النص المفهرس
صفحات 441-460
٥٠ - كتاب صفة النبي (١٠) باب (١٦٧٧) حديث وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ)). أخذ النبي وَر أيديهما، وقال: ((إن الشيطان ليستحلّ الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه))، الحديث، ومعلوم أن النبي وَل ومن معه كانوا سموا على الطعام ولذا جاء الشيطان بهذين. (وكل) بصيغة الأمر من الأكل (مما يليك). قال الحافظ(١): قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم النووي والغزالي، لكن نص الشافعي في ((الرسالة)) وفي موضع آخر من ((الأم)) على الوجوب، وكذا ذكره عنه الصيرفي في ((شرح الرسالة))، ونقل البويطي في ((مختصره)) أن الأكل من رأس الثريد والتعريس على الطريق والقران في التمر وغير ذلك مما ورد الأمر بضده حرامٌ. ثم قال: ومحله ما إذا كان الطعام نوعاً واحداً؛ لأن كل أحد كالحائز لما يليه من الطعام، فأَخْذُ الغيرِ له تعد عليه مع ما فيه من تقذر النفس مما خاضت فيه الأيدي، ولما فيه من إظهار الحرص والنهم، وهو مع ذلك سوء أدب بغير فائدة، أما إذا اختلفت الأنواع فقد أباح ذلك العلماء، اهـ. وفي ((المحلى)): السرُّ في النهي أن في أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك مودّة لتقذره، لا سيما في الأمراق وأشباهها، وإن كان تمراً فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق، والذي ينبغي تعميم النهي عملاً على عمومه حتى يثبت المخصص، كذا ذكره النووي. ولعله لم يصح عنده ما رواه الترمذي(٢) وابن ماجه من حديث عكراش قال: أتى النبي ◌ُّ بجفنة كثير الثريد والودك، فخبطت بيدي في نواحيها، فقال: ((يا عكراش، كل من موضع واحد، فإنه طعام واحد))، ثم أتينا بطبق فيه (١) ((فتح الباري)) (٥٢٢/٩). (٢) ح (١٨٤٨). ٤٤١ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَال * (١٠) باب (١٦٧٨) حديث ٣٣/١٦٧٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي ألوان من الرطب، فجالت يد رسول الله وَير في الطبق، وقال: ((يا عكراش، كل من حيث شئت، فإنه غير لون واحد))، اهـ. وقال الباجي(١) قوله: ((كل مما يليك)) على سبيل التعليم له والإرشاد إلى حسن الأدب، قال الشيخ أبو القاسم: ينبغي للآكل يريد مع غيره أن يأكل مما يليه، إن كان طعاماً متساوياً، فإن كان مختلفاً فلا بأس أن يدير يده، وسُئل مالك عن الرجل يأكل في بيته مع أهله وولده، فيأكل مما يليهم، ويتناول مما بين أيديهم؟ قال: لا بأس بذلك، وقد روي عن أنس أنه أكل مع رسول الله وَثله عند خَيَّاط، فَقَدَّم قديداً ودباء، فرأيت النبي ◌َّهِ يتَبَّعُ الدباءَ حوالي القصعة، اهـ قلت: وتقدم حديث أنس - رضي الله عنه - في ((كتاب النكاح)) قبل ((جامع النكاح))، وتقدم هناك الجمع بينه وبين الأمر بالأكل مما يليه بوجوهٍ مختلفة، منها؛ ما أشار إليه البخاري من أن الأمر محمول على تقذر صاحبه، ومنها؛ ما قاله الجمهور: إن تتبع حوالي القصعة محمولٌ على ما إذا كان الطعام أنواعاً مختلفة، ومنها؛ ما قال الكرماني: إن الأمر محمول على ما إذا كان الطعام له ولغيره، أما إذا كان لنفسه فلا بأس بالتتبع، ومنها؛ ما حكاه ابن بطال عن مالك، وإليه أشار الباجي قريباً: أن التتبع إذا كان يأكل مع ولده وخدمه دون غیرهم. ٣٣/١٦٧٨ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري ورواه البغوي في ((المعالم)) بسنده إلى أبي مصعب عن مالك بهذا السند بلفظه (أنه قال: سمعت القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (يقول: جاء رجل) لم يسم (إلى عبد الله بن عباس) فقيه الأمة (فقال له) أي لابن عباس: (إن لي (١) ((المنتقى)) (٢٥٠/٧). ٤٤٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي (١٠) باب (١٦٧٨) حديث يَتِيماً. وَلَهُ إِيلٌ. أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِلِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ كُنتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِلِهِ، وَتَهْتَأُ يتيماً) أي في حجري وتربيتي يتيم أقوم عليه (وله إبل) هو مالكها (أفأشرب) بهمزة الاستفهام في جميع النسخ المصرية، وبحذفها في الهندية، وكذلك بحذفها في ((موطأ محمد))(١)، قال محشيه: يحتمل أن يكون خبراً أو يقدر استفهاماً، وعلى كل تقدير فمراده الاستفتاء (من لبن إبله) أي هل يجوز لي شرب لبنه . (فقال ابن عباس) - رضي الله عنه - في جواب سؤاله، وفي ((أحكام القرآن))(٢) للجصاص: روى معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً لهم أموال، وهو يستأذنه أن يصيب منها، فقال ابن عباس: ألست تهنأ جرباءها؟ قال: بلى، قال: ألست تبغي ضالتها؟ قال: بلى، قال: ألست تلوط حياضها؟ قال: بلى، قال: ألست تفرط عليها يوم ورودها؟ قال: بلى، قال: فاشرب من لبنها غير ناهكٍ في الحلب ولا مضر بنسل. (إن كنت) بلفظ الخطاب (تبغي) أي تطلب وتنشد (ضالة إبله) أي ما ضل منها، قال الباجي: أي تطلب ما ضل منها، وتقتفي أثره، وتنشده على حسب ما تفعل بضالة إبلك؛ لأنه هو الابتغاء المعتاد (وتهنأ) بفتح المثناة وسكون الهاء آخره همزة، قال صاحب ((المحلى)) والزرقاني: أي تطلي، وقال الباجي: أي تطلي الجربة منها بالهناء، وهو القطران، اهـ. وفي ((التعليق الممجد))(٣): يقال: هنأ الإبل إذا طُلِي، ودلك على جسده القطران بالفتح، وهو داءٌ، يُظْلَى به الإبل المبتلاة بالجرب وغيره، اهـ. (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٦٥/٣). (٢) (٦٤/٢) و((الاستذكار)) (٣٣٨/٢٦) و((تفسير الطبري)) (١٧٣/٤) و((سنن البيهقي)) (٤/٦). (٣) (٤٦٥/٣). ٤٤٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَال (١٠) باب (١٦٧٨) حديث جَرْبَاهَا، وَتَلُظُ حَوْضَهَا، وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلِ، وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ. (جرباها) والجربى مؤنث أجرب، كذا في ((المحلى)). وفي ((مختار الصحاح)): الجرب معروف، وقوم جرب وجربى (بالهناء) قال الزرقاني: بزنة كتاب، القطران. (وتلط) بفتح الفوقية وضم اللام وشد الطاء المهملة على ما ضبطه الزرقاني، وهو كذلك في النسخ المصرية، وفي الهندية («تليط)) بالتحتية بين اللام والطاء، وكذا في رواية محمد في ((موطئه))، قال صاحب ((المحلى)): من لاط الحوض وألاط: إذا أصلحه وطَيِّنَه، ذكره الكرماني، وفي نسخة ((تلوط))، وفي ((القاموس)): لاط الحوض: طَيَّنه، يلوط ويليط لوطاً وليطا، اهـ. (حوضها) أي تُطَيِّئُه وتصلحه وتَرُمُّه وتكنسه (وتسقيها) بفتح المثناة الفوقية (يوم وردها) بكسر الواو وسكون الراء على ما في النسخ المصرية، قال الزرقاني: أي يوم شربها، اهـ. قال صاحب ((الجمل) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَبِْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾: الورد يكون مصدراً بمعنى الورود، وقال الراغب: الورد الماء المرشح للورود، وفي النسخ الهندية ((يوم ورودها)) وهو أوضح، قال الراغب: الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره، يقال: وردت الماء أرد وروداً (فاشرب) بفتح الراء على أمر الإباحة حال كونك (غير مضرّ) بنصب غير أي لا توصل المضرة (بنسل) بفتح نون وسكون سين على ما أعرب في جميع النسخ المصرية، وبفتحتين ضبطه صاحب ((التعليق الممجد))، أي بولد الإبل الرضيع. (ولا ناهكٍ) أي مستأصل، قال صاحب ((المجمع)): أي مبالغ فيه، نهكت الدابة حلباً إذا لم تبق في ضرعها لبناً، وفي حديث الخافضة ((ولا تنْهكي)) أي لا تبالغي في استقصاء الختان. (في الحلب) قال الباجي (١): الحلب بفتح اللام اللبن، وبتسكين اللام (١) ((المنتقى)) (٢٥٠/٧). ٤٤٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ (١٠) باب (١٦٧٨) حدیث الفعل، والحديث على معنى إباحة له ليشرب من لبنها على شرطين: أحدهما: لا يضر بأولادها، والثاني: أن لا يستأصل في اللبن، وقال ابن القاسم عن مالك: لا أعلم أنه يجوز لولي اليتيم أن يصيب من مال اليتيم شيئاً إلا من اللبن، إن كان بموضع لا ثمن له، وقد قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِّ﴾(١). واختلف الناس في تأويل هذه الآية فذهب عمر - رضي الله عنه - إلى أنه إن كان فقيراً أكل بالمعروف، ثم قضى، رواه حارث بن مصرف، قال: سمعت عمر - رضي الله عنه - يقول: أنزلت مال الله مني بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت ثم قضيت، ورواه عكرمة عن ابن عباس، وقاله مجاهد وسعيد بن جبير، وروى مقسم عن ابن عباس معناه، فليقوت على نفسه من ماله، ولا يصب من مال اليتيم شيئاً، وقال الحسن البصري: يأكل من الصامت وغيره ولا يقضي، وقال عطاء: يأكل معهم بقدر خدمته ولا قضاء، وقال الشعبي: إنما ذلك في الرسل والثمرة دون صلب المال. وروى أشهب عن مالك، أما أكل الفاكهة وشرب اللبن فخفيف، ولا ينتفع بظهر إبله، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة: معناه في اليتيم إذا كان فقيراً، أنفق عليه بقدر فقره، وإن كان غنياً، أنفق عليه بقدر غناه، وقال القاضي أبو إسحاق: ليس قول من قال: يقضي ما أكل بالبيِّن. والأظهر (٢) عندي قول ابن عباس: أن يأكل الناظر منه اليسير الذي لا مضرّة على اليتيم فيه، فلا قضاء عليه، ولو استعفّ لكان خيراً له، لكن إن (١) سورة النساء: الآية ٦. (٢) هذا قول الباجي على الظاهر، اهـ. (ش)). ٤٤٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل (١٠) باب (١٦٧٨) حديث