروي عن جندب مرفوعاً: ((إذا استأذن أحدكم
ثلاثاً، فلم يؤذن له فليرجع)) قال أبو بكر: ظاهر الآية يقتضي جواز الدخول بعد
الاستئذان، وإن لم يؤذن، ولذا قال مجاهد: الاستئناس التنحنح أو التنخع،
فكأنه إنما أراد أن يعلمهم بدخوله، وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته
بالدخول بغير إذن، إلا أنه معلوم أنه قد أريد به الإذن في الدخول، فحذفه لعلم
المخاطبين بالمراد.
(١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٤/ ١٣١).
(٢) (٣٠٩/٣).
(٣) سورة النور: الآية ٥٩.
٢٠٩

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
وقد روي عن أبي هريرة مرفوعاً ((رسولُ الرجل إلى الرجل إذنه))(١)، فدل
الخبر على معنيين؛ أحدهما: أن الإذن محذوف من قوله تعالى: ﴿حَتّى
تَسْتَأْنِسُوا﴾ وهو مراد به، والثاني: أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول.
ويدل أيضاً على أن من قد جرت له العادة بإباحة الدخول أنه غير محتاج
إلى الاستئذان، فإن قيل: قد روي عن أبي هريرة «كنت لأعتمد بكبدي على
الأرض من الجوع))، الحديث بطوله في قصة اللبن، وفيه قال عليه الصلاة
والسلام: ((ادع لأهل الصفة، فأتيتُهم فدعوتهم فأقبلوا حتى استأذنوا، فأذن لهم))
فقد استأذن أهل الصفة، وقد جاءوا مع الرسول، ولم ينكر ذلك عليهم
رسول الله*، فهذا مخالف لحديث أبي هريرة السابق، قيل: ليسا مختلفين؛
لأن فيه إباحة الدخول، وليس فيه كراهية الاستئذان، والذي يدل على أن الإذن
مشروط في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ قوله في نسق الآية ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا
فِيهَا أَحَدًا فَلَ نَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾(٢) فحظر الدخول إلا بالإذن، فدل على
أن الإذن مشروط في إباحة الدخول في الآية الأولى.
وأيضاً فقد روي عن النبي # في الأخبار: ((إنما جعل الاستئذان من
أجل النظر))، فدل على أنه لا يجوز النظر في دار أحد إلا بإذنه، وقد روي في
ذلك ضروب من التغليظ، وأما الاستئذان على المحارم، فقد روي عن حذيفة
وسأله رجل أأستأذن على أختي؟ قال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوءك،
وقال رجل لابن مسعود: أأستأذن على أمي؟ قال: نعم.
وروي عن عطاء سألت ابن عباس أأستأذن على أختي وأنا أنفق عليها؟
قال: نعم، أتحب أن تراها عريانة؟ إن الله تعالى يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) انظر ((شعب الإيمان)) (٣٤٧/١٥) و((مشكل الآثار)) للطحاوي (٣٠٢/٢).
(٢) سورة النور: الآية ٢٨.
٢١٠

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٥) حديث
١/١٧٣٥ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ ؛
لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ الآية. فلم يؤمر هؤلاء باستئذان إلا في العورات
الثلاث، ثم قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ اٌلْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْخُلُمُ فَيَسْتَخْذِفُواْ﴾(١) الآية، ولم يفرق
بين من كان منهم أجنبياً أو ذا رحم، إلا أن أمر ذوي المحارم أيسر، لجواز
النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء، انتهى مختصراً
ملخصاً .
وقال الرازي في ((التفسير الكبير)): ويعتبر الاستئذان على المحارم أيضاً،
وذكر الآثار المتقدمة في كلام الجصاص، ثم قال: إن ترك الاستئذان على
المحارم إن كان غير جائز إلا أنه أيسر، لجواز النظر إلى شعرها وصدرها
ونحوها (٢)، والتحقيق أن المنع من الهجوم على الغير إن كان لأجل أن هذا
الغير ربما كان منكشف الأعضاء، فهذا دخل فيه الكل إلا الزوجات وملك
اليمين، وإن كان لأجل أنه ربما كان مشتغلاً بأمر يكره اطلاع الغير عليه وجب
أن يعم في الكل حتى لا يكون له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بالإذن، اهـ.
١/١٧٣٥ - (مالك عن صفوان بن سليم) مصغراً، في ((الموطأ)) عنه من
المستندات اثنان والمراسيل خمسة ((تجريد)) (عن عطاء بن يسار) قال أبو عمر:
مرسل صحيح لا أعلمه يستند من وجه صحيح ولا صالح، كذا في
الزرقاني(٣)، وهكذا أخرجه محمد في ((موطئه)) مرسلاً، وكذا أخرجه صاحب
((المشكاة)) عن مالك مرسلاً.
(١) سورة النور: الآية ٥٩.
(٢) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١٥٣/٢٧): كان الشعبي، وطاووس، والضحّاك
يكرهون أن ينظر الرجل إلى شعر أمه، وذات محرمه، ورُوي عن جلّة العلماء أنهم كانوا
يفلُون أمّهاتهم، وعلى مذهب هؤلاء فتوى علماء الأمصار في النظر إلى شعر الأمّ، وإلى
شعور ذوات المحارم من النساء. وانظر: ((التمهيد)» (٢٣١/١٦).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٢/٤)، و((التمهيد)» (٢٢٩/١٦).
٢١١

