النص المفهرس

صفحات 461-480

٥٠ - كتاب صفة النبي والخ.
(١١) باب
(١٦٨١) حديث
أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هُذِهِ الآيَةُ ﴿أَذْهَبْتُمْ طَِّبَئِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الذُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾
(أين تذهب) أي تغيب وتخفى (عنكم) بصيغة الجمع في النسخ المصرية،
و((عنك)) بصيغة الإفراد في النسخ الهندية (هذه الآية) التي في سورة الأحقاف
(﴿أَذْهَبْتُمْ طَنِيَتِكُمْ﴾) قال الخطيب: معناه ما قدر لكم من الطيبات والدرجات،
فقد استوفيتموه (﴿فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾)(١) أي تمتعتم بها، عطف
تفسير .
وفي ((الدر)) (٢): أخرج سعيد بن منصور والحاكم(٣) والبيهقي في ((الشعب))
وغيرهم عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن عمر - رضي الله عنه - رأى في يد
جابر درهماً، فقال: ما هذا الدرهم؟ قال: أريد أن أشتري به لحماً لأهلي،
قرموا إليه، فقال: أو كلما اشتهيتم شيئاً اشتريتموه؟ أين تذهب عنكم هذه الآية
﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ الآية .
وأخرج أحمد في ((الزهد)) عن الأعمش قال: مَرَّ جابرٌ - رضي الله عنه -
وهو متعلق لحماً على عمر - رضي الله عنه - فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: هذا
لحم اشتهيتُه اشتريته، قال: وكلما اشتهيت شيئاً اشتريته؟ أما تخشى أن تكون
من أهل هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَنَِّتِكُمْ﴾ الآية، وبسط السيوطي في الآثار عن عمر
- رضي الله عنه - وغيره في ذلك.
قال الباجي(٤): معنى الآية - والله أعلم - أنكم استوفيتم طيباتكم
واستوعبتموها، ولم تتركوا شيئاً منها لله تعالى، بل استمتعتم بها وقطعتم بها
أعماركم، دون أن تقطعوها بطاعة الله، فكره عمر - رضي الله عنه - عن جابر
اتباع شهوته وإيثارها على مواساة الجار وابن العم، اهـ.
(١) سورة الأحقاف: الآية ٢٠.
(٢) ((الدر المنثور)) (٣٨٦/٧).
(٣) ((المستدرك)) (٤٥٥/٢).
(٤) ((المنتقى)) (٧/ ٢٥٣).
٤٦١

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ
(١٢) باب
(١٢) باب ما جاء في لبس الخاتم
وترجم البخاري في (صحيحه)) ((باب الأدم))، وأخرج فيه حديث عائشة
في قصة بريدة، قال الحافظ(١): حكى ابن بطال عن الطبري، قال: دلت القصة
على إيثاره - عليه الصلاة والسلام - اللحم، إذا وجد إليه السبيل، وأما ما ورد
عن عمر - رضي الله عنه - وغيره من السلف من إيثار أكل غير اللحم على
اللحم، فإما لقمع النفس عن تعاطي الشهوات، والإدمان عليها، وإما لكراهة
الإسراف والإسراع في تبذير المال لقلة الشيء عندهم إذ ذاك، اهـ.
قلت: وكان ذلك الفقر في عام الرمادة، ولذا ترك عمر - رضي الله عنه -
السمن، واكتفى بالزيت.
(١٢) ما جاء في لبس الخاتم
(ما جاء في لبس) بضم اللام وسكون الموحدة (الخاتم) قال صاحب
((المحلى)): فيه لغتان: فتح التاء وكسرها، وقال الحافظ في ((الفتح)) (٢): في
الخاتم ثمانُ لغات: فتح التاء وكسرها، وهما واضحتان، ثم ذكر البقية، وذكر
ثلاثة أبيات، بلّغ اللغات فيها إلى عشرة فقال:
ثمانياً ما حواها قبل نظام
خذ نظم عدِّ لغات الخاتم انتظمت
م خاتيام وخيتوم وخيتام
خاتام خاتم ختم خاتم وختا
ساغ القياس أتم العشر خاتام
وهمز مفتوح تاء تاسع وإذا
وقال المناوي: في الخاتم خمس لغات، كلها فصيحة، وهي: خاتم
خاتم خيتم خاتام خيتام، وفي ((المصباح)): الكسر أشهر؛ لأنه يختم به، قالوا:
الخاتم حلقة ذات فص من غيرها، فإن لم يكن لها فصٌّ فهي فتخة، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٥٥٦/٩).
(٢) (٣١٥/١٠).
٤٦٢

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٢) باب
(١٦٨٢) حديث
٣٧/١٦٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهَ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ، ..
٣٧/١٦٨٢ - (مالك عن عبد الله بن دينار) العدوي مولى ابن عمر (عن
عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -، والحديث هكذا أخرجه البخاري(١) برواية
عبد الله بن مسلمة عن مالك (أن رسول الله وَليل كان يلبس خاتماً من ذهب)
وللنسائي(٢) من وجه آخر عن ابن عمر: ((اتخذ النبي و ◌َ لّ خاتماً من ذهب فلبسه
ثلاثة أيام))، وفي ((الصحيحين)) عن ابن شهاب عن أنس: ((أنه رأى في يد
النبي * خاتماً من ورق يوماً واحداً، ثم ألقاه))، فإن كان قوله: من ورق،
وهما من الزهري جرى على لسانه لفظ ورق، كما نقله عياض عن جميع أهل
الحديث، وصوابه من ذهب، كما ثبت ذلك من غير وجه عن أنس وابن عمر
- رضي الله عنهما -.
فيجمع بأن قول أنس يوماً واحداً ظرف لرؤية أنس، لا لمدة اللبس،
وقول ابن عمر - رضي الله عنه -: ثلاثة أيام ظرف لمدة اللبس، وإن قلنا: لا
وهم، جمع بأن مدة لبس الذهب ثلاثة أيام، ومدة خاتم الفضة يوم واحد كما
قال أنس، كذا في ((الزرقاني)) (٣) عن ((الفتح)) (٤).
قال الحافظ في حديث أنس: هكذا روى الزهري عن أنس، واتفق
الشيخان على تخريجه من طريقه، ونسب فيه إلى الغلط؛ لأن المعروف أن
الخاتم الذي طرحه النبي و 18 إنما هو خاتم الذهب كما صرح به في حديث ابن
عمر، قال النووي تبعاً لعياض: قال جميع أهل الحديث: هذا وهم من
(١) أخرجه البخاري في اللباس (٥٨٦٧) وفي الاعتصام (٧٢٩٨) والحديث في ((التمهيد))
(١٧ /٩٥).
(٢) ((سنن النسائي)) في الزينة (١٩٥/٨).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣١٧/٤).
(٤) ((فتح الباري)) (٣٢٠/١٠).
٤٦٣