احتاج الناظر له إلى أن يأكل من ماله بقدر حاجته، فإنما يكون ذلك على وجه الاقتراض، فيكون عليه القضاء ولا يفعل ذلك إلا لضرورة لا ترفُّهِ، وليس له أن يأخذ منه بقدر عمله؛ لأنه لم يلتزم النظر على ذلك، وإنما التزمه على وجه التطوع، اهـ. وحكى الصاوي مذهب مالك أجرة المثل مطلقاً، كما سيأتي من كلامه. وترجم البخاري في (صحيحه))(١): باب قول الله تعالى: ﴿وَأَيْئَلُواْ أَلْيَمَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾، وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم وما يأكل منه بقدر عمالته، قال الحافظ (٢): هذا من مسائل الخلاف، فقيل: يجوز للوصي أن يأخذ من مال اليتيم قدر عمالته، وهو قول عائشة وعكرمة والحسن وغيرهم، وقيل: لا يأكل منه إلا عند الحاجة. ثم اختلفوا، فقال عبيدة بن عمرو وسعيد بن جبير ومجاهد: إذا أكل ثم أيسر قضى، وقيل: لا يجب القضاء، وقيل: إن كان ذهباً وفضة، لم يجز أن يأخذ منه شيئاً إلا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة، وهذا أصح الأقوال عن ابن عباس، وبه قال الشعبي وأبو العالية وغيرهما . أخرج جميع ذلك ابن جرير في «تفسيره))(٣)، وقال هو بوجوب القضاء مطلقاً وانتصر له. ومذهب الشافعي أن يأخذ أقل الأمرين من أجرته ونفقته، ولا يجب الرد على الصحيح، وحكى ابن التين عن ربيعة أن المراد بالفقير والغني في الآية اليتيم، أي إن كان غنياً فلا يسرف في الإنفاق عليه، وإن كان فقيراً فليطعمه من (١) رقم الباب ٢٢ من كتاب الوصايا ((فتح الباري)) (٣٩١/٥). (٢) (٣٩٢/٥). (٣) (٦٠٢/٣). ٤٤٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َليه (١٠) باب (١٦٧٨) حديث ماله بالمعروف، ولا دلالة فيه على الأكل من مال اليتيم أصلاً، والمشهور ما تقدم، اهـ. قلت: ما حكى الحافظ من مذهب الشافعي، هكذا حكاه صاحب ((الجمل)) عن ((شرح الرملي)) على ((المنهاج)) أنه إن كان فقيراً، واشتغل بسببه عن الاكتساب، أخذ أقل الأمرين من الأجرة والنفقة بالمعروف، قال: ومحل ذلك في غير الحاكم، أما هو فليس له ذلك لعدم اختصاص ولايته بالمحجور عليه، اهـ. قال الصاوي: هذا مذهب الشافعي، وعند مالك له أجرة مثله مطلقاً زادت عن كفايته أولا ، اهـ. وبسط الجصاص في ((أحكام القرآن)) (١) في تفسير الآية في اختلاف العلماء فيه، ثم قال: فحصل الاختلاف بين السلف على هذه الوجوه، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أربع روايات على ما ذكرنا. إحداها: أنه إذا عمل لليتيم في إبله شرب من لبنها، والثانية: أنه يقضي، والثالثة: لا ينفق من مال اليتيم شيئاً، ولكنه يقوت على نفسه من ماله، حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، والرابعة: أنه المنسوخ، والذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه قرضاً ولا غيره غنياً كان أو فقيراً، ولا يقرضه غيره أيضاً، وقد روى إسماعيل بن سالم عن محمد، قال: أما نحن فلا نحب للوصي أن يأكل من مال اليتيم شيئاً قرضاً ولا غيره، ولم يذكر خلافاً . وروى محمد في ((كتاب الآثار)): عن أبي حنيفة عن رجل عن ابن مسعود قال: لا يأكل الوصي من مال اليتيم قرضاً ولا غيره، وهو قول أبي حنيفة. ذكر الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة أنه يأخذ قرضاً إذا احتاج، ثم يقضيه، كما روي عن عمر - رضي الله عنه - ومن تابعه، وروى بشر عن أبي (١) (٦٥/٣). ٤٤٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلقر (١٠) باب (١٦٧٨) حديث يوسف أنه لا يأكل من مال اليتيم إذا كان مقيماً، فإن خرج لتقاضي دين لهم أو إلى ضياع لهم، فله أن ينفق ويكتسي ويركب، فإذا رجع رد الثياب والدابة إلى الیتیم. قال: وقال أبو يوسف قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يجوز أن يكون منسوخاً بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَكَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾(١) قال الرازي: جعل أبو يوسف الوصي في هذه الحال، كالمضارب في جواز النفقة من ماله في السفر، وقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الْيَّ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيِثَ بِالَّيِّبِّ وَلَ تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾(٣)، وغير ذلك من الآيات محكمة حاضرة لمال اليتيم على وليه في حال الغنى، والفقر. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) متشابه محتمل للوجوه التي ذكرنا، فأولى الأشياء بها حملها على الآي المحكمة، وهو أن يأكل من مال نفسه بالمعروف لئلا يحتاج إلى مال اليتيم، وتأويل من تأوله على جواز أخذ مال اليتيم قرضاً أو غير قرض مخالف لمعنى المحكم، ومن تأوله إلى غير ذلك ردّه إلى المحكم فهو أولى، وقد روي أن قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلُّ بِالْمَعْرُوفِّ﴾ منسوخ، روي عن ابن عباس بطرق، ذكرها أنها منسوخة، نسختها الآية التي تليها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى﴾ . (١) سورة البقرة: الآية ٢٣٣. (٢) سورة النساء: الآية ٢. (٣) سورة الأنعام: الآية ١٥٢. (٤) سورة النساء: الآية ٦. ٤٤٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َالرّ (١٠) باب (١٦٧٨) حديث وروي نحو ذلك عن الضحاك بن مزاحم، فإن قيل: روى (١) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً سأل النبي ◌ّر فقال: ((ليس لي مال، ولي يتيم، فقال: كُل من مال يتيمك غير مسرف، ولا متأَثّلِ مالَك بمالِه))، وروى الحسن العوفي عن النبي ومسلم قال: ((يأكل ولي اليتيم من ماله بالمعروف غير متأثِّلٍ منه مالاً))، قيل له: لا يجوز الاعتراض بهذين الخبرين على ما ذكرنا من الآي المقتضية لحظر مال اليتيم، فإن صحّ فهو محمول على الوجه الذي يجوز، وهو أن يعمل من مال اليتيم مضاربةً، فيأخذ منه مقدار ربحه، وهذا جائز عندنا، وقد روي عن جماعة من السلف نحو ذلك، فإن قيل: إذا جاز الربح مضاربة، فلم لا يجوز أن يأكل من ماله إذا عمل فيه. كما روي عن ابن عباس في إحدى الروايات عنه أنه إذا كان يَهْنَأُ جَرْبَاءها، فذكر نحو حديث الباب، قيل له: لأنه لا يخلو الوصي إذا أعان في الإبل، وعمل في النخل من أحد وجهين: إما أن يأخذه على وجه الأجرة لعمله، أو على غير وجه الأجرة. فإن كان يأخذه على وجه الأجرة فهو فاسد، لأربعة وجوهٍ؛ أحدها: أن الذين أباحوا ذلك إنما أباحوه في حال الفقر، إذ لا خلاف أن الغني لا يجوز له أخذه، وهو نص الكتاب، واستحقاق الأجرة لا يختلف فيه الغني والفقير، فبطل أن يكون أجرة. الوجه الثاني: أن الوصيّ لا يجوز له أن يستأجر نفسه لليتيم، الثالث: أن الذين أباحوا ذلك لم يشترطوا له شيئاً معلوماً، والإجارة لا تصح إلا بإجارة معلومة . الرابع: أن من أباح ذلك لم يجعله أجرة، فإن قيل: هَلَّا كان الوصي في (١) أخرجه أبو داود نحوه (١١٥/٣) من كتاب الوصايا . ٤٤٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل (١٠) باب (١٦٧٩) حديث ٣٤/١٦٧٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنِ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْتَى أَبَداً بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ، ذلك كسائر العمال والقضاة الذين يعملون، ويأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين؟ فكذلك الوصيّ إذا عمل لليتيم جاز له أخذ رزقه بقدر عمله، قيل له: لا خلاف بين الفقهاء أن الوصي لا يجوز له أخذ شيء من مال اليتيم لأجل عمله إذا كان غنياً. ولا خلاف مع ذلك أن القضاة والعمال جائز لهم أخذ أرزاقهم مع الغنى، فلو كان ما أخذه ولي اليتيم يجري مجرى رزق القضاة جاز له أن يأخذه حال الغنى، ولا خلاف أيضاً أن القاضي لا يجوز له أن يأخذ من مال اليتيم شيئاً، وإليه القيام بأمر الأيتام، فثبت بذلك أن سائر الناس ممن لهم الولاية على الأيتام لا يجوز لهم أخذ شيء من أموالهم، لا قرضاً ولا غيره، كما لا يأخذه القاضي فقيراً كان أو غنياً، انتهى مختصراً. وترجم محمد في ((موطئه)) (١) ((باب الولي يستقرض من مال اليتيم))، وأخرج فيه أثر الباب ثم قال: قال محمد: بلغنا أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذكر والي اليتيم، فقال: إن استغنى استعفّ، وإن افتقر أكل بالمعروف قرضاً، وبلغنا عن سعيد بن جبير فَسَّر هذه الآية ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: قرضاً، أخبرنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود، فقال: أوصِني إلى يتيم، فقال: لا تشتريَنَّ من ماله شيئاً، ولا تستقرض من ماله شيئاً، والاستعفاف عن ماله عندنا أفضل، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، اهـ. وبسط محشيه في تخريج هذه الآثار، وقال: والبسط في ((الدر المنثور)). ٣٤/١٦٧٩ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه) أي أباه وعروة (كان لا يؤتى) ببناء المجهول (أبداً) أي في وقت من الأوقات (بطعام أو شراب) من (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٦٤/٣). ٤٥٠ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َالعمل (١٠) باب (١٦٧٩) حديث حَتَّى الدَّوَاءُ، فَيَطْعَمَهُ أَوْ يَشْرَبَهُ، إِلَّا قَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانًا، وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا. وَنَعَّمَنَا. اللهُ أَكْبَرُ. اللَّهُمَّ أَلْفَتْنَا الماء أو