النص المفهرس
صفحات 381-400
٥٠ - كتاب صفة النبي وَاط مه (١٠) باب (١٦٦٨) حديث قال الحافظ: ومعنى الظرفية ههنا أن يقدر محذوف، أي الأجر ثابت في إرواء كل كبد حية، ويحتمل أن يكون ((في)) سببية، كقولك في النفس دية، قال الداودي: المعنى في كل كبد حي أجر، وهو عام في جميع الحيوان، قال الأبي: حتى الكافر، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَقِيمًا وَأَسِيرًا ﴾﴾(١)؛ لأن الأسير إنما يكون في الأغلب الكافر، قال أبو عبد الملك: كان هذا الحديث في بني إسرائيل، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب. وأما قوله: ((في كل كبد)) فمخصوص ببعض البهائم، مما لا ضرر فيه، ولأن المأمور بقتله كالخنزير، لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره، وكذا قال النووي: إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم، وهو ما لم يؤمر بقتله، فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه، وقال ابن التين: لا يمنع إجراؤه على عمومه، يعني فيسقى، ثم يقتل، لأنا أمرنا بأن نحسن القتلة، ونهينا عن المثلة، اهـ. قال العيني(٢): القلب الذي فيه الشفقة والرحمة يجنح إلى قول الداودي، ويتوجه الردُّ على كلام أبي عبد الملك من وجوهٍ: الأول: أن قوله: كان في بني إسرائيل، لا دليل عليه في المانع أن أحداً من هذه الأمة فعل ذلك، وكوشف له يوم بذلك، وصدور ذلك الفعل من أحد من أمته يجوز أن يكون في زمنه، أو يكون بعده بأن يفعل ذلك، وأخبره ومث له في صورة الكائن، لأن الذي يخبره عن المستقبل كالواقع؛ لأنه مخبر صادق. قلت: ويؤيده ما تقدم من رواية ابن وهب عن مالك من لفظ ((بطريق مکة)) . (١) سورة الدهر: الآية ٨. (٢) ((عمدة القاري)) (٧٦/٩). ٣٨١ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلقد (١٠) باب (١٦٦٨) حديث قال العيني: والثاني: قوله: الإسلام أمر بقتل الكلاب كان في أول الإسلام، ثم نسخ بإباحة الانتفاع للصيد وغيره، والثالث: دعوى الخصوص لا دلیل علیه، وتخصيص العام بلا دليل إلغاء لحكمه. والعجب من النووي أيضاً أنه ادّعى عموم الحديث المذكور بالحيوان المحترم، وأصل الحديث مبنيٌّ على إظهار الشفقة لمخلوقات الله من الحيوانات، وإظهار الشفقة لا ينافي إباحة قتل المؤذي، ويفعل في هذا ما قاله ابن التين يعني فيسقى ثم يقتل، اهـ. قال صاحب ((المحلى)): وفي رواية للشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أن التي سقى الكلب امرأة مومسة، وأنها سقته في خفها، قال الحافظ: يحتمل تعدد القصة، اهـ. قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري(١) في ((كتاب الأنبياء)) برواية ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال النبي وَله: ((بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش، إذا رأته بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت مُوْقَها، فسقته، فغفر لها به))، قال الحافظ (٢): يحتمل تعدد القصة، قلت: هذا هو الظاهر لتغاير السياقين، وفي الثاني تصريح بكون الواقعة في بني إسرائيل دون الأول. وقال العيني في حديث المومسة: قال صاحب ((التوضيح)): هذا الحديث سلف في الشرب من البخاري من حديث أبي هريرة أن رجلاً فعل، وكذا ذكره في ((كتاب الطهارة)) فلعلهما قضيتان. قال العيني: هذا الحديث في المرأة المومسة، والحديثان المذكوران في البابين المذكورين في الرجل، وكل منهما حديثٌ مستقلٌّ بذاته، فلا وجه لقوله: هذا الحديث سلف، ولا لقوله: لعلهما قضيتان، بل هما قضيتان قطعاً، اهـ. (١) ح (٣٤٦٧). (٢) ((فتح الباري)) (٥١٦/٦). ٣٨٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ (١٠) باب (١٦٦٩) حدیث ٢٤/١٦٦٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بَعْثاً ٢٤/١٦٦٩ - (مالك عن وهب بن كيسان) القرشي أبو نعيم المدني (عن جابر بن عبد الله) أخرجه البخاري بمواضع من ((صحيحه))، منها في المغازي(١)، وترجم عليه ((باب غزوة سِيْف البحر)) وهم يتلقون عيراً لقريش وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح، أخرج فيه هذا الحديث برواية إسماعيل عن مالك (أنه قال: بعث رسول الله وَ له بعثاً) زاد في رواية عمرو بن دينار عن جابر في ((الصحيحين)): ((يرصد عيراً لقريش))، قال ابن سعد: كان ذلك في رجب سنة ثمان، قال الحافظ: لكن تلقي عير قريش لا يتصور كونه في هذا الوقت؛ لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة، بل مقتضى ما في ((الصحيح)) أن يكون البعث في سنة ست، أو قبلها قبل الهدنة، نعم يحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لحربهم، بل لحفظهم من جهينة