النص المفهرس
صفحات 161-180
٥٣ - کتاب الرؤيا (٢) باب (١٧٢٦) حديث أحمد: إن النرد أشدّ من الشطرنج، وذلك لورود النص في النرد، والإجماع على تحريمها، بخلاف الشطرنج، اهـ .. قلت: حديث واثلة الذي ذكره الموفق، قال الزيلعي(١): رواه ابن حبان في ((كتاب الضعفاء)) وضعّفه. وفي ((الهداية))(٢) يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر، وكل لهو، لأنه إن قامر بها فالميسر حرام بالنص، وإن لم يقامر بها فهو عبث ولهو، وقال عليه السلام: ((لَهْوُ المؤمن باطل إلا الثلاث: تأديبه بفرسه، ومناضلته عن قوسه، وملاعبته مع أهله))، وقال بعض الناس: يباح اللعب بالشطرنج لما فيه من تشحيذ الخواطر وتذكية الأفهام، وهو محكيّ عن الشافعي. ولنا، قوله عليه الصلاة والسلام: ((من لعب بالشطرنج والنردشير، فكأنما غمس يده في دم الخنزير)) ولأنه نوع لعب يصُدُّ عن ذكر الله وعن الجمع والجماعات، فيكون حراماً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما ألهاك عن ذكر الله فهو ميسر)) وكره أبو يوسف ومحمد التسليم عليهم تحذيراً لهم، ولم ير أبو حنيفة به بأساً يشغلهم عمّاهم فيه، اهـ. والحديث الذي ذكره صاحب ((الهداية)) ((من لعب بالشطرنج))، الحديث. قال الزيلعي(٣): غريب بهذا اللفظ، أخرجه مسلم من حديث بريدة، وليس فيه ذكر الشطرنج. وفي (الدر المختار)): كره تحريماً اللعب بالنرد وكذا الشطرنج. وأباحه الشافعي وأبو يوسف في رواية، قال ابن عابدين: قوله: في رواية. قال الشرنبلالي: وأنت خبير بأن المذهب منع اللعب به، اهـ. (١) ((نصب الراية)) (٢٧٥/٤). (٢) (٢٣٦/٧/٤). (٣) ((نصب الراية) (٢٧٤/٤). ١٦١ ٥٣ - کتاب الرؤيا (٢) باب (١٧٢٦) حديث وفي ((المشكاة)) برواية البيهقي في ((الشعب)) عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقول: الشطرنج هو ميسر الأعاجم، وعن ابن شهاب أن أبا موسى الأشعري قال: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ، وعنه أنه سئل عن لعب الشطرنج؟ فقال: هي من الباطل، والله لا يحب الباطل، قال القاري(١) في قول علي - رضي الله عنه -: إنه من مياسر الأعاجم: أي قمارهم حقيقة أو صورة، والتشبه بهم منهيٌّ، أو أراد أنه دخل في عموم الميسر المنهيِّ عنه في كتاب الله تعالى، وأما الشرط به فحرام مجمع عليه، وقال في قول أبي موسى: لا يلعب به إلا خاطئ: أي عاصٍ، وهو بإطلاقه يشمل ما يكون بالشرط وغيره، والحديث وإن كان موقوفاً، لكنه مرفوع حكماً، فإن مثله لا يقاس من قبل الرأي، وسيأتي عنه ما يعضد أنه مرفوع حقيقة. وفي (شرح السنة)): اختلفوا فيه، فرخص فيه بعضهم؛ لأنه قد يتبصر به في أمر الحرب، قال القاري: وما أضعفُ هذا التعليل، وما أسخفُ هذا التأويل مع النصوص الواردة في ذمِّه، وعدم ثبوت فعله من أصحاب النبي وَّ، وقد كره الشافعي اللعب بالشطرنج والحمام كراهة تنزيه، وحَرَّمه جماعة كالنرد. وفي ((الجامع الصغير)): ((ملعون من لعب بالشطرنج، والناظر إليها كالآكل لحم الخنزير))، رواه عبدان عن أبي موسى وابن حزم عن حبة بن مسلم مرسلاً، والمرسل حجة عند الجمهور، وقد تعاضدت الأحاديث الكثيرة الطرق في هذا المعنى . وبهذا وبما تقدم أي في ((المرقاة)) (٢) في حديث ابن عباس مرفوعاً ((إن الله تعالى حرم الخمر والميسر والكوبة)) من أن المراد بقوله: الكوبة هي الشطرنج، (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٧/٨). (٢) (٣٣٨/٨). ١٦٢ ٥٣ - كتاب الرؤيا (٢) باب (١٧٢٦) حديث وبكونه داخلاً في الميسر حقيقة أو صورة ، وبتعدد الحديثية منها ما سبق، ومنها ما في ((الدر)) أيضاً: أخرج عبد بن حميد والبيهقي في (سننه)) عن مجاهد، قال: الميسر كعاب فارس، وقداح العرب، وهو القمار كله، وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري عن النبي بَّ قال: ((اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجراً فإنها من الميسر)) وأخرج ابن مردويه والبيهقي في ((الشعب)) عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله وَله: ((إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجر زجراً، فإنها من الميسر))، وأخرج أحمد وغيره عن ابن مسعود مرفوعاً: ((إياكم وهاتين اللعبتين الموسومتين اللتين تزجران زجراً، فإنهما ميسر العجم)) . وأخرج عبد بن حميد عن علي رضي الله عنه قال: الشطرنج ميسر الأعاجم، وأخرجه البيهقي في ((الشعب)) عن القاسم أنه قيل له: هذه النرد تكرهونها، فما بال الشطرنج؟ قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو من الميسر، صحَّ القول بأن الشطرنج مكروه، لعبه كراهة تحريم. ولا ينافيه ما ذكره المنذر من أنه قد ورد ذكر الشطرنج في أحاديث لا أعلم لشيء منها إسناداً صحيحاً، ولا حسناً على ما نقله ميرك عنه؛ لأن تعدد الطرق يورث الحديث حسناً، ولو كان لغيره على ما هو مقرر في محله مع أن السلف لم يفرقوا بين النرد والشطرنج من حيث أن كلاً منهما معدود من الميسر المنهيّ عنه في القرآن، فاشتراط القمار في الشطرنج دون النرد من أين يعلم، اهـ. ١٦٣ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٧) حديث بسم الله الرَّحمن الرحيم ٥٤ - كتاب السلام (١) باب العمل في السلام ١/١٧٢٧ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: (١) العمل في السلام أي كيف العمل فيه باعتبار من يسلم؟، وعلى من يسلم؟ وكيف يسلم؟ قال الرازي في ((التفسير الكبير)): المبتدئ يقول: السلام عليك، والمجيب يقول: وعليكم السلام، هذا هو الترتيب الحسن، والذي خطر ببالي فيه أن الابتداء والانتهاء فيه باسم الله تعالى وهو السلام، وهذا يطابق قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ وأيضاً لما وقع الابتداء والاختتام بذكره تعالى، يرجى أن يكون ما وقع بينهما مقبولاً ببركته، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَي التَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَتْلِّ إِنَّ الْخَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾(١)، انتهى مختصراً. وفي ((الكنز)) برواية ابن السني عن أبي هريرة مرفوعاً ((إذا أراد أحدكم السلام، فليقل: السلام عليكم، فإن الله هو السلام، فلا تبدءوا قبل الله بشيء، اهـ. ١/١٧٢٧ - (مالك عن زيد بن أسلم) قال الزرقاني (٢): مرسل باتفاق الرواة (أن رسول الله وَ لي قال) وفي ((شرح الإحياء)): قال العراقي: رواه مالك مرسلاً، ولأبي داود(٣) من حديث علي ((يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم)) وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي (١) سورة هود: الآية ١١٤. (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٧/٤). (٣) ح (٥٢١٠). ١٦٤ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٧) حديث ((يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، هريرة - رضي الله عنه - ((يسلم الراكب على الماشي)). قال الزبيدي: أما مرسل زيد فرواه أيضاً عبد الرزاق في ((المصنف)) عن معمر عن زيد بن أسلم أتم مما في ((الموطأ))، ولفظه ((إذا مر القوم فسلم أحدهم أجزأ عنهم، وإذا رد أحدهم كفى)) ورواه ابن عبد البر(١) من طريق ابن جريج عن زيد بن أسلم كذلك، ولم یذکر من وصله. قال الحافظ في ((أمالي الأذكار)): وقد ظفرت به في ((الحلية)) من رواية ابن كثير عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أورده في ترجمة يوسف بن أسباط، قال الزبيدي: ولفظ ((الحلية)) بسنده إلى زيد بن أسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَل﴿: ((إذا مرّ رجال بقوم فسلّم رجلٌ من الذين مروا على الجالسين، ورَدَّ عن هؤلاء واحدٌ أجزأ عن هؤلاء وعن هؤلاء)) غريب من حديث زيد وعباد، لم نكتبه إلا من حديث يوسف، اهـ. (يسلم) أي يبدأ بالسلام (الراكب على الماشي) بذلك ترجم البخاري في ((صحيحه))، وأخرج فيه حديث أبي هريرة مرفوعاً ((يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير)) قال الزرقاني(٢): أي يبدؤه بالسلام لئلا يتكبر بركوبه، فيرجع إلى التواضع، قاله ابن بطال. وقال المازري (٣): لأن للراكب مزية على الماشي، فعوض أن يبدأ الراكب احتفاظًاً عليه من الزهو ، وقال الطيبي: لأن وضع السلام إنما هو لحكمة إزالة الخوف من الملتقيين إذا التقيا أو أحدهما، أو لمعنى التواضع المناسب لحال المؤمن للتعظيم، لأن السلام إنما يقصد به أحد أمرين إما اکتساب وُدّ أو استدفاع مكروه، اهـ. (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٣٥/٢٧)، و((التمهيد)» (٢٩١/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٧/٤). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (١١ /١٧). ١٦٥ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٧) حديث قال الرازي: يسلم الراكب على الماشي لوجهين: أحدهما: أن الراكب أكثر هيبة فسلامه يفيد زوال الخوف، الثاني: أن التكبر به أليق فأمر بالابتداء كسراً لذلك، وأما القائم على القاعد فلأنه هو الذي وصل إليه، فلا بد وأن يفتح هذا الواصل الموصول بالخير، اهـ. وأخرج البخاري من طريق آخر عن أبي هريرة، وفيه: ((ويسلم الصغير على الكبير)) قال الحافظ (١): وتبقى صورة لم تقع منصوصة وهي ما إذا تلاقى مارّان راكبان أو ماشيان، وقد تكلم عليه المازري، فقال: يبدأ الأدنى منهما الأعلى قدراً في الدين إجلالاً لفضله، لأن فضيلة الدين مرغب فيها في الشرع، وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة، فكل منهما مأمور بالابتداء، وخيرهما من بدأ السلام، كما تقدم في حديث المتهاجرين. وأخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) بسند صحيح من حديث جابر قال: الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل، اهـ. قلت: حديث جابر هذا أخرجه المنذري في ((الترغيب))(٢) وقال: رواه البزار وابن حبان في ((صحيحه))، اهـ. وقال النووي: وهذا الذي جاء في الحديث من تسليم الراكب على الماشي والقليل على الكثير ونحو ذلك كله للاستحباب، فلو عكسوا جاز وكان خلاف الأفضل، اهـ. قال القسطلاني(٣): وقد أبدى صاحب ((الكواكب)) سؤالاً فقال: إذا كان المشاة كثيراً والقاعدون قليلاً فهما متعارضان فما حكمه؟ وأجاب بأنه يتساقط الجهتان، ويكون حكم ذلك حكم رجلين التقيا معاً فأيهما ابتدأ بالسلام فهو (١) ((فتح الباري)) (١٦/١١). (٢) ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٤٢٦/٣). (٣) ((إرشاد الساري)) (٢٧٨/١٣). ١٦٦ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٧) حديث وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الْقَوْمِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ)). خير، أو يرجح ظاهر أمر الماشي، وكذا الراكب فإنه يوجب الأمان لتسلطه وعلوه، اهـ. (وإذا سلم من القوم) الراكبين أو الماشيين أو القاعدين أو القليلين أو غيرهم (واحد) منهم (أجزأ عنهم) كلهم. قال الباجي(١): قال القاضي أبو محمد: لا خلاف أن ابتداء السلام سنة أو فرض على الكفاية، إذا قام به بعضهم سقط عن بعض، وأن رد السلام فرض على الكفاية، فإن سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم، وإن رد واحد من الجماعة أجزأ عنهم، وحكي عن أبي يوسف أنه يلزم جميعهم الرد، والدليل على ما نقوله الحديث المذكور، ومن جهة المعنى أن هذا سلام هو شعار الشرع، فناب فيه الواحد عن الجماعة كسلام المبتدئ به. اهـ. ولا يذهب عليك أن لههنا مسألتين: الأولى: الابتداء بالسلام، والمعروف في الكتب أنه سنة لكن فيه بعض خلاف، أشار إليه الباجي بقوله: أو فرض كفاية، وقال الحافظ في حديث البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً ((خلق الله آدم على صورته فلما خلقه، قال: اذهب فسلِّم على أولئك نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله))، الحديث. قال الحافظ(٢): استدل به على إيجاب الابتداء بالسلام لورود الأمر به، وهو بعيد بل ضعيف؛ لأنها واقعة حال لا عموم لها، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن الابتداء بالسلام سنة، لكن في كلام المازري ما يقتضي إثبات خلاف في ذلك، كذا زعم بعض من أدركناه، وقد راجعت كلام المازري وليس (١) ((المنتقى)) (٢٧٩/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٣/١١). ١٦٧ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٧) حديث فيه ذلك، فإنه قال: ابتداء السلام سنة، وردُّه واجب، هذا هو المشهور عند أصحابنا، وهو من عبادات الكفاية، فأشار بقوله المشهور إلى الخلاف في وجوب الرد هل هو فرض عين أو كفاية؟ وقد صرح بعد ذلك بخلاف أبي یوسف، كما سيأتي بعد. نعم، وقع في كلام القاضي عبد الوهاب فيما نقله عنه عياض قال: لا خلاف أن ابتداء السلام سنة أو فرض على الكفاية، فإن سلّم أحدٌ من الجماعة أجزأ عنهم. قال عياض: معنى قوله: أو فرض على الكفاية مع نقل الإجماع على أنه سنة أن إقامة السنن وإحياءها فرض على الكفاية، اهـ. قلت: ولا إنكار من أن بعضهم ذهب إلى وجوب السلام ابتداء أيضاً، كما حكاه جمع من نقلة المذاهب بدون النسبة إلى قائله، فقد تقدم في كلام الباجي أنه سنة أو فرض كفاية، وقال الحافظ(١): قال ابن دقيق العيد: استدل بالأمر بإفشاء السلام من قال بوجوب الابتداء بالسلام، قال الحافظ: وفيه نظر، إذ لا سبيل إلى القول بأنه فرض عين على التعميم من الجانبين، إلى آخر ما قاله. وقال النووي: اعلم أن ابتداء السلام سنة، وردّه واجب، فإن كان المسلم جماعة، فهو سنة كفاية في حقهم إذا سلّم بعضهم حصلت