غيره مما يشرب، و((أو)) للتنويع لا للشك (حتى الدواء) أيضاً قال صاحب ((المحلى)): بالجر، وحتى بمعنى إلى، ويحتمل العطف، والأول أليق بالمعنی كما لا يخفى، اهـ. قال الباجي(١): يقتضي أن ما تناوله من دواء، فإنه يقع عليه اسم الطعام أو الشراب، فأراد ما كان من طعام أو شراب معتادٍ أو غير معتاد (فيطعمه أو يشربه) ضبطه الزرقاني بنصب الفعلين (إلا قال) هكذا في نسخة الزرقاني و(التنوير))، وفي نسخة ((المنتقى)) وغيرها من المصرية ((حتى يقول))، وكذا في جميع النسخ الهندية، وأعرب في المصرية على الفعل بالنصب، وضبطه صاحب ((المحلى)) بالرفع، وقال: حتى ابتدائية. (الحمد لله) فإن الحمد على النعماء مأمور، وموجب للمزيد (الذي هدانا) فإن الهداية إلى الإيمان أعظم نعم الله تعالى على العبد، فشكره عليها مقدم على غيرها، وأشار إلى أن الأولى بالحامد أن لا يجرد حمده إلى دقائق النعم، بل إلى جلائلها، قاله الزرقاني(٢) (وأطعمنا وسقانا) قدم الطعام لزيادة الاهتمام به، حتى كان السقي من تتمته، كذا في ((الزرقاني)) (ونَعَّمنا) بتشديد العين وتخفيف الميم المفتوحتين أي أعطانا نعماً كثيرة لا تعد ولا تحصى (والله أكبر) كبر فرحاً وسروراً بحصول النعمة. (اللَّهم ألفَتْنا) أعرب عليها في النسخ المصرية بسكون اللام وفتح الفاء، وإليه يشير كلام الزرقاني إذ فَسَّره بقوله: ((وجدتنا)) ليكون ناقصاً من باب الإفعال من قولهم: ألفاه وجده، وضبطه صاحب (المحلى)) بفتح الهمزة وكسر (١) ((المنتقى)) (٢٥١/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١٦/٤). ٤٥١ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َالـ (١٠) باب (١٦٧٩) حديث نِعْمَتُكَ بِكُلِّ شَرِّ. فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرِ. نَسْأَلُكَ تَمَامَهَا اللام وفتح الفاء، فيكون صحيحاً من قولهم: ألف هذا الموضع يألفه، وعلى كلا الضبطين قوله: (نعتمك) فاعل الفعل (بكل شر) قال صاحب ((المحلى)): أي مع كوننا ملابسين بكل شر ومعصية، اهـ. وهذا المعنى يناسب الإلفاء. والظاهر عندي على معنى الألف ما أشار إليه الحسن البصري في استغفاره بقوله: اللَّهم إني أستغفرك لكل ذنب قوي عليه بدني بعافيتك، ونالته قدرتي بفضل نعمتك، وانبسطت إليه يدي بسعة رزقك، وقال: اللَّهم إني أستغفرك لكل ذنب لحقني بسبب نعمة أنعمت بها عليَّ، فتقَوَّيْتُ بها على معاصيك، وقال: اللَّهم إني أستغفرك لكل ذنب ارتكبته بشمول عافيتك، أو تمكنتُ منه بفضل نعمتك، أو مددت إليه يدي بسابغ رزقك، اللَّهم إني أستغفرك لكل ذنب خطوتُ إليه برجلي، أو مددتُ إليه يدي، أو تأملته ببصري، أو أصغيت إليه بأذني، أو نطقت به بلساني، أو أتلفت فيه ما رزقتني، ثم استرزقتك على عصياني، فرزقتني، ثم استعنت برزقك على عصيانك فسترت عليَّ، ثم سألتك الزيادة فلم تحرمني، ثم جاهرتُك بعد الزيادة، فلم تفضحني، فلا أزال مصرّاً على معصيتك، ولا تزال عائداً عليّ بحلمك وكرمك، يا أكرم الأكرمين، فصلِّ يا رب وسَلِّم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، واغفر لي يا خير الغافرين، اللَّهم آمين. (فأصبحنا منها) أي من نعمتك (وأمسينا بكل خير) من فضلك ولم تعاملنا بتقصيرنا، كذا في ((الزرقاني)) (١)، وفي دعائه وَّ: رب كم من نعمةٍ أنعمتها عليّ قلّ لك عندها شكري، وكم من بليّةٍ ابتليتَني بها قل لك عندها صبري، فيا مَنْ قل عند نعمته شكري، فلم يحرمني، إلى آخره (فنسألك) بزيادة الفاء في أوله في النسخ المصرية دون الهندية (تمامها) قال الزرقاني: لعله استعمله بمعنى إدامتها أي النعم، اهـ. قلت: أو كمالها المستلزم للزيادة، فهو ذو النعماء التي (١) (شرح الزرقاني (( (٣١٦/٤). ٤٥٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي والم الية (١٠) باب (١٦٧٩) حديث وَشُكْرَهَا. لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ. وَلَا إِلَّهَ غَيْرُكَ. إِلهَ الصَّالِحِينَ. وَرَبَّ الْعَالَمِينَ. الْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ. مَا شَاءَ اللهُ. وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا. وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. لا تحصى أبداً (وشكرها) الموجب للزيادة قال تعالى: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (لا خير) بالنصب لنفي الجنس (إلا خَيْرُك) برفع الراء. فإن الخير كله بيده سبحانه (ولا إله غيرك) فيرجى لكشف الضر أو إعطاء الخير (إله الصالحين) أي المسلمين، ضبطه الزرقاني(١) بالنصب على النداء بحذف النداء، وأعرب عليه في النسخ المصرية بالضم، فيكون خبر مبتدأ محذوف أي أنت (ورب العالمين) بالنصب والرفع، أي المربي لجميع الخلق (الحمد الله) كرره تأكيداً (ولا إله إلا الله) فإنه أصل الإيمان المرتب عليه الشكر (ما شاء الله) يكون وما لم يشأ لم يكن (ولا قوة إلا بالله) بالواو في جميع النسخ المصرية، وحذفها في الهندية. قال الزرقاني: أتى به إشارة إلى استحباب هذا الذكر عند رؤية ما يعجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةً إِلَّا ◌َِّهِ﴾(٢)، قال ابن العربي: استدل به مالك على استحبابه لكل من دخل منزله، وأخرج ابن أبي حاتم عن مطرف، قال: كان مالك إذا دخل بيته، قال: ما شاء الله، قلت له: لِمَ تقول هذا؟ قال: ألا تسمع الله تعالى يقول، وتلا الآية، وجاء مرفوعاً: ((من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله ولا قوة إلا بالله لم یضره))، اهـ. (اللَّهم بارك لنا في ما رزقتنا. وقنا عذاب النار) قال الباجي(٣): يحتمل أن (١) (شرح الزرقاني)) (٣١٦/٤). (٢) سورة الكهف: الآية ٣٩. (٣) ((المنتقى)) (٢٥١/٧). ٤٥٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَ طير (١٠) باب (١٦٨٠) حديث ٣٥/١٦٨٠ - قَالَ يَحْيَى. سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا أَوْ مَعَ غُلَامِهَا؟ يقول هذا الذكر قبل تناوله، ويحتمل - والله أعلم - أن يقوله بعد تناوله فيكون معنى اللفظ، فيطعمه أو يشربه إلا قال كذا، يقال: لا تبع من فلان حتى تربح، معناه إلا أن تربح؛ لأن الربح لا يكون إلا بعد البيع، والأول أظهر من جهة اللفظ، والثاني أظهر من جهة المعنى؛ لأن الحمد مشروع في آخر الطعام والتسمية مشروعة في أول الطعام. وقال النبي ◌َّهُ لعمر بن أبي سلمة: ((سَمِّ الله عز وجل وكُل مما يليك)) ويُجْزئ من التسمية: بسم الله الرحمن الرحيم، ويُجْزئ من الحمد: الحمد لله رب العالمين، ومن زاد على ذلك فحسن، فإنه ذكر الله عز وجل، وروي أن إبراهيم - عليه السلام - لما قَرَّبَ العِجْلَ للملائكة، وهو يعتقدهم أضيافاً من الإنس، قال: ألا تأكلون؟ قالوا: لا نأكل إلا بالثمن، قال: فإن لهذا الطعام ثمناً، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تسمون الله في أوله، وتحمدونه في آخره، فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: حَقٌّ لهذا أن يتخذه الله خليلاً، اهـ ١٦٨٠/ ٣٥ - (سئل) ببناء المجهول (مالك) الإمام (هل تأكل المرأة) أي هل يجوز لها أن تأكل (مع غير ذي محرم منها) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية، وهو أوضح، وكذا في متن ((المنتقى)) لكن ظاهر شرحه أنه بنى على حذف لفظ غير، إذ قال: قول مالك: ((لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم)) يريد من تَأبّد تحريمُها عليه، كالأب والابن؛ لأنه ليس في مؤاكلتها له أكثر من النظر إلى وجهها، وكفيها، ويجوز لذي محرم أن ينظر منها إلى ما ليس بعورة، اهـ. (أو مع غلامها) قال الباجي(١): يريد عبدها، وذلك لما قلنا من أن الأكل (١) ((المنتقى)) (٢٥١/٧). ٤٥٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َليه (١٠) باب (١٦٨٠) حديث فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ. إِذَا كَانَ ذُلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ. قَالَ: وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا. وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ. أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ٠ ليس فيه إلا النظر إلى الوجه والكفين، وذلك مباحٌ للعبد، وأما نظرها إلى شعرها، فاختلف فيه العلماء، والمشهور عن مالك أنه لا ينظر إلى شعرها من عبيدها إلا الوغد، وهو الذي لا منظر له، وأما العبد الحسن المنظر فلا يرى شعرها، اهـ. (فقال مالك: ليس بذلك بأس) أي يجوز (إذا كان ذلك) الأكل (على وجه) بالإضافة إلى (ما يعرف) ببناء المجهول (للمرأة أن تأكل) هي (معه من الرجال) يعني إذا كان على طريق متعارف بينهم، وقال الزرقاني: بأن كان ثم محرم (قال) مالك في توضيح جوابه: (وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره) أي غير الزوج (ممن يؤاكله) بصيغة التذكير في جميع النسخ الهندية، وعليه بنى صاحب ((المحلى)) شرحه إذ قال: ممن يؤاكله زوجها معها من غير المحارم، اهـ. وكذا في نسخة الزرقاني، وفي غيرها من النسخ المصرية بلفظ (تؤاكله)) بصيغة التأنيث، والأول أوجه. (أو مع أخيها على مثل ذلك) قال الباجي: قال الشيخ أبو بكر الأبهري: إنما قال مالك - رحمه الله -: أن تأكل المرأة مع من تأمن الفتنة في الأكل معها، اهـ. قلت: وفي الأكل مع غيره استعمال لسؤره بعد اللقمة الأولى. وفي ((الدر المختار))(١): سؤر آدمي مطلقاً، ولو جنباً أو كافراً أو امرأة طاهر، نعم يكره سؤرها للرجل كعكسه، للاستلذاذ، واستعمال ريق