النص المفهرس
صفحات 501-520
٥١ - كتاب العين (٢) باب وقال الباجي(١): لا خلاف في جواز ذلك بأسماء الله تعالى وكتابه وذكره، ويدل على صحة ذلك حديث الباب، وقد روي أن النبي ◌َّ نهى عن الرقي حين قدم المدينة، فلدغ رجل من أصحابه، فقالوا: يا رسول الله قد كان آل حزم يرقون من الحُمَةِ، فلما نهيت عن الرقي تركوها، فقال رسول الله وَّر: (ادعوا لي عمارة، فقال: اعرض عليّ رقيتَك، فعرضها عليه، فلم ير بها بأساً، وأذن لهم فيها))، فيحتمل أن تكون ممنوعة، ثم نسخ المنع بالإباحة، ويحتمل أن يكون إنما منع منها ما كان فيه شيء من أقوال أهل الكفر، والله أعلم وأحكم. وقد روي عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - أن الرقى والتمائم والتولة شرك، فيحتمل قولهما على ما تقدم من النهي، ولم يعرفا النسخ، ويحتمل أنهما أرادا بذلك الرقي بقول يتضمن الكفر، وسئل مالك - رضي الله عنه - عن الرجل يرقي وينشر، فقال: لا بأس بذلك بالكلام الطيب، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٢) عن ((المجتبى)): التميمة المكروهة ما كان بغير العربية، قال ابن عابدين: الذي رأيته في ((المجتبى)) التميمة المكروهة ما كان بغير القرآن، وقيل: هي الخرزة التي تعلقها الجاهلية، وفي ((المغرب)): يتوهم بعضهم أن المعاذات هي التمائم، وليس كذلك، إنما التميمة الخرزة، ولا بأس بالمعاذات إذا كتب فيها القرآن أو أسماء الله تعالى، ويقال: رقاه الراقي رقياً ورقية: إذا عَوَّذَه ونفث في عوذته، قالوا: وإنما تكره العوذة إذا كان بغير لسان العرب، ولا يدري ما هو، ولعله يدخله سحر أو كفر أو غير ذلك، وأما ما كان من القرآن أو شيء من الدعوات فلا بأس به. قال الزيلعي: ثم الرتيمة قد تشتبه بالتميمة على بعض الناس، وهي خيط كان يربط في العنق، أو في اليد في الجاهلية لدفع المضرة عن أنفسهم على (١) ((المنتقى)) (٢٥٨/٧). (٢) (٦٠٠/٩). ٥٠١ ٥١ - كتاب العين (٢) باب (١٦٨٧) حدیث ٣/١٦٨٧ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسِ الْمَكِّيِّ، أَنَّهُ قَالَ: زعمهم، وهو منهيٍّ عنه، وذكر في حدود الأيمان أنه كفر، وفي ((المجتبى)): اختلف في الاستشفاء بالقرآن بأن يقرأ على المريض أو الملدوغ الفاتحة، أو يكتب في ورق ويعلق عليه، أو في طست ويغسل ويسقي، وعن النبي وَّل أنه كان يعوذ نفسه، قال رضي الله عنه: وعلى الجواز عمل الناس اليوم، وبه وردت الآثار، ولا بأس بأن يشدّ الجنب والحائض التعاويذ على العضد، إذا کانت ملفوفة، اهـ. قال في موضع آخر: قال في ((الخانية)): امرأة تصنع آيات التعويذ ليحبها زوجها، بعدما كان يبغضها، ذكر في ((الجامع الصغير)) أن ذلك حرام، ولا يحلُّ، وذكر ابن وهبان في توجيهه أنه ضرب من السحر، والسحر حرام، ومقتضاه أنه ليس مجرد كتابة آيات، بل فيه شيء زائد، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - رفعه: ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك))، رواه أبو داود، وابن ماجه(١)، والتِوَلة بوزن عنبة: ضرب من السحر، اهـ. ٣/١٦٨٧ - (مالك عن حميد) مصغراً (ابن قيس المكي) الأعرج يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا صفوان، اختلف في ولائه، كما في ((التجريد)) (أنه قال) هذا معضل، ورواه ابن وهب في ((جامعه)) عن مالك عن حميد بن قيس عن عكرمة بن خالد به، وهو مرسل، وقد ورد متصلاً من حديث أمهما أسماء بنت عميس من وجوه صحاح عند أحمد والترمذي وابن ماجه(٢)، كذا في ((التنوير))(٣) و((الزرقاني)) (٤). (١) أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠). (٢) ((مسند أحمد)) (٤٣٨/٦)، و((سنن الترمذي)) (٢٠٥٩)، و((سنن ابن ماجه)) (٣٥١٠). (٣) ((تنوير الحوالك)) (ص ٦٧٧). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٣/٤)، و((الاستذكار)) (٢٧/٢٧). ٥٠٢ ٥١ - كتاب العين (٢) باب (١٦٨٧) حديث دُخِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهَ بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا : (دخل) ببناء المجهول لتعديته بالباء، كذا في ((المحلى)) (على رسول الله وَل بابني جعفر بن أبي طالب) القرشي الهاشمي ذي الجناحين الصحابي الجليل، ابن عم رسول الله وَلّ، كان أسنّ من شقيقه علي - رضي الله عنه - بعشر سنين، استشهد في غزوة مؤتة، سنة ثمان من الهجرة، أخرج البخاري عن أنس، قال: خطب رسول الله وَ﴿ فقال: ((أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب))، الحديث، ولذا سميت غزوة الأمراء، قال صاحب ((المحلى)): قوله: بِابْنَيْ جعفر، يعني اثنين من ولده الثلاثة، وهم عبد الله وعون