النص المفهرس
صفحات 401-420
٥٠ - كتاب صفة النبي وَلا
(١٠) باب
(١٦٧٠) حديث
٢٥/١٦٧٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ جَدَّتِهِ؛
١٦٧٠/ ٢٥ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عمرو) بفتح العين
آخره واو (ابن سعد بن معاذ)، ذكره الحافظ في ((التقريب))(١) و((التهذيب)) (٢)،
ورقم للبخاري في ((الأدب المفرد)) والنسائي في ((مسند مالك))، فقال: عمرو بن
معاذ بن سعد بن معاذ الأشهلي، أبو محمد المدني، وقد ينسب إلى جده،
فيقال: عمرو بن سعد، وقال بعضهم: معاذ بن عمرو، وهو وهم، روى عن
جدته، واسمها حواء، وعنه زيد بن أسلم، ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وحكى ابن الحذاء أن في رواية أكثر أصحاب مالك عن عمرو بن معاذ بن
عمرو بن معاذ، وصحح الأول، وحكى أيضاً فيه عمر بضم العين، وحكى عن
رواية يحيى بن يحيى الليثي عن مالك عن زيد عن ابن عمرو بن سعد بن معاذ،
وقال البخاري: أرى أن مالكاً قال: عمرو بن سعد بن معاذ، قاله في
((التاریخ))، اهـ.
قلت: لم تختلف نسخ ((الموطأ)) ههنا بذكره بلفظ عمرو بن سعد بن
معاذ، وهكذا ذكره في ((التجريد))، نعم سيأتي في باب الترغيب في الصدقة
يلفظ عمرو بن معاذ الأشهلي.
(عن جدته) قال ابن عبد البر(٣): قيل: اسمها حواء بنت يزيد بن
السكن، وقيل: إنها جدة ابن بجيد أيضاً، اهــ كذا في ((التنوير))، و((الزرقاني))،
وقال الحافظ في ((الإصابة)): حواء جدة عمرو بن معاذ الأنصارية، فرَّق ابن
سعد (٤) بينها وبين حواء أم بجيد، وهما واحدة، فأخرج من طريق حفص بن
(١) (٥١١٥).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (١٠٥/٨) ((تاريخ البخاري)) (٣٦٩/٦).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٧١).
(٤) ((طبقات ابن سعد)) (٣٣٢/٨).
٤٠١
٥٠ - كتاب صفة النبي وَلعر
(١٠) باب
(١٦٧٠) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ.
ميسرة عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ، عن جدته حواء: سمعت
رسول الله ﴾ يقول: ((ردوا السائل ولو بظلف محرق))، اهـ.
وما قال ابن عبد البر: إن اسمها حواء بنت يزيد، هكذا حكى قوله
الحافظ في ((تهذيبه))، ولم يتعقب عليه بشيء، وقد تعقب في ((الإصابة)) على
قول ابن منده، وجزم بأن اسم والد أم بجيد زيد بن السكن بدون الياء قبل
الزاي، كما تقدم قريباً في ترجمة أم بجيد في آخر باب المساكين.
(أن رسول الله وَّر قال) أخرجه البخاري من مسند أبي هريرة بنحوه كما
سيأتي من لفظه (يا نساء المؤمنات) قال الباجي: رويناه بالمشرق بنصب نساء
وخفض المؤمنات على الإضافة من إضافة الشيء إلى نفسه، كمسجد الجامع،
أو من إضافة العام إلى الخاص كبهيمة الأنعام، أو على تأويل نساء بفاضلات،
أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أي ساداتهم وأفاضلهم،
ورويناه ببلدنا برفع الكلمتين الأولى على النداء، والثانية صفة على اللفظ أي يا
أيها النساء المؤمنات، ويجوز رفع الأولى ونصب الثانية بالكسرة نعت على
الموضع، كما يقال: يا زيد العاقل، بنصب العاقل ورفعه.
وتعقب الأبي قوله: من إضافة الشيء إلى نفسه بأنه ممنوع اتفاقاً، وإنما
هو من إضافة الموصوف إلى صفته عند الكوفيين، ومنعه البصريون، وتأولوا
نحو مسجد الجامع على حذف الموصوف، أي مسجد المكان الجامع، وإنما
ذكره النحاة مسجد الجامع مثالاً لإِضافة الموصوف إلى الصفة، لا لإضافة
الشيء إلى نفسه، قال الزرقاني: وهذا ظاهر، فإنما سبقه أي الباجي القلم،
أراد أن يكتب إلى صفته بدليل قوله: كمسجد الجامع، فطغى عليه القلم، اهـ ما
في ((الزرقاني))(١).
(١) (شرح الزرقاني)) (٤/ ٣١٠).
٤٠٢
٥٠ - كتاب صفة النبي وَليه
(١٠) باب
(١٦٧٠) حديث
لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ
وما حكى من كلام الباجي ليس هو في ((المنتقى)) هكذا، فلعله قاله في
موضع آخر، أو وقع سقوط العبارة في ((المنتقى))، كما يعرف من مطالعته.
ثم قال الباجي(١) قريباً منه في ((باب الترغيب في الصدقة)) وليس فيها
أيضاً لفظ من إضافة الشيء إلى نفسه، إلا أن يقال: أنهم حكوا كلام الباجي
مختصراً .
وقال الحافظ: قال عياض: الأصح الأشهر نصب النساء، وجر
المسلمات على الإضافة، وهي رواية المشارقة من إضافة الشيء إلى صفته،
كمسجد الجامع، وهو عند الكوفيين على ظاهره، وعند البصريين يقدرون فيه
محذوفاً .