الغير، وهو لا يجوز، قال ابن عابدين، قوله: نعم يكره سؤرها، أي في الشرب لا (١) انظر: ((رد المحتار على الدر المختار)) (٤٢٤/١). ٤٥٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي تكليف (١٠) باب (١٦٨٠) حديث وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ. الطهارة، قال الرملي: ويجب تقييده بغير الزوجة والمحارم، وقوله: استعمال ريق الغير اعترضه أبو السعود، بأنه يشمل سؤر الرجل للرجل، والمرأة للمرأة، فالظاهر الاقتصار على التعليل الأول كما فعل في ((النهر))، لأنه وسلم كان يشرب، ويعطي الإناء لمن عن يمينه، وعبّر في ((المنح)) بالأجنبية، وفيه نظر أيضاً، والذي يظهر أن العلة الاستلذاذ فقط، ويفهم منه أنه حيث لا استلذاذ لا كراهة، اهـ. وأما مسألة الحجاب، فهي على حدة بتفاصيلها، لأن المؤاكلة تحصل بالحجاب أيضاً، (ويكره) تحريماً (للمرأة أن تخلو مع الرجل) الذي (ليس بينه وبينها حرمة) أي قرابة نسب أو صهر أو رضاع، وذلك معروف، والنصوص في ذلك متظافرة. قال صاحب ((المحلى)): ويفهم منه أن الخلوة بالمحرم مباحة، وبه قال الأئمة الباقون، واستثنى منها في ((الأشباه)) أخت الرضاعة والصهرة الشابة، ويدل على كراهة الخلوة بالأجنبية ما في مسلم (١) عن جابر: ((لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ناحكاً أو ذا محرم))، وما روى الترمذي(٢) والنسائي عن عمر - رضي الله عنه - في أثناء حديث قام به النبي وَ الر أنه قال: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا أن يكون ثالثهما الشيطان))، اهـ. وقال الباجي: وروي عن عقبة بن عامر أن رسول الله وَ لو قال: ((إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت))(٣)، اهـ. (١) ((صحيح مسلم)) (٢٩/٤) ح (٢١٧١). (٢) ح (١١٧١). (٣) أخرجه مسلم ح (٢١٧٢). ٤٥٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َالعقد (١١) باب (١١) باب ما جاء في أكل اللحم (١١) ما جاء في أكل اللحم ما يظهر من الآثار الواردة في الباب أن ميل المصنف تبعاً لفعل عمر - رضي الله عنه - المُشعر بعمل أهل المدينة ترك الإكثار من اللحم، وقد روى الطبراني وأبو نعيم في الطب والبيهقي عن بريدة: ((سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم))، وروى البيهقي عن أنس: ((خير الإدام اللحم، وهو سيد الإدام))، كذا في ((جمع الوسائل))(١). وفيه أيضاً عن ((تلبيس إبليس)) لابن الجوزي رداً على من يُقلل المطعم ويُعذب نفسه، ليس هذه طريقة رسول الله وَل﴿ ولا طريق أصحابه وأتباعهم، وإنما كانوا يجوعون إذا لم يجدوا شيئاً، فإذا وجدوا أكلوا، وقد كان رسول الله 85* يأكل اللحم ويحبه، ويأكل الدجاج ويحب الحلواء، ويستعذب له الماء البارد، وقد كان سفيان الثوري إذا سافر حمل معه في سفرته اللحم المشوي، والفالوذج، قال: وعند أبي الشيخ عن أبي سمعان سمعت علماءنا يقولون: كان أحبّ الطعام إلى رسول الله ◌َ﴿ اللحم، وهو يزيد في السمع، وهو سيد الطعام في الدنيا والآخرة، قال الزهري: وأكله يزيد سبعين قوة، وقال الشافعي: أكله يزيد في العقل، وعن علي - رضي الله عنه - أنه يُصفي اللون، ويحسن الخلق، ومن تركه أربعين يوماً ساء خلقه، ذكره في ((الإحياء). قال المناوي: قال ابن السري: وقد أكل المصطفى ول# الحنيذ والقديد، والحنيذ أعجله، وألذّه، وهو كان قِرى إبراهيم الخليل عليه السلام للملائكة، ومن الناس من يقدم القديد على المشوي، وهذا كله في حكم الشهوة، وأما في حكم المنفعة فالقديد أنفع، وهو الذي يدوم عليه المرء ويصلح به الجسد، وعليه أثنى الشارع لوجهين: أحدهما: أن المصطفى وَ ل ﴿ في ((الصحيحين)) أمر (١) (١٩٩/١) وأورده الحافظ ابن عبد الله في ((الاستذكار)) (٣٤٦/٢٦) ورمز له السيوطي بالضعف ((فيض القدير)) (١١٩/٤). ٤٥٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلهة (١١) باب (١٦٨١) حديث ٣٦/١٦٨١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ. بإكثار المرقة، ليقع بها عموم المنفعة في أهل البيت، الثاني: أنه يصنع فيه الثريد، وهو أفضل الطعام، اهـ. وفي ((الشمائل))(١) عن أبي هريرة، قال: أتي النبي ◌ُّل بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، الحديث، وعن ابن مسعود: كان النبي ◌َّل يعجبه الذراع، قال: وَسُمَّ فِي الذراع، وعن أبي عبيد قال: طبختُ النَّبِيِ وَلَ قِدراً، وكان يُعجبه الذراع، فناولتُه الذراع، ثم قال: ((ناوِلنِي الذراعَ))، فناولتُه، ثم قال: ((ناوِلْنِي الذراع»، فقلت: يا رسول الله وكم للشاة من ذراع؟ فقال: ((والذي نفسي بيده لو سكتَّ لنَاوَلْتَنِي الذراعَ ما دعوتُ»، وروى أحمد نحو هذه القصة عن أبي رافع: قال القاري: والظاهر أن القضية متعددة. قلت: وأخذ منه الصوفية الصافية: أن الاعتراض على الشيخ يحرم البركة. وفي ((الشمائل))(٢) عن جابر - رضي الله عنه - قال: أتانا النبي ◌َّ في منزلنا فذبحنا له شاة فقال: كأنهم علموا أنا نحبُّ اللَّحم. ٣٦/١٦٨١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمر بن الخطاب أنه قال) كذا في نسخة الزرقاني، وفي نسخة ((المنتقى)) وجميع النسخ الهندية ((أن عمر بن الخطاب قال)). ثم هذا الأثر يوجد في جميع النسخ الهندية، ونسختي ((الزرقاني)) و((المنتقى))، ولا يوجد في غيرهما من النسخ المصرية، لا في المتون ولا في متن ((التنوير))، لكن السيوطي ذكره في (شرحه))، فالظاهر سقوطه من المتون لسهو الكاتب الأول. (إياكم) للتحذير (واللحم) بالنصب أي احذروا واجتنبوا الإكثار منه، قال (١) ح (١٦٠). (٢) ح (١٦٢) (ص١٠١). ٤٥٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلقر (١١) باب (١٦٨١) حديث فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ . وحدَّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ، فَقَالَ: مَا هُذَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الباجي: يريد إياكم والإكثار منه والمداومة عليه، وأن لا يجتزي بشيء من الأدم عنه، يدل على ذلك أنه قد كان يأكل في بعض أوقاته ويؤكل عنده، اهـ. (فإن له) أي للحم (ضراوة) بفتح الضاد المعجمة وخفة الراء أي عادة، قال الزرقاني(١): مصدر ضري كعلم، قال السيوطي: يقال: ضري بالشيء إذا لهج به (كضراوة الخمر) قال الأزهري: معناه أن لأهله عادة في أكله كعادة شارب الخمر في ملازمتها، وكما أن من اعتاد الخمر لا يكاد يصبر عنها كذا من اعتاد اللحم. كذا في ((المحلى)) عن ((النهاية)). قال الباجي(٢): تريد عادة تدعو إليه، ويشق تركها لمن ألفها، وإنما أراد عمر - رضي الله عنه - منع التنعم بالمداومة على أكل اللحم، وبكل ما جرى مجرى ذلك، وندب إلى الاقتصاد والاقتصار على أيسر الأقوات، اهـ. (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (أدرك) لحق ولقي (جابر بن عبد الله) رضي الله عنه (ومعه) أي مع جابر (حِمَالُ لحم) الحمال بكسر الحاء وخفة الميم، ما حمله الحامل، كذا ضبطه السيوطي، وفي نسخ عتيقة: حمال بفتح الحاء والميم، ثقيلة، أي شخصٍّ حَمَّالُ لحم، فمعناه صحيح أيضاً، قاله الزرقاني(٣)، وفي ((المحلى)): وفي نسخة حمل لحم، والحمل ما حمله الحامل. (فقال) عمر - رضي الله عنه -: (ما هذا) يا جابر؟ (فقال) جابر: (يا أمير (١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٧/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٥٣/٧). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣١٧/٤). ٤٥٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي وال هر (١١) باب (١٦٨١) حديث الْمُؤْمِنِينَ. قَرِمْنَا إِلى اللَّحْمِ. فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَم لَحْماً. فَقَالَ عُمَرُ: أَما يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ أَوِ ابْنِ عَمِّهِ؟ المؤمنين قرمنا) بفتح القاف وكسر الراء فميم أي اشتدَّتْ شهوتُنا إلى اللحم، من القرم، وهو شدة شهوة اللحم حتى لا يصبر عنه (إلى اللحم) قال الزرقاني : وفي حديث: كان يتعوّذُ من القَرَم، بمعنى شدة الشهوة إلى اللحم حتى لا يُصْبَر عنه، يقال: قَرِمْتُ إلى اللحم وَعِمْتُ إلى اللَّبَنِ، قاله الهروي(١) (فاشتريت بدرهم لحماً فقال عمر) رضي الله عنه: (أما) بفتح الهمزة وخفة الميم في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية بدون الهمزة (يريد أحدكم أن يطوي) بسكون الطاء وكسر الواو (بطنه) بالنصب (عن جاره أو ابن عمه؟) أي أليس يريد أحدكم أن يجيع نفسه، ويؤثر جاره بطعامه، يقال: طوى فهو طاوٍ، أي خالي البطن جائع، كذا في ((المحلى)). قال الباجي(٢): يحتمل - والله أعلم - أن يكون ذلك في وقت شدة عمت الناس، فكره له التنعم بأكل اللحم في مثل ذلك الوقت، وأراد لو امتنع من ذلك كما امتنع عمر - رضي الله عنه - من أكل السمن حتى يعم الناس الخصبُ، وقوله: أما يريد أحدكم إلخ على وجه الإنكار لذلك، قال عيسى: معناه أن ينقص من شبعه، قال الباجي: ومعنى عن جاره عندي من أجل جاره وابن عمه، اهـ. وفي ((المحلى)): روى البيهقي عن جابر قال: لقيني عمر - رضي الله عنه - وقد ابتعت لحماً بدرهم، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: قرم أهلي، فابتعت لحماً بدرهم، فجعل عمر - رضي الله عنه - يردد قرم أهلي، حتى تمنيتُ أن لم ألْق عمر، ذكره المنذري(٣)، اهـ. (١) ((غريب الحديث)) (٢٣٨/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٥٣/٧). (٣) ((الترغيب والترهيب)) (١٤١/٣). ٤٦٠