ومحمد، اهـ. وفي ((المشكاة)) عن أسماء قالت: يا رسول الله إن ولد جعفر يسرع إليهم العين، قال القاري (١): بضم الواو وسكون اللام، وفي نسخة بفتحهما أي أولاد جعفر. (فقال) قَلّ الحاضنتهما) الحضن ما دون الإبط إلى الكشح، وحضن الطائر بيضه إذا ضمّه إلى نفسه تحت جناحه، وحاضنة الصبي التي تقوم في تربيته، واحتضن الشيء جعله في حضنه، كذا في ((مختار الصحاح)). قال الزرقاني: يجوز أن تكون أمهما أسماء بنت عميس، ويجوز أن تكون غيرها، قاله أبو عمر، اهـ. وبالأول جزم صاحب ((المحلى)) إذ قال: وهي أمهما أسماء، قلت: ولعل الباعث على ذلك ما في ((المشكاة)) برواية أحمد والترمذي وابن ماجه عن أسماء بنت عميس، قالت: يا رسول الله إن ولد جعفر يسرع إليهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: ((نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)). وأوضح منه ما سيأتي في حديث جابر من قوله وَلّ لأسماء. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٤/٨). ٥٠٣ ٥١ - كتاب العين (٢) باب (١٦٨٧) حديث ((مَالِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ)) فَقَالَتْ حَاضِنَتَهُمَا: يَا رَسُولَ اللهِ. إِنَّهُ تَسْرَعُ إِلَيْهِمَا الْعَيْنُ. وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا إِلَّا أَنَّا لَا نَدْرِي مَا يُوَافِقُكَ مِنْ ذُلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ: ((اسْتَرْقُوا لَهُمَا، فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ، لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ)). (ما لي أراهما) أي الولدين (ضارعين) بضاد معجمة أي نحيفي الجسم، يقال: ضرع الرجل ضراعة، خضع وذل، وفي ((المنتقى)): قال عيسى بن دينار: معناه ناحلين نحلت أجسامهما (فقالت حاضنتهما) قال الباجي(١): لعله يريد أمهما، وهي أسماء بنت عميس، كانت تحت جعفر بن أبي طالب، فولدت له عبد الله ومحمداً وعوناً، ثم خلف عليها أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، فولدت له محمداً، ثم خلف عليها علي بن أبي طالب، فولدت له يحيى، اهـ. (يا رسول الله إنه) الضمير للشأن (تسرع) بضم التاء وكسر الراء، ويفتح أي تعجل، كذا في ((المرقاة)) (إليهما العين) أي يؤثر فيهما سريعاً لكمال حسنهما الصوري والمعنوي (ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا) هذا الأمر وهو (أنا لا ندري ما يوافقك) ويجوز عندك (من ذلك) الذي يرقى به. (فقال رسول الله وَالله: استرقوا) بفتح المثناة الفوقية، وسكون الراء وضم القاف أي اطلبوا (لهما) من يرقيهما، وروى قاسم بن أصبغ عن جابر أنه نَّلته قال لأسماء بنت عميس: ((ما شأن أجسام بني أخي ضارعة، أتصيبهم حاجة))؟، قالت: لا، ولكن تسرع إليهم العين، أفنرقيهم؟ قال: ((وبم ذا؟)) فعرضت عليه، فقال: ((ارقيهم))، كذا في ((الزرقاني))(٢)، قال الحافظ: ضارعة أي نحيفة. (فإنه لو سبق شيء القدر) بفتحتين أي لو فرض أن لشيء قوة تسبق القدر (لسبقته العين) لقوة تأثيرها إلا أن شيئاً لا تسبق القدر، قال القرطبي: فهو (١) ((المنتقى)) (٢٥٧/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٣/٤). ٥٠٤ ٥١ - كتاب العين (٢) باب (١٦٨٨) حديث ٤/١٦٨٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ دَخَلَ بَيْتَ أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهَ. وَفِي الْبَيْتِ صَبِيٍّ يَبْكِي. فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ بِهِ الْعَيْنَ. قَالَ غُرْوَةُ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَا تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنَ الْعَيْنِ؟)). مبالغة في تحقيق إصابة العين جرى مجرى التمثيل إذاً لا يرد القدر شيء، قال الباجي(١): أمر بالاسترقاء، ولم يأمر بالاغتسال؛ لأن الاغتسال إنما يكون إذا كان العائن معروفاً، وأما إذا كان مجهولاً فلا سبيل إلى أن يخص أحد بالاغتسال، وإنما يذهب أذاه بالرقية، اهـ. ٤/١٦٨٨ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سلمان بن يسار) الهلالي المدني (أن عروة بن الزبير حدثه) قال أبو عمر (٢): مرسل عند جميع رواة ((الموطأ))، وهو صحيح يستند معناه من طرق ثابتة، وقد رواه البزار عن أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عروة عن أم سلمة، كذا في ((الزرقاني)). (أن رسول الله وَ لّ دخل بيت) أم المؤمنين (أم سلمة زوج النبي بَّر وفي البيت صبي) لم يسم (يبكي فذكروا) أي أهل البيت (أن به العين) أي أخذته العين (قال عروة: فقال رسول الله رَله: ألا) بفتح الهمزة وخفة اللام (تسترقون له) أي لم لا تطلبون له من يرقيه (من العين؟). قال الزرقاني(٣): وفي ((الصحيحين)) (٤) من طريق الزهري عن عروة عن (١) ((المنتقى)) (٢٥٨/٧). (٢) انظر: ((التمهيد)) (١٥٣/٢٣) و((الاستذكار)) (١٨/٢٧). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٣/٤). (٤) ((صحيح البخاري)) (٥٧٣٩)، و((صحيح مسلم)) (٢١٩٧). ٥٠٥ ٥١ - كتاب العين (٢) باب (١٦٨٨) حديث زينب بنت أم سلمة عن أمها ((أن النبي وَلي: رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: استرقوا لها، فإن بها النظرة))، بفتح السين المهملة وتضم، وعين مهملة سواد، أو حمرة يعلوها سواد، والمراد أن السفعة أدركتها من جهة النظرة، وبادئ الرأي أنها قصة غير ما في ((الموطأ))، ويحتمل اتحادهما، وهو الأصل لاتحاد المخرج، والصبي يطلق على الأنثى كالذكر، والبكاء من تألمها بالسفعة الناشئة عن العين، وكأنهم لما أخبروه بأن به العين، قال: فإن بها النظرة تصديقاً لقولهم، وتعليلاً لأمره بالرقية، فلا خلف، اهـ ومال الحافظ في ((الفتح)) (١) إلى اتحاد القصتين إذ ذكر في بحث وصل حديث أم سلمة وإرساله: قد جاء حديث عروة هذا من غير رواية الزهري، أخرجه البزار من رواية أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عروة عن أم سلمة، فسقط من روايته ذكر زينب بنت أم سلمة، وقال الدار قطني: رواه مالك وابن عيينة، وسمى جماعة كلهم عن يحيى بن سعيد، فلم يجاوزوا به عروة، وتفرد أبو معاوية بذكر أم سلمة فيه، ولا يصح، وإنما قال ذلك بالنسبة إلى هذا الطريق لانفراد الواحد عن العدد الجم، وإذا انضمت هذا الطريق إلى رواية الزبيري قويت جداً اهـ. وهذا يدل على اتحاد الروايتين عنده، ومن اللطائف أن حديث أم سلمة هذا أخرجه البخاري في ((صحيحه)) عن محمد بن خالد نا محمد بن وهب نا محمد بن حرب نا محمد بن الوليد أنا الزهري عن عروة، قال الحافظ: اجتمع في هذا السند من البخاري إلى الزهري ستة أنفس في نسقٍ، كل منهم اسمه محمد، وإذا روينا الصحيح من طريق الفراوي عن الحفصي عن الكشميهني عن الفربري كانوا عشرة، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (٢٠٢/١٠). ٥٠٦ ٥١ - كتاب العين (٣) باب (١٦٨٩) حديث (٣) باب ما جاء في أجر المريض ٥/١٦٨٩ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى إِلَّيْهِ مَلَكَيْنٍ، فَقَالَ: انْظُرًا مَاذَا يَقُولُ لِعُؤَّادِهِ، فَإِنْ هُوَ، إِذَا جَاؤُهُ، حَمِدَ اللهَ (٣) ما جاء في أجر المريض أي ما جاء في بيان الثواب والأجر على المرض. ٥/١٦٨٩ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) قال الزرقاني: وصله ابن عبد البر من طريق عباد بن كثير المكي، قال: وليس بالقوي، وثقه بعضهم، وضعفه ابنُ معين وغيره عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري، اهـ. (أن رسول الله وَ لقال قال: إذا مرض العبد) قال الزرقاني: المسلم، وقال الباجي: معناه عندي العبد المؤمن، لقوله عز وجل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الَّهِ﴾ الآية، يعني أن اللفظ وإن كان عاماً، لكن المراد منه المؤمن المسلم خاصة، (بعث الله تبارك وتعالى إليه) أي إلى المريض (ملكين). قال الباجي(١): ظاهره أنهما ملكان لا يكونان معه في غير حين المرض؛ لأنهما مخصوصان بحفظ ما يقول للعوّاد، لأن الملائكة الحفظة الملازمين له یکتبون كل شيء. (فقال) تعالى: (انظرا) بضم الهمزة والظاء أي احتفظا (ماذا يقول) المريض (العُوَّادِهِ) بضم العين وتشديد الواو جمع عائد (فإن) بسكون النون (هو) أي المريض (إذا جاؤه) أي عُوَّادهُ وسألوه حاله، بصيغة الجمع في النسخ المصرية، وبلفظ جاءه بالإفراد في النسخ الهندية، أي جاءه من يعوده، والأوجه الأول لمناسبة عواده، (حَمِد الله) بكسر الميم على صيغة الماضي (١) ((المنتقى)) (٢٥٨/٧). ٥٠٧ ٥١ - كتاب العين (٣) باب (١٦٨٩) حديث وَأَثْنَى عَلَيْهِ رَفَعَا ذُلِكَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ. فَيَقُولُ: لِعَبْدِي عَلَيَّ، إِنْ تَوَقَّيْتُهُ، أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ أَنْ أُبْدِلَ لَهُ لَحْماً خَيْراً مِنْ لَحْمِهِ وَدَماً خَيْراً مِنْ دَمِهِ. وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ)). (وأثنى عليه) سبحانه بما هو أهله (رفعا) أي الملكان (ذلك) الحمد (إلى الله عز وجل وهو) سبحانه وتعالى (أعلم) بذلك الحمد من الملكين استبشاراً وافتخاراً على الملائكة، وحثاً للعباد على الحمد له عز اسمه في كل حال. (فيقول) الله عز وجل: (لعبدي) هذا حق (عليّ) بشد الياء (إن أنا