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٥) حدیث
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ! أَسْتَأُذِنُ عَلَى
أُمِّي؟ فَقَالَ: (نَعَمْ)) قَالَ الرَّجُلُ: إِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ.
(أن رسول الله وَ ﴿ سأله رجل) لم يسم (فقال: يا رسول الله أستأذن) بتقدير
همزة الاستفهام أي أأطلب الإذن عند إرادة الدخول (على أمي) وفي حكمها
بقية المحارم نسباً ورضاعاً ومصاهرة إلا الزوجة والمملوكة، وتقدم أن الرازي
عَمَّمَهَا أيضاً احتمالاً .
(فقال) مَله: (نعم) لأنه ربما ينكشف عن عضو لا يجوز للولد النظر إليه،
قال الباجي(١): قوله وَلّ: نعم على معنى الدعاء إلى ذلك والأمر به. قال
القاضي أبو محمد: الاستئذان واجب، لا تدخل بيتاً فيه أحد، حتى تستأذن
ثلاثاً، والأصل فيه قوله عز اسمه: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَرَ بُوتِكُمْ﴾ الآية، قال
مالك: الاستئذان ثلاث، وهو معنى قوله عز وجل: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ فيما
روي.
وروى أبو موسى وأبو سعيد قال رسول الله وَ له: ((إذا استأذن أحدكم
ثلاثة فلم يؤذن له فليرجع)) قال الشيخ أبو القاسم: لا يزيد على الثلاث إلا أن
يعلم أن استئذانه لم يسمع، فلا بأس أن يزيد، ويستأذن الرجل على أمه
ومحارمه وكل من لا يحل له النظر إلى عورته، ولذا أمره النبي ◌َ و بالاستئذان
على أمه، اهـ.
وقال الرازي في ((التفسير الكبير)): قال أبو حنيفة: لم يصر أحد من
العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ، وروي عن ابن عباس أنه قال: ثلاث
آيات من كتاب الله تركهن الناس، وعَدَّ منها آية الاستئذان.
(فقال الرجل) المذكور: (إني معها في البيت) يعني أنهما ساكنان في بيت
واحد، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُوتِكُمْ﴾ وقال صاحب
(١) ((المنتقى)) (٢٨٣/٧).
٢١٢