كما سيأتي. قال الولي العراقي: قالوا: كان ذلك في رجب سنة ثمان، بعد نكث قريش العهد، وقبل فتح مكة، وقال في ((الهدي))(٢): كونه في رجب وَهْمٌ غير محفوظ، إذ لم يحفظ أنه وقليل غزا في الشهر الحرام ولا أغار فيه، ولا بعث فيه سرية، قال الحافظ برهان الدين الحلبي: هذا كلام مليح، لكنه مبنيٌّ على مختاره من عدم نسخ القتال في الشهر الحرام، كشيخه ابن تيمية تبعاً للظاهرية، وهو خلاف ما عليه المعظم من نسخه، كذا في ((الزرقاني على الموطأ))، وقال على ((المواهب)): وعلى تسلميه يحتمل أن يكون البعث في آخر رجب بحيث يصلون الجهينة، ويلقون العير في شعبان، اهـ. وذكرها صاحب ((الخميس)) في سنة ثمان، فقال: وفي رجب هذه السنة كانت سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر، وهي سرية الخبط، وكان فيها ثلثمائة (١) ح (٤٣٦٠). (٢) ((زاد المعاد)) (٣٤٤/٣). ٣٨٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلخير (١٠) باب (١٦٦٩) حديث من المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطاب، وقيس بن سعد بن عبادة، اهـ. وذكرها ابن الجوزي في ((التلقيح)) بعد عمرة القضاء قبل فتح مكة، وذكرها صاحب ((المجمع)) في سنة ثمان، لكن مال الحافظ في ((الفتح))(١) إلى أنها سنة ٢هـ، إذ قال: زعم الواقدي أن قصة بعث أبي عبيدة كانت في رجب سنة ثمان، وهو عندي خطأ؛ لأن في نفس الخبر الصحيح أنها خرجوا يترصدون عير قريش، وكانت قريش في سنة ثمان في الهدنة، وجُوِّزت أن يكون ذلك قبل الهدنة. ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك بقول جابر في رواية مسلم: ((إنهم خرجوا في غزوة بواط))، فذكر فيها قصة الحوت نحو حديث الباب، وغزوة بواط كانت في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر، وكان النبي ◌ّل خرج في مائتين من أصحابه يعترض عيراً لقريش، فيها أمية بن خلف، فبلغ بواطاً، وهي جبال الجهينة مما يلي الشام، بينها وبين المدينة أربعة بُرد، فلم يلق أحداً فرجع. فكأنه أفرد أبا عبيدة فيمن معه يرصدون العير المذكور، ويؤيد تقدم أمرها ما ذكر فيها من القلة والجهد، والواقع أنهم في سنة ثمان اتسع حالهم بفتح خيبر وغيرها، والجهد المذكور في القصة يناسب ابتداء الأمر، فيرجح ما ذکرته، اهـ. قلت: والأوجه عندي أن يقال: إنهم خرجوا ابتداء لعير قريش، ثم أفرد وسلّ أبا عبيدة ومن معه بعثاً إلى جهينة، فتجتمع الروايتان، وما أيد به الحافظ كلامه من زمان العسرة، يشكل عليه أن غزوة تبوك كانت بعد فتح مكة بلا خلاف، وتسمى جيش العسرة، ومال الزيلعي تبعاً لعبد الحق أنهما قصتان، وتعقب كلامه الحافظ في ((الفتح))، ومال إلى توحيدهما . (١) ((فتح الباري)) (٧٨/٨). ٣٨٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي وليه (١٠) باب (١٦٦٩) حديث قِبَلَ السَّاحِلِ. فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ. (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جانب (الساحل) أي ساحل البحر، وفي البخاري من رواية عمرو بن دينار عن جابر، قال: بعثنا رسول الله وَليه ثلاثمائة راكب، أميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عير قريش، فأقمنا بالساحل نصف شهر، قال الحافظ(١): وقد ذكر ابن سعد وغيره أن النبي ◌َّل بعثهم إلى حيّ من جهينة، بالقبلية - بفتح القاف والموحدة - مما يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيداً. وهذا لا يغاير ما في (الصحيح)) لأنّه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيراً لقريش، ويقصدون حياً من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما في ((مسلم)) من طريق عبيد الله بن مقسم عن جابر، قال: بعث رسول الله وَ له بعثاً إلى جهينة، فذكر هذه القصة، لكن تلقي عيرٍ قريش لا يتصور أن يكون في هذا الوقت الذي ذكره ابن سعد. ويحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم، بل لحفظهم من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحداً، بل فيه أنهم أقاموا نصف شهر أو أكثر من مكان واحد، اهـ. وبهذا الاحتمال جمع بينهما العيني في ((شرح البخاري)) وتبعهما الزرقاني(٢) إذ قال: ولا منافاة لاحتمال أن البعث للمتصدين رصد عير قريش، وقصد محاربة حي من جهينة. (فأمر عليهم) بتشديد الميم أي جعل عليهم أميراً، ببناء الفاعل على سياق النسخ المصرية، وضمير الفاعل إلى النبي لة، وببناء المجهول على النسخ الهندية، والأوجه الأول (أبا عبيدة) بالنصب في النسخ المصرية على المفعولية، وبالرفع على أنه نائب الفاعل في الهندية، واسمه عامر بن عبد الله (بن الجراح) (١) ((فتح الباري)) (٧٨/٨). (٢) (شرح