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٢) باب
(١٦٨٢) حديث
الزهري؛ لأن المطروح ما كان إلا خاتم الذهب، ومنهم من تأوله.
قال الحافظ: وحاصل الأجوبة ثلاثة: أحدها: قاله الإسماعيلي من أنه
كان هذا الخبر محفوظاً، فينبغي أن يكون تأويله أنه اتخذ خاتماً من ورق على
لون من الألوان، وکره أن يتخذ غيره مثله، فلما اتخذوه رمی به حتى رموه، ثم
اتخذ بعد ذلك ما اتخذ، ونقش فيه ما نقش ليختم به.
ثانيها: أشار إليه الإسماعيلي أيضاً أنه اتخذه زينة، فلما تبعه الناس فيه
رمى به، فلما احتاج إلى الختم اتخذه ليختم به، وبهذا جزم المحب الطبري
بعد أن حكى قول المهلب، وذكر أنه متكلف. قال: والظاهر من حالهم أنهم
اتخذوها للزينة، فطرح خاتمه ليطرحوا، ثم لبس بعد ذلك للحاجة إلى الختم به
واستمر ذلك.
وثالثها: ما قال ابن بطال: خالف ابن شهاب رواية قتادة وثابت
وعبد العزيز بن صهيب في كون خاتم الفضة استقر في يد النبي ێ# یختم به،
ختم به، وختم به الخلفاء بعده، فوجب الحكم للجماعة، وإن وهم الزهري
فيه، لكن قال المهلب: قد يمكن أن يتأول لابن شهاب ما ينفي عنه الوهم،
وإن كان الوهم أظهر، وذلك أنه يحتمل أن يكون لما عزم على إطراح خاتم
الذهب اصطنع خاتم الفضة، بدليل أنه كان لا يستغني عنه للختم، فلما لبس
خاتم الفضة فطرح عند ذلك خاتم الذهب، فطرح الناس خواتيم الذهب.
قال الحافظ(١): ولا يخفى وهيُ هذا الجواب، والذي قاله الإسماعيلي
أقرب مع أنه يخدش فيه أنه يستلزم اتخاذ خاتم الورق مرتين، ونقل عياض
نحواً من قول ابن بطال قائلاً: قال بعضُهم: يمكن الجمع بأنه لما عزم على
تحريم خاتم الذهب اتخذ خاتم الفضة، فلما لبسه وأراه الناس في ذلك اليوم
ليعلموا إباحة طرح خاتم الذهب، فطرح الناس خواتيمهم من الذهب.
(١) (٣٢٠/١٠).
٤٦٤

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل
(١٢) باب
(١٦٨٢) حديث
وحاصله أنه جعل الموصوف في قوله: ((فطرح فطرحوا خواتيم
الذهب))، وإن لم يجر له ذكر، قال عياض: وهذا يسوغ أن لو جاءت
الرواية مجملة، ورواية الزهري لا تحتمله، أما النووي فارتضى هذا
التأويل، وقال: هذا هو التأويل الصحيح، وليس في الحديث ما يمنعه،
وأيده الكرماني بأن ليس في الحديث أن الخاتم المطروح كان من ورق، بل
هو مطلق، فيحمل على خاتم الذهب أو على ما نقش عليه خاتمه قال:
ومهما أمكن الجمع لا يجوز توهيم الراوي.
قال الحافظ: ويحتمل وجهاً رابعاً، ليس فيه تغيير ولا زيادة اتخاذ،
وهو أنه اتخذ خاتم الذهب للزينة، فلما تتابع الناس فيه وافق وقوع
تحريمه، فطرحه، ولذلك قال: لا ألبسه أبداً، وطرح الناس خواتيمهم تبعاً
له، وصرح بالنهي عن لبس تختم الذهب كما صرح في الروايات.
ثم احتاج إلى الخاتم لأجل الختم، فاتخذه من فضة، ونقش فيه اسمه
الكريم، فتبعه الناس أيضاً في ذلك فرمى به حتى رمى الناس تلك الخواتيم
المنقوشة على اسمه، لئلا تفوت مصلحة نقش اسمه بوقوع الاشتراك، فلما
عدمت خواتيمهم برميها رجع إلى خاتمه الخاص به، فصار يختم به، ويشير
إلى ذلك قوله في رواية عبد العزيز عن أنس عند البخاري: إنا اتخذنا
خاتماً ونقشنا فيه نقشاً، فلا ينقش عليه أحد، وقد أشار إلى ذلك الكرماني
مختصراً، اهـ.
وفي ((المحلى)) بعد ما حكى فيه الوهم والسهو: وقيل: إن الخاتم
الذي ألقاه لم يكن كله فضة، وإنما كان حديداً عليه فضة، روى أبو داود(١)
عن معيقيب: ((كان خاتم النبي وَلّ من حديد مَلْويّ عليه الفضة))، فلعله كان هذا
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٢٤) من كتاب الخاتم.
٤٦٥