وقال السهيلي وغيره: جاء برفع الهمزة على أنه منادى مفرد، ويجوز في
المسلمات الرفع، صفة على اللفظ، على معنى يا أيها النساء المؤمنات،
والنصب، صفة على الموضع، وكسر التاء علامة النصب، وأنكر ابن عبد البر
رواية الإضافة، وردّه ابن السيد بأنها قد صحت نقلاً، وساعدتها اللغة، فلا
معنى للإنكار، ورواه الطبراني من حديث عائشة بلفظ: يا نساء المؤمنين، انتهى
مختصراً .
(لا تحقرن) بكسر القاف وتشديد النون (إحداكن) كذا في النسخ الهندية،
وكذا في نسخة ((الزرقاني))، وفي غيرها من المصرية بدلها ((جارة)) (لجارتها)
شيئاً، ولفظ البخاري من حديث أبي هريرة ((يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة
لجارتها ولو فرسن شاة)) (ولو) كان المهدى (كراع شاة) بضم الكاف وتخفيف
الراء المهملة: ما دون العقب من المواشي والدواب والإنس، كما في
((العين))، وخص النهي بالنساء؛ لأنهن مواد المودّة والبغضاء، ولأنهن أسرع
(١) انظر: ((المنتقى)) (٣٢١/٧).
٤٠٣
٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٧٠) حديث
مُحْرَقاً)).
الحديث في الصحيحين من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة.
فأخرجه البخاريّ في: ٥١ - كتاب الهبة، ١ - باب حدثنا عاصم بن عليّ. ومسلم
في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٢٩ - باب الحث على الصدقة ولو بالقليل، حديث ٩٠.
انتقالاً في كل منهما، قاله الزرقاني (محرقاً) بالنصب في جميع النسخ المصرية،
وفي الهندية بدلها ((محرق)) أي بالجر، قال الرزقاني: نعتٌ لكراع، فكان حقه
محرقة، إلا أن الرواية وردت هكذا في ((الموطآت)) وغيرها، اهـ.
قال الباجي(١): الكراع مؤنثة عند سيبويه، فكان حقه أن تكون محرقة،
إلا أن الرواية هكذا وردت في ((الموطآت)) وغيرها، وقال ابن الأنباري: إن
بعض العرب يذكرها، فيحتمل أن يكون هذا على تلك اللغة، اهـ.
قال الحافظ (٢): أشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله،
لا إلى حقيقة الفرسن؛ لأنه لم تجر العادة بإهدائه، أي لا تمنعن جارة من
الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر،
وإن كان قليلاً فهو خير من العدم، ويحتمل أن يكون النهي إنما وقع للمهدى
إليها، وأنها لا تحتقر ما يهدى إليها، ولو كان قليلاً، وحمله على الأعم من
ذلك أولى، وفي حديث عائشة المذكور: ((يا نساء المؤمنين تهادوا ولو فرسن
شاة، فإنه ينبت المودة، ويذهب الضغائن))، اهـ.
وتقدم قريباً في (باب المساكين)) من حديث أم بجيد: ((ردوا المسكين ولو
بظلف محرق)»(٣)، وسيأتي من حديث عمرو بن معاذ الأشهلي عن جدته: ((یا
نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن أن تهدي لجارتها، ولو كراع شاة محرفاً))،
(١) ((المنتقى)) (٢٤٥/٧).
(٢) (فتح الباري)) (٤٤٥/١٠).
(٣) أخرجه أبو داود (١٦٦٧) والحديث في ((التمهيد)) (٢٩٨/٤).
٤٠٤
٥٠ - كتاب صفة النبي وَل
(١٠) باب
(١٦٧١) حديث
٢٦/١٦٧١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ؛
أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ :
وتقدم في باب المهاجرة من حديث عطاء الخراساني ((تهادوا تحابوا، وتذهب
الشحناء)) .
٢٦/١٦٧١ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم
الأنصاري (أنه قال: قال رسول الله (َّ) مرسل في ((الموطأ)) وهو موصول في
((الصحيحين)) وغيرهما عن أبي هريرة وابن عمر وجابر، وأبي داود عن ابن
عباس، كذا في ((الزرقاني)) (١)، ولفظ البخاري عن جابر - رضي الله عنه -: أنه
سمع رسول الله ◌َي يقول وهو بمكة عام الفتح: ((إن الله ورسوله حَرَّم بيع
الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم
الميتة، فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال:
لا، هو حرام، ثم قال رسول الله وَل عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله تعالى
لما حرم شحومها، جملوه ثم باعوه، فأكلوا ثمنه)).
قال الحافظ (٢): في هذا الحديث بيان تاريخ ذلك، وكان ذلك في
رمضان سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك، ثم
أعاده وٌَّ لِيَسْمَعَه من لم يكن سمعه، اهـ.
وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع
ودكه)) رواه جابر عن النبي ◌َّير، فكأنه أشار إلى الحديث المذكور، ثم ذكر
بسنده عن ابن عباس يقول: بلغ عمر - رضي الله عنه - أن فلاناً باع خمراً،
فقال: قاتل الله فلاناً، ألم يعلم أن رسول الله وَ ل# قال: ((قاتل الله اليهود،
حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها)).
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٠/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٢٤/٤).
٤٠٥
٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َليم
(١٠) باب
(١٦٧١) حديث
((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ،
.