الزرقاني)) (٣٠٦/٤) ٣٨٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلا (١٠) باب (١٦٦٩) حديث وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ. قَالَ: وَأَنَا فِيهِمْ. أحد العشرة المبشرة، توفي أميراً على الشام من قبل عمر - رضي الله عنه - في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ شهيداً، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، كذا في ((العيني)). قال الحافظ: في رواية أبي حمزة الخولاني عن جابر بن أبي عاصم، في الأطعمة: تَأَمّر علينا قيس بن سعد بن عبادة على عهد رسول الله بَّ، كذا في ((الفتح))، والظاهر أن فيه تحريفاً من(١) الناسخ، وفي ((الزرقاني)) في رواية حمزة الخولاني عن جابر عند ابن أبي عاصم، أَمَّر علينا قيس بن سعد بن عبادة، قال الحافظ: والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات ((الصحيحين)) أنه أبو عبيدة، وكان أحد رواته ظن من صنيع قيس بن سعد في تلك الغزوة ما صنع من نحر الإبل التي اشتراها أنه كان أمير السرية، وليس كذلك، اهـ. (وهم) أي الجيش (ثلاثمائة) نفر على المشهور في الروايات في الكتب الستة، وبه جزم أهل السير كابن سعد قائلاً: ((من المهاجرين والأنصار))، وللنسائي: ((بضع عشرة وثلاثمائة))، فإن صحت، فلعله اقتصر في الرواية المشهورة على ثلاثمائة استسهالاً لأمر الكسر لقلته، لكن الأخذ بالزيادة مع صحتها واجب؛ لأنه زيادة ثقة غير منافية، قاله الزرقاني(٢). قلت: ويشكل عليه ما تقدم من ترجيح الحافظ أنَّ الوقعة كانت في غزوة بواط، وقد سبق من رواية مسلم: خرج رسول الله وَ ◌ّر في المائتين من أصحابه، اللَّهم إلا أن يقال: إنهم كانوا عند الخروج المائتين، ثم ازدادوا عند الرجوع، لما لحقهم بعد ذلك من المدينة وحواليها . (قال) جابر: (وأنا فيهم) زاد في رواية لمسلم: ((وفيهم عمر بن الخطاب)) (١) صوابه عن جابر عند ابن عاصم في كتاب الأطعمة له، اهـ. ((ش)). (٢) (شرح الزرقاني)) (٣٠٧/٤). ٣٨٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلة (١٠) باب (١٦٦٩) حديث قَالَ: فَخَرَجْنَا. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ. فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذُلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذُلِكَ كُلُّهُ. وزاد الشيخان في رواية: ((نحمل زادنا على رقابنا))، ولذا ترجم عليه البخاري في ((صحيحه)(١) ((باب حمل الزاد على الرقاب)) (قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني) بفتح الفاء وكسر النون أي نفد وعدم (الزاد) قال الكرماني: إذا فني فكيف أمر بجمع الأزواد، فأجاب بأنه إما يراد به فناء زاده خاصة، أو يريد بالفناء القلة، قال العيني: يجوز أن يقال: معنى فني أشرف على الفناء. (فأمر) بتخفيف الميم المفتوحة (أبو عبيدة) أمير الجيش (بأزواد) جمع زاد (ذلك الجيش فجمع) ببناء المجهول (ذلك كله) قال الباجي(٢): يحتمل أن يفعل ذلك أبو عبيدة لرأي رآه، وموافقة أهل الجيش أجمع له على ذلك ورضاهم به، وإن كان يجوز أن يكون بعضهم أكثر زاداً من بعض، ويكون فيهم من فني زاده جملة، إلا أنهم رأوا التواسي، وقد روي عن النبي وَلّر أنه قال: ((إن الأشعريين إذا أرملوا جمعوا زادهم فتواسوا فيهم، فهم مني وأنا منهم)). ويحتمل أن أبا عبيدة حكم بذلك بينهم حين رأى أن منهم من قد فني زاده، وخاف عليه سرعة الهلاك، ومنهم من له زاد يكفيه، وليس بموضع ابتياع ولا تسبب، فألزمهم أبو عبيدة التساوي فيما عندهم من الزاد، ولم يذكر في الحديث ثمناً، وظاهر هذا أنه كان على التراضي، اهـ. قلت: والظاهر أنه - رضي الله عنه - فعل ذلك اتباعاً لفعله رحي له حين أمر بجمع الأزواد في حديث أخرجه مسلم(٣) من طريق إياس بن سلمة عن أبيه، قال: ((خرجنا مع رسول الله وَ ل﴿ في غزوة، فأصابنا جهدٌ حتى هممنا أن ننحر (١) ((صحيح البخاري)) (١٧/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٤/٧). (٣) ح (١٧٢٩). ٣٨٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلخير (١٠) باب (١٦٦٩) حديث فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ. قَالَ: فَكَانَ يُقَوِّتْنَاهُ كُلَّ يَوْم قَلِيلاً قَلِيلاً . بعض ظهرنا، فأمرنا النبي ونَ﴿، فجمعنا تزاودنا، فبسطنا له نطعاً، فاجتمع زاد القوم على النطع))، الحديث. قال النووي: هذا محمول على أنه جمعه برضاهم وخلط ليبارك لهم، كما فعل النبي ﴾ ذلك في مواطن، وكما كان الأشعريون يفعلونه، وأثنى عليهم النبي بَّر، وقد قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم، ليكون أبرك وأحسن في العسرة، وأن لا يختص بعضهم بأكل دون