٥٠ - كتاب صفة النبي وَليه
(١٢) باب
(١٦٨٢) حديث
ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ وَِّ فَتَبَذَهُ. وَقَالَ: ((لَا أَلْبِسُهُ أَبَداً)). قَالَ: فَنَبَذَ
النَّاسُ خَوَاتِیمَهُمْ.
أخرجه البخاريّ في: ٧٧ - كتاب اللباس، ٤٧ - باب حدثنا عبد الله بن
مسلمة .
هو الذي لبس يوماً واحداً، ثم طرحه، وقيل: إنما طرحه لئلا يظن أنه سُنَّة، اهـ.
قال الحافظ(١): إن قلنا: لا وهم، وجمعنا بما تقدم فمدة لبس خاتم
الذهب ثلاثة أيام كما في حديث ابن عمر - رضي الله عنه -، ومدة لبس خاتم
الورق الأول كانت يوماً واحداً كما في حديث أنس، ثم لما رمى الناس
الخواتيم التي نقشوها على نقشه عاد، فلبس خاتم الفضة استمراراً إلى أن
مات، اهـ.
(ثم قام رسول الله وَّة) خطيباً على المنبر كما في رواية، كذا في ((التعليق
الممجد))(٢). (فنبذه) أي طرحه وألقاه، زاد الشيخان: ((ونهى عن التختم
بالذهب))، كما في ((المحلى)) (وقال) وَّر: (لا ألبسه أبداً) لتحريم لبس الذهب
حينئذٍ على الرجال، أو لكراهة مشاركتهم له، أو لما رأى من زهوهم بلبسه،
كذا في ((الزرقاني)).
(قال) ابن عمر رضي الله عنه: (فنبذ الناس خواتيمهم) جمع خاتم أي
اتباعاً له وَلّر، قال محمد في ((موطئه))(٣) بعد هذا: وبهذا نأخذ، لا ينبغي
للرجل أن يتختم بذهب ولا حديد ولا صفر، ولا يتختم إلا بالفضة، فأما
النساء فلا بأس بتختم الذهب لهن، اهـ.
قال صاحب (المحلى)): نبذوا خواتيمهم المعمولة بالذهب، وهو مذهب
(١) ((فتح الباري)) (٣٢١/١٠).
(٢) (٣٧٥/٣).
(٣) (ص٣١١).
٤٦٦

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلا
(١٢) باب
(١٦٨٢) حديث
الأئمة الأربعة والجمهور أنه يحرم التختم بالذهب، ورخص فيه طائفة منهم
إسحاق بن راهويه، وقال: مات خمسة من الصحابة وخواتيمهم من ذهب،
رواه ابن أبي شيبة، وقال مصعب بن سعد: رأيت على طلحة وسعد وصهيب
خواتيم من ذهب، رواه البخاري في ((تاريخه)). وعن حمزة والزبير بن المنذر:
أنهما نزعا من يد أبي أسيد خاتماً من ذهب حين مات، وكان بدرياً، رواه
البخاري في ((تاريخه)).
وروى النسائي عن ابن المسيب قال: قال عثمان لصهيب: ما لي أرى
عليك خاتم الذهب؟ فقال: قد رآه من هو خير منك فلم يعبه، قال: من هو؟
قال: رسول الله وَ﴾. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً عن حذيفة وجابر وعبد الله بن
يزيد الخطمي، وله بسند صحيح عن أبي السفر، قال: رأيت على البراء بن
عازب خاتماً من ذهب وهو ممن روى النهي، فكأنه حمله على التنزيه، اهـ.
قال الحافظ(١): والنهي عن خاتم الذهب مختص بالرجال دون النساء،
فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء، وأخرج ابن أبي شيبة من حديث عائشة
أن النجاشي أهدى النبي ◌ّ حلية فيها خاتم من ذهب، فأخذه وإنه لمعرض
عنه، ثم دعا أمامة ابنة ابنته فقال: تحلي به .
قلت: أخرجه أبو داود(٢) أيضاً بلفظ «قدمت على النبي وَّ حليةٌ من عند
النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب، فأخذه رسول الله وَ ل بعود معرضاً
عنه، أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة بنت أبي العاص بنت ابنته زينب فقال:
تحلي بهذا يا بنية)).
ثم قال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: وظاهر النهي التحريم، وهو قول
(١) ((فتح الباري)) (٣١٧/١٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٢٣٥).
٤٦٧

٥٠ - كتاب صفة النبي رَله
(١٢) باب
(١٦٨٣) حديث
٣٨/١٦٨٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارِ؛ أَنَّهُ
قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ لُبْسِ الْخَاتَم؟ فَقَالَ: الْبَسْهُ،
وَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنِّي أَفْتَيْتُكَ بِذْلِكَ.
الأئمة، واستقر الأمر عليه، قال عياض: وما نقل عن أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم من تختمه بالذهب، فشذوذ، والأشبه أنه لم تبلغه السنة، فالناس
بعده مجمعون على خلافه، وكذا ما روي فيه عن خباب، وقد قال له ابن
مسعود: أما آن لهذا الخاتم أن يلقى؟ فقال: إنك لن تراه علي بعد اليوم، فكان
ما كان، بلغه النهي فلما بلغه رجع.
قال: وقد ذهب بعضهم إلى أن لبسه للرجال مكروه كراهة تنزيه لا
تحريم، قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي إثبات الخلاف في التحريم، وهو
يناقض القول بالإجماع على التحريم.
قال الحافظ: التوفيق بين الكلامين ممكن بأن يكون القائل بكراهة التنزيه
انقرض، واستقر الإجماع بعده على التحريم، وقد جاء عن جماعة من الصحابة
لبس خاتم الذهب، ثم ذكر الآثار بنحو ما تقدم من كلام صاحب ((المحلى))
مبسوطاً .
٣٨/١٦٨٣ - (مالك عن صدقة بن يسار) الجزري (أنه قال: سألت
سعيد بن المسيب عن لبس الخاتم؟) أي خاتم الفضة، ولعله سأله لما أنه سمع
من بعض العلماء أنهم كرهوا التختم مطلقاً (فقال) سعيد: (الْبَسْهُ) بصيغة أمر
للإباحة (وأخبر الناس) المانعين (أني أفتيتك بذلك) أي بلبسه.
قال الباجي(١): أما التختم بالفضة فهو الذي قال فيه ابن المسيب، وذلك
لما روي عن بعض أهل الشام، أنه منع من ذلك لغير السلطان، لحديث أبي
ريحانة أنه سمع النبي ◌ّ﴿ نهى عن عشر خصال: الوشم، والوسم، والتختم
(١) ((المنتقى)) (٢٥٤/٧).
٤٦٨

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٢) باب
(١٦٨٣) حديث
لغير سلطان، الحديث. وهو حديث ضعيف، وقد أجمع الناس بعد هذا القائل
على جواز التختم، اهـ.
وفي ((المحلى)): اختلفوا في إباحة لبس خاتم الفضة، فأباحه كثير مطلقاً،
ومنهم من كرهه إذا قصد به الزينة، ومنهم من كرهه إلا لذي سلطان، والصحيح
عند الشافعية والمالكية القول الأول، وقالوا: إن لبسه ◌َله وإن كان لمصلحة
الكتابة، ثم استدامه، ولبسه أصحابه فلم ينكره عليهم، بل أقرّهم عليه، وأما
حديث أبي ريحانة، فقال الحافظ زين الدين بن رجب: ذكر بعض أصحابنا أن
أحمد ضعفه، اهـ.
وقال الزرقاني(١): أما حديث أبي ريحانة الذي أخرجه أبو داود والنسائي
فضعفه مالك لما سئل عنه، وكذا ضعفه أحمد، اهـ.
وقال الخطابي: لم يكن لباس الخاتم من عادة العرب، فلما أراد
النبي لم أن يكتب إلى الملوك اتخذ الخاتم، واتخذه من ذهب، ثم رجع عنه،
قال الحافظ: قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): دعواه أن العرب لا تعرف
الخاتم عجيبة، فإنه عربيٍّ، وكانت العرب تستعمله، قال الحافظ (٢): ويحتاج
إلى ثبوت لبسه عن العرب، وإلا فكونه عربياً، واستعمالهم له في ختم الكتب
لا يرد على الخطابي.
وقد قال الطحاوي بعد أن أخرج الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود
والنسائي عن أبي ريحانة قال: نهى رسول الله وَلّ عن لبس الخاتم إلا لذي
سلطان، ذهب قوم إلى كراهة لبس الخاتم إلا لذي سلطان، وخالفهم آخرون
فأباحوه.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٨/٤).
(٢) «فتح الباري)) (٣٢٥/١٠).
٤٦٩

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل
(١٢) باب
(١٦٨٣) حديث
ومن حجتهم حديث أنس المتقدم أن النبي وم سير لما ألقى خاتمه ألقى
الناس خواتيمهم، فإنه يدل على أنه كان يلبس الخاتم في العهد النبوي من ليس
ذا سلطان، فإن قيل: هو منسوخ، قلنا: الذي نسخ منه لبس خاتم الذهب، قال
الحافظ: أو لبس خاتم المنقوش عليه نقش خاتم النبي ◌َّر، كما تقدم تقريره.
ثم أورد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يلبسون الخواتم
ممن ليس له سلطان، ولم يجب عن حديث أبي ريحانة، والذي يظهر أن لبسه
لغير السلطان خلاف الأولى؛ لأنه ضربٌ من التزيّن واللائق بالرجال خلافه،
وتكون الأدلة الدالة على الجواز هي الصارفة للنهي عن التحريم.
ويؤيده أن في بعض طرقه: ((نهى عن الزينة والخاتم))، الحديث. ويمكن
أن يكون المراد بالسلطان من له سلطنة على شيء ما يحتاج إلى الختم عليه لا
السلطان الأكبر خاصةً، والمراد بالخاتم ما يختم به، فيكون لبسه عبثاً، وأما
من لبس الخاتم الذي لا يختم به، وكان من الفضة للزينة، فلا يدخل في
النهي، وعلى هذا يحمل حال من لبسه، ويؤيده ما ورد من صفة نقش خواتم
بعض من كان يلبس الخواتم، مما يدل على أنها لم تكن بصفة ما يختم به،
وقد سئل مالك عن حديث أبي ريحانة فضعفه. وقال ابن المسيب: البس
الخاتم، وأخبر الناس أني قد أفتيتك، اهـ.
وقال المناوي(١): حلّ اتخاذ خاتم الفضة ولبسه إجماع من يعتد به، بل
يسن ولو منقوشاً، ولو لم يحتَجْه لختم ولا غيره، وأما ما حكاه البعض عن
جمع شاميين أنهم منعوا الخاتم لغير سلطان، واغترّ به العصام، فجزم بكراهة
لبسه له لفقد الحاجة إليه، وهي المراسلة، فغير صواب، إذا قُصارى ما احتجَّوا
به حسم مادة الفساد عن اتخاذه للآحاد، وهو زلل؛ لأن الفساد كما قاله ابن
جماعة وغيره: إنما هو ناشٍ عن النقش لا التختم.
(١) ((شرح المناوي على الشمائل)) (١٣٧/١).
٤٧٠

