النص المفهرس
صفحات 101-120
٥٢ - كتاب الشَّعَر (٥) باب (١٧١٨) حديث /١٦/١٧١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: وليس فيهما ذكر البغض، قال الحافظ(١): زاد مسلم فيه: ((إذا أبغض عبداً دعا جبريل))، فساقه على منوال الحب، وقال في آخره: ((ثم يوضع له البغضاء في الأرض))، ونحوه في حديث أبي أمامة عند أحمد، وفي حديث ثوبان عند الطبراني: ((وإن العبد يعمل بسخط الله، فيقول الله: يا جبريل إن فلاناً يستسخطني))، فذكر الحديث على منوال الحب، وفيه ((فيقول جبريل: سخطة الله على فلان))، الحديث، اهـ. وقال السيوطي في ((الدر))(٢): أخرج ابن مردويه عن ثوبان عن النبي قال: ((إن العبد ليلتمس مرضاة الله فلا يزال كذلك، فيقول الله لجبريل: إن عبدي فلانا يلتمس أن يرضيني فرضائي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقوله حملةُ العرش، ويقوله الذين يلونهم، حتى يقول أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض، قال رسول الله وَله: وهي الآية التي أنزل الله في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُنَّاً (﴾﴾﴾، وإن العبد ليلتمس سخط الله، فيقول الله: يا جبريل إن فلاناً يسخطني، ألا، وإن غضبي عليه، فيقول جبريل: غضب الله على فلان، ويقوله حملة العرش، ويقوله من دونهم، حتى يقوله أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض)). قلت: وقد تقدم عن كعب الأحبار أنه قال: إذا أحببتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه، فانظروا ماذا يتبعه من حسن الثناء(٣). ١٦/١٧١٨ - (مالك عن أبي حازم) بحاء مهملة وزاي معجمة اسمه سلمة (ابن دينار عن أبي إدريس الخولاني) اسمه عائذ الله بذال معجمة (أنه قال: (١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٤٦٢). (٢) ((الدر المنثور)) (٤٧٩/٥). (٣) انظر: ((التمهيد)» (٢٣٩/٢١)، و(الاستذكار)) (١٠٩/٢٧). ١٠١ ٥٢ - كتاب الشّعَر (٥) باب (١٧١٨) حديث دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ، فَإِذَا فَتَّى شَابٌّ بَرَّاقُ الثَّنَايَا، وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ، إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ، أَسْنَدُوا إِلَيْهِ. دخلت مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم وقد يكسر، قاعدة الشام، سميت باسم بانيها دمشاق بن كنان، كذا في ((المحلى))، ولفظ أحمد (دخلت مسجد دمشق الشام)) (فإذا) للمفاجأة (فتّى شابٌ) بشد الموحدة (برّاق الثنايا) بفتح الموحدة وشد الراء، قال الزرقاني: أي أبيض الثغر حسنه، قاله أبو عمر، اهـ. قال صاحب ((المحلى)): وصف ثناياه بالحسن والصفاء، وأنها تلمع إذا تبسم كالبرق، قال الباجي: قال عيسى بن دينار: يريد أبيض الثغر أحسنه، وقيل: معناه كثير التبسم طلق الوجه، والأول أظهر، اهـ. قال: الزرقاني(١): وفي رواية ((أدعج العينين)) وفي أخرى «وضيّ الوجه، أكحل العينين)) (وإذا الناس معه) من الصحابة وغيرهم، وفي رواية ((معه من الصحابة عشرون))، وفي أخرى ((ثلاثون أو نحو ذلك))، فكأنهم فوق العشرين ودون ثلاثين، قاله الزرقاني. قلت: وفي رواية أحمد، برواية حبيب عن عطاء ثنا أبو مسلم، قال: دخلت مسجد حمص، فإذا حلقة فيها اثنان وثلاثون رجلاً من أصحاب رسول الله وَ ﴿ وفيهم فتى شابٌ أكحل، فذكر الحديث، وكذا في رواية أبي إدريس الخولاني الآتية قريباً . (إذا اختلفوا) أي الناس الذين معه (في شيء أسندوا إليه) أي التجأوا إليه، كذا في ((المحلّى))، وقال الباجي(٢): يريد ردّوا إليه النظر فيه، والتحكيم له في تصحيحه ما رآه من أقوالهم، وردّ ما يرى ردّه، اهـ. قال الزرقاني: أي صعدوا إليه بمعنى أنهم يقفون عند قوله، مأخوذ من (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٩/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٧٤/٧). ١٠٢ ٥٢ - كتاب الشَّعَر (٥) باب (١٧١٨) حديث وَصَدَرُوا عَنْ قَوْلِهِ. فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، هَجَّرْتُ. فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ. أسند إلى الجبل إذا صعد فيه، وفيه لطف لههنا؛ لأنه جبل علم بنص قوله وَالآتى: ((أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل))، اهـ. (وصدروا عن قوله) قال الباجي: يريد يصدرون عن ذلك الاختلاف إلى الاتفاق على اتباع قوله، اهـ. قال الزرقاني: ولقاسم بن أصبغ من طريق الوليد بن عبد الرحمن عن أبي إدريس، فإذا اختلفوافي شيء، فقال قولاً انتهوا إلى قوله، اهـ. قلت: ولفظ أحمد في ((مسنده)) برواية الأوزاعي عن رجل في مجلس يحيى بن أبي كثير عن أبي إدريس الخولاني، قال: دخلت مسجد حمص، فجلست إلى حلقة فيها اثنان وثلاثون رجلاً من أصحاب النبي بَّ، قال: يقول الرجل منهم: سمعت رسول الله وَل# فيحدث، ثم يقول الآخر: سمعت رسول الله وَل﴿ فيحدث، وفيهم رجل أدعج برّاق الثنايا فإذا شكُوا في شيء ردُوّه إليه، ورضوا بما يقول فيه، الحديث(١). (فسألت عنه) أي سألت الناس من هذا الجميل الذي هو مرجع الناس؟ (فقيل لي: هذا معاذ بن جبل) الصحابي الشهير، وسيأتي في آخر الحديث أن الحديث لمعاذ أو لعبادة بن الصامت - رضي الله عنهما - (فلما كان الغد هجرت) بتشديد الجيم أي أتيت في الهاجرة أي نصف النهار (فوجدته قد سبقني بالتهجير) وفي رواية أحمد ((قد سبقني بالهجير))، وقال إسحاق ((بالتهجير))، اهـ. أي في الرواح في الهاجرة عملاً في قوله وَله: ((لو يعلمون ما في التهجير لسبقوا إليه))، وقال الزرقاني: أي التبكير إلى كل صلاة، ولم يرد الخروج في الهاجرة، قاله الهروي، اهـ. قلت: وهذا أحد القولين في حديث التهجير المذكور . (١) الحديث في ((التمهيد)) (١٢٤/٢١، ١٢٥) وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (١٦٩/٤). ١٠٣ ٥٢ - كتاب الشَّعَر (٥) باب (١٧١٨) حديث وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي. قَالَ فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ. ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قُلْتُ. وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ اللهِ. فَقَالَ: اللهِ؟ فَقُلْتُ: اللهِ. فَقَالَ: اللهِ؟ فَقُلْتُ: اللهِ. فَقَالَ: اللهِ؟ فَقُلْتُ: آللهِ. قَالَ، فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي (ووجدته) أي معاذاً كان (يصلي قال) أبو إدريس (فانتظرته) أي فراغه من الصلاة (حتى قضى صلاته) وأتمها (ثم جئته من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جانب (وجهه فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك) بفتح اللام وضم الهمزة وشد الموحدة (الله) باللام على اسم الجلالة في النسخ المصرية أي لأجل رضاه لا لغرض دنيوي، وفي النسخ الهندية ((في الله)) أي في طلب رضائه تعالی. (فقال) معاذ: (الله؟) بمد الهمزة وخفض الهاء، قال السيد الشريف في ((شرح المشكاة)): همزة الاستفهام وقعت بدلاً عن حرف القسم ويجب الجر معها، وقال الطيبي: قيل: بالنصب أي أتقسم بالله، فحذف الجار، وأوصل الفعل، كذا في ((المحلى))، وفي ((المجمع)): ((آلله)) بالنصب بحذف الجار (فقلت: الله) بمد الهمزة للمشاكلة (قال) أبو إدريس (فقال) معاذ ثانياً (آلله؟ فقلت: آلله) كرر مرتين فقط في جميع النسخ الهندية، ونسخة الزرقاني، وفي غيرها من النسخ المصرية كرر ثالثاً (قال الله؟ فقلت: آلله)، وكذا في رواية أحمد كررها ثلاثاً. قال الباجي(١): فيه دليل على أن الأيمان كانت تجرى على ألسنتهم على معنى تحقق الخبر، ويؤكد بتكرارها واستدعاء تأكيدها (قال) أبو إدريس (فأخذ) معاذ (بحبوة ردائي) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة، أي بالمحل الذي يحتبي به من الرداء، كذا في ((الزرقاني))، قال الباجي: يريد بما يحتبي به من الرداء وهو طرفاه، وفي ((المحلى)): أخذ بطرفه. (١) ((المنتقى)) (٢٧٥/٧). ١٠٤ ٥٢ - كتاب الشّعَر (٥) باب (١٧١٨) حديث فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ. وَقَالَ: أَبْشِرْ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ و ◌َهِ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ. وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ. قلت: ولفظ أحمد من حديث عطاء بن أبي رباح عن أبي مسلم الخولاني، قال: دخلت مسجد حمص، الحديث، وفيه ثم هجرت إلى المسجد، فإذا معاذ بن جبل قائم يصلي إلى سارية فسكت لا يكلمني، فصليت ثم جلست، فاحتبيت برداء لي، ثم جلس فسكت لا يكلمني، وسكتُّ لا أكلمه ثم قلت: والله إني لأحبك قال: فيم تحبني؟ قلت: في الله تبارك وتعالى، فأخذ بحبوتي فجرني إليه، الحدیث. وهو أوضح في المراد بأخذ الحبوة، وأخرج نحو ذلك برواية الأوزاعي عن رجل في مجلس يحيى بن أبي كثير عن أبي إدريس الخولاني. (فجبذني إليه) بجيم فموحدة فذال معجمة، قال صاحب ((المحلى)) عن ((النهاية)): الجبذ لغة في الجذب، وقيل: هو مقلوب منه، وقال الزرقاني(١): لغة صحيحة بمعنى جذبني، وليست مقلوبة كما زعم، وقد أنكره ابن السراج فقال: ليس أحدهما مأخوذاً من الآخر؛ لأن كل واحد متصرف في نفسه أي جرني وسحبني، قال الباجي: على معنى التقريب له والتأنيس، وإظهار القبول لما أخبر به وتبشيره بما قاله النبي وّ لمن فعل ذلك. (وقال: أبشر) بهمزة قطع مفتوحة أي خذ البشارة الآتية المترتبة على ما قلت من فعلك (فإني سمعت رسول الله وَله يقول: قال الله تبارك وتعالى: وجبت) أي ثبتت، قال الزرقاني: وفي رواية ابن أبي شيبة عن عطاء بن مسلم ((حقت)) (محبتي للمتحابين في) بتشديد التحتية، قال الزرقاني: بصيغة الجمع لههنا وفيما بعده، اهـ. أي الذين يحب بعضهم بعضاً في طلب رضائي (والمتجالسين فيّ) أي (١) (شرح الزرقاني)) (٣٤٩/٤). ١٠٥ ٥٢ - كتاب الشَّعَر (٥) باب (١٧١٨) حديث وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ. وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ)). يتجالسون في محبتي، وكان الجنيد مشغولاً في خلوته، فإذا جاء إخوانه خرج إليهم وقعد معهم، ويقول: لو أعلم شيئاً أفضل من مجالستكم ما خرجت إليكم، كذا في ((الزرقاني)). وقال الباجي(١): يريد أن يكون جلوسهم في ذات الله تعالى من التعاون على ذكر الله تعالى وإقامة حدوده والوفاء بعهده والقيام بأمره وبحفظ شرائعه واتباع أوامره واجتناب نواهيه، اهـ. (والمتزاورين فيّ) كذا في جميع النسخ المصرية، بالراء المهملة بين الواو والياء، من الزيارة، أي الذين يزور بعضهم بعضاً لأجلي، وفي النسخ الهندية بالدال المهملة بدل الراء، فلو صح يكون من الزاد، أي يزود بعضهم بعضاً، والوجه الأول لموافقة غير ((الموطأ)) (والمتباذلين في) قال القاري(٢): أي يبذل بعضهم لبعض المال في رضائي، وكذا قال غيره، وقال الباجي: يريد يبذلون أنفسهم في مرضاته من الاتفاق على جهاد عدوه، وغير ذلك مما أمروا به، ويعطيه ماله إن احتاج إليه، اهـ. قال الزرقاني: وزاد الطبراني في روايته ((والمتصادقين فيّ)). وقال الباجي(٣): قال أحمد بن خالد وَهِم أبو حازم في هذا الحديث في قوله: معاذ بن جبل، وإنما هو عبادة بن الصامت، رواه شعبة عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت الوليد بن عبد الرحمن يحدث عن أبي إدريس الخولاني لقيت عبادة بن الصامت، وذكر الحديث المذكور، ويدل على صحة هذا ما رواه ابن عيينة عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني أدركت عبادة بن الصامت وشدّاد بن أوس، وفاتني معاذ بن جبل، وقد قال الوليد بن مسلم: أدرك أبو (١) ((المنتقى)) (٢٧٥/٧). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٢/٩). (٣) ((المنتقى)) (٢٧٤/٧). ١٠٦ ٥٢ - كتاب الشّعَر (٥) باب (١٧١٨) حدیث إدريس معاذ بن جبل وهو ابن عشر سنين، وقال جماعة من أهل هذا الشأن: ولد أبو إدريس عام حنين، وتوفي معاذ بن جبل في طاعون عمواس، وكان سنة ثمان عشرة، فعلى هذا يحتمل أن يكون سمع منه هذا الحديث خاصة، ومعنى قوله: فاتني معاذ بن جبل، فاتته صحبته، وأن يأخذ عنه الكثير كما صحب، وأخذ الكثير عن عبادة بن الصامت وغيره، اهـ. وقال الزرقاني(١): هذا الحديث صحيح، قال الحاكم: على شرط الشيخين، قال ابن عبد البر: هذا إسناد صحيح، وفيه لقاء أبي إدريس لمعاذ، وأنكرته طائفة لقول الزهري: عن أبي إدريس أدركت فلاناً وفلاناً وفاتني معاذ، ولذا قال قوم: وهم مالك في إسناده، فأسقط منه أبا مسلم الخرساني، وزعموا أن أبا إدريس رواه عن أبي مسلم عن معاذ، وقال آخرون: غلط أبو حازم في قوله: عن أبي إدريس عن معاذ، إنما هو عن عبادة. وهذا كله تخرص وظنٌّ لا يغني من الحق شيئاً، فقد رواه جماعة عن أبي حازم، كرواية مالك سواء، منهم ابن(٢) أبي حازم، وجاء عن أبي إدريس من وجوه شتى غير أبي حازم، منهم الوليد بن عبد الرحمن وعطاء الخرساني كلاهما عند قاسم بن أصبغ بإسناد صحيح بنحو حديث ((الموطأ)) وشهر بن حوشب حدثني عائذ الله بن عبيد الله أنه سمع معاذ بن جبل يقول: ((إن الذين يتحابون من جلال الله في ظل عرشه)) فقد ثبت أن أبا إدريس لقي معاذاً وسمع منه، فلا شيء في هذا على مالك ولا على أبي حازم. فيحمل قول الزهري عنه: فاتني معاذ على فوات لزوم وطول مجالسته، أو فاتني في حديث كذا، أو معنى كذا، وليس سماعه منه بمنكر، فإنه ولد يوم (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٠/٤). (٢) هكذا في الأصل والظاهر أبو حازم. ١٠٧ ٥٢ - كتاب الشَّعَر (٥) باب (١٧١٨) حديث حنين، ومات معاذٌ بالشام سنة ثمان عشرة، ولا يقدح في ذلك رواية من رواه عنه عن عبادة لجواز أن عبادة ومعاذًاً أو غيرهما سمعوا ذلك منه وَثقته انتهى ملخصاً . وقال الحافظ في ((تهذيبه))(١): الجمع الذي جمع به ابن عبد البر قد سبقه إليه الطحاوي في ((مشكله)) وساقه من طرق