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٦) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا)) فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟))
قَالَ: لَا. قَالَ: ((فَاسْتَأُذِنْ عَلَيْهَا)).
٢/١٧٣٦ - وحدثني مَالِكٌ، عَنِ الثَّقَةِ عِنْدَهُ،
((المحلى)): ظن أن الاستئذان يكون لأجنبي (فقال رسول الله وَل: استأذن عليها)
ولو كنتما في بيت واحد، لعدم اختصاصك بالبيت، لاحتمال تكشفها في الغيبة
(فقال الرجل: إني خادمها) أي فيكثر تردّدي إليها، فهل يكون الإذن في كل مرة
ساقطاً، لدفع الحرج على مقتضى القواعد الشرعية ، والاستئذان في كل مرة
يُخِلُّ بالإخدام مع أنها أمي.
(فقال له رسول الله وَله: استأذن عليها) ثم نبّه على شدة الاحتياج إلى
الاستئذان بقوله: (أتحب) بهمزة الاستفهام (أن تراها عريانة؟) بضم العين
وسكون الراء المهملتين (قال) السائل: (لا) أحب ذلك (قال) وَل: (فاستأذن
عليها) لأنك إن دخلت عليها بدونه، قد تكون عريانة فتراها كذلك، وبهذا
حصل الفرق من هذه القضية وترك إيجاب الإحرام لمن كثر تردده إلى الحرم من
أهل المواقيت.
٢/١٧٣٦ - (مالك عن الثقة عنده)، قال أبو عمر: يقال: إنه مخرمة بن
بكير، وقد رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير، يعني فيحتمل أنه
عمرو، كذا في ((الزرقاني))(١). وفي ((التجريد))(٢): يقال: إن الثقة هنا عن بكير،
هو مخرمة بن بكير، ويقال: بل وجده مالك في كتب بكير أخذها من مخرمة.
اهـ. وفي ((المحلى)): قال ابن عبد البر: أكثر ما في الكتب مالك عن بكير بن
أشجّ يقول أصحابه ابن وهب وغيره: إنه أخذ من كتب بكير كأنه أخذها من
مخرمة ابنه، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٣/٤).
(٢) (ص٢٤٤).
٢١٣

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٦) حديث
عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ؛
(عن بكير) بضم الموحدة مصغراً، فما في النسخ الهندية بكر بدون
التصغير تحريف من الناسخ (ابن عبد الله بن الأشجّ) بشين معجمة وجيم مشددة
(عن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة (ابن سعيد) بفتح فكسر (عن
أبي سعيد الخدري) الصحابي الشهير اسمه سعد (عن أبي موسى) عبد الله بن
قيس (الأشعري) قال ابن عبد البر في ((التجريد)): أما قوله: عن أبي سعيد عن
أبي موسى فليس كذلك، ومعناه عن أبي سعيد عن قصة أبي موسى، ومثل ذلك
حديث عمير بن سلمة الضمري عن البهزي في قصة الحمار الوحشيّ، وإنما
الحديث لعمير بن سلمة، اهـ.
يعني أن لفظة ((عن)) في قوله: عن أبي موسى، ليست للرواية، بل هي
للقصة، وذلك معروف في الروايات كثيراً (١)، وذلك لأن أبا سعيد الخدري
- رضي الله عنه - سمع هذا الحديث عن النبي ◌ّ بدون واسطة أبي موسى
الأشعري، كما في الحديث الآتي.
قال الحافظ (٢): اتفق الرواة على أن أبا سعيد حدّث بهذا الحديث عن
النبي ◌َّ﴾، وحكى قصة أبي موسى عنه إلا ما أخرجه مالك في ((الموطأ))، يعني
هذا الحديث مختصراً دون القصة، وقد أخرجه مسلم من طريق عمرو بن
الحارث عن بكير بطوله، وصرح فيه بسماع أبي سعيد له عن النبي ◌َّ،
وأغرب الداودي، فقال: روى أبو سعيد حديث الاستئذان عن أبي موسى،
وهو يشهد له عند عمر، فأدّى إلى عمر ما قال أهل المجلس، وكأنه نسي
أسماءهم بعد ذلك، فحدث عن أبي موسى وحده لكونه صاحب القصة، وتعقبه
ابن التين بأنه مخالف لما في رواية الصحيح.
(١) انظر: ((التمهيد)) (١٩١/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٩/١١).
٢١٤