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َا *
(١٢) باب
(١٦٨٣) حديث
وقوله: ورد النهي لغيره صريحاً ممنوع؛ لأن النهي إنما ورد عن النقش
على نقشه، ولم ينه عن اتخاذ خاتم الفضة، بل صح أَنَّ صَحَبَه لبسوه،
فأقرّهم، ولم يكن أحد منهم إذ ذاك يكاتب الملوك.
وأما خبر أنه وَ * اتخذ خاتم ورق، فاتخذوا مثله، فطرحه فطرحوا،
فمنعوه بأنه وهم من الزهري عند جميع أهل الحديث، وبفرض التسليم، فلعلهم
أسرفوا في قدره، فأمرهم بالطرح خوف الكبر، قاله ابن جماعة وغيره، وما زال
الناس يتخذون الخواتيم سلفاً وخلفاً من غير نكير، ثم رأيت الحليمي صرح بأن
من صرح بندب الخاتم المنقوش لذي سلطان، وكراهته لغيره، مراده بذي
سلطان ما يشمل من له سلطنة في ماله أو مال غيره، من كل من بينه وبين
الناس معاملة يحتاج لأجلها إلى المكاتبة، ومراده بغيره من ليس محتاجاً إليه
ألبتة، وأمسكه للتحلّي به وابتهاجه بحسن لونه وصفاء بريقه، لا لغرض آخر،
قال: فهذا يدخله معنى الخيلاء فينهى عنه، وبذلك يجمع بين الكلامين، ويزول
التعارض، وعلى الثاني خبر نهى عن الزينة والخاتم، ولم يطلع على ذلك
الحافظ ابن حجر، فأنكر صحته.
قال في ((المواهب القسطلانية)) (١): قال شيخ الإسلام الشرف المناوي:
تحصل السنة بلبس الخاتم، ولو مستعاراً أو مستأجراً، والأوفق للاتباع لبسه
بالملك، واستدامته، ثم مما يتعجب منه قول الشارح: فيه حل اتخاذ الخاتم
للرجال والنساء، إذ ليس في اتخاذ النبي وّلّ له ما يفيد حله للنساء، بل احتمال
اختصاصه بالرجال قائم، لكونه من شعارهم، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها
الاحتمال سقط الاستدلال، ومن ثم ذهب جمع منهم الخطابي إلى كراهته
للنساء، لما ذكر، فإن لبستْه صفَّرَتْه بنحو زعفران، لكن ليس بمقبول عند أجلاء
الشافعية، نعم لبسها له خلاف الأولى، فقد قال جمع من عظمائهم: الأولى
(١) انظر: ((المواهب اللدنية)) (٤٦٠/٢).
٤٧١

٥٠ - كتاب صفة النبي وَل﴾
(١٢) باب
(١٦٨٣) حديث
لها أن لا تلبس البياض، ولا الفضة لما فيه من التشبه بالرجال، اهـ.
وقال الدردير(١): خاتم الفضة يجوز، بل يندب، إن لبسه للسنة لا لعُجب
واتحد وكان درهمين فأقل، وإلا حرمَ، وندب جعله في اليسرى، ولا يجوز
لِلذَّكَرِ ما بعضه ذهبٌ ولو قلّ، والمعتمد أنه إذا قلَّ لا يحرم بل يكره، والظاهر
أن المطلى بالذهب لا يحرم؛ لأنه تابع للفضة.
قال الدسوقي: قوله: إن اتّحد أي فإن تعدد مُنِعَ، ولو كان مجموع
المتعدد وزن درهمين فأقل، كما جزم بذلك عج، قال بن: وانظر ما مستنده
فيه، وقد ترددح في ذلك، وقوله: ندب جعله في اليسرى؛ لأنه آخر الأمرين
من فعله وَلير، ولعل وجهه أن لبسه في اليسرى أبعد لقصد التزيّن، وللتيامن في
تناوله، وكما يندب لبسه في اليسرى يندب جعل فصه للكف؛ لأنه أبعد من
العجب، ويكره التختم بالحديد، والنحاس، ونحوهما، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٢): لا يتحلى الرجل بذهب وفضة مطلقاً، إلا بخاتم
ومنطقة وحلية سيف من الفضة إذا لم يرد به التزين، ولا يتختم إلا بالفضة،
فيحرم بغيرها كحجر وذهب وحديد وصفر، والعبرة بالحلقة لا بالفص، فيجوز
من حجر وعقيق وياقوت وغيرها، ويجعله لبطن كفه في اليسرى، وقيل: اليمنى
إلا أنه من شعار الروافض، فيجب التحرز عنه، قهستاني، وغيره. ولعله كان
وبان فتبصر، ولا يزيده على مثقال، وترك التختم لغير السلطان والقاضي وذي
حاجة كمتولِّ أفضل.
قال ابن عابدين: قوله: إذا لم يرد به التزين الظاهر أن الضمير راجع إلى
الخاتم فقط؛ لأن تحلية السيف والمنطقة لأجل الزينة لا لشيء آخر بخلاف
(١) ((الشرح الكبير)) (٦٣/١).
(٢) (٥٩٢/٩) من ((كتاب الحظر والإباحة)).
٤٧٢