أفاد شيخ مشايخنا الگنگوهي - نور الله مرقده - في ((الكوكب الدري))(١)
قوله: قيل: ((يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة))؟ إنما سألوا عن ذلك بعد العلم
بأن حرمة الانتفاع بالميتة توجب حرمة الانتفاع بسائر أجزائها، لما علموا أن
بعض أجزاء الميتة جائز استعمالها كإهابها وعظامها، فلعل الحكم في الشحم
يكون هو الجواز، كيف وهم يفتقرون إليهم في كثير من الأمور.
وحاصل الجواب: أن جواز الانتفاع موكول على زوال الرطوبات
النجسة، ولا يمكن زوال الرطوبة من الشحم، ثم أكد النبي ول# أمر حرمة
الانتفاع بالميتة وأجزائها بقوله: ((قاتل الله اليهود))، ولما أن الغالب عليهم أن
يرتكبوا مثل ما ارتكب اليهود والنصارى، سيما وقد أخبر به النبي وَّ في
أحاديثه، فكان لعن اليهود في هذا الحديث ردعاً لأمته المرحومة عن اختراع
الحيل في إحلال ما حرمه الله تعالى، اهـ.
(قاتل الله اليهود) قال الزرقاني(٢): أي لعنهم، وقال النووي: قتلهم،
والمفاعلة ليست على بابها، وقال غيره: عاداهم، وقال الداودي: من صار
عدواً لله وجب قتله، اهـ. وأخرج من باب المفاعلة على صورة المبالغة.
وقال الباجي(٣): قيل: معناه لعنهم الله، قال تعالى: ﴿قُلَ الْخَّصُونَ
١٠
معناه - والله أعلم - لعنوا، وقوله بَ لقر هذا يحتمل أن يريد الدعاء عليهم بذلك،
ويحتمل أن يريد به الخبر مما حكم الله تعالى به عليهم من ذلك، ولفظ ((قاتل))
وإن كان أصله أن يكون من اثنين، لكن قد تجيء في كلام العرب المفاعلة من
الواحد، يقال: قاتله الله بمعنى فعل الله به ذلك، ومنه سافر الرجل وعالجت
المريض، اهـ.
(١) (٣٢٩/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١٠/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٤٥/٧).
٤٠٦
٥٠ - كتاب صفة النبي (وَ لجعله
(١٠) باب
(١٦٧١) حديث
نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ١٠٣ - باب لا يذاب شحم الميتة
ولا يباع ودكه. ومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ١٢ - باب تحريم بيع الخمر
والميتة والخنزير والأصنام، حديث ٧٣.
(نهوا) ببناء المجهول (عن أكل الشحم) كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ
اَلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ الآية (فباعوه فأكلوا ثمنه) بالفاء في
النسخ المصرية، ((وأكلوا)) بالواو في الهندية، ولفظ أبي داود عن ابن عباس
قال: ((رأيت رسول الله وَ﴾ جالساً عند الركن، قال: فرفع بصره إلى
السماء، فضحك. فقال: لعن الله اليهود ثلاثاً، إن الله تعالى حرم عليهم
الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل
شيء حرم عليهم ثمنه».
قال الشيخ في ((البذل)) (١): قوله: إذا حرم على قوم أكل شيء أي
النجاسة ذاتها حرم عليهم ثمنه أيضاً، وأما إذا حرم لأجل الضرر لم يحرم
ثمنه، اهـ.
وإليه أشار الشيخ ابن القيم في ((الهدي))(٢) إذ قال: قوله: ((إن الله
تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)) يراد به أمران: أحدهما ما هو حرام العين
والانتفاع جملة، كالخمر والميتة والدم والخنزير وآلات الشرك، فهذه ثمنها
حرام كيفما اتفقت، والثاني: ما يباح الانتفاع بها في غير الأكل، وإنما
يحرم أكله كجلد الميتة بعد الدباغ، وكالحمر الأهلية والبغال، ونحوها مما
يحرم أكله دون الانتفاع به.
فهذا قد يقال: إنه لا يدخل في الحديث وإنما يدخل فيه ما هو حرام
(١) ((بذل المجهود)) (١٦٤/١٤).
(٢) ((زاد المعاد)) (٦٧٦/٥).
٤٠٧
٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٧١) حديث
على الإطلاق، وقد يقال: إنه داخل فيه، ويكون تحريم ثمنه إذاً لأجل المنفعة
التي حرمت، فإذا بيع البغال والحمار لأكلهما، حرم ثمنهما، بخلاف ما إذا
بیع للركوب وغيره، اهـ.
وقال الباجي(١): قوله وَّلجر: ((نهوا عن أكله))، الحديث، والنهي عن الأكل
لا يتناول النهي عن أكل الثمن إلا من جهة القياس، وأن ما لا يجوز أكله مما
معظم منفعته الأكل لا يجوز أكل ثمنه، فلا يجوز أكل ثمن الخمر، ولا ثمن
الخنزير، ولا الميتة، وما جرى مجرى ذلك، وأما ما له منفعة، فإنه يجوز أكل
ثمنه وإن لم يجز أكله، كالإماء و العبيد، اهـ.
قال النووي: أما الحديث المشهور في كتب السنن عن ابن عباس أن
النبي ◌ّ﴾ قال: ((إن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه))،
فمحمول على ما هو المقصود منه الأكل بخلاف ما المقصود منه غير ذلك،
كالعبد والبغل والحمار الأهلي، فإن أكلها حرام، وبيعها جائز بالاتفاق، اهـ.
