النص المفهرس
صفحات 321-340
٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلم (٧) باب (١٦٥٧) حديث عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْجُهَنِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَم، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ. فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لهَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ: ((فَأَبِنِ الْقَدَحَ (عن أبي المثنى الجهني) المدني، قال ابن عبد البر: لم أقف على اسمه، وذكره الحافظ في (تهذيبه))(١)، ورقم له للترمذي، وابن ماجه، قال: روى عن سعد بن أبي وقاص، وعن أبي سعيد الخدري في النهي عن النفخ في الشراب، عن ابن معين: ثقة، وقال علي بن المديني: مجهول، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). (أنه قال: كنت عند مروان بن الحكم) الأموي (فدخل عليه أبو سعيد الخدري) الصحابي الشهير، سعد بن مالك (فقال له مروان بن الحكم: أسمعت) بهمزة الاستفهام (من رسول الله وَر أنه) وَّر (نهى عن النفخ في الشراب؟ فقال له أبو سعيد: نعم) سمعته ذلك، قال الباجي(٢): حملاً لأمته على مكارم الأخلاق؛ لأن النافخ فيها يجوز أن يقع من ريقه فيها شيء مع النفخ فيتقذره الناظر، ويفسده عليه، اهـ. وتقدم في ذلك من حكم أخرى. وزاد أبو سعيد في الجواب الكلام الآتي تكميلاً للفائدة الجديدة (فقال له) وَّ (رجل) لم يسم (يا رسول الله إني لا أروى من نَفَس) بفتحتين (واحد) قال الباجي: سؤاله يقتضي أن التنفس في الإناء من معنى النفخ، وكان الرجل يريد أنه لا يكفيه ما يشرب من الماء في نفس واحد (فقال له رسول الله ولين : فأبنٍ) بفتح الهمزة وكسر الموحدة أمر من الإبانة أي فأبعد (القدح) أي إناء (١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٢١/١٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٦/٧). ٣٢١ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َله (٧) باب (١٦٥٧) حديث عَنْ فِيكَ ثُمَّ تَنَفَّسْ)) الشرب (عن فيك) عند الشرب، ولا تَنَفَّس في الماء (ثم تنفس) ثم اشرب مرة أخرى. قال الباجي: لم ينكر عليه الشرب من نفس واحد، بل أقرّه عليه، فاقتضى ذلك إباحته، وقد جَوَّز مالك الشرب في نفس واحد، وبه قال ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز، وروي عن ابن عباس وعكرمة كراهية ذلك، وقالا: هو شرب الشيطان، وما قال مالك - رحمه الله تعالى - أظهر للحديث، اهـ. قال الزرقاني(١): إن الأمر بإبانة القدح، إنما يخاطب به من لم يرو من نفس واحد بغير عب، وإلا فلا إبانة، قاله في ((المفهم))، وفي ((التمهيد)) عن مالك: فيه إباحة الشرب من نفس واحد؛ لأنه لم ينه الرجل عنه، بل قال له ما معناه: إن كنت لا تروى من واحد فأبنِ القدح، اهـ. وقيل: يكره مطلقاً لأنه شرب الشيطان، ولأنه من فعل البهائم، وللترمذي عن ابن عباس رفعه: ((لا تشربوا واحدة كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث))، الحديث(٢)، قال الترمذي: فيه أنه لا بأس بالشرب في نفسين، وإن كان الأولى كونه ثلاثاً . وفي مسلم عن أبي هريرة: كان ◌َّ يتنفس في الشراب ثلاثاً، وفي الترمذي عن ابن عباس: كان 8﴿ إذا شرب تنفس مرتين، وإسناده ضعيف، لكن له شواهد، ففعله في بعض الأحيان لجواز النقص عن ثلاث، ويحتمل أنه أراد مرتي النفس الواقعتين في أثناء الشرب، وأسقط الثالثة؛ لأنها بعد الشرب، فهي من ضرورة الواقع. (١) (شرح الزرقاني)) (٤/ ٢٩٣). (٢) أخرجه الترمذي (١٨٨٥). ٣٢٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلمره (٧) باب (١٦٥٧) حديث قَالَ: فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ. قَالَ: ((فَأَهْرِقْهَا)). أخرجه الترمذي في: ٢٤ - كتاب الأشربة، ١٥ - باب ما جاء في كراهية النفخ في الشراب. (قال أبو عيسى): هذا حديث حسن صحيح. وأما حديث زيد بن أرقم (كان شربه ( لير بنفس واحد))، رواه أبو الشيخ، وحديث أبي قتادة مرفوعاً: ((إذا شرب أحدكم فليشرب بنفس واحد))، رواه الحاكم، وصححه، فمحمولان على ترك التنفس في الإناء، قاله الزرقاني ملخصاً من ((الفتح)). وترجم البخاري في صحيحه (باب الشرب بنفسين أو ثلاثة))، وذكر فيه حديث أنس ((كان يتنفس في الإناء مرتين أو ثلاثاً))، قال الحافظ (١): كأن البخاري أراد الجمع بين حديث الباب وبين حديث النهي عن التنفس في الإناء؛ لأن ظاهرهما التعارض، فحملهما على حالتين، فحالة النهي عن التنفس داخل الإناء، وحالة الفعل