النص المفهرس

صفحات 301-320

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٥) باب
(١٦٥٣) حديث
عَنْ جَدَّتِهِ؛
(عن جدته) أم بجيد مشهورة بكنيتها، قال أبو عمر: يقال: اسمها حواء،
قال صاحب ((المحلى)): اسمها حواء بنت يزيد بن السكن من مبايعات بيعة
الرضوان، وهي أخت أسماء، اهـ.
وفي كنى ((التهذيب))(١)، وقد رقم لها لأبي داود والترمذي والنسائي: أم
بجيد الأنصارية، يقال: اسمها حواء، كانت من المبايعات، روى حديثها
عبد الرحمن عن جدته أم بجید حديث الباب.
وفي الأسماء(٢)، وقد رقم لها للبخاري في ((الأدب المفرد)): حواء جدة
عمرو بن معاذ الأشهلي، روت عن النبي وَلّ: ((لا تحقرن جارة لجارة))
الحديث الآتي في ((جامع الطعام))، وعنها حفيدها عمرو، قال ابن عبد البر:
هي حواء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، من بني عبد الأشهل.
وفي كنى ((الإصابة))(٣): أم بجيد الأنصارية الحارثية اسمها حواء، وهي
مشهورة بكنيتها، وترجم في الأسماء لحواء أم بجيد، وذكر فيها هذه
الأحاديث، وترجم لحواء بنت يزيد بن السكن ترجمة مستقلة، وفرق بينها وبين
حواء بنت يزيد بن سنان الأشهلية الأنصارية، فجعلها ثلاث نسوة، حواء بنت
يزيد بن السكن، وحواء بنت يزيد بن سنان بن كرز، وحواء أم بجيد.
قال الحافظ(٤) في ترجمة الثانية: وقع لابن منده في هذه والتي قبلها
وهم، فإنه قال: حواء بنت زيد بن السكن الأشهلية امرأة قيس، يقال لها: أم
بجيد، ثم ساق حديث أم بجيد، وفيه تخليط، فإن أم بجيد اسم والدها زيد
(١) (٤٦٠/١٢).
(٢) (٤١٣/١٢).
(٣) (٢١٥/٨/٤).
(٤) (٥٥/٨/٤).
٣٠١

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلخير
(٥) باب
(١٦٥٣) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: «رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ)».
أخرجه النسائيّ في: ٢٣ - كتاب الزكاة، ٧٠ - باب رد السائل.
بغير ياء قبل الزاي، وجدها السكن، وأما امرأة قيس فاسم والدها يزيد بالياء،
واسم جدها سنان، اهـ.
(أن رسول الله وَّر قال: ردوا) بضم الراء بصيغة الأمر من الرد، أي
أعطوا (المسكين) وفي رواية: السائل (ولو بظلف) بكسر الظاء المعجمة
وسكون اللام آخره فاء، هو للبقر والغنم كالحافر للفرس، وقال الباجي(١): هو
ظُفر كل مَا اجْتَرَّ، ولو للتقليل، أي أعطوا السائل، ولو كان شيئاً قليلاً كالظلف
(محرق) قيد به لمزيد المبالغة، وقيل: لأنه مظنة الانتفاع بخلاف غيره، فقد
يلقيه آخذه، كذا في ((المحلى)).
قال الزرقاني (٢): قيد بالإحراق، أي الشيء كما هو عادتهم فيه؛ لأن
النيء قد لا يؤخذ، وقد يرميه آخذه، فلا ينتفع، بخلاف المشوي، اهـ.
قال الباجي: حضَّ بذلك ◌َّ على أن يعطي المسكين شيئاً، ولا يرده
خائباً وإن كان ما يعطاه ظلفاً محرقاً، وهو أقل ما يمكن أن يعطى، ولا يكاد
أن يقبله المسكين، ولا ينتفع به، إلا في وقت المجاعة والشدة، اهـ.
وذكر أبو نعيم في ((الحلية)) في ترجمة أم بجيد الحبيبة البذولة المنفقة،
بسنده إلى ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد عن جدته أم
بجيد، قالت: قلت: يا رسول الله إن المسكين ليقف على بابي حتى أستحي
منه، فما أجد ما أدفع في يده، قال: ((ادفعي في يده ولو ظلفاً محترقاً)).
وفي رواية أخرى بسنده إلى محمد بن إسحاق عن المقبري بهذا السند،
قالت: كان رسول الله ◌َ﴾ يأتينا في بني عمرو بن عوف، فأعد له سويقة في
(١) ((المنتقى)) (٢٢٤/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٠/٤).
٣٠٢