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٦) حديث
أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((الإِسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ. فَإِنْ أُذِنَ لَكَ
فَادْخُلْ. وَإِلَّا فَارْجِعْ)).
قال الحافظ: والتحقيق أن أبا سعيد حكى قصة أبي موسى عنه بعد
وقوعها بدهر طويل، ومن جملة قصته الحديث المذكور، فكأن الراوي لما
اختصر واقتصر على المرفوع خرج منها أن أبا سعيد ذكر الحديث المذكور عن
أبي موسى، وغفل عما في آخرها من رواية أبي سعيد المرفوع بغير واسطة،
وهذا من آفات الاختصار، فينبغي لمن اقتصر على بعض الحديث أن يتفقد مثل
هذا وإلا وقع في الخطأ، وقد اشتد إنكار ابن عبد البر على من زعم أن هذا
الحديث إنما رواه أبو سعيد عن أبي موسى إلى آخر ما ذكر من قوله.
(أنه قال: قال رسول الله (مطلق: الاستئذان) للدخول أي طلب الإذن له
(ثلاث) من المرات (فإن أذن لك) في مرة من الثلاثة (فادخل) في البيت (وإلا
فارجع) عنه، قال الباجي(١): هذا يمنع الزيادة على الثلاث، وهذا إذا علم أنه
سمع، قال عيسى بن دينار في ((المزنية)): فإن لم يجبه أحد وظن أنهم لم
يسمعوه فلا بأس أن يزيد على الثلاث، وقال يحيى عن ابن نافع: لا أحب أن
يسلم أكثر من ثلاث، وإن ظن أنهم لم يسمعوه اتباعاً للحديث وأخذاً به، قال:
ولا بأس إن عرفت أحداً أن تدعوه ليخرج إليك أن تنادي به ما بدا لك، اهـ.
قال الحافظ (٢): واستدل بالحديث على أنه لا يجوز الزيادة في الاستئذان
على الثلاث، قال ابن عبد البر: فذهب أكثر العلماء إلى ذلك، وقال بعضهم:
إذا لم يسمع فلا بأس أن يزيد، وروى ابن وهب عن مالك لا أحب أن يزيد
على ثلاث إلا من علم أنه لم يسمع، قال الحافظ: وهذا هو الأصح عند
الشافعية، قال ابن عبد البر: وقيل: تجوز الزيادة مطلقاً بناءً على أن الأمر
(١) ((المنتقى)) (٢٨٤/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٠/١١).
٢١٥

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٧) حديث
٣/١٧٣٧ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُن،
عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ؛ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ جَاءَ يَسْتَأُذِنُ
عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثاً ثُمَّ رَجَعَ.
بالرجوع بعد الثلاث للإباحة والتخفيف عن المستأذن، فمن استأذن أكثر فلا
حرج عليه، وحكى ابن العربي إن كان بلفظ الاستئذان لا يعيد، وإن كان بلفظ
آخر أعاد. قال: والأصح لا يعيد، اهـ.
٣/١٧٣٧ - (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) فروخ الرأي المدني
(عن غير واحد) أي أكثر من واحد، والسياق هكذا في جميع النسخ المصرية
من المتون والشروح، فيكون رواية ربيعة عن غير واحد، وسياق النسخ الهندية
بزيادة الواو بلفظ وعن غير واحد، وهكذا بالواو في رواية أبي داود عن مالك،
فيكونون كلهم شيوخ الإمام مالك، ويؤيد الأول ما في ((الفتح)) عن ((الموطأ)) إذ
قال: في ((الموطأ)) عن ربيعة عن غير واحد من علمائهم، الحديث ذكره بدون
الواو - (من علمائهم) أي علماء التابعين، أو علماء المدينة، وصله الشيخان(١)
وغيرهما من أصحاب الستة وغيرهم بطرق عديدة وألفاظ مختلفة.
(أن أبا موسى الأشعري) - رضي الله عنه - (جاء يستأذن على عمر بن
الخطاب) وقد دعاه عمر - رضي الله عنه - (فاستأذن) أبو موسى (ثلاثاً ثم رجع)
إذ لم يؤذن له، وفي حديث البخاري عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري
قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور،
فقال: استأذنت على عمر - رضي الله عنه - ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت،
الحديث .
قال الحافظ(٢): في رواية مسلم عن أبي سعيد قال: كنت جالساً
(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب الخروج في التجارة. (٢٠٦٢)، ومسلم في كتاب
الأدب، باب الاستئذان (٣٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٧/١١).
٢١٦