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٢) باب
(١٦٨٣) حديث
الخاتم، ويدل عليه ما في ((الكفاية)) حيث قال: قوله: إلا بالخاتم، هذا إذا لم
يرد به التزين، وذكر الإمام المحبوبي: إن تختم بالفضة، قالوا: إن قصد به
التجبر يكره، وإن قصد به التختم ونحوه لا يكره، ولا بأس بأن يتخذ خاتم
حديد قد لوي عليه فضة حتى لا يرى.
وقوله: وترك التختم أشار إلى أن التختم سنة لمن يحتاج إليه كما في
((الاختيار))، وفي ((الكرماني)): نهى الحلواني بعض تلامذته عنه، قال: إذا
صرت قاضياً فتختم، وفي ((البستاني)) عن بعض التابعين لا يتختم إلا ثلاثة،
أميرٌ أو كاتب أو أحمق، وظاهره أنه يكره لغير ذي الحاجة، لكن قول المصنف
أفضل كـ((الهداية)) وغيرها يدل على الجواز، وعُبِّرَ في ((الدر)) بأولى، وفي
((الإصلاح)) بأحبَّ، فالنھي للتنزيه، اهـ.
ثم قال الباجي(١): أجمع أهل السنة على التختم في اليسار، وهو قول
مالك، وأكره التختم في اليمين، اهـ.
وفي ((المحلى)): أنهم جَوَّزوا التختم في اليمين واليسار، واختلفوا في
الأفضلية، فقيل: اليسار، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وهو نص الإمام
أحمد في رواية صالح، ويروى أن مالكاً - رضي الله عنه - كان يلبسه في
يساره، وكذلك الإمام الشافعي، ورجحت طائفة التختم باليمين، وهو قول ابن
عباس وعبد الله بن جعفر، وهو المعتمد عند الشافعية، والاختلاف في ذلك
فرع اختلاف الأخبار المروية عنه ول# في ذلك، ثم بسط في اختلاف الروايات.
وكذا بسط فيها القاري في ((شرح الشمائل)) (٢). وحكي عن البيهقي أنه
جمع بينهما بأن الذي لبسه في يمينه، كان خاتم الذهب، كما في حديث ابن
عمر - رضي الله عنه - وفي اليسار خاتم الفضة.
(١) ((المنتقى)) (٢٥٤/٧).
(٢) انظر (١٣٧/١) باب ما جاء في ذكر خاتم رسول الله وَ﴾
٤٧٣

٥٠ - كتاب صفة النبي (وَلا ت
(١٣) باب
(١٣) باب ما جاء في نزع المعاليق والجرس من العنق
قال: وقد جمع البغوي في ((شرح السنة)) بأنه تختم أولاً في يمينه، ثم في
يساره، وكان ذلك آخر الأمرين، وقال النووي: أجمع الفقهاء على الجواز في
كليهما، ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيهما أفضل؟ وتختَّم كثيرون من
السلف في اليمين، وكثيرون في اليسار، واستحب مالكٌ اليسارَ، وكره اليمين،
وفي مذهبنا وجهان: الصحيح أن اليمين أفضل، لأنه زينة، واليمين أشرف
وأخص بالزينة.
وقال العسقلاني: ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان
لبسه للتزين فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أفضل، وجنحت طائفة
إلى استواء الأمرين، وأشار إليه أبو داود، وحيث ترجم «باب التختم في اليمين
واليسار))(١) ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك من غير ترجيح، اهـ.
(١٣) ما جاء في نزع المعاليق والجرس من العين
(ما جاء في نزع المعاليق) كذا في جميع النسخ المصرية و((المحلى))،
وهو جمع معلوق، وفي النسخ الهندية ((التعاليق))، والمراد ما يُعَلَّقُ في أعناق
الصبيان والدواب (والجرس) بفتح الجيم والراء آخره سين مهملة معروف،
وحكى عياض إسكان الراء، قال الحافظ في ((الفتح)) (٢): والتحقيق أن الذي
بالفتح اسم الآلة، وبالإسكان اسم الصوت، وفي ((التعليق الممجد))(٣) عن
((المغرب)): الجرَس محرَّكة ما يُعَلَّقُ بعنق الدابّة فيصوِّت، اهـ.
(من العين) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية غير نسخة الزرقاني،
ففيها بدله من العنق، وهو واضح والجار يتعلق بالنزع، لكن النسخ متظافرة
على الأول، فالجار متعلق بمحذوف أي المعاليق المعلقة من أجل العين.
(١) انظر: ((سنن أبي داود)) (٩١/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٤٢/٦).
(٣) (٤١٧/٣).
٤٧٤

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َليل
(١٣) باب
(١٦٨٤) حديث
٣٩/١٦٨٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ،
عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ؛ أَنَّ أَبَا بَشِيرِ الْأَنْصَارِيَّ
قال الباجي(١): ذكر في الترجمة نزع المعاليق والجرس من العين، ولا
ذكر لها في الحديث إلا بمعنى أنها لا تعلّق في عنق البعير إلا بقلادة، فاقتضى
الأمر بنزع القلائد أن لا(٢) ينزعها إلا أن هذا إنما يكون إذا حمل الأمر بنزع
القلائد على عمومه، وفي ((العتبية)) عن مالك في كراهية القلائد في أعناق
الإبل، الجرس أشدّه وما أراه كره الجرس إلا لصوته.
قال ابن القاسم: سألت مالكاً عن الأكرياء يجعلون الأجراس في الحمير
والإبل التي تحمل القرط وغيره؟ قال: ما جاء فيه إلا الحديث الواحد، وتركه
أحبُّ إليّ من غير تحريم له، قال مالك: إن سالماً مر على عير لأهل الشام
وفيها جرس، فقال لهم سالم: إن هذا ينهى عنه، قالوا له: نحن أعلم به منك،
إنما يكره الجلجل الكبير، فأما مثل هذا الصغير فلا بأس به، فسكت
سالم، اهـ.
٣٩/١٦٨٤ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم
(عن عباد) بشد الموحدة (ابن تميم) المازني اختلف في اسم جده على أقوال
تقدمت، وقيل: له رؤية، قال الحافظ: هو وشيخه والراوي عنه أنصاريون
مدنيّون، وعبد الله وعباد تابعيان (أن أبا بشير) بفتح الموحدة وكسر الشين
المعجمة على وزن كبير (الأنصاري)، قال الزرقاني(٣): زاد عثمان بن عمر عن
مالك ((الساعدي)) عند الدارقطني، فمن قال فيه المازني ففيه نظر، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٢٥٥/٧).
(٢) كذا في الأصل، والظاهر عندي أن لفظ ((لا)) تحريف، صوابه حذفها أي الأمر بنزع
القلائد أن ينزعها أيضاً، اهـ. ((ش)).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣١٨/٤).
٤٧٥