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َ *
(٦) باب
(١٦٥٤) حديث
(٦) باب ما جاء في مِعَى الكافر
٩/١٦٥٤ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ،
قعبة لي فأسقيه إياها إذا جاء، فقلت: يا رسول الله إنه ليأتني السائل، فأتزهد
له بعض ما عندي، فقال: ((يا أم بجيد ضعي في يد السائل ولو ظلفاً
محرقاً))، اهـ. وسيأتي شيء من الكلام في ذلك في ((جامع الطعام)) في حديث
حواء المذكورة.
(٦) ما جاء في معى الكافر
كذا في جميع النسخ المصرية والهندية غير ((المحلى))، ففيها ((ما جاء في
أمعاء الكافر))، وهو أوضح إلا أن النسخ متظافرة على الأولى، فتحمل على
إرادة الجنس، وقال الحافظ(١): المعى بكسر الميم مقصور، وفي لغة حكاها
في ((المحكم)) بسكون العين بعدها تحتانية، والجمع أمعاء ممدود، وهي
المصارين، وقد وقع في شعر القطامي لفظ الإفراد في الجمع، فقال في أبيات
له حكاها أبو حاتم :
حوالب غزرا ومعى جياعاً
وهو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾، اهـ.
وقال الزرقاني(٢): المعى بكسر الميم مقصوراً أشهر، وفيه الفتح والمد،
وجمع المقصور أمعاء كعنب وأعناب، وجمع الممدود أمعية كحمار وأحمرة،
اهـ. قال الحافظ: قال أبو حاتم السجستاني: المعى مذكّر، ولم أسمع من أثق
به یؤنثه، فقال: معی واحدة، لکن قد رواه من لا يوثق به، اهـ.
٩/١٦٥٤ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
(١) ((فتح الباري)) (٩/ ٥٣٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٠/٤).
٣٠٣

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٦) باب
(١٦٥٤) حديث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعَى
وَاحِدٍ . وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)).
أخرجه البخاريّ في: ٧٠ - كتاب الأطعمة، ١٢ - باب المؤمن يأكل في معى
واحد، ومسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ٣٤ - باب المؤمن يأكل في معى واحد،
حديث ١٨٥.
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَ له :
يأكل المسلم في معى واحد) قال الحافظ: عُدِّي يأكل بفي؛ لأنه بمعنى يوقع
الأكل فيها، ويجعلها ظرفاً للمأكول، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُونَ فِىِ بُطُونِهِمْ
نَارًا﴾ أي ملأ بطونهم، اهـ. (والكافر يأكل في سبعة أمعاء) قال الزرقاني: هي
عدة أمعاء الإنسان، ولا ثامن لها كما بين في التشريح، قال ابن عبد البر: لا
سبيل إلى حمله على ظاهره؛ لأن المشاهدة تدفعه، فكم من كافر يكون أقل
أكلاً وشرباً من مسلم، وعكسه، وكم من كافر أسلم ولم يتغير أكله وشربه، اهـ.
وقال الحافظ(١): أطبق العلماء على حمل الحديث على غير ظاهره، كما سيأتي
إيضاحه .
قال الزرقاني(٢): جملة ما قيل فيه عشرة أوجه.
الأول: أن الحديث خرج مخرج الغالب، وليس حقيقة العدد مرادة، بل
المراد قلة أكل المؤمن وكثرة أكل الكافر، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ
يَتَمَنَّعُونَ وَبَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ﴾(٣)، وتخصيص السبعة للمبالغة في التكثير،
كقوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّمُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ﴾(٤)، والمعنى: أن شأن
المؤمن التقلل في الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة، وعلمه أن قصد الشرع من
(١) ((فتح الباري)) (٥٣٨/٩).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٠/٤).
(٣) سورة محمد: الآية ١٢.
(٤) سورة لقمان: الآية ٢٧.
٣٠٤