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٧) حديث
فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهِ فَقَالَ: مَالَكَ لَمْ تَدْخُلْ؟
بالمدينة، وفي رواية: إني لفي حلقة فيها أبيّ بن كعب، أخرجه
الإسماعيلي، وفي رواية لمسلم عن الخدري قال: كنا في مجلس عند
أبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضباً، حتى وقف، وفي أخرى
لمسلم، فأتانا أبو موسى فزعاً أو مذعوراً، قلنا ما شأنك؟ فقال: إن عمر
- رضي الله عنه - أرسل إليّ أن آتيه فأتيت بابه، فسلمت ثلاثاً، فلم يرد
عليّ فرجعت.
وفي أخرى للبخاري أن أبا موسى الأشعري استأذن على عمر بن
الخطاب فلم يؤذن له، وكأنه كان مشغولاً، فرجع أبو موسى، ففزع عمر،
فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ائذنوا له قيل: إنه رجع (فأرسل
عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - رسولاً (في أثره) بفتحتين وبكسر فسكون،
أي قرب رجوعه، فرجع أبو موسى إلى عمر - رضي الله عنه -.
(فقال عمر) - رضي الله عنه -: (ما) استفهامية (لَكَ لم تدخل؟) بصيغة
النفي، وفي رواية: ما منعك أن تأتيني، وقد دعوتك؟ وفي رواية بكير بن
الأشجّ عند مسلم قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم
يؤذن لي، فرجعت ثم جئته اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس،
فسلّمت ثلاثاً، ثم انصرفت، قال: قد سمعناك ونحن حينئذٍ على شغل، فلو ما
استأذنت حتی یؤذن لك.
وفي أخرى لمسلم عن أبي سعيد أن أبا موسى أتى باب عمر، فاستأذن،
فقال عمر: واحدة، ثم استأذن، فقال عمر - رضي الله عنه - ثنتان، ثم
استأذن، فقال عمر - رضي الله عنه - ثلاث، ثم انصرف فأتبعه فرده، وفي
أخرى لمسلم: جاء أبو موسى إلى عمر - رضي الله عنه - فقال: السلام
عليكم، هذا عبد الله بن قيس، فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم، هذا أبو
موسى، السلام عليكم، هذا الأشعري، ثم انصرف فقال: رُدُّوه.
٢١٧

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٧) حديث
فَقَالَ أَبُو مُوسى: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: ((الاسْتِئِذَانُ ثَلَاثٌ.
....
فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ)). فَقَالَ عُمَرُ: وَمَنْ يَعْلَمُ هُذَا؟
قال الحافظ(١): ظاهر هذين السياقين التغاير، فإن الأول يقتضي أنه لم
يرجع إلى عمر - رضي الله عنه - إلا في اليوم الثاني، وفي الثاني أنه أرسل إليه
في الحال، ولفظ مالك في ((الموطأ)): فأرسل في أثره، ويجمع بينهما بأن عمر
- رضي الله عنه - لما فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكّره، فسأل عنه، فأخبر
برجوعه، فأرسل إليه، فلم يجده الرسول في ذلك الوقت، وجاء هو إلى عمر
- رضي الله عنه - في اليوم الثاني.
ووقع في رواية البخاري في ((الأدب المفرد))(٢) فقال: يا عبد الله اشتد
عليك أن تحتبس على بابي، اعلم أن الناس كذلك يشتدّ عليهم أن يحتبسوا
على بابك، فقلت، بل استأذنت، إلى آخره، وفي هذه الزيادة دلالة على أن
عمر - رضي الله عنه - أراد تأديبه لما بلغه أنه قد يحتبس على الناس في حال
امرأته، وقد كان عمر - رضي الله عنه - استخلفه على الكوفة مع ما كان عمر
- رضي الله عنه - فيه من الشغل، اهـ.
(فقال أبو موسى) الأشعري معتذراً عن رجوعه (سمعتُ رسول الله وَليتر)
ولفظ البخاري قال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي، فرجعت،
وقال رسول الله وقال: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع)) (يقول:
الاستئذان ثلاث) من المرات فقط (فإن أذن لك) ببناء المجهول (فادخل) البيت
(وإلا) أي إن لم يؤذن لك (فارجع) قال صاحب ((المحلى)): وجوباً إن غلب في
ظنه أنه سمعه وإلا فندبا، اهـ. وتقدم البسط في الحديث السابق.
(فقال عمر بن الخطاب: ومن) استفهامية (يعلم هذا) الذي رويته عن
(١) ((فتح الباري)) (٢٨/١١).
(٢) ح (١٠٧٦).
٢١٨