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٣) باب
(١٦٨٤) حديث
أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ فِي بَعْضٍ
قال الحافظ(١): ليس لأبي بشير - وهو بفتح الموحدة - في البخاري
غير هذا الحديث الواحد، وقد ذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لا يعرف اسمه،
وقيل: اسمه قيس بن عبد الحرير، بمهملات مصغراً ابن عمر، وذكر ذلك ابن
سعد، وساق نسبه إلى مازن الأنصاري، وفيه نظر، لأنه وقع في رواية
عثمان بن عمر عن مالك عند الدارقطني نسبة أبي بشير ساعدياً، فإن كان
قيس يكنى أبا بشير أيضاً فهو صاحب هذا الحديث، وأبو بشير المازني هذا
عاش إلى بعد الستين، وشهد الحَرَّة وجرح بها، ومات من ذلك، كذا في
((الفتح)).
والظاهر عندي أن لفظ المازني في قوله: أبو بشير المازني هذا سبقة
قلم، صوابه أبو بشير الساعدي هذا كما يدل عليه قوله في ((التقريب)) إذ قال:
أبو بشير الأنصاري المدني، قيل: اسمه قيس بن عبيد، صحابيٌّ ممن شهد
الخندق، مات بعد الستين، ويقال: جاوز المائة، اهـ.
فعُلِمَ منه أن هذا زمان وفاة أبي بشير صاحب هذا الحديث، وقد نظر في
كونه مازنياً، وقال في ((التهذيب))(٢): أبو بشير الأنصاري الساعدي، ويقال:
المازني، ويقال: الحارثي المدني، قال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم
صحيح، وقيل اسمه: قيس بن عبيد، ولا يصح، وفي ((المحلى)): قال ابن
عبد البر: لم يسمعه من يوثق به ويعتمد عليه، مات بعد وقعة الحرة على
الصحيح، اهـ.
(أخبره) أي أخبر عباداً (أنه) أي أبا بشير (كان مع رسول الله وَّ في بعض
(١) (فتح الباري)) (١٤١/٦).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (١٢/١٢).
٤٧٦

٥٠ - كتاب صفة النبي رَية
(١٣) باب
(١٦٨٤) حديث
أَسْفَارِهِ. قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ رَسُولاً. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي
بَكْرٍ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَقِيلِهِمْ ((لَا تَبْقَيَنَّ
أسفاره)، قال الحافظ (١): لم أقف على تعيينها (قال) أبو بشير: (فأرسل
رسول الله وي ليه رسولاً) أي قاصداً إلى الناس، قال ابن عبد البر في رواية روح بن
عبادة عن مالك: أرسل مولاه زيداً، قال ابن عبد البر: وهو زيد بن حارثة فيما
يظهر لي، كذا في ((الفتح))(١)، وفي ((البذل)): هو زيد بن حارثة، رواه
الحارث بن أسامة في ((مسنده)).
(قال عبد الله بن أبي بكر) شيخ الإمام: (حسبت) أي ظننت (أنه) أي
عباد بن تميم (قال) هذا اللفظ أيضاً، وهو قوله: (والناس في مقيلهم) هكذا في
جميع النسخ المصرية، وهامش الهندية على طريق النسخة، وكذلك في
((التجريد)). والمقيل: موضع القيلولة، وهو الاستراحة في نصف النهار، وفي
متون النسخ الهندية: والناس في مبيتهم، وهو كذلك في البخاري برواية
عبد الله بن يوسف عن مالك وأبي داود، وفي رواية القعنبي عن مالك، قال
الحافظ: كأنه شك في هذه الجملة، ولم أرها من طريقه إلا هكذا، اهـ.
وقال الشيخ في ((البذل))(٢) بعد ما حكى اختلاف نسخ ((الموطأ)): كأنه
شك في هذه الجملة، والظن الغالب أنه قالها، ويحتمل أن يكون الشك في
قوله: مبيتهم، أي قال: في مبيتهم أو قال: في مقيلهم، لا في جميع الجملة،
وقال الإمام أحمد في ((مسنده)) بعد تمام الحديث: قال إسماعيل: قال:
وأحسبه قال: والناس في صيامهم، والظاهر أنه تصحيف من الكاتب، اهـ.
(لا تبقين) بالمثناة الفوفية في أوله في جميع النسخ المصرية، وفي الهندية
بالتحتية في أوله، وفي البخاري وأبي داود مثل الأول بالفوقية، قال الشيخ في
(١) ((فتح الباري)) (١٤١/٦).
(٢) «بذل المجهود» (٥١/١٢).
٤٧٧