وقال في حديث الباب: قال الجمهور: لا يجوز الانتفاع به في شيء
أصلاً لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة إلا ما خص. وهو الجلد المدبوغ،
قلت: والحديث في ذلك مشهور عن ابن عباس(٢) - رضي الله عنهما -: ((أن
رسول الله ﴾ مر بشاة ميتة، فقال: هلَا استمتعتم بإهابها؟ قالوا: إنها ميتة:
قال: إنما حرم أكلها))، قال ابن أبي جمرة: فيه مراجعة الإمام فيما لا يفهم
السامع معنى ما أمره، كأنهم قالوا: كيف تأمرنا بالانتفاع بها وقد حرمت
علينا، فبين له وجه التحريم، ويؤخذ منه جواز تخصيص الكتاب بالسنة؛ لأن
لفظ القرآن: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ الآية، شامل لجميع أجزائها في كل حال،
فخصت السنة ذلك بالأكل، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٢٤٦/٧).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٥٥٣١) ((فتح الباري)) (٦٥٨/٩).
٤٠٨
٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٧٢) حديث
٢٧/١٦٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ: يَا بَنِي إِسْرَائِلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ.
قال الموفق (١): لا يجوز بيع الخنزير ولا الميتة ولا الدم، قال ابن
المنذر: أجمع أهل العلم على القول به لحديث جابر(٢)، فذكر حديثه
المذكور .
وفي ((الدر المختار)): بطل بيع مال غير متقوم، أي غير مباح الانتفاع به
كخمر وخنزير وميتة، ثم قال: والحاصل أن جواز البيع يدور مع حلِّ الانتفاع
به، ثم قال: وجلد ميتة قبل الدبغ لو بالعرض ولو بالثمن فباطل، وبعد الدبغ
يباع إلا جلد الإنسان والخنزير، قال ابن عابدين: قوله: لو بالعرض أي بيعه
فاسد ولو بالعرض، ثم رجح البطلان مطلقاً، اهـ.
٢٧/١٦٧٢ - (مالك أنه بلغه) وتقدم أن بلاغات الإمام معتبرة (أن) نبي الله
(عيسى بن مريم) على نبينا وعليه السلام (كان يقول) لأمته: (يا بني إسرائيل)
أي ذرية يعقوب عليه السلام، فإن إسرائيل لقب ليعقوب بن إسحاق بن إبراهيم
خليل الله - عليهم السلام -، كما في ((الفتح)).
قال صاحب ((الجمل))
ينصرف للعلمية والعجمة، وهو مركب
(٣): لا
تركيب الإضافة، مثل عبد الله، فإن إسرا بالعبرانية، هو العبد، وايل، هو الله،
وقيل: إسرا مشتق من الأسر، وهو القوة، فكان معناه: الذي قَوَّاه الله، وقيل:
لأنه أسرى بالليل مهاجراً إلى الله تعالى، وقيل: لأنه أسر جِنِّياً كان يُطْفِئُ سراجَ
بیت المقدس، اهـ.
(عليكم بالماء القراح) بفتح القاف الذي لا يشوبه شيء، كما في ((مختار
(١) ((المغني)) (٣٥٨/٦).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١١٠/٣).
(٣) (٦٦/١).
٤٠٩
٥٠ - كتاب صفة النبي تَل
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ، وَخُبْزِ الشَّعِيرِ، وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ. فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا
بِشُكْرِهِ.
١٦٧٢/ ٢٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ:
الصحاح)) (والبقل) بالجر عطف على الماء، كل نبات اخضَرَّت به الأرض
(البريّ) نسبة إلى البرية، وهي الصحراء، قال الباجي(١): يريد الذي لم يتقدم
عليه ملك أحدٍ، فهو مباح، كماء الأنهار، قلت: أو احتراز عن اللحوم
والأغذية اللذيذة (وخبز الشعير) بالجر، قال الباجي: يريد فتقوتوا به، واقتصروا
عليه، فهو أقل ما يمسك الرمق، وتبقى به الحياة، لأن الشعير أقل
الأقوات، اهـ.
(وإياكم) تحذير (وخبز البر) أي القمح، احذروا أنفسكم أكل الحنطة،
(فإنكم لن تقوموا بشكره) تعليل للتحذير، قال الباجي: نهاهم عن البر خاصة
حضاً على القليل من الدنيا والزهد فيما زاد على يسير الأقوات منها، وإن كان
قد علم أنهم ولا سواهم لا يقوم بشكر الماء والبقل، ولكنه حضهم على أقل
ما یمکن منه.
ويحتمل أن ينصرف الضمير في قوله: ((بشكره)) إلى البر، ويحتمل أن
ينصرف إلى الماء والبقل والشعير، وليس هذا مخالفاً لشريعتنا، فإن من الناس
من يصلحه هذا، فيندب إليه، ومنهم من يصلحه غير هذا، فيأخذ به - والله
أعلم -، اهـ. وفي ((المحلى)): روى ابن النجار عن جابر: كان عيسى - عليه
السلام - طعامه بقل الصحراء، وشرابه الماء القراح، ووسادته التراب، وفي
رواية: ولم يأكل ما غيرته النار، اهـ.
٢٨/١٦٧٣ - (مالك أنه بلغه) قال الزرقاني(٢): أخرجه مسلم وأصحاب
(١) المنتقى (٢٤٦/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١١/٤).
٤١٠
٥٠ - كتاب صفة النبي نتكلم
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مََّهِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ
السنن الأربعة عن أبي هريرة، والبزار وابن المنذر والحاكم عن عمر - رضي الله
عنه -، وابن حبان عن ابن عباس، وابن مردويه عن ابن عمر - رضي الله عنهما -،
والطبراني عن ابن مسعود، وفي سياقهم اختلاف بالزيادة والنقص، اهـ.