توفيتُه) وليس في النسخ المصرية لفظ ((أنا))، والأوجه وجوده لمناسبة الآتي من قوله: ((إن أنا شفيته)). وإن بكسر الهمزة وسكون النون، أي إن أمته في ذلك المرض (أن) بفتح الهمزة وسكون النون (أدخله) بضم الهمزة (الجنة) قال الزرقاني: بلا عذاب أو مع السابقين (وإن) بكسر الهمزة وسكون النون (أنا شفيته) أي عافيته من هذا المرض (أن) بفتح الهمزة (أبدل له لحماً خيراً من لحمه) المريض (ودما خيراً من دمه). قال الباجي: يريد أن أعيده إلى صحة أفضل من صحته، بأن أبدله لحماً خيراً من لحمه، ويحتمل أن يريد به خيراً في صحته وقوته وسلامته من الأسقام، ويحتمل أن يريد به أنّه خير لما يريد الله تعالى من استعماله بالطاعة، وإثابته من عوضه إياه. (وأن) بفتح الهمزة (أكفر عنه) بتشديد الفاء المسكورة (سيئاته) قال الزرقاني(١): أي الصغائر كلها. قلت: ولا مانع عن الكبائر أيضاً لو شاء، قال الزرقاني: وما اقتضاه ظاهره من شرط الصبر إنما هو مقيد بهذا الثواب المخصوص، فلا ينافي خبر الطبراني وغيره عن أنس رفعه ((إذا مرض العبد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٤/٤) والحديث في ((التمهيد)) (٤٧/٥). ٥٠٨ ٥١ - كتاب العين (٣) باب (١٦٩٠) حديث ٦/١٦٩٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ((لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ. المقتضي ترتب تكفير الذنوب على المرض، سواء انضم له صبر أم لا ، واشتراط القرطبي الصبر منع بأنه لا دليل عليه، واحتجاجه بوقوع التقييد بالصبر في أخبار لا تنهض؛ لأن ما صح منها مقيد بثواب مخصوص، فاعتبر فيها الصبر لحصوله، ولن تجد حديثاً صحيحاً ترتب فيه مطلق التكفير على مطلق المرض مع اعتبار الصبر، وقد اعتبر من الأحاديث في ذلك فتحرر لي ما ذكرته، وسيأتي مزيد في ذلك قريباً مما يدل على التعميم. ٦/١٦٩٠ - (مالك عن يزيد) بتحتية فزاي ابن عبد الله (بن خصيفة) بخاء معجمة فصاد مهملة مصغراً نسبة إلى جده (عن عروة بن الزبير أنه قال: سمعت عائشة) أم المؤمنين (زوج النبي وَلية) أخرجه البخاري برواية الزهري عن عروة (تقول: قال رسول الله وَ﴾) قال الزرقاني: له طرق كثيرة في ((الصحيحين)) وغيرهما (لا يصيب المؤمن من مصيبة) لفظ ((من)) زائدة للاستغراق، كذا في ((المحلى))، قال الحافظ: أصل المصيبة الرمية بالسهم، ثم استعملت في كل نازلة، وقال الراغب: أصاب يستعمل في الخير والشر، قال تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ نَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾(١) الآية. قال: وقيل: الإصابة في الخير مأخوذة من الصواب، وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة من غير ضرر، وفي الشر مأخوذ من إصابة السهم، وقال الكرماني: المصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقاً، وفي العرف ما نزل به من مكروه خاصة، وهو المراد لهُهنا، اهـ. ولفظ البخاري: ((ما من مصيبة تصيب المسلم)) (٢) قال الزرقاني: ولمسلم (١) سورة التوبة: الآية ٥٠. (٢) والحديث في ((التمهيد)) (٢٥/٢٣). ٥٠٩ ٥١ - كتاب العين (٣) باب (١٦٩٠) حديث حَتَّى الشَّوْكَةُ. إِلَّا قُصَّ بِهَا، أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)). لَا يَدْرِي يَزِيدُ، أَيُّهُمَا قَالَ عُرْوَةُ . أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ١٤ - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، حديث ٥٠. من طريق مالك ويونس عن الزهري ((ما من مصيبة يصاب بها المسلم))، ولأحمد عن معمر عن الزهري ((ما من وجع أو مرض يصيب المؤمن))، قلت: ولفظ البخاري من حديث أبي سعيد وأبي هريرة «ما يصاب المسلم من نصب، ولا وصب، ولاهم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله من خطاياه)). (حتى الشوكة) المرة من مصدر شاكه، بدليل جعلها غاية للمعاني، وقوله في رواية البخاري: (يشاكها))، ولو أرادوا الواحدة من النبات، لقال: يشاك بها، قاله البيضاوي. وقال الحافظ: جوزوا فيه الحركات الثلاثة، فالجر بمعنى الغاية، أي حتى ينتهي إلى الشوكة، أو عطفاً على لفظ ((مصيبة)) والنصب بتقدير عامل أي حتى وجد أنه الشوكة، والرفع عطفاً على الضمير في يصيب، اهـ. (إلا قص بها) بالقاف والصاد المهملة المشددة أي أخذ بها، وأصل القص الأخذ، وفي رواية نقص، وهما متقاربا المعنى، قاله عياض (أو كفر بها) شك من يزيد الراوي (من خطاياه) أي خطايا المصاب (لا يدري يزيد) بن خصيفة الراوي (أيهما) أي أي اللفظين، وفي النسخ الهندية ((أيتهما)) أي الكلمتين من قص وكفر (قال) شيخه (عروة) بن الزبير، ولفظ البخاري ((إلا كفّر