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ
(٦) باب
(١٦٥٤) حديث
الأكل سدُّ الجوع والعون على العبادة، ولخشيته من حساب ما زاد على ذلك،
والكافر بخلاف ذلك، قال القرطبي: وهذا أرجح الأقوال، ولا يلزم من هذا
اطراده في حق كل مؤمن وكافر، فقد يكون المؤمن يأكل كثيراً إما بحسب
العادة وإما لعارض، ويكون في الكفار من يأكل قليلاً للعادة أو مراعاة
المصلحة على رأي الأطباء أو الرياضة على رأي الرهبان.
الثاني: ما قال النووي: المختار أن بعض المؤمنين يأكل في معى واحد،
وأكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، ولا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة
مثل مِعي المؤمن، ويدل على تفاوت الأمعاء ما ذكره عياض عن أهل التشريح
أن أمعاء الإنسان سبعة؛ المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها، البواب، ثم
الصائم، ثم الرقيق، والثلاثة رقاق، ثم الأعور، والقولون، والمستقيم، وكلها
غلاظ، فيكون المعنى الكافر لكونه يأكل بشرهه لا يشبعه إلا ملء أمعائه
السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معى واحد.
الثالث: أن المؤمن يسمي الله تبارك وتعالى عند طعامه وشرابه، فلا
يشركه الشيطان، فيكفيه القليل، والكافر لا يسمي فيشركه الشيطان، كما وردت
بذلك الروايات الكثيرة، منها ما في مسلم مرفوعاً ((إن الشيطان يستحلّ الطعام
إن لم يذكر اسم الله تعالى عليه)).
الرابع: أن المراد بالمسلم الإسلام التام؛ لأن من حسن إسلامه، وكمل
إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيمنعه شدة الخوف
وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته، كما ورد في حديث لأبي
أمامة رفعه ((من كثر تفكره قلّ طعمه، ومن قَلَّ تفكره كثر طعمه وقسا قلبُه))(١)
ويشير إلى ذلك حديث أبي سعيد الصحيح: ((إن هذا المال حلوة خضرة، فمن
(١) أورده الحافظ في ((فتح الباري)) (٥٣٩/٩).
٣٠٥

٥٠ - كتاب صفة النبي وَل
(٦) باب
(١٦٥٤) حديث
أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع))(١).
فدل على أن المراد بالمؤمن من يقتصد في مطعمه، وأما الكافر فمن
شأنه الشره، فيأكل بالنهم كما تأكل البهيمة، ورد هذا الخطابي، وقال: قد
ذكر عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل الكثير، فلم يكن ذلك نقصاً في
إيمانهم.
الخامس: قيل: المراد أن المسلم يأكل الحلال فقط، والكافر الحرام،
والحلال أقل من الحرام في الوجود، نقله ابن التين.
السادس: المراد حض المؤمن على قلة الأكل، إذا علم أن كثرة الأكل
من صفات الكافر، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكفر، ويدل على
أن كثرة الأكل من صفات الكافر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُونَ كَمَا
تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ﴾(٢).
السابع: ما قال القرطبي: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، والنفس،
والعين، والفم، والأذن، والأنف، وشهوة الجوع، وهي الضرورية يأكل بها
المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع.
والثامن: ما قال النووي: يحتمل أن يراد بالسبعة في الكافر صفات، هي
الحرص والشره وطول الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد وحب السمن،
وبالواحد في المؤمن سَدُّ خُلَّتِهِ.
والتاسع: ما قال ابن العربي: إن الأمعاء السبعة كناية عن الحواس
الخمس والشهوة والحاجة.
(١) أخرجه البخاري (٢٨٤٢)، ومسلم (١٠٥٢).
(٢) سورة لقمان: الآية ٢٧.
٣٠٦

٥٠ - كتاب صفة النبي وَ ل مره
(٦) باب
(١٦٥٤) حديث
والعاشر: أن الحديث ورد في شخص بعينه، واللام فيه عهديّة لا جنسية،
جزم بذلك ابن عبد البر، فقال: لا سبيل إلى حمله على العموم؛ لأن المشاهدة
تدفعه، فكم من كافر يكون أقل أكلاً من مؤمن وعكسه، وكم من كافر أسلم
فلم يتغير مقدار أكله، وحديث أبي هريرة الآتي يدل على أنه ورد في رجل
خاص بعينه، ولذا عقّب به مالكٌ الحديث المطلق، وكذا البخاري، فكأنه قال:
هذا إذا كان كافراً كان يأكل في سبعة أمعاء، فلما أسلم عوفي وبورك، فكفاه
جزء من سبعة أجزاء.
وقد سبقه إلى ذلك الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١)، فقال: قيل: إن هذا
الحديث كان في كافر مخصوص، وهو الذي شرب حِلاب السبع شياه، قال:
وليس للحديث عندنا محمل سواه، والسابق إلى ذلك أولاً أبو عبيدة، وقد
تُعقّبَ هذا بأن ابن عمر راوي الحديث فهم منه العموم، ولذلك منع الذي رآه
يأكل كثيراً من الدخول عليه، واحتج بالحديث المذكور، كما في البخاري، ثم
كيف يتأتى حمله على شخص بعينه مع ما ورد من تعدد الواقعة في ذلك،
ويورد الحديث المذكور عقب كل واحدة منها في حق الذي وقع له ذلك،
وسيأتي حديث أبي هريرة، ويأتي تفسير الرجل فيه، انتهى كلام الزرقاني بزيادة
من ((الفتح)).
قال الحافظ (٢): اختلف في معنى الحديث، فقيل: ليس المراد ظاهره،
وإنما هو مثلٌ ضُرِبَ للمؤمن وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها، فليس
المراد حقيقة الأمعاء، ولا خصوص الأكل، وإنما المراد التقلل من الدنيا.
والاستكثار منها، فكأنه عبّر عن تناول الدنيا بالأكل، وعن أسباب ذلك
بالأمعاء، ووجه العلاقة ظاهر، ونقل الطحاوي نحوه عن أبي جعفر بن أبي
(١) انظر: (٢٥٤/٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٣٨/٩).
٣٠٧

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلقد
(٦) باب
(١٦٥٥) حديث
١٠/١٦٥٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ِ ضَافَهُ ضَيْفٌ
عمران، فقال: حمل قوم هذا الحديث على الرغبة في الدنيا، كما تقول: فلان
يأكل الدنيا أكلاً.
وقيل: المعنى أن المؤمن يأكل الحلال، والكافر الحرام، فذكر القول
الخامس من الأقوال السابقة، وقيل: المراد حض المؤمن، فذكر القول
السادس، ثم قال: وقيل: بل هو على ظاهره، ثم اختلفوا في ذلك على
أقوال، ثم ذكر الأقوال الثمانية الباقية من العشرة المذكورة، فكأنه جعل الثلاثة
المذكورة على غير ظاهره (١) والثمانية على ظاهره، فصارت الأقوال إحدى
عشرة، والحادي عشر أنه ضرب مثل.
١٠/١٦٥٥ - (مالك عن سهيل) بضم السين مصغراً (ابن أبي صالح عن
أبيه) أبي صالح ذكوان (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَ ل ضافه)
أي نزل برسول الله وَ لر (ضيف) في ((المجمع)): ضفته إذا نزلت به في ضيافته،
وأضفته إذا أنزلته، قال ابن عبد البر في ((التجريد))(٢): هذا الرجل جهجاه
الغفاري، والحديث فیه خصوص، اهـ.
قال الزرقاني(٣): هو جهجاه بن سعيد الغفاري، رواه ابن أبي شيبة
والبزار وغيرهما من حديثه، وجزم به ابن عبد البر. أو نضلة بن عمرو، كما
عند أحمد وأبي مسلم الكجي وقاسم بن ثابت في (الدلائل)). أو أبو بصرة
الغفاري، ذكره أبو عبيد وعبد الغني بن سعيد. أو ثمامة بن إسحاق الحنفي،
ذكره ابن إسحاق والباجي وابن بطال، اهـ.
(١) أي ظاهر المراد اهـ. ((ش)).
(٢) (ص٦٧).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٩١/٤).
٣٠٨