كثيرة إلى أبي إدريس أنه سمع معاذاً وعبادة بالقصة المذكورة، وذكر الحافظ اختلافهم في سماعه عن معاذ، وقال من عند نفسه: إنه إذا كان ولد في غزوة حنين، وهي في آخر سنة ثمان، ومات معاذ سنة ثمان عشرة، فيكون سنه حين مات معاذ تسع سنين ونصفاً، أو نحو ذلك، فيبعد في العادة أن يجاري معاذ في المسجد هذه المجاراة أو يخاطبه هذه المخاطبة على ما اشتهر من عادتهم أنهم لا يطلبون العلم إلا بعد البلوغ، اهـ. وليت شعري أيُّ بُعْدٍ في ذلك وأيُّ مجاراة صدرت منه غير أنه إذا رآه حسيناً جميلاً أحبه، فقال له: إني أحبك، وهل يبعد لصبيّ ابن عشر سنين أن يقول لأحد من الأكابر: إني أحبك، بل المعروف من حال الصبيان أنهم يسرعون في إظهار المحبة، وجبذُ معاذ - رضي الله عنه - بحَبْوه أدَلُّ على صغره، فإن مثل ذلك شائع في المحادثة بالصغار. وأخرج أحمد في ((مسنده))(٢) رواية مالك هذا برواية روح وإسحاق بن عيسى كليهما عن مالك عن أبي حازم بسنده ومتنه وبسنده إلى الوليد بن أبي عبد الرحمن عن أبي إدريس العبدي أو الخولاني، قال: جلست مجلساً فيه عشرون من أصحاب النبي ◌ِّرَ، وإذا فيهم شاب، حديث السن، حسن الوجه، أدعج العينين، أغرُّ الثنايا، فإذا اختلفوا في شيء، فقال قولاً انتهوا إلى قوله، (١) ((تهذيب التهذيب)) (٨٥/٥). (٢) ((مسند أحمد)) (٢٣٣/٥). ١٠٨ ٥٢ - كتاب الشَّعَر (٥) باب (١٧١٨) حديث فإذا هو معاذ بن جبل، فلما كان من الغد جئت، فإذا هو يصلي إلى سارية، قال: فحذف من صلاته، ثم احتبى فسكت، قال: فقلت: والله إني لأحبك من جلال الله، قال: الله؟ قلت: الله؟ قال: فإن من المتحابين في الله فيما أحسب أنه قال: في ظلِّ الله يوم لا ظلَّ إلا ظلّه، ثم ليس في بقيته شكٍّ، يعني في بقية الحديث. يوضع لهم كراسي من نور، يغبطهم بمجالسهم من الرب عز وجل النبيون والصديقون والشهداء، قال: فحدثته عبادة بن الصامت، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت عن لسان رسول الله وَّر ((حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، وحقت محبتي للمتصادقين والمتواصلين))، شك شعبة في المتواصلين أو المتزاورين. وأخرج الترمذي(١) الجزء الأول فقط، يعني حديث معاذ من رواية عطاء بن أبي رباح عن أبي مسلم الخولاني ثني معاذ بن جبل، وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي الدرداء وابن مسعود وعبادة بن الصامت وأبي مالك الأشعري وأبي هريرة. ثم أخرج الإمام أحمد (٢) برواية حبيب بن أبي مرزوق عن عطاء بن أبي رباح عن أبي مسلم الخولاني قال: أتيت مسجد أهل دمشق، فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب النبي ◌ََّ، وإذا شابٌّ فيهم أكحلُ العينين برّاق الثنايا، كلما اختلفوا في شيء ردّوه إلى الفتى، قال: قلت لجليس لي: من هذا؟ قال: هذا معاذ بن جبل، قال: فجئت من العشيّ فلم يحضروا، قال: فغدوت من الغد، فلم يجيئوا فرحت، فإذا أنا بالشاب يصلي إلى سارية، فركعت ثم تحولت إليه، قال: فسلّم، فدنوت منه، فقلت: إني لأحبك في الله، قال: فمدّني إليه، قال: كيف قلت؟ قلت: إني لأحبك في الله، قال: سمعت رسول الله ومحلول يحكي (١) ((سنن الترمذي)) (٥٧٩/٤) (٢٣٩٠). (٢) ((مسند أحمد)) (٢٣٩/٥) خ (٢٢٠٨٠). ١٠٩ ٥٢ - كتاب الشَّعَر (٥) باب (١٧١٨) حديث عن ربه يقول: ((المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله)). قال: فخرجت حتى لقيت عبادة بن الصامت، فذكرت له حديث معاذ، فقال: سمعت رسول الله وَله يحكي عن ربه عز وجل، يقول: ((حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، والمتحابون في الله على منابر من نور، وفي ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله)). وأخرج برواية أبي معشر عن محمد بن قيس عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ عن رسول الله ◌َ﴿ يأثر عن الله عز وجل قال: ((وجبت محبتي للذين يتحابون فيّ، ويتجالسون فيّ، ويتباذلون في)). وأخرج المنذري في ((ترغيبه)) (١) حديث مالك المذكور برواية أبي إدريس الخولاني، قال: دخلت مسجد دمشق، الحديث. ثم قال: رواه مالك بإسناد صحيح وابن حبان في ((صحيحه))(٢). ثم أخرج حديث أبي مسلم قال: قلت لمعاذ: والله إني لأحبك لغير دنيا، أرجو أن أصيبها منك ولا قرابة بيني وبينك، قال: فلأيّ شيء؟ قلت: لله قال: فجذب حبوتي، قال: أَبْشِرْ إن كنت صادقاً، فإني سمعت رسول الله وَله يقول: ((المتحابون في ظل العرش يوم لا ظلّ إلا ظلّه، يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء)). قال: ولقيت عبادة بن الصامت فحدثته بحديث معاذ، فقال: سمعت رسول الله وسلم يقول عن ربه تعالى: ((حقت محبتي على المتحابين فيّ، وحقت محبتي على المتناصحين فيّ، وحقت محبتي على المتباذلين فيّ، هم على منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء والصديقون))، رواه ابن حبان في (١) ((الترغيب والترهيب)) (١٨/٤). (٢) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (١٦٨/٤)، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن حبان (٣٣٨/٢)، والطبراني في ((الكبير)) (١٤٤/٢٠). ١١٠ ٥٢ - كتاب الشّعَر (٥) باب (١٧١٩) حدیث ١٧/١٧١٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((صحيحه))، وروى الترمذي حديث معاذ فقط، فذكر لفظه. ثم أخرج المنذري عن شرحبيل بن السمط أنه قال لعمرو بن عبسة: هل أنت محدثيّ حديثاً سمعته من رسول الله وَلو ليس فيه نسيان ولا كذب؟ قال: نعم سمعت رسول الله وَل يقول: قال الله عز وجل: ((قد حقت محبتي للذين يتحابون من أجلي، وقد حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي، وقد حقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي، وقد حقت محبتي للذين يتصادقون من أجلي))، رواه أحمد (١)، ورواته ثقات، والطبراني في الثلاثة، واللفظ له، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، اهـ. وعلم من هذا كله أن الرواية صحيحة عن أبي إدريس وأبي مسلم كليهما، بل عن غيرهما أيضاً كما عن عمرو بن عبسة. ١٧/١٧١٩ - (مالك أنه بلغه عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول) قال الزرقاني: موقوفاً وله حكم الرفع، إذ هو لا يقال رأياً، وقد أخرجه الطبراني في ((الكبير)) عن عبد الله بن سرجس عن النبي ◌َّ، اهـ. قلت: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أخرجه أبو داود في ((سننه))(٢) برواية قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه قال: حدثنا عبد الله بن عباس، أن نبي الله وَّر قال: ((إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد، جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة)) وبرواية أبي داود ذكره صاحب ((المشكاة))، وقال القاري(٣): وكذا رواه الحاكم، اهـ. (١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٣٨٦/٤). وانظر أيضاً: ((مجمع الزوائد» (٤٩٥/١٠). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، ح (٤٧٧٦) باب في الوقار. (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨١/٩). ١١١ ٥٢ - كتاب الشَّعَر (٥) باب (١٧١٩) حديث الْقَصْدُ وَالْتُّؤَدَّةُ وفي ((المحلى)): رواه أحمد وأبو داود عنه بإسناد ضعيف، اهـ. وأخرج صاحب ((المشكاة)) رواية عبد الله بن سرجس برواية الترمذي أن النبي وَلّ قال: ((السمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد جزءٌ من أربع وعشرين جزءاً من النبوة)» قال الحافظ: أخرجه الترمذي والطبراني بلفظ أربعة وعشرين، وذكره القرطبي في ((المفهم)) بلفظ من ستة وعشرين، اهـ. (القصد) قال الزرقاني(١): أي التوسط في الأمور بين طرفي الإفراط والتفريط، وفي ((أبي داود)) بدله ((الاقتصاد))، قال القاري(٢): أي التوسط في أمر المعيشة والمعاد، وقال التوربشتي: الاقتصاد على نوعين: أحدهما: ما كان متوسطاً بين محمود ومذموم، كالمتوسط بين الجور والعدل والبخل والجود، وهذا الضرب أريد في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ والثاني: محمود على الإطلاق، وذلك فيما له طرفان: إفراط، وتفريط، كالجود، فإنه بين الإسراف والبخل، والشجاعة، فإنه بين التهور والجبن، وهذا الذي هو في الحديث، وهو الاقتصاد المحمود على الإطلاق، اهـ. وقال الباجي(٣): يريد الاقتصاد في الأمر وترك الغلو والسرف فيه، وقال عيسى بن دينار: يريد القصد في النفقة والكسوة وجميع شأنه، وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يذكر القصد وفضله، قال: وإياك من القصد ما يجب أن يرتفع به، قيل: لم؟ قال: تعجب وتعجب الناس، اهـ. (والتؤدة) بضم الفوقية وفتح الهمزة، أي التأني والسكون، فعلة من الويد، وهو المشي بسكون، فالتأني في كل شيء مستحسن إلا في أمر الآخرة، كذا (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٠/٤). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨١/٩). (٣) ((المنتقى)) (٢٧٥/٧). ١١٢٠ ٥٢ - كتاب الشّعَر (٥) باب (١٧١٩) حديث وَحُسْنُ السَّمْتِ، جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ. في ((المحلى))، وذكره صاحب ((المجمع)) و((مختار الصحاح)) في وأدٍ، قال صاحب ((المختار)): اتأد في مشيه وتوأد افتعل وتفعل من التؤدة، وهي التأني، وفي ((المجمع)) في الوأد، ومنه حديث ((التؤدة في كل شيء إلا في أمر الآخرة))، بضم تاء وفتح همزة، من الوئيد، وهو المشي بثقل، أي محمود في غير أمر الآخرة، لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ و﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾، اهـ. (وحسن) بضم الحاء بالإضافة إلى (السمت) أي الهيئة والمنظر، وأصل السمت الطريق، ثم استعير للزي الحسن والهيئة المثلى في الملبس وغيره، كذا في ((الزرقاني)) (١)، وقال القاري(٢): أي السيرة المرضية والطريقة المستحسنة، قال الشارح: السمت الطريق، ويستعار لهيئة أهل الخير، وفي ((الفائق)): السمت أخذ المنهج ولزوم الحجة، ووقع في حديث ابن عباس عند أبي داود: ((الهدي الصالح، والسمت الصالح))، قال القاري(٣): الفرق بينهما أن الهدي متعلق بالأحوال الباطنة، والسمت بالأخلاق الظاهرة فهما في الطريقة بمنزلة الإيمان والإسلام في الشريعة، اهـ. (جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة) قال الباجي(٤): يريد أن هذه من أخلاق الأنبياء وصفاتهم التي طبعوا عليها وأمروا بها وجبلوا على التزامها، ويعتقد أن هذه التجزية على ما قاله عبد الله بن عباس، ولا يدرى وجه ذلك، اهـ. وقال القاري(٥): في حديث عبد الله بن سرجس المذكور قبل جزءٌ من (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٠/٤). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨١/٩). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٢٨٢). (٤) ((المنتقى)) (٢٧٥/٧). (٥) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨١/٩). ١١٣ ٥٢ - كتاب الشَّعَر (٥) باب (١٧١٩) حديث أربع وعشرين أي كلها أو كل واحدة منها، ويؤيد الأخير ما رواه الضياء عن أنس مرفوعاً ((السمت الحسن جزء من خمسة وسبعين جزءاً من النبوة)) مع زيادة إفادة أن المراد بالعدد المذكور التكثير لا التحديد، وينصره حديث ابن عباس بلفظ ((جزء من خمس وعشرين)) على أنه يمكن الاختلاف بحسب اختلاف الكمية والكيفية الحاصلة في المتصف به. وأما ما قال الشارح: إن التفاوت بين العددين من خمس وأربع يحتمل أن يكون من غلط الرواة، فهو احتمال غلط، وسببه الغفلة مما ذكرناه عقلاً ونقلاً، وقال الخطابي: الهدي والسمت حالة الرجل ومذهبه، يريد أن هذه الخصال من شمائل الأنبياء عليهم السلام، وأنها جزء من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم وتابعوهم عليها، وليس معناه أن النبوة تتجزأ، ولا أن من جمع هذه الخصال كان نبياً، فإن النبوة غير مكتسبة، وإنما هي كرامة يخصُّ الله بها من يشاء من عباده، ويحتمل أن يكون معناه أن هذه الخصال مما جاءت به النبوة، ودعا إليها الأنبياء. وقيل: معناه أن من جمع هذه الخصال لقيه الناس بالتوقير، وألبسه الله لباس التقوى الذي ألبس أنبياءه عليهم السلام، فكأنها جزء من النبوة، وقال التوربشتي: والطريق إلى معرفة ذلك العدد، ووجهه بالاختصاص من الرأي والاستنباط مسدود، فإنه من علوم النبوة، انتهى ما في ((المرقاة)). قلت: ومال القرطبي إلى أن هذه الثلاثة مجموعة جزء من ستة وعشرين جزءاً، كما سيأتي في كلامه في الجواب الثامن من الإشكال على حديث رؤيا المؤمن. ١١٤ ٥٣ - كتاب الرؤيا (١) باب بسم الله الرحمن الرحيم ٥٣ - كتاب الرؤيا (١) باب ما جاء في الرؤيا (١) ما جاء في الرؤيا قال الزرقاني(١): بالقصر مصدر، كالبشرى، وفي ((المرقاة)): قال النووي: مقصورة مهموزة، ويجوز تركها تخفيفاً . قال القاري(٢): الصواب إبدالها أو تخفيفها، وأما تركها فغير صحيح، وقال الكشاف: الرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فلا جرم فرق بينهما بحرف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث، كما قيل: في القربى والقربة، وفي ((القاموس)): الرؤية النظر بالعين والقلب، والرؤيا ما رأيته في منامك، وقال الواحدي: الرؤيا مصدر كالبشرى إلا أنه صار اسماً لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء. وقال المازري: مذهب أهل السنة أن حقيقة الرؤيا خلق الله تعالى في قلب النائم اعتقادات، كخلقها في قلب اليقظان، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، وخلق هذه الاعتقادات في النائم علم على أمور أخر تلحقها في ثاني الحال، كالغيم على المطر، اهـ. وبسط الحافظ الكلام في ذلك في ((الفتح))(٣) أشد البسط، وذكر فيه ما قال الراغب: إن الرؤية إدراك بالبصر، وقد يطلق على ما يدرك بالتخيل، نحو: إني أرى أن زيداً مسافر، وعلى التفكر النظري نحو: إني أرى ما لا ترون، (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٠/٤). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢/٩). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٣٥٢/١٢). ١١٥ ٥٣ - کتاب الرؤيا (١) باب وقال القرطبي: قد تجيء الرؤيا بمعنى الرؤية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّْيَا الَّتِيِّ أَرَيْنَكَ﴾(١) الآية، وكان الإسراء جميعاً في اليقظة، قال الحافظ: وعكسه بعضهم، فزعم أنه حجة لمن قال: إن الإسراء كان مناماً، والأول المعتمد كما بسط في محله من التفسير، لقول ابن عباس: إنها رؤيا عين، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إن الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يد ملك أو شيطان، إما بأسمائها أي حقيقتها، وإما بكناها أي بعبارتها، وإما تخليط، ونظيرها في اليقظة الخواطر. وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: إنها اعتقادات، واحتجّ بأن الرائي قد يرى نفسه بهيمة أو طائراً مثلاً، وليس هذا إدراكاً، فوجب أن يكون اعتقاداً؛ لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد، قال ابن العربي: والأول أولى، والذي يكون من قبيل ما ذكره ابن الطيب من قبيل المثل، فالإدراك إنما يتعلق به لا بأصل الذات. وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة؛ لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالنظر، فاضطربت أقوالهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسيح في الماء، ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، وهكذا إلى آخره، وهذا وإن جَوَّزه العقل، وجاز أن يجري الله تبارك وتعالى العادة به، لكنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط. ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش، فما حاذى به بعض النقوش منها انتقش فيها، قال: (١) سورة الإسراء: الآية ٦٠. ١١٦ ٠ ٥٣ - کتاب الرؤيا (١) باب وهذا أشدُّ فساداً من الأول، لكونه تحكماً لا برهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي من الأعراض، والأعراض لا ينتقش فيها . قال: والصحيح ما عليه أهل السنة أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات، كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها، فكأنه جعلها عَلَماً على أمور أخرى يخلقها في ثاني الأحوال، فمهما وقع منها على خلاف المعتقد، فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله تعالى خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف إلى آخر ما بسطه. وأفاد شيخ مشايخنا الدهلوي - نور الله مرقده - في ((المسوَّى))(١) في قوله ◌َّله: ((الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان)): فيه بيان أنه ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحاً، إنما الصحيح فيه ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها، وهي على أنواع: قد تكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان، أو يريه ما يحزنه، وأمر النبي ﴿ في ذلك بأن يبصق عن يساره، ويتعوّذ بالله منه، كأنه يقصد به طرده إخزاء، وقد تكون من حديث النفس، كمن يكون في أمر أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه، وقد يكون ذلك من مزاج الطبيعة، كمن غلب عليه الدم، يرى الفصد والرعاف والحمرة، ومن غلب عليه الصفراء يرى النار والأشياء الصفر، ومن غلب عليه السوداء يرى الظلمة والأشياء السود والأهوال والموت، ومن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والثلج، ولا تأويل لهذه الأشياء، اهـ. وقال الشيخ عبد الغني النابلسي في ((تعطير الأنام)): وقد قال بإبطال (١) (٣٨٧/٢). ١١٧ ٥٣ - كتاب الرؤيا (١) باب الرؤيا قوم من الملحدين يقولون: إن النائم يرى في منامه ما يغلب عليه من الطبائع الأربعة، فإن غلبت عليه السوداء رأى الأحداث والأهوال، وإن غلبت عليه الصفراء رأى النار والمصابيح والدم والمعصفرات، وإن غلب عليه البلغم رأى البياض والمياه والأنهار والأمواج، وإن غلب عليه الدم رأى الشراب والرياحين والمعازف والمزامير، وهذا الذي قالوه نوع من أنواع الرؤيا، وليست الرؤيا منحصرة في ذلك. فإنا نعلم قطعاً أن منها: ما يكون من غالب الطبائع كما ذكروا، ومنها: ما يكون من الشيطان، ومنها: ما يكون من حديث النفس، وهذه أصح الأنواع الثلاثة، وهي الأضغاث سُمِّيَتْ أضغائاً لاختلاطها، فشبهت بأضغاث النبات، وهي الحزمة مما يأخذ الإنسان من الأرض فيها الصغير والكبير واليابس والرطب. والرؤيا الباطلة سبعة أقسام، الأول: حديث النفس والهم والتمني والأضغاث، والثاني: الحلم الذي يوجب الغسل لا تفسير له، الثالث: تحذير من الشيطان وتخويف وتهويل ولا تضره، والرابع: ما يريه سحرة الجن والإنس فيتكلفون منها مثل ما يتكلفه الشيطان، والخامس: الباطلة التي يريها الشيطان ولا تعدّ من الرؤيا، والسادس: رؤيا تريها الطبائع إذا اختلفت وتكدرت، والسابع: الوجع وهو أن يرى الرؤيا صاحبها في زمن هو فيه وقد مضت منه عشرون سنة، وأصح الرؤيا البشرى، وإذا كان السكون والدعة واللباس الفاخر والأغذية الشهية الشافية صحت الرؤيا وقَّتِ الأضغاث. : والرؤيا الحق خمسة أقسام، الأول: الرؤيا الصادقة الظاهرة، وهي جزء من النبوة، لقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّغْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ اٌلْحَرَامَ﴾(١) الآية، فبشر النبي ◌َّ في المنام ببشارة من الله من غير صنع ملك (١) سورة الفتح: الآية ٢٧. ١١٨ ٥٣ - کتاب الرؤيا (١) باب (١٧٢٠) حديث ١/١٧٢٠ - حدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، الرؤيا، ولا تفسير لها، مثل رؤيا إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في ذبح ولده، وقال بعضهم: طوبى لمن رأى الرؤيا صريحاً، لأن صريح الرؤيا لا يريه إلا الباري تعالى دون واسطة ملك الرؤيا . الثاني: الرؤيا الصالحة بشرى من الله، كما أن المكروهة زاجرة يزجرك الله بها . والثالث: ما يريه ملك الرؤيا، واسمه صديقون على حسب ما علمه الله تعالى من نسخة أم الكتاب. والرابع: الرؤيا المرموزة، وهي من الأرواح، مثلاً رأى إنسان ملكاً من الملائكة، قال له: إن امرأتك تريد أن تسقيك السم على يد صديقك فلان، فعرض له من ذلك أن صديقه هذا زنى بامرأته. والخامس: الرؤيا التي تصح بالشاهد، ويغلب الشاهد عليها، فيجعل الشر خيراً والخير شراً، كمن يرى أنه يضرب الطنبور في المسجد، فإنه يتوب إلى الله تعالى من الفحشاء والمنكر ويفشو ذكره، كمن رأى أنه يقرأ القرآن في الحمام، فإنه يشتهر في أمر فاحش، اهـ. ١/١٧٢٠ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري) هكذا أخرجه البخاري برواية القعنبي عن مالك (عن أنس بن مالك) ورواه البخاري بطريق قتادة عن أنس عن عبادة بن الصامت، ثم قال: ورواه ثابت وحميد وإسحاق بن عبد الله وشعيب عن أنس عن النبي وَلّ، وبسط الحافظ (١) في تخريج هذه الروايات، ثم قال: وأشار الدارقطني إلى أن الطريقين صحیحان، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (١٢/ ٣٧٤). ١١٩ ٥٣ _ کتاب الرؤيا (١) باب (١٧٢٠) حديث أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ، مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، (أن رسول الله (وَير قال: الرؤيا الحسنة) قال الباجي(١): يحتمل - والله أعلم - أن يريد به الصادقة، ويحتمل أن يريد به المبشرة، اهـ. وقال الحافظ : وقع في حديث أبي سعيد ((الرؤيا الصالحة))، وهو تفسير المراد بالحسنة، اهـ. قلت: وقد أخرج البخاري(٢) من حديث أبي هريرة رفعه ((لم يبق من النبوة إلا المبشرات))، قالوا: وما المبشرات؟ قال: ((الرؤيا الصالحة))، وهذا يؤيد القول الثاني للباجي، وتقدم قريباً في كلام النابلسي في أقسام الرؤيا أن المراد منه القسم الأول أي الصادقة الظاهرة. وقال العيني(٣): الصادقة والصالحة هما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء عليهم السلام، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة أخص، فرؤيا النبي بَّ صادقة، وقد تكون صالحة، وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة إلى الدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص، إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وإن فسرناها بأنها غير الأضغاث، فالصالحة أخص مطلقاً، وقيل: الصادقة ما يقع بعينه، أو ما يعبر به في المنام، والصالحة ما يسر، وقال الكرماني: الصالحة ما صلح صورتها، والصادقة المطابقة للواقع، اهـ. (من الرجل الصالح) وكذا المرأة الصالحة اتفاقاً، حكاه ابن بطال، كذا في ((الزرقاني))(٤)، قال الحافظ(٥): هذا يقيد ما أطلق في غير هذه الرواية، كقوله: ((رؤيا المؤمن جزء))، ولم يقيدها بكونها حسنة، ولا بأن رائيها صالح. (١) ((المنتقى)) (٢٧٦/٧). (٢) ح (٦٩٩٠) باب المبشرات من كتاب التعبير. (٣) ((عمدة القاري)) (٢٤٦/١٦). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٣/٤). (٥) ((فتح الباري)) (٣٦٢/١٢). ١٢٠