على من تنفس خارجه، تقديره كان يتنفس في حالة الشرب من الإناء. (قال) الرجل المذكور: (فإني أرى القذاة) بفتح القاف ما يسقط في العين والشراب من تبن ونحوه يقع (فيه) أي في القدح (قال) وَلَى: (فأهرقها) بفتح الهمزة وزيادة الهاء الساكنة، أي صب الماء من القدح قليلاً لتخرج القذاة، قال صاحب ((المحلى)): والماء قد يؤنث، قال تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال الحافظ: قال المهلب: النهي عن التنفس في الشراب، كالنهي عن النفخ في الطعام والشراب، من أجل أنه يقع فيه شيء من الريق، فيعافه الشارب ويتقذره إذا كان التقذر في مثل ذلك عادة غالبة على عادة أكثر الناس، ومحل هذا إذا أكل أو شرب مع غيره، أما لو أكل وحده أو مع أهله أو من يعلم أنه لا يتقذر شيئاً مما يتناوله فلا بأس، قال الحافظ: والأولى تعميم (١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٩٢). ٣٢٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َالحر (٨) باب (٨) باب ما جاء في شرب الرجل وهو قائم المنع؛ لأنه لا يؤمن مع ذلك أن تفضل فضلة أو يحصل التقذر من الإناء أو نحو ذلك، اهـ. قلت: هذا هو الظاهر من عموم الأحاديث، مع أن العلل في النهي عديدة، كما تقدم في أول الباب، لا سيما امتزاج الأبخرة الصاعدة مع التنفس، فإنها تضر الشارب نفسه أيضاً، كما قال به القائلون بذلك. (٨) ما جاء في شرب الرجل وهو قائم وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب الشرب قائماً))، وذكر فيه حديث علي - رضي الله عنه - أنه شرب قائماً فقال: ((إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي ◌َ لّ فعل كما رأيتموني فعلت))، قال ابن بطال: أشار بهذه الترجمة إلى أنه لم يصح عنده الأحاديث الواردة في كراهية الشرب قائماً، قال الحافظ(١): كذا قال، وليس بجيد، بل الذي يشبه صنيعه أنه إذا تعارضت عنده الأحاديث لا يثبت الحكم، اهـ. كذا قال الحافظ. والظاهر عندي ما قال ابن بطال، فإنه لو كان كما قال الحافظ لذكر في الباب حديث المنع أيضاً، ولم يذكر، قال عياض: لم يخرج مالك ولا البخاري أحاديث النهي، وأخرجها مسلم. وقال الحافظ(٢) بعد ما بسط في الروايات المبيحة والناهية: ومنها ما في مسلم عن أبي هريرة ((لا يشربن أحدكم قائماً، فمن نسي فليستقى))، قال القرطبي: لم يَصِرْ أحد إلى أن النهي فيه للتحريم، وإن كان جارياً على أصول الظاهرية القول به، وتعقب بأن ابن حزم جزم بالتحريم، ثم قال: وسلك العلماء في ذلك مسالك: (١) انظر: ((فتح الباري)) (٨١/١٠). (٢) ((فتح الباري)) (٨٤/١٠). ٣٢٤ (٨) باب ٥٠ - كتاب صفة النبي أحدها: الترجيح، وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر بن الأثرم، فقال: ويدل على وهاء أحاديث النهي اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد شرب قائماً أن يستقيء. الثاني: دعوى النسخ، وإليها جنح الأثرم وابن شاهين، فقَرّرا أن أحاديث النهي - على تقدير ثبوتها - منسوخة بأحاديث الجواز بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز، وقد عكس ذلك ابن حزم، فادّعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي، متمسكاً بأن الجواز على وفق الأصل، وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع، فمن ادّعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وأجاب بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة لما وقع منه ◌َّ في حجة الوداع، وإذا كان ذلك الأخير من فعله وَ القول، دل على الجواز، ويتأيد بفعل الخلفاء الراشدين بعده. الثالث: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل، فقال أبو الفرج الثقفي: المراد بالقيام ههنا المشي، يقال: قام في الأمر إذا مشى فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمَاً﴾، وجنح الطحاوي إلى تأويل آخر، وهو حمل النهي على من لم يسم عند شربه، وهذا إن سلم له في بعض ألفاظ الحديث لم يسلم له في بقيتها . وسلك الآخرون في الجمع حمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين، وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها عن الاعتراض، وإليه أشار الأثرم، وبه جزم الطبري، وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطب مخافة وقوع ضرر به، فإن الشرب قاعداً أمكن وأبعد من الشرق(١) وحصول الوجع في الكبد والحلق، اهـ. (١) هكذا في ((فتح الباري)) وهو تحريف، والصواب ((من السرف)) كما في ((إرشاد الساري)) (١٢ / ٤١٣). ٣٢٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي (٨) باب وقال الشيخ ابن القيم (١): كان من هديه وَل﴾ الشرب قاعداً، هذا كان هديه المعتاد، وصح عنه أنه نهى عن الشرب قائماً، وصح عنه أنه أمر الذي شرب قائماً أن يستقيء، وصحّ عنه أنه شرب قائماً، قالت طائفة: هذا ناسخ للنهي، وقالت طائفة: بل مُبَيِّنٌ أن النهي ليس للتحريم، بل للإرشاد وترك الأولى، وقالت طائفة: لا تعارضَ بينهما أصلاً، فإنه إنما شرب قائماً للحاجة، فإنه جاء إلى زمزم وهم يستقون منها فاستقى فناولوه الدلو، فشرب وهو قائم، وهذا كان موضع حاجة. وللشرب قائماً آفات عديدة: منها، أنه لا يحصل به الريُّ التامُ، ولا يستقرُّ في المعدة حتى يَقْسِمَه الكبد على الأعضاء، وينزل بسرعة وحِدَّةٍ إلى ! المعدة، فيُخْشَى منه أن يُبَرِّدَ حرارتها، ويشوشها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب، وأما إذا فعله نادراً أو لحاجة لم يضره، ولا يعترض بالعوائد على هذا، فإن العوائد طبائع ثوان، ولها أحكام أخرى، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء، اهـ. وقال صاحب ((السعاية))(٢): يشرب فضل وضوئه بعد الفراغ منه قائماً، وهذا مما اتفق على تجويزه الجمهور، واختلفوا في الشرب قائماً فيما سواه لاختلاف الآثار في ذلك، وقال بعد ما بسط الروايات المختلفة فيه: اختلفوا في التطبيق بينها على مسالك. قال القاري في ((المرقاة))(٣) في شرح حديث علي - رضي الله عنه -: يمكن أنه لم يثبت النهي عنده، أو النهي عنده مخصص ليس على إطلاقه، فإنه (١) انظر: ((زاد المعاد)) (٢٠٩/٤). (٢) ((السعاية)) (١٨٨/١). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١٧/٨). ٣٢٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل قر (٨) باب مخصص بماء زمزم، وشرب فضل الوضوء، كما ذكره بعض علمائنا، ووجه تخصيصهما أن المطلوب فيهما حصول البركة إلى جميع الأعضاء، وقال في حديث آخر: قال السيوطي: هذا لبيان الجواز، وقد يحمل على أنه لم يجد موضعاً للقعود لازدحام الناس على ماء زمزم، وابتلال المكان، مع احتمال النسخ، لما روى جابر أنه لما سمع رواية من روى أنه شرب قائماً، قال: رأيته صنع ذلك، ثم رأيته بعد ذلك ینھی عنه. وقال البيهقي(١): النهي عن الشرب قائماً، إما أن يكون تنزيهاً أو نهي تحريم، ثم صار منسوخاً لحديث أنه شرب من ماء زمزم قائماً، وقال النووي: هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض، حتى قال فيها أقوالاً باطلةً حتى تجاسر ورام أن يضعف بعضها، واذَّعَى فيها دعاوي باطلة، لا غرض لنا في ذكرها، ولا وجه لإشاعة الأباطيل والغلطات في تفسير السنن، بل نذكر الصواب، وليس في هذه الأحاديث بحمد الله إشكال ولا فيها ضعف، بل كلها صحيحة . والصواب فيها أن النهي فيها محمول على التنزيه، والشرب قائماً لبيان الجواز، فلا إشكال ولا تعارض، ومن زعم نسخاً أو غيره فقد غلط غلطاً فاحشاً، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع، فإن قيل: كيف يكون مكروهاً، وقد فعله النبي ◌َله؟ فالجواب أن فعله وَلقر إذا كان لبيان الجواز، لا يكون مكروهاً، بل البيان واجب عليه وآله . وقال الطحاوي في ((معاني الآثار)): أولى الأشياء إذا روي الحديثان عن رسول الله صل فاحتملا الاتفاق، واحتملا التضاد، أن تحملهما على الاتفاق، فنظرنا في ذلك، فإذا فهد أخبرنا بسنده إلى الشعبي، قال: إنما أكره الشرب (١) ((السنن الكبرى)) (٢٨٢/٧). ٣٢٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل (٨) باب قائماً لأنه داء، فأخبر الشعبي المعنى الذي لأجله كان النهي، وأنه لما يخاف منه الضرر وحدوث الداء، فأراد # بذلك النهي الإشفاق على أمته، كما قال ◌َله: ((أما أنا فلا آكل متكئاً)) فليس ذلك على طريق التحريم، بل لمعنّى، روي عن الشعبي قال: إنما أكره الأكل متكئاً مخافة أن تعظم بطونهم، فقد علم مما سبق أنَّهم اختلفوا في ذلك على أقوال: أحدها: أن النهي مخصوص بما سوى زمزم، وفضل الوضوء، وهو مختار بعض أصحابنا الحنفية كصاحب ((المنية))، وصاحب (الدر المختار)) وغيرهما، ويخدشه حديث شرب النبي وَلّ قائماً من فم القربة، فإنه داخل فيما سواهما . الثاني: أن شرب زمزم قائماً محمول على الضرورة وعدم وجدان موضع القعود، ويخدشه ما مَرَّ من الروايات الدالة على الجواز بدون الضرورة. الثالث: حديث الجواز منسوخ. والرابع: حديث النهي منسوخ، وردّهما النووي أشدّ الردّ، فإنه موقوف على علم تقدم أحدهما، وتأخر الآخر قطعاً، وإذ ليس فليس. الخامس: النهي للتنزيه، والفعل لبيان الجواز، وهو مختار النووي والسيد في حواشي ((المشكاة)) والسيوطي في شرح ((السنن)) وغيرهم، وهو مختار أكثر أصحابنا الحنفية، حتى إن الحلبي نقل عليه الإجماع. والسادس: ما اختاره الطحاوي أن النهي للمضرَّة، فهذا أمر إرشاد طبيٍّ لا شرعي، قال صاحب ((السعاية)): هذا أوجه الوجوه السابقة، ويخدشه ما رواه أحمد في مسند أبي هريرة أن النبي ◌َ 18 رأى رجلاً يشرب قائماً، فقال: (قه)) قال: لم؟ قال: ((أيسرك أن يشرب معك الهر؟)) قال: لا، قال: ((قد ٣٢٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلا (٨) باب (١٦٥٨) حدیث ١٣/١٦٥٨ - حدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَاماً. شرب معك من هو شر منه الشيطان))، كذا في القسطلاني(١)، ونقله الدميري في ((حياة الحيوان)) برواية أحمد والبزار، وقال: رجال أحمد ثقات، اهـ بزيادة من النووي. ١٣/١٦٥٨ - (مالك أنه بلغه) ومعلوم أن بلاغ الإمام مالك صحيح كما قال ابن عيينة، ولفظ محمد في ((موطئه)) مالك قال: أخبرني مخبرٌ أن عمر - رضي الله عنه - الحديث (أن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وعثمان بن عفان) - رضي الله عنهم وعن سائر الصحابة أجمعين - (كانوا يشربون) حال كونهم (قياماً) قال الزرقاني(٢): وقال جبير بن مطعم: رأيت أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - يشرب قائماً، ففيه جواز ذلك بلا كراهة، وقد صحّ ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ»، اهـ. ولفظ محمد في ((موطئه))(٣) ((أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - كانوا يشربون قياماً)) قال محمد: وبهذا نأخذ، لا نرى بالشرب قائماً بأساً، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا ، اهـ. وقال الباجي(٤): على هذا جماعة الفقهاء في جواز الشرب قائماً، وقد كرهه قوم لأحاديث وردت فيه، وفيها نظر، وإن كان مسلم قد أخرجها في ((صحيحه))، ولم يخرجها البخاري، ثم ذكر الكلام على روايات النهي، وقال (١) ((إرشاد الساري)) (١٢/ ٤١٢). (٢). ((شرح الزرقاني)) (٢٩٤/٤). (٣) ((موطأ محمد)) (ص٣١٤). (٤) ((المنتقى)) (٢٣٧/٧). ٣٢٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَالعقد (٨) باب (١٦٥٩ - ١٦٦٠) حديث ١٤/١٦٥٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَا لَا يَرَيَانِ بِشُرَّبِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ قَائِمٌ، بَأُساً. ١٥/١٦٦٠ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرِ الْقَارِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَشْرَبُ قَائِماً. في حديث أبي هريرة في الأمر في الاستقاء لمن شرب قائماً ناسياً: رواه عمر بن حمزة، ولا يحتمل مثل هذا، وحديث عليّ أصح إسناداً . والذي يظهر لي أن حديث أبي هريرة موقوف عليه، ولا خلاف في أنه لا يجب الاستقاء على من شرب قائماً ناسياً، ولو صح الحديث لجاز أن يحمل على أنه نهى عن إناء شراب له ولأصحابه أن يبدأ بشربه قائماً قبل أن يجلس، ولو أسهم فيه، ويكون آخرهم شرباً إن كان ساقيهم، ومن جهة المعنى أنه غذاء كالأكل، ولا خلاف في جواز الأكل قائماً، اهـ. ١٤/١٦٥٩ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أن عائشة أم المؤمنين) زوج النبي وَ﴾ (وسعد بن أبي وقاص) أحد العشرة المبشرة (كانا لا يريان بشرب الإنسان) الذكر والأنثى سواء (وهو قائم بأساً) أي شدة وكراهة، وهكذا أخرجه محمد في ((موطئه)) عن مالك، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر عن الزهري. ١٥/١٦٦٠ - (مالك عن أبي جعفر القاري) أحد القراء المشهورين، اختلف في اسمه كما تقدم (أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (يشرب قائماً) لجواز ذلك عنده أيضاً، وقال محمد في ((الآثار))(١): أخبرنا أبو حنيفة نا سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه شرب من قربة وهو قائم، وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، اهـ. (١) (ص١٨٥). ٣٣٠ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَله- (٩) باب (١٦٦١) حديث ١٦/١٦٦١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ قَائِماً. (٩) باب السنة في الشرب ومناولته عن اليمين ١٦/١٦٦١ - (مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه) عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - (أنه) أي أباه (كان يشرب قائماً) ولفظ الطحاوي بسنده