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٦) باب
(١٦٥٥) حديث
ويذكر في هؤلاء كلهم نحو قصة الباب، وأخرج البخاري عن أبي حازم
عن أبي هريرة: أن رجلاً كان يأكل أكلاً كثيراً، فأسلم فكان يأكل قليلاً، فذكر
ذلك للنبي و 18، فقال: ((إن المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في
سبعة أمعاء)) .
قال الحافظ(١): وقع في رواية مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة
((أن رسول الله ( * ضافه ضيف))، الحديث نحو سياق ((الموطأ))، وهذا الرجل
يشبه أن يكون جهجاه الغفاري، فأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار
والطبراني(٢) من طريقه: أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام، فحضروا مع
رسول الله وَلجر المغرب، فلما سلّم قال: ((ليأخذ كل رجل بيد جليسه))، فلم يبق
غيري، فكنت رجلاً عظيماً طويلاً لا يقدم عليّ أحد، فذهب بي رسول الله وَل
إلى منزله، فحلب لي عنزاً فأتيت عليه، ثم حلب آخر حتى حلب لي سبعة أعنز
فأتيت عليها، ثم أتيت بصنيع برمة، فأتيت عليها، فقالت أم أيمن: أجاع الله
من أجاع رسول الله وَلَّ، فقال: ((مه يا أم أيمن، أكَلَ رِزْقُنَا، وزِرْقُنا على الله))،
فلما كانت الليلة الثانية، وصلينا المغرب صنع ما صنع في التي قبلها، وحلب
لي عنزاً، ورويت وشبعت، الحديث، قال: وفي إسناده موسى بن عبيدة وهو
ضعيف .
وأخرج الطبراني(٣) بسند جيد عن عبد الله بن عمر، فذكر نحو القصة
المذكورة، وسمى الرجل أبا غزوان، ثم قال: وهذه الطريق أقوى من طريق
جهجاه، ويحتمل أن تكون تلك كنيته، لكن يقوي التعدد أن أحمد أخرج من
(١) (فتح الباري)) (٥٣٨/٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٩/٥)، وأبو يعلى (٩١٦)، والبزار (٢٨٩١)، والطبراني في
الكبير (٢١٥٢).
(٣) انظر: ((مجمع الزوائد» (٣٧/٥) ح (٧٩٦٥).
٣٠٩

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٦) باب
(١٦٥٥) حديث
كَافِرٌ. فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ بِشَاةٍ. فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا. ثُمَّ
◌ُخْری
حديث أبي بصرة الغفاري، قال: ((أتيت النبي وَّل﴿ لما هاجرت قبل أن أسلم))،
فذكر ما يشبه القصة المذكورة، ثم قال: هذا لا يفسر به المبهم في حديث
الباب، وإن كان المعنى واحداً، لكن ليس في قصته خصوص العدد.
ولأحمد أيضاً وأبي مسلم الكجي، وقاسم بن ثابت في ((الدلائل))،
والبغوي في ((الصحابة)) من قصة نضلة بن عمرو، قال: ((أقبلت في لقاح لي
حتى أتيت رسول الله وَليم فأسلمت، ثم أخذت علبة، فحلبت فيها، فشربتها،
فقلت: يا رسول الله إن كنت لأشربها مراراً لا أمتلئ))، وفي لفظ: ((إن كنت
لأشرب السبعة، فما أمتلئ)) فذكر الحديث، وهذا أيضاً لا ينبغي أن يفسر به
مبهم حديث الباب لاختلاف السياق، ووقع في كلام النووي تبعاً لعياض أنه
نضرة بن نضرة الغفاري، وذكر ابن إسحاق في ((السيرة)) من حديث أبي هريرة
في قصة ثمامة بن أثال أنه لما أسر ثم أسلم وقعت له قصة تشبه قصة جهجاه،
فيجوز أن يفسر به، وبه صدر المازري كلامه، اهـ.
(كافر) قال الباجي(١): فيه جواز تضييف الكافر، وهل يؤاكل أم لا؟ قال
مالك في ((العتبية)): ترك مؤاكلة النصراني في إناء واحد أحبُّ إليّ، ولا أراه
حراماً، ولا نصادق نصرانياً، فنهى عن مؤاكلته لما في ذلك من معنى
المصادقة، وأما تضييفه، فيحتمل أن يكون ذلك لمعنى الاستئلاف ورجاء
إسلامه، ويحتمل أن يكون لما يخاف عليه من الضياع إذا كان ممن له حق عهد
أو غيره، اهـ.
(فأمر له رسول الله وَله بشاة فحلبت) ببناء المجهول (فشرب) الضيف
المذكور (حلابها) بكسر الحاء وتخفيف اللام أي محلوبها (ثم أخرى) حلبت
(١) ((المنتقى)) (٢٣٤/٧).
٣١٠