(أن رسول الله وَ﴿ دخل المسجد) النبوي، ولفظ مسلم برواية أبي حازم
عن أبي هريرة قال: ((خرج رسول الله و ليزر ذات يوم أو ليلة - هكذا بالشك -
فإذا هو بأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -))، ولفظ الترمذي برواية أبي سلمة
عن أبي هريرة: ((خرج رسول الله وَّر في ساعة لا يخرج فيها، ولا يلقاه فيها
أحد، فأتاه أبو بكر - رضي الله عنه -)).
وفي ((الدر)): أخرج البزار والبيهقي في ((الدلائل))(١) وغيرهما عن ابن
عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: ((إن رسول الله وَلّ خرج يوماً عند
الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد، فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ قال:
أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله، ثم إن عمر - رضي الله عنه - جاء، فقال
رسول الله ولو: يا ابن الخطاب ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: أخرجني الذي
أخرجكما، فقال رسول الله وَالر: هل بكما من قوة، فتنطلقان إلى هذا النخل،
فتصيبان من طعام وشراب؟ فقلنا: نعم يا رسول الله، فانطلقنا حتى أتينا منزل
مالك بن التيهان أبي الهيثم الأنصاري)).
وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن ابن عباس: قال: ((خرج أبو بكر
رضي الله عنه في الهاجرة إلى المسجد فسمع عمر - رضي الله عنه -، فخرج،
فقال لأبي بكر - رضي الله عنه -: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال: أخرجني ما
أجد في نفسي من حاق الجوع، قال عمر - رضي الله عنه -: والذي نفسي بيده
ما أخرجني إلا الجوع؟ فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله فقال: ما
(١) ((دلائل النبوة)) (٣٦٠/١)
٤١١
٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َّ*
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَسَأَلَهُمَا. فَقَالًا:
أَخْرَجَنَا الْجُوعُ.
أخرجكما هذه الساعة؟ فقالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجد في بطوننا من حاق
الجوع)»، الحدیث.
(فوجد فيه) أي في المسجد (أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب) - رضي الله
عنهما - موجودين من قبل (فسألهما) ولفظ مسلم: ((ما أخرجكما من بيوتكما هذه
الساعة))، قال الباجي(١): هذا يقتضي أن يكون ذلك خروجاً أنكره، لأنه لم يكن
في وقت خروج معتاد، أو كان في وقت تخوف عليهم فيه، اهـ.
(فقالا: أخرجنا) ببناء المعروف من الماضي (الجوع) ولفظ الترمذي ((فأتاه
أبو بكر، فقال: ما جاء بك يا أبا بكر، قال: خرجت ألقى رسول الله وَليهم
وأنظر في وجهه والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر - رضي الله عنه - فقال:
ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله)).
وقال القاري في ((شرح الشمائل))(٢) في الجمع بين روايتي مسلم
والترمذي في جواب الصديق - رضي الله عنه -: فقيل: هما قضيتان، أو لما
جاء عمر - رضي الله عنه - وذكر الجوع، ذكره أبو بكر - رضي الله عنه -
أيضاً، وبعض الزيادات في بعض الروايات محذوفة، اهـ.
وأفاد شيخ مشايخنا الگنگوهي - قدس سره - في ((الكوكب الدري))(٣):
لم يذكر أبو بكر الجوع مع أنه - رضي الله عنه - كان جائعاً أيضاً، ولعل جوعه
قد صار منسياً برؤية جماله ويلي، أو لم يذكره لما علم أنه وَل* يتأذى لما وقف
على تكليفه، وليس معه وَل شيء يشبعه ويطعمه، وبذلك يعلم تفرقة ما بين
الشيخين، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٢٤٦/٧).
(٢) (١٨٩/٢).
(٣) (٢٥٧/٣).
٤١٢
٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل﴾
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((وَأَنَا أَخْرَ جَنِي الْجُوعُ))
والأوجه عندي في الجواب أن الصديق - رضي الله عنه - وجد أيضاً ألم
الجوع المقلق، لكن خروجه - رضي الله عنه - لم يكن ليحصل من عند أحد ما
يتغذّى به، بل ليتسلَّى عن الجوع بالنظر إلى وجهه الكريم عليه الصلاة
والتسليم، ففي رواية الترمذي ذكر وجه خروجه المترتب على الجوع، ولا شك
في ذلك، ولا مرية أن رؤية المحبوب والتكلم معه، لا والله بل التفكر في
خياله يذهب كل واحد منها الجوع والظماء:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد
(فقال رسول الله (39) زاد في رواية مسلم ((والذي نفسي بيده)) (وأنا) أيضاً
(أخرجني الجوع) قاله تسليةً لهما لما علم من شدة جوعهما، ولفظ الترمذي
((وأنا قد وجدت بعض ذلك)).
قال الباجي(١): هذا يقتضي جواز الإخبار عما يلحق الإنسان من شدة
ألم الجوع أو المرض، لا سيما إذا أخبره بذلك من يعلم إشفاقه عليه، ويرجو
منفعة من عنده من دعاء أو غيره، أو من يريد إعلامه بحاله ليأخذ ذلك أهبة،
وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: وارأساه، فقال النبي وَلو: بل أنا
وارأساه، وقال النبي ◌َلير لابن مسعود: ((إنّي أوعك كما يوعك رجلان منكم))،
وإنما يكره من ذلك ما كان على وجه التشكي والجزع وقلة الرضاء عن الله عز
وجل فيما قضى به، اهـ.