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٧) حديث
لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذُلِكَ لِأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا. فَخَرَجَ أَبو
مُوسى حَتَّى جَاءَ مَجْلِساً فِي الْمَسْجِدِ يُقَالُ لَهُ مَجْلِسُ الْأَنْصَارِ.
فَقَالَ: إِنِّي أَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ؛ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ إِ لَه
يَقُولُ: ((الاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ. فَإِنْ أُذِنَ لَّكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ)) فَقَالَ:
لِئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هُذَا لَّأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا. فَإِنْ كَانَ سَمِعَ
ذُلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَلْيَقُمْ مَعِي. فَقَالُوا
النبي ◌َّر، يعني هل يرويه أحد غيرك أيضاً؟ (لئن لم تأتني) اللام موطئة للقسم
المقدر (بمن يعلم ذلك) غيرك (لأفعلن بك) اللام جواب القسم (كذا وكذا)
ولفظ البخاري: فقال: والله لتقيمن عليه بينة، قال الحافظ (١): زاد مسلم وإلا
أوجعتُك، وفي رواية له: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك، أو لتأتيني بمن يشهد
لك على هذا، وفي رواية: وإلا جعلتك عظة، اهـ.
(فخرج أبو موسى) من عند عمر - رضي الله عنه - (حتى جاء مجلساً في
المسجد يقال له مجلس الأنصار) لجلوسهم فيه، وتقدم في الروايات أن أبي بن
كعب كان فيهم (فقال) أبو موسى لأهل المجلس: (إني) كنت (أخبرت عمر بن
الخطاب أني سمعت رسول الله وَ لل يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل
وإلا فارجع) كما تقدم قريباً (فقال عمر: لئن لم تأتني بمن يعلم هذا) الخبر معك
(لأفعلن بك كذا وكذا).
قال أبو موسى بعد إسماعهم القصة المذكورة التي جرى مع عمر: (فإن
كان سمع ذلك) الحديث عن رسول الله وَّر (أحد منكم) يا أهل المجلس (فليقم
معي) ويخبر عمر - رضي الله عنه - بذلك الحديث (فقالوا) وفي رواية للشيخين،
فقال أبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، ولمسلم فقال أبيٍّ:
والله لا يقوم معك إلا أحدثنا سناً، قُمْ يا أبا سعيد، فكان أبيّاً ابتدأ ذلك
(١) ((فتح الباري)) (٢٨/١١).
٢١٩

٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٧) حديث
لِأَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ: قُمْ مَعَهُ. وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْغَرَهُمْ. فَقَامَ مَعَهُ.
فَأَخْبَرَ بِذْلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ.
الكلام، ووافقوه عليه، فنسب للجميع في رواية ((الموطأ))، وفي رواية لمسلم:
قال عمر: إن كان هذا شيء حفظته من رسول الله و 18 فها. وإلا فلأجعلنك
عظة، قال أبو سعيد: فأتانا، فقال: ألم تعلموا أن رسول الله وجلاله قال:
(الاستئذان ثلاث))، قال: فجعلوا يضحكون، فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد
أُفْزِعَ تضحكون؟، انطلِقْ، فأنا شريكك في هذه العقوبة فأتاه، الحديث، فلعلهم
قالوه لأبي سعيد بعد أن عرض هو نفسه أولاً، ووافقه على ذلك أبيٌّ ثانياً (لأبي
سعيد الخدري: قم معه) أي مع أبي موسى، وأخبر عمر - رضي الله عنه -
بذلك.
(وكان أبو سعيد) الخدري (أصغرهم) أي أصغر القوم الحاضرين في هذا
المجلس، فأرادوا بذلك أن الحديث معروف مشهور حتى يعلمه الصغار منهم
فضلاً عن الكبار (فقام) أبو سعيد (معه) أي مع الأشعري وذهب (فأخبر بذلك)
الحديث (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه، وفي رواية للشيخين: فأخبرت عمر
- رضي الله عنه - أن النبي ◌َّ قال ذلك، فقال عمر - رضي الله عنه -: أخفى
هذا عليّ من أمر رسول الله وَر، ألهاني الصفق بالأسواق يعني الخروج إلى
التجارة .
قال الحافظ: اتفق الرواة على أن الذي أشهد لأبي موسى عند عمر
- رضي الله عنه - أبو سعيد الخدري إلا ما عند البخاري في ((الأدب المفرد)»
من طريق عبيد بن حنين(١) فإن فيه فقام معي أبو عبيد الخدري - كذا في
((الفتح)) والصواب بدله أبو سعيد الخدري، كما في أصل ((الأدب المفرد)) - أو
(١) كذا في ((الفتح))، وفي النسخ التي بأيدينا من ((الأدب المفرد)» الهندية والمصرية يلفظ ابن
حسين بالسين بعد الحاء بدل النون، والصواب عندي على الظاهر ما في ((الفتح)). ((ش)).
قلت: في النسخة الجديدة من ((الأدب المفرد)) ((حُنين)) انظر: رقم الحديث (١٠٧٦).
٢٢٠