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلخر
(٦) باب
(١٦٥٥) حدیث
فَشَرِبَهُ. ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ. حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاءٍ. ثُمَّ إِنَّهُ
أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ. فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ بِشَاةٍ. فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا .
ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأَخْرَىْ فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: «الْمُؤْمِنُ
يَشْرَبُ فِي مِعِىَّ وَاحِدٍ. وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)).
أخرجه مسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ٣٤ - باب المؤمن يأكل في معى
واحد، حديث ١٨٦.
(فشربه) أي المحلوب كله (ثم أخرى) أي الثالثة (فشربه) أيضاً (حتى شرب
حلاب سبع شياه) أي محلوبها كلها، وتقدم في قصة جهجاه من روايته: ثم
أتيت بصنيع برمة فأتيت عليها (ثم إنه أصبح) الضيف المذكور (فاسلم فأمر له
رسول الله وَيه بشاة فحلبت) ببناء المجهول (فشرب حلابها) أي لبنها المحلوب
(ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها) بالمثناتين الفوقيتين، أي لم يقدر على أن يشرب
حلاب الشاة الثانية على التمام.
ولا يذهب عليك أن سياق الحديث في جميع النسخ المصرية هكذا،
يعني أن الرجل المذكورشرب حلاب شاة، ولم يستتم الثانية، وكذا في
((التجريد))(١) .
وعليه بنى صاحب ((المحلى)) شرحه، إذ قال: لم يقدر أن يشرب لبن
الشاة الثانية، وهكذا في ((صحيح مسلم))(٢) برواية مالك بهذا السند، فما في
النسخ الهندية من لفظ: ((فأمر له رسول الله وَ له بشاة فحلبت، فلم يستتمها))
يعني لم يشرب لبن الشاة الواحدة أيضاً بتمامها، سقط فيها من الناسخ لفظ «ثم
بأخرى» فتأمل.
(فقال رسول الله وَّل: المؤمن يشرب في معى واحد) من أمعائه السبعة
(والكافر في سبعة أمعاء) كلها، فقد تقدم أن الأمعاء سبعة لا ثامن لها عند أهل
(١) (ص٦٧).
(٢) ح (٢٠٦٣).
٣١١

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٦) باب
(١٦٥٥) حديث
التشريح، قال الحافظ(١): قال ابن التين: قيل: إن الناس في الأكل على ثلاث
طبقات: طائفة تأكل من كل مطعوم من حاجة وغير حاجة، وهذا فعل أهل
الجهل، وطائفة تأكل عند الجوع بقدر ما يسدّ الجوع حسب، وطائفة يجوعون
أنفسهم يقصدون بذلك قمع شهوة النفس، وإذا أكلوا أكلوا ما يسُدُّ الرمق، اهـ.
قال الحافظ: وقد ورد في حديث حسن أخرجه الترمذي والنسائي وابن
ماجه، وصححه الحاكم من حديث المقدام بن معديكرب مرفوعاً: ((ما ملأ
آدمي وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم لقيماتٍ يقمن صلبه، فإن غلب الآدمي
نفسه فثلث للطعام، وثلث للشراب وثلث للنفس)).
قال القرطبي: لو سمع بقراط هذه القسمة يعجب من هذه الحكمة، وقال
الغزالي: ذُكِر هذا الحديث لبعض الفلاسفة، فقال: ما سمعت كلاماً في قلة
الأكل أحكم منه، وقال غيره: خص الثلاثة لأنها أسباب حياة الحيوان، ولأنه
لا يدخل البطن سواها، وهل المراد الثلث الحقيقي، والطريق إليه غلبة الظن،
أو التقسيم إلى ثلاثة متقاربة، وإن لم يغلب ظنه بالثلث محل احتمال.
قال الحافظ(٢): الأول أولى، وقال غيره: أرجح الاحتمالين الأول إذ هو
المتبادر، والثاني يحتاج إلى دليل، كذا في ((الزرقاني))، زاد الحافظ: واختلف
في حد الجوع على رأيين ذكرهما في ((الإحياء))؛ أحدهما: أن يشتهي الخبز
وحده، فمتى طلب الأدم، فليس بجائع، ثانيهما: أنه إذا وقع ريقه على الأرض
لم يقع عليه الذباب.
وذكر أن مراتب الشبع تنحصر في سبعة، الأول: ما تقوم به الحياة،
الثاني: أن يزيد حتى يصوم ويصلي قائماً، وهذان واجبان، الثالث: أن يزيد
(١) ((فتح الباري)) (٥٤٠/٩).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٥٤٠).
٣١٢