إلى مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: ((رأيت أبي يشرب وهو قائم)) أكثر الإمام مالك في الآثار في ذلك دلالة على جواز ذلك عند جماعة من الصحابة الكرام. قال صاحب ((المحلى)): واختلفوا في ذلك بحسب اختلاف الأحاديث، فذهب الحسن والنخعي وقتادة إلى كراهة الشرب قائماً، وعليه الشافعية، وذهب الشعبي وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وطاووس ومجاهد وزازان إلى أنه لا بأس به، ورواه مالك في الكتاب عن عمر وعلي وعثمان وعائشة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن الزبير، ويروى عن ابن عباس وأبي هريرة، وبه أخذ مالك. قال أبو زيد في ((الرسالة)): لا بأس بالشرب قائماً، قال بعض شراحه: لا بأس ههنا مستوى الطرفين، وذلك هو الذي نص عليه محمد بن الحسن في ((موطئه)) (١)، وفي ((الآثار)) حيث قال: وبهذا نأخذ لا نرى بالشرب قائماً بأساً إلى آخر ما بسطه، وتقدم ما يغني عن ذكره. (٩) السنة في الشرب ومناولته عن اليمين هكذا في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، وفي النسخ الهندية ((السنة في الشراب وتناوله عن اليمين))، إلا في نسخة ((المحلى)) ففيها مناولته (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٨٧/٣). ٣٣١ ٥٠ - كتاب صفة النبي (٩) باب بدل تناوله، وهو الأوجه، وقوله: مناولته عطف بيان، لقوله في الشرب، يعني أن السنة في المشروبات أن يعطيها الأيمن فالأيمن، وكان ذلك معروفاً في العرب في الجاهلية أيضاً، وفي ((المعلقة)): أبنت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب الأيمن فالأيمن في الشرب))، قال الحافظ(١): يقدم من على يمين الشارب في الشرب، ثم الذي عن يمين الثاني، وهلم جراً، وهذا مستحب عند الجمهور، وقال ابن حزم: يجب، وقوله في الترجمة: ((في الشرب)) يَعُمُّ الماءَ وغيرَه من المشروبات، ونقل عن مالك وحده أنه خصه بالماء فقط، قال ابن عبد البر: لا يصح عن مالك، وقال عياض: يشبه أن يكون مراده أن السنة نصاً ثبتت في الماء خاصة، وتقديم الأيمن في غير شرب الماء يكون بالقياس. وقال ابن العربي: كأن اختصاص الماء بذلك لكونه قد قيل: إنه لا يملك بخلاف سائر المشروبات. ومن ثم اختلف: هل يجري الربا فيه؟ وهل يقطع في سرقته؟ وظاهر قوله: ((في الشرب)) أن ذلك لا يجري في الأكل، ولكن وقع في حديث أنس خلافه، انتهى ما في ((الفتح)). وقال الباجي(٢): قوله: الأيمن فالأيمن، يقتضي أن التيامن مشروع في مناولة الشراب والطعام وما جرى مجراهما، قال الشيخ أبو القاسم: من أتى بشراب، ومعه غيره، فليعطه إن شرب الأيمن فالأيمن، وفي ((العتبية)) عن أشهب: يستحب في مكارم الأخلاق أن يبدؤوا بالأيمن فالأيمن في الكتاب (١) ((فتح الباري)) (٨٦/١٠). مسـ (٢) ((المنتقى)) (٢٣٨/٧). ٣٣٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َله (٩) باب (١٦٦٢) حديث ١٧/١٦٦٢ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ أَتِيَ بِلَبَنِ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ مِنَ الْبِثْرِ. وَعَنْ يَمِينِهِ أَغْرَابِيٌّ . بالشهادات والمجلس والوضوء وما أشبه ذلك، اهـ. فعُلم منه أن ما حكي عن مالك من تخصيصه بالماء ليس بمعروف في مذهبه. ١٧/١٦٦٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك أن رسول الله وَلقر أتي) بضم أوله ببناء المجهول، ولفظ البخاري برواية أبي طوالة عن أنس - رضي الله عنه - يقول: أتانا رسول الله وَلقر في دارنا هذه فاستسقى فحلبنا له شاة لنا ثم شبته من ماء بئرنا، الحديث، وفي أخرى للبخاري عن أنس فحلبت، قال الحافظ: عَيَّن في هذه الرواية أنه هو الذي باشر الحلب (بماء)(١) كذا في النسخ الهندية، وأكثر المصرية، وزاد في بعضها بعد ذلك لفظ (بلبن) حلب من شاة (قد شيب) بكسر الشين المعجمة، أي خلط، وفي رواية يونس عن الزهري عن أنس عند البخاري ((فشبت)) بصيغة المتكلم (من البئر) أي التي كانت في دار أنس، كما في رواية البخاري. قال الباجي: هذا يقتضي جواز ذلك للشرب، ولا يجوز أن يشاب للبيع لما فيه من الغش، والجهل بحال المبيع، وقدر الماء، اهـ. وترجم البخاري في (صحيحه)) ((باب شرب اللبن بالماء))، قال الحافظ (٢): قيده بالشرب للاحتراز عن الخلط عند البيع، وقال ابن المنير: مقصوده أن ذلك لا يدخل في النهي عن الخليطين إذا كان كل واحد منهما من جنس ما يسكر، وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء؛ لأن اللبن عند الحلب يكون حاراً، وتلك البلاد في الغالب