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل
(١٣) باب
(١٦٨٤) حديث
فِي رَقَبَةِ بَعِيرِ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ،
((البذل)): بمثناة فوقية وقاف مفتوحتين، بينهما موحدة ساكنة آخره نون توكيد،
قاله القسطلاني والزرقاني. ويحتمل أن تكون على بناء المفعول من الإبقاء،
ولكن لم أر من صرح بذلك أحد من شراح البخاري و((الموطأ))، لكن ذكره
القاري في ((شرح المشكاة))(١)، اهـ.
(في رقبة) أي عنق بالإضافة إلى (بعير قلادة) بكسر القاف وتخفيف اللام
ما يربط في العنق (من وتر) بالمثناة الفوقية في جميع النسخ، وهو بالواو
والمثناة المفتوحتين وتر القوس، كما في ((البذل)). وفي ((المحلى)): هو مجرى
السهم من القوس، قال الحافظ(٢): الوتر بالمثناة في جميع الروايات، قال ابن
الجوزي: ربما صحف من لا علم له بالحديث، قال: وبر بالموحدة، قال
الحافظ: حكى ابن التين أن الداودي جزم بذلك، وقال: هو ما ينتزع عن
الجمال يشبه الصوف، قال ابن التين: فصَحَّف، اهـ. (أو قلادة) هكذا بلفظ
((أو)) في جميع النسخ، وكذا في البخاري بالشك في أنه قال مطلق القلادة، أو
قيدها بالوتر.
قال الباجي(٣): ((أو)) على الشك من الراوي أن يكون خصّ أو عَمَّ إلا
قطعت، والذي ذهب إليه مالك أن الممنوع منها الأوتار، وقال في ((العتبية)):
ما سمعت بكراهية إلا في الوتر، قال ابن القاسم: لا بأس به من غير الوتر،
ولعله كان يصنع كثيراً على وجه محظور، فتعلق المنع بها، وقال أبو القاسم
الجوهري: قيل: إن الجاهلية(٤) كانوا يقلدونه للعين، فنهوا عن ذلك، وأما
للجمال فلا بأس به، اهـ.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٨/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (١٤١/٦).
(٣) ((المنتقى)) (٢٥٥/٧).
(٤) كذا في الأصل، اهـ. ((ش)).
٤٧٨

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َّمه
(١٣) باب.
(١٦٨٤) حديث
إِلَّا قُطِعَتْ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد، ١٣٩ - باب ما قيل في الجرس
ونحوه في أعناق الإبل. ومسلم في: ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٨ - باب كراهة
قلادة الوتر في رقبة البعير، حديث ١٠٥.
وقال الحافظ: كذا لههنا بلفظ أو، وهي للشك أو للتنويع، ووقع في
رواية أبي داود عن القعنبي عن مالك بلفظ ((ولا قلادة))، وهو من عطف العام
على الخاص، وبهذا جزم المهلب، ويؤيد الأول أي الشك ما روي عن مالك:
أنه سئل عن القلادة؟ فقال: ما سمعت بكراهيتها إلا في الوتر.
(إلا قطعت) ببناء المجهول، قال الحافظ: قال ابن الجوزي: وفي المراد
بالأوتار ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القِسِّي، لئلا
تصيبهم العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلاماً أن الأوتار لا ترد من أمر الله
شيئاً، وهذا قول مالك.
قال الحافظ(١): ووقع ذلك متصلاً بالحديث من كلامه في ((الموطأ)) وعند
مسلم وأبي داود وغيرهما، قال مالك: أرى في ذلك من أجل العين، ويؤيده
حديث عقبة بن عامر رفعه: ((من علّق تميمةً فلا أتم الله له)) أخرجه أبو داود،
والتميمة ما عُلِّق من القلائد خشية العين، ونحو ذلك، قال ابن عبد البر: إذا
اعتقد الذي قلدها أنها ترد العين، فقد ظن أنها ترد القدر، وذلك لا يجوز
اعتقاده .
ثانيها : النهي عن ذلك لئلا تخنق الدابة بها عند شدة الركض، ويحكى
ذلك عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وكلام أبي عبيد يرجحه، فإنه
قال: نهي عن ذلك لأن الدواب تتأذى بذلك، ويضيق عليها نفسها ورعيها،
وربما تعلقت بشجرة، فاختنقت أو تعوقت عن السير.
(١) ((فتح الباري)) (١٤٢/٦).
٤٧٩

٥٠ - كتاب صفة النبي وَالعمل
(١٣) باب
(١٦٨٤) حديث
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: أَرَىْ ذُلِكَ مِنَ الْعَيْنِ.
ثالثها: أنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس، حكاه الخطابي، وعليه يدل
تبويب البخاري، إذ ترجم على حديث الباب ((باب ما قيل في الجرس ونحوه
في أعناق الإبل))، والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه،
فقد أخرجه الدارقطني من رواية عثمان بن عمر المذكور(١) بلفظ: ((لا تبقين
قلادة من وتر ولا جرس في عنق إلا قطع))، ولا فرق بين الإبل وغيرها في
ذلك، إلا على القول الثالث، فلم تجر العادة بتعليق الأجراس في رقاب
الخيل، وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي وهب رفعه: ((اربطوا الخيل
وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار))، فدل على أن لا اختصاص بالإبل.
وقد حمل النضر بن شميل الأوتار في هذا الحديث على معنى الثأر،
فقال: معناه لا تطلبوا بها دخول الجاهلية، قال القرطبي: هو تأويل بعيد،
وقال النووي: ضعيف، وإلى قول النضر جنح وكيع، فقال: المعنى لا تركبوا
الخيل في الفتن، فإن من ركبها لم يسلم أن يتعلق به وتر يطلب به، والدليل
على أن المراد بالأوتار جمع الوتر بالتحريك، لا الوتر بالإسكان ما رواه أبو
داود من حديث رويفع بن ثابت رفعه: ((من عقد لحيته أو تقلد وتراً، فإن
محمداً منه بريء)»، فإنه عند جميع الرواة أجمع بفتح المثناة.
(قال مالك: أرى ذلك من) أجل (العين) قال الزرقاني(٢): أي أنهم كانوا
يقلدون الإبل أوتاراً لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلاماً بأن
الأوتار لا ترد من أمر الله شيئاً، اهـ.
قال الباجي(٣): قول مالك: ((أرى ذلك من العين على وجه التأويل
(١) في كلام ابن سعد في ترجمة أبي بشير اهـ. ((ش)).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١٩/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٥٥/٧).
م
٢٠٠
٤٨٠