٥٠ - كتاب صفة النبي رَالخ
(٧) باب
(٧) باب النهي عن الشراب في آنية الفضة والنفخ في الشراب
حتى يقوى على أداء النوافل، الرابع: أن يزيد حتى يقدر على التكسب، وهذان
مستحبان، الخامس: أن يملأ الثلث، وهذا جائز، السادس: أن يزيد، وبه يثقل
البدن ويكثر النوم، وهذا مكروه، السابع: أن يزيد حتى يتضرر، وهي البطنة،
وهذا حرام، اهـ.
(٧) النهي عن الشراب في آنية الفضة
قال الموفق(١): لاخلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب
والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً،
لأن النبي 8َّ﴿ قال: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في
صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة))، وغير ذلك من الروايات،
والعلة في التحريم ما يتضمنه ذلك من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء،
وهو موجود في الطهارة منها، واستعمالها كيفما كان، بل إذا حرم في غير
العبادة ففيها أولى.
فإن توضأ منها أو اغتسل، فعلى وجهين: أحدهما: يصح طهارته، وهو
قول الشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، والثاني: لا يصح، اختاره أبو بكر،
فإن جعل آنية الذهب والفضة مصباً لماء الوضوء ينفصل الماء عن أعضائه إليه
صح الوضوء؛ لأن المنفصل الذي يقع في الآنية قد رفع الحدث، ويحتمل أن
يكون كالذي قبلها؛ لأن الفخر وكسر قلوب الفقراء يحصل باستعمالها ههنا
أيضاً، ويحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة، وحكي عن الشافعي أن ذلك لا
يحرم، لأن الخبر ورد بتحريم الاستعمال، فلا يحرم الاتخاذ كما لو اتخذ
الرجل ثياب الحرير، ولنا، أن ما حرم استعماله مطلقاً حرم اتخاذه على هيئة
الاستعمال، كالطنبور، وثياب الحرير لا تحرم مطلقاً فإنها تباح للنساء، اهـ.
(١) ((المغني)) (١٠١/١).
٣١٣