الله بها عنه)). قال الحافظ(١): وفي رواية لأحمد إلا كان كفارة لذنبه، أي يكون ذلك عقوبة بسبب ما كان صدر منه من المعصية، ويكون ذلك سبباً لمغفرة ذنبه، ووقع في رواية ابن حبان ((إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة))، ومثله (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٠٥/١٠). ٥١٠ ٥١ - كتاب العين (٣) باب (١٦٩٠) حدیث المسلم من طريق الأسود عن عائشة، وهذا يقتضي حصول الأمرين معاً، حصول الثواب ورفع العقاب، وشاهده ما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من وجه آخر عن عائشة، بلفظ ((ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حط الله به عنه خطيئة، وكتب له حسنة، ورفع له درجة))، وسنده جید. وأما ما أخرجه مسلم أيضاً من طريق عمرة عنها بلفظ ((إلا كتب الله له بها حسنة، أو حط عنه بها خطيئة)) كذا وقع فيه بلفظ ((أو))، فيحتمل أن يكون شكاً من الراوي، ويحتمل التنويع، وهذا أوجه، ويكون المعنى إلا كتب الله له بها حسنة إن لم يكن عليه خطايا، أو حط عنه إن كانت له خطايا . وعلى هذا فمقتضى الأول أن من ليست عليه خطيئة يزاد في رفع درجاته بقدر ذلك، والفضل واسع، ووقع لهذا الحديث سبب أخرجه أحمد(١) وصححه أبو عوانة والحاكم من طريق عبد الرحمن بن شيبة العبدري، أن عائشة - رضي الله عنها - أخبرته أن رسول الله * طرقه وجع، فجعل يتقلب على فراشه ويشتكي، فقالت له عائشة - رضي الله عنها -: لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه، فقال: ((إن الصالحين يُشَدَّدُ عليهم، وإنه لا يصيب المؤمن نكبة شوكة))، الحديث، وفيه تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو بالكسب، والمصائب ليست منها بل الأجر على الصبر والرضا . ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في حصول الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا، فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة، قال القرافي: المصائب كفارة جزماً سواء اقترن بها الرضا (١) أخرجه أحمد (١٦٠/٦). ٥١١ ٥١ - كتاب العين (٣) باب (١٦٩١) حديث ١٦٩١/ ٧ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ)). أخرجه البخاريّ في: ٧٥ - كتاب المرضى، ١ - باب ما جاء في كفارة المرض. أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير، وإلا قَلّ، كذا قال، والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها، وبالرضاء يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه. وزعم القرافي أنه لا يجوز لأحد أن يقول للمصاب: جعل الله هذه المصيبة كفارة لذنبك؛ لأن الشارع قد جعلها كفارة، فسؤال التكفير طلب لتحصيل الحاصل، وهو إساءة أدب على الشارع، كذا قال. وتعقب بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع كالصلاة على النبي وسلم صَلى اللّه وسؤال الوسيلة له، وأجيب بأن الكلام فيما لم يرد فيه شيء، وأما ما ورد فيه فهو مشروع، ليثاب من امتثل الأمر فيه على ذلك، اهـ. ١٦٩١/ ٧ - (مالك عن محمد بن عبد الله بن) عبد الرحمن بن (أبي صعصعة) بمهملات مفتوحات، إلا العين الأولى فساكنة، قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): له حديثان، يعني أحدهما هذا، والثاني ما تقدم فيما تجب فيه الزكاة، وتقدم هناك الاختلاف في نسبه (أنه قال: سمعت أبا الحباب) بضم الحاء المهملة وخفة الموحدة (سعيد بن يسار) بتحتية ومهملة، المدني. (يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَله: من يرد الله به خيراً) أي خيراً عظيماً أو جميع الخيرات، قاله الزرقاني، وفي ((المحلى)): التنوين للتنويع، والجار والمجرور حال عنه، أي خيراً متلبساً به (يصب منه) قال (١) (ص١٦٤). ٥١٢ ٥١ - كتاب العين (٣) باب (١٦٩١) حديث صاحب ((المحلى)): الرواية بالبناء للفاعل على الأشهر، والفاعل ضمير الله، وهو مجزوم؛ لأنه جواب الشرط ومن للتعدية، يقال: أصاب زيد من عمرو أي أوصل إليه مصبية . وقال الزرقاني(١): يصب بضم التحيتة وكسر الصاد عند أكثر المحدثين، وهو الأشهر في الرواية، وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): كذا للأكثر بكسر الصاد والفاعل الله، وقال أبو عبيد الهروي: معناه يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها، وقال غيره: معناه فيوجه إليه البلاء فيصيبه، وقال ابن الجوزي: أكثر المحدثين يرويه بالكسر، وسمعت ابن الخشاب يفتح الصاد، وهو أحسن وأليق، كذا قال، ولو عكس لكان أولى، ووجّه الطيبي الفتح بأنه أليق بالأدب لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ٨٠ مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ قال الحافظ: ويشهد الكسر ما أخرجه أحمد(٣) من حديث محمود بن لبيد، رفعه «إذا أحبَّ الله قوماً ابتلاهم، فمن صَبَرَ فله الصبر، ومن جزع فله الجزع))، ورجاله ثقات، إلا أن محمود بن لبيد اختلف في سماعه من النبي ◌َّ، وله شاهد من حديث أنس عند الترمذي وحسنه. وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن؛ لأن الآدمي لا ينفكّ غالباً من ألم بسبب مرض، أو هم، أو نحو ذلك، وفي رواية أخرى عند البخاري من حديث ابن مسعود ((ما من مسلم يصيبه أذى إلا حَاتٌ الله عنه خطاياه)) وظاهره تعميم جميع الذنوب، لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر، فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على المقيد، ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٦/٤). (٢) ((فتح الباري)) (١٠٨/١٠)، والحديث في ((التمهيد)) (٢٦/٢٣). (٣) أخرجه أحمد في: ((مسنده)) (٤٢٨/٥). ٥١٣ ٥١ - كتاب العين (٣) باب (١٦٩٢) حديث ٨/١٦٩٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَجُلاً جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَانِ التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة للتكفير، فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب، ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته. وقد استدل به على أن مجرد حصول المرض أو غيره مما ذكر يترتب عليه التكفير المذكور، سواء انضم إلى ذلك صبر أم لا، وأبى ذلك قوم كالقرطبي في ((المفهم))، فقال: محل ذلك إذا صبر واحتسب، إلى آخر ما بسطه الحافظ في ذلك أشد البسط. وقال في آخره: والذي يظهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير ورفع الدرجات على ما تقدم تفصيله، وإن لم يحصل الصبر نظر، إن لم يحصل من الجزع ما يُذَمُّ من قول أو فعل، فالفضل واسع، ولكن المنزلة منحطة عن منزلة الصابر السابقة، وإن حصل فيكون ذلك سبباً لنقص الأجر الموعود به أو التكفير، فقد يستويان، وقد يزيد أحدهما على الآخر، فبقدر ذلك يقضى لأحدهما على الآخر، ويشير إلى التفصيل المذكور حديث محمود بن لبيد الذي ذكرته قریباً، اهـ. قلت: ومال الباجي(١) أيضاً إلى التقييد، إذ قال في حديث عائشة المذكور قبل: ومعنى ذلك أنه إذا صبر واحتسب، وقال في هذا الحديث: يريد يصيب منه أي بالمرض المؤثر في صحته، وأخذ المال المؤثر في غناه، والحزن المؤثر في سروره، والشدة المؤثرة في صلاح حاله، فإذا صبر واحتسب كان ذلك سبباً لما أراده الله تبارك وتعالى به من الخير، اهـ. ٨/١٦٩٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن رجلا) لم يسم (جاءه الموت)(٢) فجأة وبغتة من غير سبق مرض، كذا في ((المحلى)) (في زمان (١) ((المنتقى)) (٢٥٩/٧). (٢) الحديث في ((التمهيد)) (٥٧/٢٤)، و((الاستذكار)) (٢٥/٢٧). ٥١٤ ٥١ - كتاب العين (٣) باب (١٦٩٢) حديث رَسُولِ اللهِ وَّهِ. فَقَالَ رَجُلٌ: هَنِيْئاً لَهُ. مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَيْحَكَ. وَمَا يُدْرِيكَ لَوْ أَنَّ اللهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ، يُكَفِّرُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ)). رسول الله وَّير فقال رجل) لم يسم (هنيئاً له) أي يهنأ له هنيئاً مصدر لفعل محذوف، كذا في ((المحلى)) (مات) استئناف لبيان موجب التهنئة (ولم يبتل) بفتح اللام ببناء المجهول من الابتلاء، والجملة حالية (بمرض) قال الباجي: يغبطه بحاله في سلامته من المرض، وإنما ذلك غبطة في الدنيا خاصة. (فقال رسول الله وَ ظله) على وجه الإنكار عليه: (ويحك) كلمة رحمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها، كما أن ويل كلمة عذاب لمن يستحقه، وهما منصوبان بإضمار فعل، كذا في ((الزرقاني)) (١)، وفي ((المحلى)): ويحك كلمة ترحم وتوجع، منصوب على المصدر ويضاف ولا يضاف، ويقال: ويح زيد وويحاً له وويح له، وإنما ترحم عليه لعذره في ظنه أن عدم المرض خير له، اهـ. (وما يدريك) بضم التحتية الأولى، أي وما يعلمك أن عدم المرض خير له (لو أن الله) تبارك وتعالى (ابتلاه بمرض يُكَفِّرُ به من سيئاته) قال صاحب ((المحلى)): جملة شرطية، والجزاء قوله: يكفر، أو هو صفة لمرض، والجزاء محذوف، أي لكان خيراً له، ويحتمل أن يكون لو للتمني بمعنى ليت، وعلى هذا يتعين قوله: يكفر صفة، اهـ. قال الباجي(٢): يريد - والله أعلم - ما يدريك أن هذا أفضل، وأن ما يكفر عنه من سيئاته أفضل من سلامته من الأمراض مع بقاء سيئاته، اهـ. قال الزرقاني: فإن غير