حارة، فكانوا يكسرون حر اللبن بالماء، اهـ. (وعن يمينه) وَير (أعرابي) بفتح الهمزة واحد من الأعراب، وهم سكان (١) في النسخ الهندية في أصل ((الأوجز)) (بلبن قد شيب بماء). (٢) «فتح الباري)): (١٠/ ٧٥). ٣٣٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي (٩) باب (١٦٦٢) حديث وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ، فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الأَعْرَابِيَّ. ےے البادية، قال الحافظ (١): قيل: إن الأعرابي خالد بن الوليد، حكاه ابن التين، وتعقب بأن مثله لا يقال له أعرابي، وكان الحامل له على ذلك أنه رأى في حديث ابن عباس عند الترمذي قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد على ميمونة فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله وَل18 وأنا على يمينه وخالد على شماله، فقال لي: ((الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالداً))، فقلت: ما كنت أوثر على سؤرك أحداً، فظن أن القصة واحدة، وليس كذلك، فإن هذه القصة في بيت ميمونة، وقصة أنس في دار أنس فافترقا، نعم، يصلح أن يُعَدَّ خالد من الأشياخ المذکورین في حديث سهل، اهـ. قال الزرقاني(٢): لم يسم الأعرابي، وزعم أنه خالد بن الوليد غلط واضح؛ لأن الأعرابي ههنا كان عن يمينه وَّر، وخالد كان عن يساره في الحديث بعده، فاشتبه عليه حديث سهل الآتي في الأشياخ الذين منهم خالد بن الوليد مع الغلام بحديث أنس في أبي بكر والأعرابي، وهما قصتان كما بينه ابن عبد البر، اهـ. (وعن يساره) وَ الر (أبو بكر الصديق) - رضي الله عنه - (فشرب) وَيُّ (ثم أعطى) فضله (الأعرابي) الذي كان على يمينه، وزاد في رواية شعيب عن الزهري عند البخاري ((فشرب منه حتى إذا نزع القدح عن فيه، وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي، فقال عمر - رضي الله عنه - وخاف أن يعطيه الأعرابي: أعط أبا بكر يا رسول الله عندك، فأعطاه الأعرابي))، قال الحافظ: كذا لجميع أصحاب الزهري، وشَذ معمر فيما رواه وهيب عنه، فقال: عبد الرحمن بن عوف بدل عمر - رضي الله عنه - أخرجه الإسماعيلي، والأول هو الصحيح، ومعمر لما حدث بالبصرة حدث من حفظه، فوهم في أشياء، (١) انظر: ((فتح الباري)) (٧٦/١٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٥/٤). ٣٣٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َّر (٩) باب (١٦٦٣) حديث وَقَالَ: ((الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ)). أخرجه البخاريّ في: ٧٤ - كتاب الأشربة، ١٨ - باب الأيمن فالأيمن. ومسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة ١٧ - باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن یمین المبتدئ، حديث ١٢٤. ١٨/١٦٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِم بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ الْأَنْصَارِيِّ؛ فكان هذا منها، ويحتمل أن يكون محفوظاً بأن يكون كل من عمر وعبد الرحمن قال ذلك، لتوفير دواعي الصحابة على تعظيم أبي بكر - رضي الله عنه -، اهـ. (وقال) وَّ في ترجيح الأعرابي على أبي بكر: (الأيمن فالأيمن)(١) قال الزرقاني: ضبط بالنصب على تقدير أعط الأيمن، وبالرفع على تقدير الأيمن أحق، قاله الكرماني وغيره، ورجح الرفع بقوله في بعض طرق الحديث ((الأيمنون الأيمنون))، اهـ. قلت: هذا لفظ أبي طوالة عن أنس في حديث الباب، وتمامه ((فأعطى الأعرابي فضله، ثم قال: الأيمنون الأيمنون، ألا فَيَمِّنوا))، قال أنس: فهي سنة، فهي سنة(٢) ثلاث مرات، اهـ. وتقدم في أول الباب أن الجمهور على سنيته، خلافاً لابن حزم القائل بالوجوب. ١٨/١٦٦٣ - (مالك عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي المعجمة سلمة (بن دينار) المدني (عن سهل) بسكون الهاء (ابن سعد) بسكون العين (الأنصاري) الساعدي الصحابي الشهير، ولا يذهب عليك أن الرواية لسهل بن سعد بسكون الهاء في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح و((التجريد)) وغيرها، ووقع في النسخ الهندية سهيل بن سعد بالتصغير، وهو تحريف من (١) الحديث في ((التمهيد)) (١٥٧/٦). (٢) كذا في الرواية اهـ. ش. ٣٣٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي (٩) باب (١٦٦٣) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ أُتِيَ بِشَرَابٍ. فَشَرِبَ مِنْهُ. وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ. فَقَالَ لِلْغُلَامِ: ((أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعْطِيَ هُؤُلاءِ؟)) الناسخ، فإن سهيلاً وهو أخو سهل هذا صحابي أيضاً، لكن ذكر له الحافظ حديثاً واحداً غير هذا، وحديث الباب هذا أخرجه البخاري بستة مواضع من ((صحيحه) (١) عن سهل بالتكبير، وكذا أخرجه عنه غير البخاري من أصحاب (٢) الصحاح (٢). (أن رسول الله وَلي أتي) ببناء المجهول (بشراب) أي لبن، كما جزم به الحافظ في ((الفتح))، قال الزرقاني: في رواية إسماعيل بن جعفر عن أبي حازم عن سهل ((أتي بقدح من لبن)) (فشرب منه) وَّر (وعن يمينه غلام) قال الزرقاني: هو ابن عباس، كما عند ابن أبي شيبة وغيره من حديثه، اهـ. قال الحافظ في ((الفتح)): هو الفضل بن عباس، كما حكاه ابن بطال، وقيل: أخوه عبد الله بن عباس، حكاه ابن التين، وهو الصواب، اهـ. (وعن يساره) بَلّر (الأشياخ) قال الزرقاني: سمي منهم خالد بن الوليد، اهـ. وتقدم في الحديث السابق أن الحافظ لم يجزم به بل ذكره بلفظ يصلح أن يعد خالد منهم، وقال الحافظ: وروى ابن أبي حازم عن أبيه في حديث سهل بن سعد ذكر أبي بكر - رضي الله عنه - فيمن كان على يساره وَّته، ذكره ابن عبد البر، وخطأه، اهـ. (فقال) وَلّر (للغلام: أتأذن لي) بهمزة الاستفهام (أن أعطي هؤلاء؟) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك لفظ (الأشياخ) أي الذين على اليسار، وفي حديث ابن عباس عند الترمذي المذكور في الحديث السابق، فقال: ((يا ابن عباس الشربة لك، فإن شئت أن تؤثر بها خالداً))، الحديث، قال الحافظ (٣): لم يقع (١) انظر: (٢٣٥١، ٢٣٦٦، ٢٤٥١، ٢٦٠٢، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠). (٢) الحديث في «التمهيد)) (١٢٠/٢١). (٣) ((فتح الباري)) (٨٦/١٠) و((الاستذكار)) (٢٨٤/٢٦). ٣٣٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي -0 1- (٩) باب (١٦٦٣) حديث في حديث أنس المذكور سابقاً أنه استأذن الأعرابي الذي عن يمينه، فأجاب النووي وغيره بأن السبب فيه أن الغلام كان ابن عمه وَله، فكان له وَلّ عليه إدَلالٌ، وكان من على اليسار أقارب الغلام أيضاً، وطيب نفسه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحكم، وأن السنة تقديم الأيمن، ولو كان مفضولاً بالنسبة إلى من على اليسار. وقد وقع في حديث ابن عباس أنه وَّير تلطف به، حيث قال: ((الشربة لك، وإن شئت آثرت بها خالداً))، كذا في ((السنن))، وفي لفظ لأحمد ((إن شئت آثرت به عمك))، وإنما أطلق عليه عمه، لكونه أسن منه، ولعل سِنَّه كان قريباً من سن العباس، وإن كان من جهة أخرى من أقرانه، لكونه ابن خالته، وكان خالد مع رياسته في الجاهلية وشرفه، قد تأخر إسلامه، فلذلك استأذن له بخلاف أبي بكر - رضي الله عنه -، فإن رسوخ قدمه في الإسلام يقتضي طمأنينته بجميع ما يقع من النبي ◌َّ، ولا يتأثر بشيء من ذلك، ولهذا لم يستأذن الأعرابي له. ولعله وَل خشي من استئذانه أن يتوهم إرادة صرفه إلى بقية الحاضرين بعد أبي بكر دونه، فربما سبق إلى قلبه من أجل قرب عهده بالإسلام شيء، فجرى لر على عادته في تأليف من هذا سبيله، وقد يعارض حديث سهل هذا وحديث أنس الذي قبله حديث سهل بن أبي حثمة الذي في القسامة من قوله وَلّر: ((كبر كبر))، وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - في الأمر بمناولة السواك الأكبر، وأخص من ذلك كله حديث ابن عباس الذي أخرجه أبو يعلى بسند قوي، قال: ((كان رسول الله وَ ل إذا سقى قال: ابدؤوا بالکبیر». ويجمع بأنه محمول على الحالة التي يجلسون فيها متساوين، إما بين يدي الكبير أو عن يساره كلهم أو خلفه، فتخص هذه الصورة من عموم ٣٣٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي تَلخر (٩) باب (١٦٦٣) حديث فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. لَا أُوثِرُ بِنَصِيِي مِنْكَ أَحَداً . .. . تقديم الأيمن، أو يخص من عموم هذا الأمر بالبداءة بالكبير، إذا جلس بعض عن يمين الرئيس وبعض عن يساره، ففي هذه الصورة يقدم الصغير على الكبير، والمفضول على الفاضل، اهـ. وقال الباجي(١): هذا الحديث يقتضي أن حكم التيامن في المناولة آكد من حكم السن، وما في حديث سهل بن سعد من قوله بَلجر: (كبر كبر)) فإن ذلك مع تساوي الأحوال. (فقال الغلام) أي ابن عباس: (لا والله) أكده بالقسم (يا رسول الله لا أوثر) بضم الهمزة وكسر المثلثة (بنصيبي منك أحداً) وفي حديث ابن عباس المذكور سابقاً: ((فقلت: ما أنا بمؤثر بسؤرك عليّ أحداً))، قال صاحب ((المحلى)): فيه أنه لا يلزمه الإذن، وينبغي