قال النووي(٢): في الحديث ما كان عليه النبي وَلّ وكبار أصحابه من
التقلل من الدنيا وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات، وقد زعم
بعض الناس أن هذا كان قبل الفتوح والقرى عليهم، وهذا زعم باطل، فإن
(١) ((المنتقى)) (٢٤٦/٧).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢١٠/١٣/٧).
٤١٣
٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلآ
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
راوي الحديث أبو هريرة، ومعلوم أنه أسلم بعد فتح خيبر، فإن قيل: لا يلزم
من كونه رواه أن يكون أدرك القضية، فلعله سمعها من غيره.
فالجواب أن هذا خلاف الظاهر، ولا ضرورة إليه، بل الصواب خلافه،
وأن رسول الله وَليل لم يزل يتقلب في اليسار والقلة حتى توفي رسول الله وَل،
فتارة يوسر، وتارة ينفد ما عنده، كما ثبت في ((الصحيح)) عن أبي هريرة:
((خرج رسول الله وَّل من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير)).
وعن عائشة - رضي الله عنها -: ((ما شبع آل محمد سمير مذ قدم المدينة
من طعام ثلاث ليال تباعاً حتى قبض، وتوفي مَ ل ودرعه مرهونة بشعير،
استدانه لأهله)) وغير ذلك مما هو معروف، فكان النبي ◌َّل في وقت يوسر، ثم
بعد قليل ينفد ما عنده لإخراجه في طاعة الله من وجوه البر وإيثار المحتاجين
وضيافة الطارقين.
وهكذا كان خلق صاحبيه، بل أكثر أصحابه، وكان أهل اليسار من
المهاجرين والأنصار مع برهم له ◌َّ وإكرامهم إياه ربما لم يعرفوا حاجته،
لكونهم لا يعرفون نفاد ما كان عنده من القوت، ولو يعلم أحد منهم
بحاجته وَلجر، وهو متمكن من إزالتها لبادر إلى إزالتها، لكنه ◌ّ يكتمها عنهم
إيثاراً لتحمل المشاق، وقد بادر أبو طلحة حين قال: سمعت صوت
رسول الله ﴿ أعرف فيه الجوع، كما تقدم قريباً، وكذا في حديث جابر وأبي
شعيب الأنصاري وغيرهما، وأشباه هذا كثيرة مشهورة، اهـ.
وقال المناوي(١) في حديث الباب: الأصح أن ذلك كان بعد فتح
الفتوح، لأن إسلام أبي هريرة بعد فتح خيبر، والاعتراض بأنه لعله رواه بسماع
من غيره؛ لأنه تردد في كونه ذات يوم أو ليلة، كما في ((مسلم))، فلو كانت
(١) ((جمع الوسائل)) (١٨٩/٢).
٤١٤
٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
روايته من مشاهدة لما تردد، رد بمنع كون التردد من أبي هريرة لجواز كونه من
أحد الرجال في الإسناد، وقال في ((المطامح)): كانت هذه القصة في المدينة
حين كان أبو بكر - رضي الله عنه - تصدق بجميع ماله، اهـ.
وقال القاري في ((شرح الشمائل)) (١): إنه كان ذلك منهم في بعض
الحالات لكمال الإيثار، ففقرهم إنما هو على وجه الاختيار، لا على طريق
الاضطرار. ومما يدل على ذلك قوله بَله: ((عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء
مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب أشبع يوماً، وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت
إليك، وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك، وحمدتك)) رواه الترمذي(٢)، ولعل
اختيار ذلك ليكون مقامه في درجة الكمال، وحاله بين تربيتي صفتي الجلال
والجمال.
وروى الطبراني (٣) بإسناد حسن كان مَ ليل ذات يوم، وجبرئيل على الصفا،
فقال وَّ: ((والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سَفَّةٌ من دقيق، ولا كَفُّ
من سويق))، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هِدَةً من السماء أفزعته،
فقال وَلّ: ((أمر الله القيامة أن تقوم؟)) قال: لا، ولكن إسرافيل نزل إليك حين
سمع كلامك فأتاه إسرافيل، فقال: إن الله تبارك وتعالى سمع ما ذكرت، فبعثني
إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك، أُسير معك جبال تهامة
زمرداً، وياقوتاً، وذهباً، وفضة، فإن شئت نبياً ملكاً، وإن شئت نبياً عبداً،
فأومأ إليه جبرئيل أن تواضع، فقال: ((نبياً عبداً)) ثلاثاً، فهذا نص على أن الفقير
الصابر أفضل من الغني الشاكر، اهـ.
(١) (١٨٩/٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٤٧).
(٣) انظر: ((مجمع الزوائد)) (٥٦٨/١٠) ح (١٨٢٥٢).
٤١٥
٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل﴾
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
فَذَهَبُوا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ الْقِيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ،
(فذهبوا) أي النبي وَلّ وصاحباه (إلى) بيت (أبي الهيثم) بفتح الهاء،
فالتحتية الساكنة، فالمثلثة المفتوحة، فالميم، مشهور بكنيته، اسمه مالك، قال
الحافظ في ((الإصابة)): وقد وقع في ((مصنف عبد الرزاق)) أن اسمه عبد الله،
(ابن التيهان) بفتح المثناة الفوقية وكسر التحتية المشددة، كما في ((الزرقاني))
و((المناوي))، و((جمع الوسائل))، وقال الحافظ في ((الإصابة)): بفتح المثناة
الفوقية مع كسرها، والظاهر أن فيه سقوطاً من الناسخ، والصواب ما في
(النووي)) بفتح المثناة فوق، وتشديد المثناة تحت، مع كسرها، اهـ.