المعصوم لا يخلو غالباً من مواقعة السيئات، (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٦/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٥٩/٧). ٥١٥ ٥١ - كتاب العين (٤) باب (١٦٩٣) حديث (٤) باب التعوذ والرقية في المرض ٩/١٦٩٣ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ؛ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ السَّلَمِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ؛ أَنَّهُ أَتَّى رَسُولَ اللهِ وَ لَ. قَالَ عُثْمَانُ: وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي، فالمرض مكفر لها، أو رافع للدرجات، وكاسر لشماخة النفس، وقد روي ((أنه وَ ل خطب امرأة، فوصفها أبوها بالجمال، وقال: أزيدك أنها لم تمرض قط، فقال ◌َله: ما لهذه عند الله من خير))، اهـ. (٤) التعوذ والرقية في المرض أي جوازهما أو ندبهما، ولعله احتاج إلى ذلك لما أن كون المرض مكفراً للذنوب يوهم عدم الجواز، لا سيما ولم يرض النبي ◌َّر بعدم المرض، كما في الباب السابق. ٩/١٦٩٣ - (مالك عن يزيد) بالتحتية في أوله، ابن عبد الله (بن خصيفة) بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وإسكان التحتية وفتح الفاء، منسوب إلى جده (أن عمرو) بفتح العين (ابن عبد الله بن كعب) بن مالك (السلمي) بفتحتين، الأنصاري المدني، من رواة الستة (أخبره أن نافع بن جبير بن مطعم) وليس في النسخ المصرية ابن مطعم (أخبره عن عثمان بن أبي العاصي) الثقفي الطائفي، أبو عبد الله، صحابي شهير، استعمله رسول الله رَليل على الطائف، فلم يزل عليها إلى أن عزله عمر - رضي الله عنه - بعد مضي سنتين من خلافته، كذا في ((المحلى))، مات في خلافة معاوية بالبصرة، كذا في ((التقريب))(١). (أنه) أي عثمان (أتى رسول الله (بَلخير، قال عثمان و) كان (بي وجع قد كاد) أي قارب، وفي الهندية ((قد كان)) (يهلكني) بضم التحتية وكسر اللام، ولمسلم (١) ((تقريب التهذيب)) (٤٤٨٥). ٥١٦ ٥١ - كتاب العين (٤) باب (١٦٩٣) حديث قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. وَقُلْ: أَعُوذُ وغيره من رواية الزهري عن نافع عن عثمان أنه شكا إلى رسول الله وق لقه وجعاً يجده في جسده منذ أسلم. قال الباجي(١): فيه دليل على أن للعليل أن يصف ما به من الألم لاستدعاء الدواء أو الرقية أو الشفاء بأي وجه أمكن، وقد قال النبي صَلّه، وقال له ابن مسعود: إنك لتوعك وعكاً شديداً، قال: ((أجل كما يوعك رجلان منكم))، الحديث. وهذا مما لم يرد به التشكي وقلة الصبر، كما روي: أنه وال دخل على رجل يعوده، فقال ◌َله: ((لا بأس، طهور إن شاء الله تعالى)) قال: كلاّ، بل هي حُمَّى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، فقال ◌َّر: ((فنعم إذاً)»، اهـ. (قال) عثمان: (فقال رسول الله ويلي: امسحه) أي موضع الوجع (بيمينك) فإن البركة في اليمين (سبع مرات) وفي رواية مسلم: فقال: ((ضع يدك على الذي يألم من جسدك))، وللطبراني والحاكم: ((ضع يمينك على المكان الذي تشتكي، فامسح بها سبع مرات))، وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها، وقد خص 8 السبع في غير ما موضع بشرط قوة اليقين وصدق النية، قاله الزرقاني. وقال الباجي: قوله: ((امسحه بيمينك)) يريد - والله أعلم - على معنى التبرك بالتيامن، وقد خصّ النبي 18 هذا العدد في غير ما موضع، فقال في مرضه: ((هريقوا عليّ من سبع قِرَبٍ لم تحلل أوكيتهن))، وقد روى ابن شهاب هذا الحديث عن نافع بن جبير عن عثمان، فقال فيه: ((ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثاً، وقل: سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر)). (وقل) زاد في رواية مسلم ((بسم الله ثلاثاً)) قبل قوله: (أعوذ) أي أعتصم (١) (المنتقى)) (٣٦٠/٧). ٥١٧ ٥١ - كتاب العين (٤) باب (١٦٩٣) حديث بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ)) قَالَ: فَقُلْتُ ذُلِكَ فَأَذْهَبَ اللهُ مَا كَانَ بِي. فَلَمْ أَزَلْ آَمُرُ بِهَا أهْلِي وَغَيْرَهُمْ. أخرجه أبو داود في: ٢٧ - كتاب الطب، ١٩ - باب كيف الرقى. والترمذيّ في: ٢٦ - كتاب الطب، ٢٩ - باب: حدثنا إسحاق بن موسى. (قال أبو عيسى): هذا حديث حسن صحيح. (بعزة الله) أي بغلبته، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ الآية، قال الراغب: العزيز الذي يقهر ولا يقهر، فإن العزة التي هي لله تعالى هي الدائمة الباقية، وهي العزة الحقيقة الممدوحة، كذا في ((الفتح)) (وقدرته) الكاملة (من شر ما أجد) زاد في رواية مسلم ((وأحاذر))، وللترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن ماجه من حديث أنس: ((من شر ما أجد وأحاذر من وجعي هذا))، قال صاحب (المحلى)): أي من شر ما أجده في الحال، وأحاذر أي أخاف في الاستقبال، وهو مبالغة أحذر(١). قال الباجي: هذا نص على التعوذ فيما نزل به من شدة المرض بعزة الله وقدرته، وهذا يدل على جواز الاسترقاء والدعاء لإذهاب المرض، وفي معناه التداوي بذلك، ويحتمل - والله أعلم - أن يريد به أنه يقوله مع كل مسحة، وهو الأظهر عندي، اهـ. وقال الزرقاني: وللطبراني والحاكم أنه يقول ذلك في كل مسحة من السبع. (قال) عثمان: (فقلت ذلك) الذي أمرت به (فأذهب الله) عني ببركته (ما كان بي) من الوجع (فلم أزل آمر بها) أي بهذه الكلمات، وفي النسخ الهندية (به))، أي بما أمرني به رسول الله وَ لجر (أهلي وغيرهم) لأنه من الأدوية الإلهية والطب النبوي، وقد جرب بنفعه مع ما فيه من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة منه بعزته وقدرته، وتكراره يكون أنجع وأبلغ، قال الزرقاني (٢): (١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٨٤/٣)، و((التمهيد)) (٣٠/٢٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٧/٤). ٥١٨ ٥١ - كتاب العين (٤) باب (١٦٩٤) حديث ١٠/١٦٩٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى، يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وقال بعضهم: ويظهر أنه إذا كان المريض نحو طفل أن يقول من يُعَوِّذُه: من شر ما يجد ويحاذر، اهـ. ١٠/١٦٩٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير عن عائشة) رضي الله عنها (أن رسول الله وَ ليل كان إذا اشتكى) أي مرض والشكاية المرض، كذا في ((الزرقاني))، وقال صاحب ((المحلى)): اشتكى مرض وهو لازم وقد يتعدى، فيكون التقدير اشتكى مرضاً أو وجعاً (يقرأ على نفسه بالمعوذات)(١) بتشديد الواو المكسورة أي سورة الإخلاص، والفلق، والناس، وأطلق على الإخلاص المعوذة تغليباً، أو لما اشتملت عليه، وقيل: جمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان، وقيل: المراد المعوذتان. وكل ما ورد من التعويذ في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ (َ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾، وغير ذلك من الآيات، وقيل: المعوذتان وسائر الأدعية التي تشتمل على التعوذ، وقيل: المراد الكلمات التي يتعوذ بها من السورتين . وقال الحافظ ((في الفتح)) (٢) في فضائل القرآن تحت حديث عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي ◌َّ ر كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾﴾ الحديث، قال: قد كنت جوزت في باب الوفاة النبوية أن الجمع فيه بناء على أن أقل الجمع اثنان، ثم ظهر من حديث هذا (١) الحديث في ((التمهيد)) (١٢٩/٨). (٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٢). ٥١٩ ٥١ - كتاب العين (٤) باب (١٦٩٤) حديث وَيَنْفُثُ الباب، أنه على الظاهر، وأن المراد بأنَّه كان يقرأ بالمعوذات، أي السور الثلاث، وذكر سورة الإخلاص معهما تغليباً لما اشتملت عليه من صفة الرب، وإن لم يصرح فيها بلفظ التعويذ. وقد أخرج أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وابن خزيمة وابن حبان من حديث عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله وَيقول: ((قل هو الله أحد قل أعوذ برب الفلق قل أعوذ برب الناس، تعوّذ بهن، فإنه لم يتعوّذ بمثلهن))، وفي لفظ: ((اقرأ المعوذات دبر كل صلاة))، فذكرهن، اهـ. قلت: وأصرح منه ما قال الزرقاني، وفي رواية ابن عبد البر من طريق عيسى بن يونس عن مالك عن شهاب عن عروة عن عائشة: ((كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بـ قل هو الله أحد والمعوذتين))، وكذا في رواية ابن خزيمة وابن حبان، اهـ. (وينفث) بكسر الفاء وضمها بعدها مثلثة، أي يخرج الريح من فمه في يده مع شيء من ريقه، ويمسح جسده، وقال السيوطي: هو شبه البزاق بلا ريح، أي يجمع يديه، ويقرأ فيها وينفث، ثم يمسح بهما على موضع الألم. وقال الحافظ: أي يتفل بلا ريق، أو مع ريق خفيف، أي يقرأ ماسحاً لجسده عند قراءتها، قال عياض: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسّه الذِّكْر، كما يتبرَّك بغسالة ما يكتب من الذكر، وقد يكون على سبيل التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض كانفصال ذلك الريق، كذا في ((الفتح)). وترجم البخاري في ((صحيحه))(١) ((باب النفث في الرقية))، قال الحافظ(٢): في هذه الترجمة إشارة إلى الرد على من كره النفث مطلقاً، (١) أخرجه البخاري في الطب (٥٧٤٨). (٢) ((فتح الباري)) (٢٠٩/١٠). ٥٢٠