سنة السلام في حق جميعهم، فإن كان المسلم عليه واحداً تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة كان الرد فرض كفاية في حقهم، فإذا ردَّ واحدٌ منهم سقط الحرج عن الجميع، والأفضل أن يبتدئ الجميعُ بالسلام، وأن يرد الجميع، وعن أبي يوسف أنه لا بد أن يرد الجميع، ونقل ابن عبد البر وغيره إجماع المسلمين على أن ابتداء السلام سنة، وأن رده فرض، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (١٩/١١). ١٦٨ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٧) حديث وفي ((روضة المحتاجين)) من فروع الشافعة: إن ابتداء السلام سنة عين من المسلم العاقل غير شابة وغير خُنْئى، ولو صبياً مميزاً، إذا كان وحده، وسنة كفاية من جماعة على غير شابة، وخنثى، وكافر، وفاسق معلن، اهـ. والمسألة الثانية: رد السلام، وتقدم من أقوالهم أنه واجب على الكفاية خلافاً لأبي يوسف، وقال القسطلاني: اتفقوا على وجوب الرد على الكفاية. اهـ. ولم يذكر فيه خلاف أحد، قال الحافظ(١): واتفق العلماء على أن الرد واجب على الكفاية. وجاء عن أبي يوسف أنه قال: يجب الرد على كل فرد فرد، واحتج له بحديث الباب يعني حديث البخاري المذكور قريباً عن أبي هريرة في خلق آدم، فإن فيه: فقالوا أي الملائكة: السلام عليك. وتعقب بجواز أن يكون نسب إليهم، والمتكلم به بعضهم، واحتج له أيضاً باتفاق على من سلّم على جماعة، فردّ عليه واحد من غيرهم لا يجزئ عنهم، وتعقب بظهور الفرق، واحتج للجمهور بحديث عليّ رفعه ((يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم)) أخرجه أبو داود والبزار، وفي سنده ضعف، لكن له شاهد من حديث الحسن بن علي عند الطبراني، وفي سنده مقال، وآخر مرسل في ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم. واحتج ابن بطال بالاتفاق على أن المبتدئ لا يشترط في حقه التكرار بعدد من يسلّم عليهم، كما في حديث أبي هريرة المذكور من سلام آدم عليه السلام وفي غيره من الأحاديث، قال: فذلك لا يجب الرد على كل فرد فرد، اهـ. وقال الجصاص في ((أحكام القرآن)): قال أصحابنا: رد السلام فرض ٠ على الكفاية إذا سلم على جماعة فرد واحد منهم أجزأ، اهـ. وبعد ذلك فإنهم اختلفوا في شرح حديث الباب؛ لأن ظاهر اللفظ يدل على الوجوب. (١) «فتح الباري)) (٦/١١). ١٦٩ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٧) حديث قال الزرقاني(١): قوله: أجزأ عنهم، أي في تحصيل السنة فهو أصل للإجماع على أن الابتداء بالسلام سنة كفاية، وقال ابن عبد البر: المراد بالسلام لهُهنا الرد؛ لأن الراد أيضاً مسلم؛ لأنه إنما يقال: أجزأ فيما وجب، والابتداء بالسلام سنة، والرد واجب اتفاقاً، فبطل تأويل الطحاوي الحديث على أن معناه ابتداء السلام نصرةً لمذهبه أن رده فرض عين، وقد روى أبو داود وغيره بإسناد حسن عن علي - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((يجزئ من الجماعة إذا مرت)) الحديث. تقدم قريباً في كلام الحافظ، فسَوَّى بين الابتداء والرد أنهما على الكفاية، وهو نص في موضع النزاع لا معارض له، ومذهب مالك والشافعي وأصحابهما وأهل المدينة أن الرد فرض كفاية، وشبهه الشافعي بالجهاد وتجهيز الميت وغيرهما، انتهى ملخصاً . وتعقبه الزرقاني(٢) بأن المتبادر من حديث زيد بن أسلم ما فهمه الطحاوي، لكن يحمل قوله: أجزأ أي في السنة، ولا دليل فيه على أن الرد فرض عين، اهـ. قلت: وما في ((الدر المنثور)) من رواية البيهقي نص في أن المراد بالسلام في أثر الباب البداية، إذ قال: وأخرج البيهقي عن زيد بن أسلم أن النبي وَّ قال: ((يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير والصغير على الكبير، وإذا مر بالقوم فسلم منهم واحد أجزأ عنهم، وإذا رد من الآخرين واحد أجزأ عنهم))، اهـ. ففيه ذكر الرد بعد ذلك مستقلاً. وكذلك ما ذكره الزبيدي عن الطبراني بسنده إلى عبد الله بن حسن بن حسن بن علي - رضي الله عنه - عن أبيه عن جده قال: قيل: يا رسول الله! (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٧/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٨/٤). ١٧٠ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٨) حديث ٢/١٧٢٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. ثُمَّ زَادَ شَيْئاً مَعَ ذُلِكَ أَيْضاً. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ: مَنْ هُذَا؟ قَالُوا: هُذَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاكَ. فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ. قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: إِنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ . القوم يأتون الدار، فيستأذن واحد منهم أيجزئ عنهم جميعاً؟ قال: نعم، قال: فيأذن واحد مهم أيجزئ عنهم؟ قال: نعم، قيل: فالقوم يمرون فيسلم واحد منهم، أيجزئ عنهم؟ قال: نعم، قال: فيرد رجل من القوم أيجزئ عن الجميع؟ قال: نعم، قال الحافظ في ((الأمالي)): إسناده يصلح للاعتبار، وأخرجه أيضاً ابنُ السُّنِّي في ((عمل يوم وليلة)) والبيهقي ((في الشعب))(١)، اهـ. ٢/١٧٢٨ - (مالك عن وهب بن كيسان) القرشي المدني (عن محمد بن عمرو بن عطاء) العامري القرشي المدني ثقة من رواة الستة، كما في (التقريب))، مات في حدود سنة ١٢٠ هـ (أنه قال: كنت جالساً عند عبد الله بن عباس فدخل عليه) أي على ابن عباس (رجل) لم يسم (من أهل اليمن فقال) الداخل: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم زاد شيئاً) أي ألفاظاً أخر (مع ذلك) أي مع المذكور من الألفاظ (أيضاً قال ابن عباس) أي سأل من حضر (وهو) أي ابن عباس (يومئذٍ قد ذهب بصره) ولذا سأل من حضر (مَنْ هذا؟) المسلِّم الذي زاد على المعروف من ألفاظ السلام (قالوا: هذا) فلان (اليماني الذي يغشاك) أي الذي يأتيك مراراً (فَعَرّفُوه) بتشديد الراء والضمير المنصوب إلى الداخل أي أعلموه أنه فلان بن فلان (إياه) أي ابن عباس (قال: فقال ابن عباس: إن السلام) قد (انتهى إلى البركة) أي إلى قوله: وبركاته. (١) ((شعب الإيمان)) (٤٤٩/١٥). ١٧١ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٨) حديث وروي هذا المعنى عن ابن عباس مرفوعاً، ففي («مجمع الزوائد»(١) عن ابن عباس قال: جاء ثلاثة نفر إلى النبي وَطّر، فقال أحدهم: السلام عليكم، فرد عليه النبي ◌َل﴾ ((وعليك ورحمة الله))، فجاء الثاني، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه النبي ◌َّ﴾ ((وعليكم ورحمة الله وبركاته))، وجاء الثالث فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه النبي وسلو مثل ما قال. وأبو الفتى جالس مع النبي ◌َّ، فقال: يا رسول الله زدت فلاناً وفلاناً، ولم تزد ابني شيئاً؟ فقال رسول الله 8* ((ما وجدنا له من زيادة فرددنا عليه مثل ما قال))، رواه الطبراني في ((الكبير))(٢) و((الأوسط))، وفيه نافع بن هرمز وهو ضعيف جداً، اهـ. قال الباجي(٣) يريد أنه لا يزيد على ذلك، وإنما هي ثلاثة أجزاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فمن اقتصر على بعضها أجزأه، ومن استوعبها فقد بلغ الغاية منه، فليس له أن يزيد عليها، وقد قال القاضي أبو محمد: أكثر ما ينتهي السلام إلى البركة، يريد أن لا يزاد على ذلك، وهذا فيما يتعلق بابتداء السلام ورده، وأما الدعاء فلا غاية له إلا المعتاد الذي يليق بكل طائفة من الناس. قال الباجي: وأما المصافحة، فقد حكى الشيخ أبو محمد أن المصافحة حسنة، وقال في ((المختصر)): سُئل مالك عن ذلك؟، فقال: إن الناس ليفعلون ذلك، وأما أنا فما أفعله، ويحتمل أن يتعلق في المنع بما روي أن السلام انتهى إلى البركة، فالزيادة من قول أو فعل ممنوعة كالمعانقة، اهـ. وتقدم ذكر المصافحة في محلها، وذكرت قول الباجي لأنه ذكره ههنا، كأنه استدل بحديث الباب على منع المصافحة أيضاً، وظاهره أنه لا يتضمن المصافحة إثباتاً ولا منعاً . (١) (٧٠/٨). (٢) أخرجه الطبراني في «الكبير)) ح (١٢٠٠٧). (٣) ((المنتقى)) (٢٨٠/٤). ١٧٢ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٨) حديث وفي ((المحلى)): قوله: انتهى إلى البركة، وذلك لاستجماعه أقسام المطالب السلامة من المضار وحصول المنافع وثباتها، فالزيادة عليها تطويل بلا طائل، وبه أخذ الحنفية أنه لا يزيد الرد على بركاته، كما في ((الدر المختار))(١). وقال محمد في ((موطئه)) (٢) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ، إذا قال: وبركاته، فليكفف، فإن اتباع السنة أفضل، وهو قول مالك والشافعي، قال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيِثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾: إنه يدل على وجوب الجواب بأحسن منه، وهو أن يزيد عليه ورحمة الله، فإن قاله المسلم، زاد وبركاته وهي النهاية، وإما يرد مثله إن قال المسلم: وبركاته، لما روي أن رجلاً قال لرسول الله وَله: السلام عليك، فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: عليك، فقال الرجل: نقصتني فأين ما قال الله؟ وتلا الآية، فقال: إنك لم تترك لي فضلاً، فردت علیك مثله، اهـ. قال صاحب ((المحلى)): الحديث أخرجه أحمد في ((الزهد)) والطبراني وابن مردويه عن سلمان الفارسي، كذا في ((الدر المنثور))، اهـ. قلت: وسياق ((الدر المنثور)) أوضح منه، وفيه أخرج أحمد في ((الزهد)) وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن سلمان الفارسي قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّره، الحديث بمثله، وفيه في الرجل الثالث فقال له الرجل: يا نبي الله بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك، فرددت (١) انظر: (٦٨٣/٩). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٣٥/٣). ١٧٣ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٨) حديث عليهما أكثر مما رددت علي، فقال: إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا خُيِِّثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾(١) فرددناها عليك. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢): رواه الطبراني، وفيه هشام بن لاحق، قواه النسائي، وترك أحمد حديثه، وفيه عن عائشة أن رسول الله وَال قال لها: يا عائشة! هذا جبرئيل يقرأ عليك السلام، فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وذهبت تزيد، فقال النبي ◌ّلة: إلى هذا انتهى السلام، فقال: ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، قال الهيثمي: هو في الصحيح باختصار، رواه الطبراني في «الأوسط)) ورجاله رجال الصحيح، اهـ. ثم قال صاحب ((المحلى)): ويُعَكِّرُ عليه ما رووه عن معاذ بن أنس أن رجلاً جاء إلى النبي وَّر، فقال: السلام عليكم، الحديث، لكن الحديث ضعيف، كما في ((سفر السعادة))، كذا في ((المحلى))، ولم أذكر لفظه لما فيه من التحريف في الأصل. ومعنى الحديث مروي بطرق عديدة وروايات مختلفة، قال الزبيدي: روي أنه جاء رجل إلى رسول الله وَله، فقال: السلام عليكم، فقال له رسول الله عليه : عشر حسنات، فجاء آخر، فقال: سلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون حسنة، فجاء آخر، فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: ثلاثون حسنة . قال العراقي: رواه أبو داود والترمذي(٣) من حديث عمران بن حصين، قال الترمذي: حسن غريب، وقال البيهقي في ((الشعب)): إسناده حسن، وبسط (١) سورة النساء: الآية ٨٦. (٢) (٨/ ٧٠). (٣) أخرجه أبو داود (٥١٩٥)، وأخرجه الترمذي (٢٦٨٩). ١٧٤ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٨) حديث الزبيدي في طرقه بألفاظ مختلفة، ثم قال: وللحديث شاهد جيد من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١)، فذكر سنده ومتنه، وقال: رواته من شرط الصحيح إلا يعقوب بن زيد التيمي، وهو صدوق، وأخرج النسائي في ((السنن الكبرى)) عن يعقوب حديثاً آخر في السلام بهذا الإسناد، وذكر في سنده اختلافاً على سعيد المقبري، وأخرج أبو داود بسنده عن معاذ بن أنس الجهني بنحوه، وزاد في آخره: ثم جاء آخر، فقال: ومغفرته، فقال: أربعون، ثم قال: - يعني رأَلّ - هكذا تكون الفضائل. وأخرج الطبراني بسنده عن مالك بن التيهان أنه جاء إلى رسول الله وَله، فقال: السلام عليكم، فذكر نحو حديث أبي هريرة، وهذا يمكن أن يفسر به من لم يسم في حديث أبي هريرة، انتهى مختصراً. وفي ((الدر المنثور)): أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عمر قال: جاء رجل فسلم فقال: السلام عليكم، فقال النبي ◌َّ: عشر، الحديث بنحو ما تقدم، وأخرج البيهقي عن سهل بن حنيف، قال: قال رسول الله وَلير: ((من قال: السلام عليكم كتب الله له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب الله له عشرين حسنة، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب الله له ثلاثين حسنة))، وقال المنذري في ((الترغيب))(٢): رواه الطبراني. ففي هذه الروايات كلها انتهت ألفاظ السلام إلى البركة إلا في رواية معاذ بن أنس التي أخرجها أبو داود، فإنه أخرج أولاً حديث عمران بن حصين، ثم قال: حدثنا إسحاق بن سويد الرملي نا ابن أبي مريم قال: أظن أني سمعت نافع بن يزيد قال: أخبرني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس (١) ح (٩٨٦). (٢) ((الترغيب والترهيب)) (٤٢٩/٣). ١٧٥ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٨) حديث عن أبيه عن النبي وَلّ بمعناه، زاد: ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: ((أربعون))، قال: ((هكذا تكون الفضائل))، قال المنذري: في إسناده أبو مرحوم عبد الرحمن بن ميمون وسهل بن معاذ لا يحتج بهما، وقال فيه سعيد بن أبي مريم: أظن أني سمعت نافع بن يزيد، اهـ. وتعقب الشيخ في ((البذل)) (١) على المنذري بأن أبا ميمون اسمه عبد الرحيم لا عبد الرحمن، وهو كما أفاد الشيخ، فإن الحافظ ذكر في ((تقريبه)) ((وتهذيبه)) في الكنى أبو مرحوم، اسمه عبد الرحيم بن ميمون، وأيضاً عبد الرحمن بن ميمون لم يذكر الحافظ كنيته أبا مرحوم، وذكره من رواة ابن ماجه فقط، وقال: روى له ابن ماجه حديثاً في ذات الجنب، اهـ. لكن تعقب الشيخ متعلق بتعيين الراوي فقط، لا بضعف الرواية، فإن عبد الرحيم أضعف من عبد الرحمن، كما أشار إليه الحافظ في ((تقريبه)) بذكر لفظ المقبول في عبد الرحمن، والصدوق في عبد الرحيم، وهذا كله مبنيٌّ على صحة ما حكي عن المنذري، والظاهر عندي أنه وقع تحريف من الكاتب في نقل كلام المنذري؛ لأنه ذكر الحديث في ((الترغيب)) وقال: رواه أبو داود، من طريق أبي مرحوم، واسمه عبد الرحيم بن ميمون، اهـ. ولرواية معاذ هذا شاهد أيضاً . قال النووي في ((الأذكار)): روينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان رجل يمر بالنبي وَلو يرعى دواب أصحابه، فيقول: السلام عليك يا رسول الله، فيقول له النبي وَلّر: ((وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه))، فقيل: يا رسول الله تسلم على هذا سلاماً ما تسلمه على أحد من أصحابك، قال: ((وما يمنعني من ذلك، وهو ينصرف بأجر بضعة عشر رجلاً))، اهـ. (١) (بذل المجهود)) (١٣٥/٢٠). ١٧٦ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٨) حديث لكن الحديث أيضاً ضعيف، فالمعروف في السنة هو الانتهاء إلى البركة، وإليه أشار الإمام محمد في ((موطئه))(١) كما تقدم، وإليه أشار الإمام مالك - رضي الله عنه - بذكر أثر الباب، ورواية سلمان وعائشة المرفوعة في أول هذا البحث نصّ في ذلك. وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): أخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ الجهني عن أبيه بسند ضعيف نحو حديث عمران، وزاد في آخره: ثم جاء آخر فزاد: ومغفرته، الحديث. وأخرج ابن السني في كتابه بسند واوٍ من حديث أنس قال: كان رجل يمر، الحديث، تقدم قريباً. وأخرج البيهقي في ((الشعب)) بسند ضعيف أيضاً من حديث زيد بن أرقم: كنا إذا سلم علينا النبي ◌َ ﴿ل قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته، وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت قوي ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على ((وبركاته))، اهـ. فغاية ما يثبت به الجواز والسنة هي ما عليها الروايات المعروفة كما تقدم، وزيادة الأجر في شيء لعارض لا ينافي كون السنة بخلافه، كما وقع في قصة رجل دخل في الصف، وقد حفزه النفس، فقال: الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً، الحديث، وفيه، قال ◌َّجر: ((لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها))، وفي قصة رجل آخر قال نحو ذلك في القومة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها))، رواه البخاري، وفي بعض الروايات لهذه القصة أنه قال ذلك لما عطس في الصلاة كما في ((الفتح))، ومعلوم أنه لا يسن عند العطاس في الصلاة هذا الذكر. (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٣٥/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٦/١١). ١٧٧ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٨) حديث قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ، هَلْ يُسَلَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ، فَلَا أَكْرَهُ ذُلِكَ. وَأَمَّا الشَّابَّةُ، فَلَا أُحِبُّ ذُلِكَ. (قال يحيى: سئل) ببناء المجهول الإمام (مالك هل يسلم) ببناء المجهول، كما ضبطه الزرقاني، ويحتمل المعلوم والضمير للرجل المنوي بالقرينة وهو المراد على الأول (على المرأة) الأجنبية (فقال) الإمام: (أما المتجالة) بالجيم وتشديد اللام أي المسنة، في ((النهاية)) تجالت، أي أسَنَّتْ، وكَبِرَتْ، يقال: جلّت فهي جليلة، وتجالت [فهي متجالّة]، كذا في ((المحلى)). وفي ((المجمع)) (١) في حديث جابر: تزوجت امرأة قد تجالت أي أسنت، والجلل من الأضداد يكون للعظيم والحقير، ومنه كل مصيبة بعدك جَلَلٌ، بفتح جيم ولام أولى أي هين، اهـ. وقال الزرقاني(٢): المتجالة