قال الزرقاني(١): إنه يقال: إنه لقب، واسمه أيضاً مالك بن عتيك بن
عمرو بن عبد الأعلم، وقال القاري: هو لقب، واسمه عامر بن الحارث،
وقيل: عتيك بن عمرو، اهـ. وقال الحافظ في ((الإصابة)): أبو الهيثم بن
التيهان بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم، ويقال: التيهان لقب،
واسمه مالك (الأنصاري) الأوسي كما في ((الزرقاني)).
وقال المناوي: قيل: نسب لهم لأنه حليفهم، وإلا فهو قضاعيٌّ، تَرَهَّب
قبل هجرة المصطفى وله إلى المدينة، أسلم، وحسن إسلامه، وسيأتي قريباً من
رواية أبي يعلى وابن مردويه أنه يقال له: الواقفي، قال الزرقاني: شهد العقبة
وبدراً والمشاهد كلها .
وفي ((الإصابة)) (٢) عن الزهري فيمن شهد بدراً والعقبة: وكان أول من
بايع، واختلف في موته اختلافاً كثيراً، ورجح الحافظ في ((الإصابة)) قول من
قال: توفي سنة عشرين أو إحدى وعشرين، وقيل: توفي في حياة النبي {قَل﴾،
وهذا وإن حكي عن قومه، لكن قال ابن عبد البر: لم يتابع عليه قائله، وقال
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣١١/٤).
(٢) (٢٠٩/٧).
٤١٦
٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َملح
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
جماعة: شهد صفين، وقُتِل بها، وهو الأكثر لكن قال الواقدي: لم أر من
یعرف ذلك، ویثبته.
ولفظ الترمذي(١) في الرواية المذكورة: ((فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن
التيهان الأنصاري، وكان رجلاً كثير النخل والشاء، ولم يكن له خدم، فلم
يجدوه، فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء، فلم
يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بِقرْبة يَزْعُبُها(٢)، فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي ◌َّ ويفديه
بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطاً، ثم انطلق إلى نخلة
فجاء بقنوٍ، فوضعه، فقال النبي وَلَّ: أفلا تَنَقَّيْتَ من رطبه؟ فقال: يا رسول الله
إني أردت أن تختاروا من رطبه وبسره، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء))، الحديث.
وقال السيوطي في ((الدر)): أخرج البزار وابن المنذر والبيهقي في
(الدلائل)) وغيرهم عن ابن عباس أنه سمع عمر - رضي الله عنه - يقول: ((إن
رسول الله وَث﴿ خرج يوماً عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد))، الحديث،
وفيه ((فانطلقنا حتى أتينا منزل مالك بن التيهان، أبي الهيثم (٣) الأنصاري))،
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر: ((أن النبي ◌َّ خرج في ساعة لم يكن يخرج
فيها، ثم خرج أبو بكر))، الحديث، وفيه ((ثم جاءه عمر - رضي الله عنه - ثم
جاء أناس من أصحابه، فقال: انطلقوا بنا إلى منزل أبي الهيثم))، الحديث.
وأخرج البيهقي في ((الدلائل))(٤) عن أبي الهيثم بن التيهان، فذكر القصة،
وفيها فقال لهما النبي ◌َّر: ((تعلمان من أحد نضيفه، قالا: نعم، أبو الهيثم بن
(١) ((سنن الترمذي)) ح (٢٣٦٩) من كتاب الزهد.
(٢) أي يتدافع بها ويحملها.
(٣) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (١٤/٥).
(٤) ((دلائل النبوة)) (١/ ٣٦٠).
٤١٧
٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َ*
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
التيهان له أعذقٌ، وجديٌ، إن جئناه نجد عنده فضل تمر، فخرج النبي
وصاحباه حتى دخلوا الحائط))، الحديث.
وأخرج الطبراني(١) عن ابن مسعود ((أن أبا بكر - رضي الله عنه - خرج
لم يخرجه إلا الجوع))، فذكر القصة، وفيها فقال ◌َله: ((انطلقوا بنا إلى رجل
من الأنصار يقال له: أبو الهيثم بن التيهان))، الحديث.
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أبي بكر الصديق، قال: ((انطلقت مع
النبي ◌ُّ، ومعنا عمر - رضي الله عنه - إلى رجل يقال له: الواقفي، فذبح لنا
شاة))، الحديث، ذكره السيوطي في ((الدر)) مختصراً.
وذكره صاحب (كنز العمال)) مفصلاً، فذكر عن أبي هريرة عن أبي بكر -
رضي الله عنه - قال: ((فاتني العشاء ليلة، فأتيتُ أهلي فقلت: هل عندكم
عشاء؟ قالوا: لا، والله ما عندنا عشاء، فاضطجعت على فراشي فلم يأتني
النوم من الجوع، فقلت: لو خرجت إلى المسجد فصليتُ وتعللتُ حتى أصبح،
فرجعت إلى المسجد، فصليت ما شاء الله، ثم تساندت إلى ناحية المسجد فبينا
أنا كذلك إذ طلع عمر بن الخطاب))، فذكر القصة، وفيها فقال النبي وَلقوله: ((وأنا
والله ما أخرجني إلا الذي أخرجكما، فانطلقوا بنا إلى الواقفي أبي الهيثم بن
التيهان، فلعلنا نجد عنده شيئاً يطعمنا، فخرجنا نمشي، وانطلقنا إلى الحائط في
القمر فقرعنا الباب))، الحديث بطوله.