له أن لا يأذن إن كان فيه تفويت فضيلة أخروية ومصلحة دينية، وقد نص الشافعية والحنفية على أنه لا يؤثر في القرب، وإنما الإيثار المحمود ما كان في حظوظ النفس دون الطاعات، فيكره أن يؤثر غيره بموضعه من الصف الأول، اهـ. وفي (رد المحتار)) (٢): في ((حاشية الأشباه)) للحموي عن ((المضمرات)) عن ((النصاب)): إن سبق أحدٌ إلى الصف الأول، فدخل رجل أكبر منه سناً أو أهل علم ينبغي أن يتأخر، ويقدمه تعظيماً له، قال ابن عابدين: فهذا يفيد جواز الإيثار بالقرب بلا كراهة، خلافاً للشافعية، وقال في ((الأشباه)): لم أره لأصحابنا، ونقل العلامة البيري فروعاً تدل علي عدم الكراهة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(٣)، وحديث ابن عباس هذا. (١) ((المنتقى)) (٢٣٨/٧). (٢) (٣٧٢/٢). (٣) سورة الحشر: الآية ٩. ٣٣٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َ (١٠) باب قَالَ: فَتَلَّهَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي يَدِهِ . أخرجه البخاريّ في: ٧٤ - كتاب الأشربة، ١٩ - باب هل يستأذن الرجل مَن عن يمينه في الشرب. ومسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ١٧ - باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ، حديث ١٢٧. (١٠) باب جامع ما جاء في الطعام والشراب ولا ريب أن مقتضى طلب الإذن مشروعية ذلك بلا كراهة، وإن جاز أن يكون غيره أفضل، قال ابن عابدين، ينبغي تقييد المسألة بما إذا عارض تلك القربة ما هو أفضل منها، كاحترام أهل العلم والأشياخ، كما أفاده الفرع السابق والحديث، فإنهما يدلان على أنه أفضل من القيام في الصف الأول، ومن إعطاء الإناء لمن له الحق، وهو مَنْ على اليمين، فيكون الإيثار بالقربة انتقالاً من قربة إلى ما هو أفضل منها، وهو الاحترام المذكور، أما لو آثر على مكانه في الصف مثلاً من ليس كذلك، يكون أعرض عن القربة بلا داع، وهو خلاف المطلوب شرعاً، اهـ. (قال) سهل: (فتلّه) بالفاء العاطفة في أوله ثم تاء مفتوحة فلام مشددة أي وضع الإناء (رسول الله وَّر في يده) أي يد الغلام بقوة وعنف، قال الخطابي: وضعه بعنف، وأصلُه من الرمي على التل، وهو المكان العالي المرتفع، ثم استعمل في كل شيء يرمى به، وقيل: هو من التلتل بلام ساكنة بين المثناتين المفتوحتين آخره لام، وهو العنق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَلَُّ لِلْجِينِ﴾ أي صرعه، فألقى عنقه، والتفسير الأول أليق بمعنى حديث الباب، وأنكر بعضهم تقييد الخطابي بالعنف، كذا في ((الفتح))(١). (١٠) جامع ما جاء في الطعام والشراب أي الأحاديث المتفرقة فيهما . (١) ((فتح الباري)) (٨٧/١٠). ٣٣٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل قول (١٠) باب (١٦٦٤) حديث ١٩/١٦٦٤ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمّ سُلَيْم: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿َ ضَعِيفاً. أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعُّ. ١٩/١٦٦٤ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري (أنه سمع أنس بن مالك) - رضي الله عنه -، قال النووي(١): حديث أنس في طعام أبي طلحة هما قضيتان مختلفتان، جرت فيهما هاتان المعجزتان: إحداهما: تكثير الطعام، والثانية: علمه وَيقر بأن هذا الطعام القليل يكفي الجمع الكثير. (يقول: قال أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري زوج أم سليم هذه، والدة أنس (لأم سليم) بضم السين مصغراً بنت ملحان الأنصارية، قال الحافظ: اتفقت الطرق على أن هذا الحديث من مسند أنس، ووافقه عليه أخوه لأمه عبد الله بن أبي طلحة، فرواه مطولاً عن أبيه، أخرجه أبو يعلى من طريقه بإسناد حسن، وأوله عن أبي طلحة قال: ((دخلت المسجد فعرفت في وجه رسول الله ﴾ الجوع))، الحديث، والمراد بالمسجد الموضع الذي أعدّه رسول الله ﴾ للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق، اهـ. (لقد سمعت صوت رسول الله ( * ضعيفاً، أعرف فيه الجوع) قال الزرقاني(٢): كأنه لم يسمع من صوته حين تكلم الفخامة المألوفة، فحمله على الجوع للقرينة التي كانوا فيها، وفيه ردٌّ على دعوى ابن حبان أنه وَ لّ لم يكن يجوع، وأن أحاديث ربط الحجر من الجوع تصحيفٌ محتجاً بحديث: ((أبيتُ يُطعمني ربي ويسقيني))، وتُعُقِّب بأن الأحاديث صحيحة، فيحمل ذلك على تعدد (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢١٨/١٣/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٦/٤). ٣٤٠