العجوز التي انقطع إرب الرجال منها . (فلا أكره ذلك) أي السلام عليها (وأما الشابة فلا أحب ذلك) قال الباجي(٣): معنى ذلك أن المتجالة الهرمة لا فتنة في كلامها، ولا يتسبّب به إلى محظور بخلاف الشابة، فإن في مكالمتها فتنة، ويتسبب به إلى المحظور، والسلام عليها يقتضي ردها، وذلك من باب المكالمة، ولا بأس أن تجلس المتجالة عند الصانع لبعض حوائجها، ولا ينبغي ذلك للشابة، قال مالك: ويمنعهن من ذلك، ويضربهن عليه، اهـ. قال النووي(٤): أما النساء فإن كن جمعاً سلم عليهن، وإن كانت واحدة سلّم عليها زوجها، ومحرمها، سواء كانت جميلة أو غيرها، وأما الأجنبيّ فإن (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٧٧/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٨/٤). (٣) ((المنتقى)) (٢٨٠/٧). (٤) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٤٩/١٤). ١٧٨ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٨) حديث كانت عجوزاً لا تُشتهى، استحب له السلام عليها، واستحب لها السلام عليه، ومن سلّم منهما لزم الآخرَ ردُّ السلام عليه، وإن كانت شابة أو عجوزاً تشتهى لم يسلم عليها الأجنبي، ولم تسلم عليه، ومن سلّم منهما لم يستحق جواباً، ويكره جوابه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال ربيعة: لا يسلم الرجال على النساء ولا النساء على الرجال، وهو غلط، وقال الكوفيون: لا يسلِّم الرجال على النساء إذا لم يكن فيهن محرم، اهـ. وترجم البخاري في (صحيحه)) ((باب تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال)) وأورد فيه حديث سهل: كنا نفرح بيوم الجمعة، الحديث، في قصة عجوز كانت تأخذ من أصول السلق، فتُطْعمهم، وحديث عائشة في سلام جبرئيل عليه السلام عليها، قال الحافظ(١): أشار المصنف بهذه الترجمة إلى رد ما أخرجه عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير، بلغني أنه يكره أن يسلم الرجال على النساء، والنساء على الرجال، وهو مقطوع أو معضل، والمراد بالجواز أن يكون عند أمن الفتنة. وذكر البخاري في الباب حديثين يؤخذ الجواز منهما، وورد فيه حديث ليس على شرطه، وهو حديث أسماء بنت يزيد؛ مرّ علينا النبي ◌ُّ في نسوة فسلّم علينا، حسنه الترمذي، وليس على شرط البخاري، وله شاهد من حديث جابر عند أحمد، قال الحليمي: كان النبي ◌َ﴿ للعصمة مأموناً من الفتنة، فمن وثق من نفسه بالسلام فليسلم وإلا فالصمت أسلم. وأخرج أبو نعيم في ((عمل يوم وليلة)) من حديث وائلة مرفوعاً ((يسلم الرجال على النساء ولا يسلم النساء على الرجال)) وسنده واهٍ، ومن حديث عمرو بن حريث مثله موقوفاً عليه، وسنده جيد، وثبت في مسلم من حديث أم هانئ: أتيت النبي ◌ُّ﴾، وهو يغتسل فسلمت عليه. (١) ((فتح الباري)) (٣٣/١١). ١٧٩ ٥٤ - كتاب السلام (١) باب (١٧٢٨) حديث وقال ابن بطال عن المهلب: سلام الرجال على النساء والنساء على الرجال جائز إذا أمنت الفتنة، وفَرَّق المالكية بين الشابة والعجوز سداً للذريعة، ومنعه منه ربيعة مطلقاً، وقال الكوفيون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال، لأنهن منعن من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة، قالوا: ويستثنى المحرم، فيجوز لها السلام على مخرمها، قال المهلب: وحجة مالك حديث سهل في ((البخاري))، فإن الرجال الذين كانوا يزورونها، وتطعمهم لم يكونوا محارمها . وقال المتولي: إن كان للرجل زوجة أو محرم، فكالرجل مع الرجل، وإن كانت أجنبيه نظر، إن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لم يشرع السلام لا ابتداءً ولا جواباً، فلو ابتدأ أحدهما كره للآخر الرد، وإن كانت عجوزاً لا يفتتن بها جاز. وحاصل الفرق بين هذا وبين المالكية التفصيل في الشابة بين الجمال وعدمه، فإن الجمال مَظِنَّة الفتنة بخلاف مطلق الشابة، اهـ. وفي ((الدر المختار))(١) نظمٌ جمع فيه كل من يكره عليه السلام، فقال: ومِنْ بَعدِ ما أَبْدَى يُسَنُّ ويُشْرَعُ سلامك مكروهٌ على مَنْ سَتُسْمِعُ خطيبٌ ومن يصغي إليهم ويسمعُ مصلٍ وتالٍ ذاكرٌ ومحدِّثٌ ومن بحثوا في الفقة دعْهم لينفعوا مُكَرِّرُ فِقْهِ جَالِسٌ لقضائِه كذا الأَجْنَبِيَّاتُ الفَتِيَّاتُ أمنعُ مؤذن أيضاً أو مقيمٌ مدرسٌ ومن هو مع أهل له يتمتّعُ ولَغَابُ شِطْرَنْجِ وَشِبْهٍ بِخُلْقِهِم ودع كافراً أيضاً ومكشوفَ عورةٍ ودع آكلاً إلا إذا كنتَ جائعاً ومن هو في حال التغوط أشنعُ وتَعْلَمُ منه أنه لیس یمنعُ (١) (٤٥١/٢). ١٨٠