ففي هذه الروايات كلها أنهم ذهبوا إلى بيت ابن التيهان، وأخرج ابن
حبان وابن مردويه عن ابن عباس(٢)، قال: ((خرج أبو بكر - رضي الله عنه - في
(١) ((المعجم الكبير)) (٢٥٩/١٠) و((مجمع الزوائد)) (٣١٩/١٠) وفيه محمد بن السائب
الكلبي، وهو كذّاب.
(٢) أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٦٨/١٩) انظر ((التمهيد)) (٣٣٩/٢٤) و((مجمع
الزوائد» (٣١٧/١٠).
٤١٨
٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
الهاجرة إلى المسجد فسمع عمر - رضي الله عنه، فخرج)) فذكر القصة بنحو
ما تقدم، وفيها فانطلقوا إلى منزل أبي أيوب الأنصاري، فلما انتهوا إلى
داره، قالت امرأته: مرحباً بنبي الله وبمن معه، قال النبي وَلّ: أين أبو
أيوب؟ فقالت امرأته: يأتيك يا نبي الله الساعة؟ فجاء أبو أيوب))، الحديث
بنحو ما سبق.
قال الزرقاني: الظاهر أن القصة اتفقت مرة مع أبي الهيثم، كما صرح به
في أكثر الروايات، ومرة مع أبي أيوب، قاله المنذري، اهـ.
قلت: ووقع في مسلم وغيره في عدة روايات بالإبهام بلفظ ((رجل من
الأنصار))، وهو يجتمع مع الروايتين معاً، قال القاري في ((شرح الشمائل)):
وقع في رواية عند الطبراني وابن حبان في ((صحيحه)) أبي أيوب الأنصاري،
فالقضية متعددة، وما في مسلم: رجلاً من الأنصار محتمل لهما، اهـ. وعلى
التعدد حملها المناوي، قال المناوي: وهل كان خروجه وَلو قاصداً من أول
خروجه إلى إنسان معين، أو إنما جاء التعيين بالاتفاق، احتمالان. ثم رأيت
في ((المطامح) قال: الصحيح أن أول خاطر حركه للخروج لم يكن إلى جهة
معينة، إذا الكُمَلُ لا يعتمدون إلا على الله عز وجل، اهـ.
قلت: والظاهر عندي الأول، وهو لا ينافي كمال الاعتماد على الله عز
وجل، إذ معالجة الأسباب لا تنافي التوكل، ويدل على ذلك ما في الروايات
العديدة المتقدمة من قوله (#1: (انطلقوا بنا إلى بيت أبي الهيثم))، وفي (كنز
العمال)) من مسند الصديق: ((انطلقوا بنا إلى الواقفي أبي الهيثم، فلعلنا نجد
عنده شيئاً يطعمنا))، وفي (الدر)) من مسند أبي الهيثم: ((فقال لهما أي لأبي بكر
وعمر النبي ◌َّه: تعلمان من أحد نضيفه؟ قال: نعم، أبو الهيثم بن التيهان، له
أعذق، وجدي، إن جئناه نجد عنده فضل تمر، فخرج النبي (وَّ))، الحديث
نص في أن خروجه ود ليل كان قاصداً له.
٤١٩
٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٧٣) حديث
وعليه حمله جمع من شراح الحديث، قال النووي(١): فيه منقبة لأبي
الهيثم، إذ جعله النبي صَ لجر أهلاً لذلك، وكفى به شرفاً ذلك، اهـ.
وقال القاري في ((شرح الشمائل))(٢): فيه منقبة لكل منهما، أي أبي الهيثم
وأبي أيوب، إذ أهَّله وَّو لذلك، وجعله ممن قال الله تعالى: ﴿أَوْ
صَدِيقِكُمْ﴾، اهـ.
وقصة مضيف الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في ذلك شهيرة، قال
القاري في ((المرقاة))(٣): حكي عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه صار ضيفاً
لبعض أصحابه، فرأى في يد عبد المضيف ورقة فيها شراء أسباب أنواع الطبيخ
التي أرادها سيده، فأخذها الشافعي - رضي الله عنه -، وألحق فيها نوع طبيخ
كان مشتهى له، فلما مدّ السماط، استغرب المضيف ذلك النوع، وسأل عبده
سراً فذكر له، فأعتق عبده فرحاً بذلك، واستبشر جداً، وقال: الحمد لله الذي
جعل مثل هذا الإمام الهمام راضياً بأن أكون صديقاً له. وقد قال عز اسمه:
﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، اهـ.
وقال الباجي(٤): في الحديث جواز قصد المؤمن إلى صديقه الذي يعلم
سروره به، وليس فيه أنهم ذكروا جوعهم، فكان ذلك من التعريض المعروف
يجريه الله تعالى على يده، اهـ. قال الزرقاني(٥): وذهابهم إليه لا ينافي كمال
شرفهم، فقد استطعم قبلهم موسى والخضر، لإرادة الله تعالى سبحانه بتسلية
الخلق بهم، وأن يستنّ بهم السنن، ففعلوا ذلك تشريعاً للأمة، اهـ.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢١٢/١٣/٧).
(٢) (١٩٠/٢).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٥/٨).
(٤) ((المنتقى)) (٢٤٧/٧).
(٥) ((شرح الزرقاني)) (٣١٢/٤).
٤٢٠