بعض، اهـ. وفي ((العيني)) (١): قال القرطبي: يحتمل أن يكون ذلك حكماً حكم به أبو عبيدة لما شاهد من الضرورة، وخوفه من تلف من لم يبق معه زاد، أو فعل ذلك عن رضىّ منهم، اهـ. (فكان) ما يجعل فيه الزاد المجموع (مزودي تمر) بكسر الميم وسكون الزاي المعجمة وفتح الواو آخره دال مهملة، والرواية هكذا في جميع نسخ ((الموطأ)» الهندية والمصرية، بلفظ تثنية المزودين، قال الزرقاني: الحديث ههنا وفي البخاري وغيره من طريق مالك روي بالتثنية، اهـ. قلت: وقع في البخاري في ((باب غزوة سيف البحر)) برواية إسماعيل عن مالك بلفظ الإفراد مِزْوَدُ تمر، وعليه بنى الحافظ شرحه كما سيأتي، قلت: والعجب أنه تنبه لذلك الاختلاف الزرقاني، وسبقه في ذلك النووي تبعاً للقاضي عياض، لكنهم لم يحاولوا إلى الجمع بينهما . (قال) جابر: (فكان) أبو عبيدة الأمير (يقوتناه) بفتح أوله وضم القاف المخففة من الثلاثي، أو بضم أوله وفتح القاف وكسر الواو المشددة من التقويت. (في كل يوم قليلاً قليلاً) بالنصب على المفعولية وفي ((المحلى)) عن (١) ((عمدة القاري)) (٩/ ٢٦٠). ٣٨٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َّ- (١٠) باب (١٦٦٩) حديث حَتَّى فَنِيَ. وَلَمْ تُصِبْنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ. مسلم، فكان [يعطينا] قبضة قبضة، ثم أعطانا تمرة تمرة، اهـ. (حتى فني) ما في المزودين أيضاً (ولم تصبنا) في آخر الأمر (إلا تمرة تمرة) كل يوم قال الباجي: ولعلهم كانوا يضيفون إلى ذلك ما أمكن من حشيش وورق شجر، اهـ. قلت: ويحتمل أنهم يكتفون بذلك، فإن في وقائع أهل الزهد نظائر لذلك كثيرة، قال الحافظ في ((الفتح)) (١): ظاهر هذا السياق أنهم كان لهم زاد بطريق العموم، وأزواد بطريق الخصوص، فلما فني الذي بطريق العموم اقتضى رأي أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق الخصوص لقصد المساواة بينهم، ففعل ذلك، فكان جميعه مزوداً واحداً . قلت: هذا على رواية البخاري بلفظ الإفراد، قال: ووقع عند مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر «بعثنا رسول الله بَّه وأَمَّر علينا أبا عبيدة، وزَوَّدنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره، وكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة))، وظاهره يخالف رواية الباب، ويمكن الجمع بأن الزاد العام كان قدر جراب، فلما نفد وجمع أبو عبيدة الزاد الخاص، اتفق أنه أيضاً كان قدر جراب، ويكون كل من الراويين ذكر ما لم يذكر الآخر، وأما تفرقة ذلك تمرة تمرة، فكان في ثاني الحال، اهـ. قال النووي(٢): قوله: ((زوّدنا جراباً لم يجد لنا غيره، وكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة))، وفي رواية من هذا الحديث ((نحمل أزوادنا على رقابنا))، وفي أخرى ((ففني زادهم فجمع أبو عبيدة زادهم في مزود، فكان يقوتنا كل يوم تمرة) وفي ((الموطأ)) ((ففني زادهم، وكان في مِزْوَدِي تمر))، وفي الأخرى لمسلم ((كان يعطينا قبضة قبضة، ثم أعطانا تمرة تمرة)). (١) ((فتح الباري)) (٧٩/٨). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٨٥/١٣/٧). ٣٨٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل (١٠) باب (١٦٦٩) حديث فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ. قال القاضي: الجمع بين هذه الروايات أن يكون النبي ◌ّ زودهم المزود زائداً على ما كان معهم من الزاد من أموالهم وغيرها مما واساهم به الصحابة، ولذا قال: ونحن نحمل أزوادنا على رقابنا، ويحمل أنه لم يكن في زادهم تمر غير هذا الجراب، وكان معهم غيره من الزاد، اهـ. وتعقبه الحافظ(١) فقال: وأما قول عياض: يحتمل أنه لم يكن في زادهم تمرٌ غير الجراب المذكور فمردودٌ، لأن حديث الباب صريح في أن الذي جمع من أزوادهم كان مِزْوَدَ تمرٍ، فصحّ أن التمر كان معهم من غير الجراب، وأما قول غيره: يحتمل أن يكون تفرقته عليهم تمرة تمرة كان من الجراب النبوي قصداً، وكان يفرق عليهم من الأزواد التي جمعت أكثر من ذلك فبعيدٌ من ظاهر السياق، بل في رواية هشام بن عروة عند ابن عبد البر ((فقَلَّتْ أزوادنا حتى ما كان يصيب الرجل منا إلا تمرة)»، اهـ. (فقلت) لجابر مقولة لوهب بن كيسان الراوي: (وما تغني) بضم أوله أي ما تكفي لكم (تمرة) واحدة في كل يوم، وفي رواية هشام عن وهب ((وأين كانت التمرة تقع من الرجل)) (فقال) جابر: (لقد وجدنا فقدها) أي تأسفنا على فقدها أيضاً (حيث فنيت) لأنها خير ممن لا شيء إذ يحلى بها الفم، وترد بعض ألم الجوع، ولمسلم عن أبي الزبير ((أنه أيضاً سأل ذلك، فقال: لقد وجدنا فقلت: ما كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصّها كما يمصّ الصبيُّ الثدي، ثم نشرب عليها الماء، فيكفينا يومنا إلى الليل))، زاد عمرو بن دينار عن جابر في ((الصحيحين)) وغيرهما: ((فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا، فأصابنا جوعٌ حتى أكلنا الخبط)). ولمسلم(٢) عن أبي الزبير: ((وكنا نضرب بِعِصِيِّنا الخبط ونبلُّه بالماء (١) ((فتح الباري)) (٧٩/٨). (٢) ((صحيح مسلم)) (١٩٣٥). ٣٩٠ ٥٠ - كتاب صفة النبي تَليل (١٠) باب (١٦٦٩) حديث قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ. فنأكله))، وهذا يدل على أنه كان يابساً، بخلاف ما جزم به الداودي أنه كان أخضر رطباً، والخبط بفتح المعجمة والموحدة ورق السلم، بفتحتين شجر عظيم له شوك(١) . (قال) جابر: (ثم انتهينا) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بلفظ ((ثم)) وفي ((الزرقاني)): ((فانتهينا))، قال: وفي رواية ((ثم انتهينا))، اهـ. وظاهره أن رواية ((الموطأ)) عنده بالفاء (إلى البحر) كذا في جميع النسخ المصرية وهامش الهندية بطريق النسخة، وفي متونها ((إلى الساحل))، وفي البخاري ((إلى البحر))، قال الحافظ: أي إلى ساحل البحر، كما هو نص رواية أخرى، وفي رواية أبي الزبير ((فانطلقنا على ساحل البحر)) (فإذا) للمفاجأة (حوت) اسم جنس لجميع السمك، وقيل: مخصوص بما عظم منها (مثل الظرب) بفتح المعجمة المشالة، ووقع في بعض النسخ بالمعجمة الساقطة، حكاه ابن التين، والأول أصوب، كذا في ((الفتحَ)). قال العيني(٢): بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء: هو الجبل الصغير، ووقع في بعض النسخ بالضاد المعجمة حكاه ابن التين، والأول أصوب، وقال الفراء(٣): هو بسكون الراء إذا كان منبسطاً ليس بالعالي. قال الحافظ: وفي رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم: ((فوقع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه، فإذا هي دابة تدعى العنبر))، وفي رواية ((فألقى لنا البحر دابة يقال لها: العنبر))، وفي رواية الخولاني ((فهبطنا بساحل البحر، فإذا نحن بأعظم حوت))، قال أهل اللغة: العنبر: سمكة بحرية (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٠٧/٤). (٢) ((عمدة القاري)) (٢٦٠/٩). (٣) كذا في الأصل، والصواب القزاز كما في ((الفتح)) و((الزرقاني على الموطأ)) و((المواهب))، اهـ. ((ش)). ٣٩١ ٥٠ - كتاب صفة النبي (١٠) باب (١٦٦٩) حديث فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. كبيرة، يتخذ من جلدها الترسة، ويقال: إن العنبر المشموم رجيع هذه الدابة، وقال ابن سينا: بل المشموم يخرج من البحر، وإنما يؤخذ من أجواف السمك الذي يبتلعه. ونقل الماوردي عن الشافعي قال: سمعت من يقول: رأيت العنبر نابتاً في البحر ملتوياً مثل عنق الشاة، وفي البحر دابة تأكله، وهو سَمٌّ لها، فيقتلها، فيقذفها البحر، فيخرج العنبر من بطنها، وقال الأزهري: العنبر سمكة تكون بالبحر الأعظم، يبلغ طولها خمسين ذراعاً، يقال لها بالة، وليست بعربية، ووقع في رواية عمرو بن دينار: ((فألقى لنا البحر حوتاً ميتاً»، واستدل به على جواز أكل ميتة السمك، اهـ. قلت: تقدم الخلاف في ذلك في ((كتاب الصيد)) من أن الأئمة الثلاثة أباحوا ما لفظه البحر ميتاً، والحنفية لم يبيحوا الطافي من السمك، والحديث ليس بنص في أنه كان طافياً أو مات بإلقاء البحر، قال الباجي(١): يحتمل أن يكون هذا الحوت لَفَظَّه البحر حياً، فمات، أو لفظه ميتاً بعد أن مات بحرٍّ أو بردٍ، أو قتل غيره من الحيتان له، ويحتمل أن مات بغير سبب، وإنما اختلف العلماء في جواز أكل ما مات بغير سبب، وأما ما مات بسبب من الأسباب التي ذكرناها أو غيرها فلم يختلف في جواز أكله، اهـ. (فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة) قال الحافظ (٢): وفي رواية عمرو بن دينار ((فأكلنا منه نصف شهر))، وفي رواية أبي الزبير ((فأقمنا عليه شهراً))، ويجمع بين هذا الاختلاف أن الذي قال: ثمان عشرة، ضبط ما لم يضبطه غيره، وأن من قال: نصف شهر، ألغى الكسر الزائد، وهو ثلاثة أيام، (١) ((المنتقى)) (٢٤٥/٧). (٢) (فتح الباري)) (٨٠/٨). ٣٩٢ (١٦٦٩) حديث ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ (١٠) باب ومن قال: شهراً جبر الكسر أو ضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها، ورجح النووي رواية أبي الزبير لما فيها من الزيادة، وقال ابن التين: إحدى الروايتين في البخاري وهم، ووقع في رواية الحاكم ((اثني عشر يوماً))، وهي شاذّة، وأشدّ منها شذوذاً رواية الخولاني، ((فأقمنا عليها ثلاثا»، ولعل الجمع الذي ذكرتها أولى، اهـ. وإلى هذا الجمع مال العيني في موضع من ((شرحه))، وقال في موضع آخر: قال عياض: يعنى أكلوا نصف شهر طرياً، وبقية ذلك قديداً. وقال النووي: من قال: شهراً هو الأصل، ومعه زيادة علم، اهـ. قلت: والأوجه عندي في الجمع أنهم أكلوا كلهم نصف شهر، وأكثرهم إلى ثمانية عشر، وقليل منهم إلى شهر، حتى أرسل بعضهم عضواً منه إلى النبي ◌َ * بعد رجوعهم إلى المدينة، فمن نظر إلى كثرة الأكل منه ذكر نصف شهر أو ثمانية عشر يوماً، ومن نظر إلى بقية منه ذكر شهراً كاملاً. قال الزرقاني(١): زاد في رواية عمرو بن دينار عن جابر ((وادّهنا من وَدَكه حتى ثابت إلينا أجسامنا)) بمثلثة وموحدة، أي رجعت، وفيه إشارة إلى أنهم حصل لهم هزال من الجوع السابق، اهـ. (ثم أمر أبو عبيدة) قال الباجي: يحتمل أنه فعل ذلك اعتباراً بعظم ما خلق الله تبارك وتعالى، إذ لم ير من حيوان البحر مثله قبل ذلك، وليتمكن من الإخبار عنه من لم يحضره، فيعتبر به، وعلى هذا يجوز للإنسان أن ينظر فيما عظم خلقه من المخلوقات ما لم يره قبل ذلك، وسعى إلى ذلك ليعتبر به، ويعجب غيره منه فيعتبر، اهـ. (بضلعين) بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام (من أضلاعه) وفي رواية (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٨/٤). ٣٩٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي تَلهم (١٠) باب (١٦٦٩) حديث فَنُصِبًا. ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ. ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا وَلَمْ تُصِبْهُمَا . أخرجه البخاريّ في: ٤٧ - كتاب الشركة، ١ - باب الشركة في الطعام والنهد والعروض. ومسلم في: ٣٤ - كتاب الصيد والذبائح، ٤ - باب إباحة ميتة البحر، حديث ١٧ - ٢١. للبخاري من ((أعضائه))، قال الحافظ: والأول أصوب (فنصبا) ببناء المجهول بصيغة التذكير في النسخ المصرية، والضلع وإن كانت مؤنثة، لكنه غير حقيقيٍّ، فيجوز تذکیره. (ثم أمر) أبو عبيدة (براحلة) أن ترحل (فرحلت) ببناء المجهول بتخفيف الحاء وتشديدها (ثم مرت) الراحلة (تحتهما) أي تحت الضلعين (فلم تصبهما) أي لم تصب الراحلة إلى الضلعين، وفي رواية عمرو بن دينار عن جابر عند البخاري: ((فعمد إلى أطول رجل معه))، وقال سفيان مرة: ((وأخذ رجلاً وبعيراً، فمرّ تحته))، وفي حديث عبادة بن الصامت عند ابن إسحاق: ((ثم أمر بأجسم بعير معنا، فحمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من تحتهما وما مست رأسه)). قال الحافظ في ((المقدمة))(١): حديث جابر في بعث الساحل، وفيه كان رجل نحر ثلاث جزائر، هو قيس بن سعد بن عبادة، وهو الذي مر على بعيره راكباً تحت ضلع الحوت، اهـ. وقال في ((الفتح))(٢): هذا الرجل أي المار لم أقف على اسمه، وأظنه قيس بن سعد بن عبادة، فإن له ذكراً في هذه الغزوة، أي في نحر الجزائر، وكان مشهوراً بالطول، وقصته مع معاوية لما أرسل إليه ملك الروم بالسراويل معروفة، ثم ذكر هذه القصة. وأنت خبير بأن تأليف الشرح مؤخر عن المقدمة، فكأنه جزم بذلك أولاً (١) ((مقدمة فتح الباري)) (ص٣٢٧). (٢) ((فتح الباري)) (٨٠/٨). ٣٩٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل (١٠) باب (١٦٦٩) حديث بالقرائن، ثم تردد لعدم التصريح، قال الزرقاني تبعاً للحافظ في ((الفتح)): وزاد مسلم في رواية أبي الزبير عن جابر، ((فلقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ونقتطع منه الفِدَر كالثور، فأخذ أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً، وأقعدهم في وقب عينيه))، بفتح الواو وسكون القاف: النقرة التي فيها الحدقة، كما في ((الزرقاني)). وقال الحافظ: هو حفرة العين في عظم الوجه، وأصله نقرة في الصخرة، يجتمع فيها الماء، والفدر بكسر الفاء وفتح الدال: جمع فدرة، القطعة من اللحم وغيره، وفي رواية الخولاني عن جابر: ((وحملنا ما شئنا من قديد وودك في الأسقية والغرائر)). وفي آخر ((صحيح مسلم)) (١) في آخر الحديث الطويل لجابر ((وشكا الناس إلى رسول الله وَّر الجوع، فقال: عسى الله أن يطعمكم، فأتينا سيف البحر، فزخر البحر زخرة، فألقى دابة، فأورينا على شقها النار، فاطبخنا واشتوينا، وأكلنا وشبعنا قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان، حتى عدّ خمسة في حجاج عينها، وما يرانا أحد حتى خرجنا، وأخذنا ضلعاً من أضلاعها فقَوَّسناه، ثم دعونا بأعظم رجل في الركب، وأعظم جمل في الركب، وأعظم كفل في الركب، فدخل تحته ما يطأطئ رأسه))، والكفل بكسر الكاف وسكون الفاء: كساءٌ يجعله الراكب على سنامه لئلا يسقط. وظاهر سياقه أن ذلك وقع لهم في غزوة مع النبي ◌َّ، لكن يمكن حمل قوله: ((فأتينا سيف البحر)) على أنه معطوف على محذوف تقديره: فبعثنا النبي ◌َّ في سفر فأتينا إلخ. فيتحد مع القصة التي في الباب. (١) ح (٣٠١٤). ٣٩٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي تكليفه (١٠) باب (١٦٦٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: الظَّرِبُ الْجُبَيْلُ. وللبخاري عن أبي الزبير عن جابر ((فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي وَيّ، فقال: كلوا رزقاً أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بعضو منه فأكله)) كذا في رواية ابن السكن، ولأحمد ومسلم عن أبي الزبير عن جابر فقال: «هل معكم من شيء من لحمه فتطعمونا؟ فكان معنا منه شيء، فأرسلنا إلى رسول الله وَ﴿ منه فأكل))، وفي رواية أبي حمزة عن جابر عند ابن أبي عاصم في ((كتاب الأطعمة)): ((فلما قدموا ذكروا ذلك لرسول الله وَ له، فقال: لو نعلم أنا ندركه لم يروح لأحبينا لو كان عندنا منه))، وهذا لا يخالف رواية أبي الزبير لأنه يحمل على أنه قال ذلك ازدياداً منه بعد أن أحضروا له منه ما ذكر، أو قال ذلك قبل أن يحضروا له منه، وكان الذي أحضروه معهم لم يروح فأكل منه، انتهى ما في ((الفتح))(١) و((الزرقاني)). (قال مالك: الظرب) بالظاء المعجمة في جميع النسخ (الجبيل) بالتصغير في النسخ المصرية، والتكبير في الهندية، قال الزرقاني: مصغراً إشارة إلى صغره، وفي رواية ابن بكير: الجبل الصغير، اهـ. وتقدم في الحديث، قال الدميري(٢): وسرية أبي عبيدة هذه يقال لها: سرية الخبط، وكانت في رجب سنة ٨هـ، وكان فيها عمر بن الخطاب، وقيس بن سعد - رضي الله عنهما -، وحديثهما رويناه في ((الغيلانيات))، وهو أن النبي وّل بعث أبا عبيدة في سرية، فيها المهاجرون والأنصار، ثلاثمائة رجل إلى ساحل البحر، إلى حيّ من جهينة، فأصابهم جوع شديد. فقال قيس: من يشتري مني تمراً بجزورٍ، يوفيني الجزور ههنا، وأوفيه التمر بالمدينة؟ فجعل عمر - رضي الله عنه - يقول: واعجباً لهذا الغلام، لا (١) ((فتح الباري)) (٨١/٨). (٢) ((حياة الحيوان)) (٢١٤/٢). ٣٩٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َليق (١٠) باب (١٦٦٩) حديث مال له يدين في مال غيره! فوجد رجلاً من جهينة، فقال له قيس: بعني جزوراً أوفيكه وسقاً من تمر المدينة، فقال الجهني: والله ما أعرفك، فمن أنت؟ قال: أنا ابن سعد بن عبادة بن دليم، فقال الجهني: ما أعرفني(١) بنسبك، وذكر كلاماً، فابتاع منه خمس جزائر، كل جزور بوسق من تمر، يشترط عليه البدوي تمر ذخيرة مصلبة من تمر آل دليم، فيقول قيس: نعم، قال: فأشهد لي، قال: فأشهد له نفراً من الأنصار، ومعهم نفر من المهاجرين، قال قيس: إنما أشهد من تحب، وكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقال عمر - رضي الله عنه -: ما أشهد على هذا بدين، ولا مال له، إنما المال لأبيه، فقال الجهني: والله ما كان سعد ليبخس في وسقة من تمر، وإني أرى وجهاً حسناً وفعالاً شريفة، فكان بين عمر وقيس كلام، حتى أغلظ عمر لقيس، ثم أخذ الجزر، فنحرها لهم في مواطن ثلاثة كل يوم جزوراً. فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره، وقال له: أتريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك؟ قال: فأقبل أبو عبيدة ومعه عمر - رضي الله عنهما - فقال: عزمت عليك أن لا تنحر، فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت يقضي ديون الناس، ويحمل الكَلَّ ويطعم في المجاعة، ولا يقضي عني وسقة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله، فكاد أبو عبيدة أن يلين له، وجعل عمر - رضي الله عنه - يقول: اعزم عليه، فعزم عليه وبلغ سعداً ما أصاب القوم من المجاعة. فقال: إن كان قيس كما أعرف، فسينحر للقوم، فلما قدم قيس لقيه سعد، فقال: ما صنعت في مجاعة القوم؟ قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نُهِيت، قال: ومن نهاك؟ قال: أميري أبو عبيدة، قال: ولم؟ قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال للأب! فقلت: إن أبي يقضي عن الأباعد، (١) هكذا في الأصل. ر ٣٩٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي (١٠) باب (١٦٦٩) حديث ويحمل الكلَّ، ولا يصنع هذا بي؟ قال: تلك أربع حوائط، أدناها حائط، تجد منه خمسين وسقاً، قال: وقدم البدوي مع قيس، فأوفاه وسقته، وحمله وكساه، فبلغ ذلك النبي ◌ِّر من فعل قيس، فقال: ((إنه من قلب جود)) اهـ. وقصة النحر ذكرها البخاري مختصراً بلفظ، قال جابر: وكان رجل من القوم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، الحديث. قال الحافظ(١): ذكر الواقدي بإسناد له، أن قيس بن سعد لما رأى ما بالناس، قال: من يشتري مني تمراً بالمدينة بجزور ههنا، فقال له رجل من جهينة: من أنت؟ فانتسب له، فقال: عرفت نسبك، فابتاع منه خمسة جزائر بخمسة أوسق، وأشهد له نفراً من الصحابة، وامتنع لكون قيس لا مال له، فقال الجهني: ما كان سعد ليجني بابنه في أوسق تمر، فبلغ ذلك سعداً فغضب، ووهب لقيس أربع حوائط، أقلها يجذ خمسين وسقاً. وزاد ابن خزيمة في حديثه من طريق عمرو بن دينار: ((لما قدموا ذكروا شأن قيس، فقال النبي وَ﴾: إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت))، وذكر الزرقاني حديث الواقدي مفصلاً بنحو ما تقدم عن الدميري، وزاد فيه بعد قوله: ((فكاد أبو عبيدة يلين، وجعل عمر - رضي الله عنه - يقول: اعزم، فعزم عليه، فبقيت جزوران، فقدم بهما قيس المدينة ظهراً يتعاقبون عليهما))، وضبط قول الأعرابي: ما كان سعد ليخني بابنه في خمسة أوسق، بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة ونون، أي يقصر، ولم يذكر الحافظ في ((الفتح)) في الجمع بين مختلف ما روي في الجزور التي نحرت. قال الزرقاني(٢): ويمكن الجمع بأنه نحر أولاً ستاً مما معه، ثم اشترى (١) ((فتح الباري)) (٨١/٨). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٩/٤). ٣٩٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي رَصالح (١٠) باب (١٦٦٩) حديث خمساً من الجهني، فنحر منها ثلاثاً، ثم نهي، فاقتصر من قال: ثلاثاً على ما نحره مما اشتراه، ومن قال: تسعاً، ذكر جملة ما نحره، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح، اهـ. قلت: وأخرج أحمد في ((مسنده)) برواية عمرو عن جابر: ((وكان رجل يجزر ثلاثة جزر، ثم ثلاثة، ثم ثلاثة، فنهاه أبو عبيدة))، فذكر الثلاث أربع مرات، قال الحافظ(١): واختلفوا في سبب نهي أبي عبيدة قيساً أن يستمر على إطعام الجيش، فقيل: لخشيته أن تفنى حمولتهم، وفيه نظر، لأن القصة أنه اشترى من غير العسكر، وقيل: لأنه كان يستدين على ذمته، وليس له مال، فأريد الرفق به، وهذا أظهر، اهـ. قال الزرقاني: ولا نظر لأنه خاف أن يشتري من العسكر بعد نحر ما اشترى من غيره، اهـ. قلت: يؤيده أنه نحر تسعاً، وكانت المشتراة خمسة. ومما يجب التنبيه عليه ما قال الحافظ: إنه وقع في أواخر ((صحيح مسلم)) (٢) في الحديث الطويل من طريق الوليد بن عبادة بن الصامت ((أنهم دخلوا على جابر فرأوه يصلي في ثوب واحد))، الحديث، وفيه أنه قال: ((سرنا مع رسول الله وََّ في غزوة بطن بُواطِ(٣)، وهو يطلب المَجْدِيَّ بن عمرو الجهنيّ))، وفيه ((سرنا مع رسول الله بَّر، وكان قوت كل رجل منا تمرة كل يوم، فكان يمصّها، وكنا نختبط بقسينا، ونأكل)). وفيه ((سرنا مع رسول الله وَ ل﴿ حتى نزلنا وادياً أفيح))، فذكر قصة (١) ((فتح الباري)) (٨١/٨). (٢) ح (٧٤ /٣٠٠٦) كتاب الزهد والرقائق. (٣) بطن بواط قال القاضي رحمه الله: قال أهل اللغة: هو بالضم، وهي رواية أكثر المحدثين. وهو جبل من جبال جهينة. ٣٩٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلل (١٠) باب (١٦٦٩) حديث الشجرتين اللتين التقتا بأمر رسول الله وَالر، وفي آخره ((وشكا الناس إلى رسول الله صل الجوع، فقال: عسى الله أن يطعمكم فأتينا سيف البحر فزخر البحر زخرة، فألقى دابة))، فذكر نحو قصة الباب. قال الحافظ: ظاهر سياق هذه القصة يقتضي مغايرة القصة المذكورة في هذا الباب، وهي من رواية جابر أيضاً، حتى قال عبد الحق في الجمع بين (الصحيحين)): هذه واقعة أخرى غير تلك، فإن هذه كانت بحضرة النبي مَلآ، وما ذكره ليس بنص في ذلك لاحتمال أن تكون الفاء في قول جابر: «فأتينا سيف البحر)) هي الفصيحة، وهي معقبة لمحذوف، تقديره فأرسلنا النبي ◌َّ مع أبي عبيدة، فأتينا سيف البحر، فتتحد القصتان، وهذا هو الراجح عندي، والأصل عدم التعدد. ومما نبه عليه ههنا أيضاً أن الواقدي زعم أن قصة بعث أبي عبيدة كانت في رجب سنة ثمان، وهو عندي خطأ، فذكر كلامه الذي حكيته في أول هذا الحديث تحت قوله: ((بعث رسول الله وَل﴿ بعثاً))، وإليه يظهر ميل القاضي عياض، إذ قال في ((الشفاء)): وفي رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عن جابر في حديث مسلم الطويل في ذكر غزوة بواط، قال: قال لي رسول الله وَليقول: ((يا جابر نادِ الوَضوءَ)» فذكر الحديث بطوله(١)، وقصة الماء هذه في حديث جابر متصلة بقصة الجوع. ومال الزيلعي في ((نصب الراية))(٢) تبعاً لعبد الحق إلى مغايرة القصتين وإليه مال شيخ مشايخنا الگنگوهي قدس سره، كما حكاه عنه والدي المرحوم في بين سطور ((مسلم))، إذ كتب أنه - رضي الله عنه - سرد الأحاديث لما علم أنهم أتوه لأجلها، اهـ. فأشار إلى أنها قصص مختلفة. (١) ((صحيح مسلم)) (٢٣٠٧). (٢) (٢٠٥/٤). ٤٠٠