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َّ-
(٧) باب
وفي ((الشرح الكبير)) لابن قدامة عن معاوية بن قرة أنه قال: لا بأس
بالشرب من قدح فضة، وعن الشافعي قول: إنه مكروه، وغير محرم؛ لأن
النهي لما فيه من التشبه بالأعاجم، فلا يقتضي التحريم، ولنا، حديث أم سلمة
الآتي في ((الموطأ)) والتوعد بالنار، يدل على تحريمه، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): نقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب
في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة أحد التابعين، فكأنه لم يبلغه
النهي، وعن الشافعي في القديم، ونقل عن نصه في حرملة أن النهي فيه
للتنزيه، ونص في الجديد على التحريم، ومن أصحابه من قطع به عنه، وهذا
اللائق به لثبوت الوعيد عليه بالنار، فإذا ثبت ذلك فلعله كان قبل أن يبلغه
الحديث المذكور، ويؤيدوهم النقل عنه [نصه] في حرملة أن صاحب ((التقريب))
نقل في كتاب الزكاة عن نصه في حرملة تحريم اتخاذ الإناء من الذهب
والفضة، وإذا حرم الاتخاذ، فتحريم الاستعمال أولى، اهـ.
وقال الشوكاني في ((النيل))(٢) بعد ذكر حديث حذيفة مرفوعاً: ((لا تلبسوا
الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في
صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) متفق عليه، قال: الحديث يدل
على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، أما الشرب فبالإجماع،
وأما الأكل فأجازه داود، والحديث يردُّ عليه، ولعله لم يبلغه، وقال النووي:
قال أصحابنا: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب وسائر الاستعمالات
في إناء ذهب وفِضَّةٍ، إلا رواية عن داود في تحريم الشرب فقط، ولعله لم يبلغه
حديث تحريم الأكل، وقول قديم للشافعي والعراقيين، فقال بالكراهة دون
التحريم، وقد رجع عنه.
(١) ((فتح الباري)) (٩٤/١٠).
(٢) ((نيل الأوطار)) (١٢١/١).
٣١٤

(٧) باب
٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َله
وتأوله أيضاً صاحب ((التقريب))، ولم يحمله على ظاهره، فثبتت صحة
دعوى الإجماع على ذلك، وقد نقل الإجماع أيضاً ابن المنذر، إلا عن
معاوية بن قرة إلى آخر ما في ((النيل))، ومال الشوكاني إلى أن النهي يختص
بالأكل والشرب دون سائر الاستعمالات، وهو محجوج بإجماع من قبله من
السلف.
وقال الحافظ(١) بعد ذكر أحاديث النهي: فيها تحريم الأكل والشرب في
آنية الذهب والفضة على كل مكلف، رجلاً كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك
بالحلي للنساء؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لها، قال القرطبي: في الحديث
تحريم استعمالها في الأكل والشرب، ويلتحق بهما ما في معناهما مثل التطيب
والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة
شذَّت فأباحت ذلك مطلقاً، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب،
ومنهم من قصره على الشرب فقط؛ لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل.
قال: واختلف في علة المنع، فقيل: إن ذلك يرجع إلى عينهما، ويؤيده
قوله وَلير: ((هي لهم وإنها لهم))، وقيل: لكونهما الأثمان، وقيم المتلفات، فلو
أبيح استعمالها لجاز اتخاذ الآلات منهما، فيفضي إلى قلتهما بأيدي الناس
فيجحف بهم، ومثّله الغزاليُّ بالحُكَّام الذين وظيفتهم التصرف لإظهار العدل بين
الناس، فلو منعوا التصرف لأخلَّ ذلك بالعدل، فكذا في اتخاذ الأواني من
النقدين، حبس لهما عن التصرف الذي ينتفع به الناس، ويردُّ على هذا جواز
الحلي للنساء من النقدين، ويمكن الانفصال عنه، وهذه العلة هي الراجحة عند
الشافعية، وبه صرح أبو محمد الجويني وغيره.
وقيل: علة التحريم السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء، ويرد عليه
(١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٩٧).
٣١٥

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلا ول
(٧) باب
جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة وغالبها أكثر قيمة من الذهب
والفضة، ولم يمنعها إلا من شذّ، ونقل ابن الصبّاغ الإجماع على الجواز،
وتبعه الرافعي ومن بعده، لكن في ((زوائد العمراني)) عن صاحب ((الفروع)) نقل
وجهين، وقيل: العلة في المنع التشبه بالأعاجم، وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد
لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك.
واختلف في اتخاذ الأواني دون استعمالها كما تقدم، والأشهر المنع،
وهو قول الجمهور، ورخصت فيه طائفة، وهو مبنيٌّ على العلة في منع
الاستعمال، اهـ. وقال ابن عابدين: في لفظ الاستعمال إشعار بأنه لا بأس
باتخاذ الأواني منهما للتجمل، اهـ.
(والنفخ في الشراب)
قال الحافظ(١): جاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث، وكذا
النهي عن النفس في الإناء؛ لأنه ربما حصل له تغير من النفس، إما لكون
المتنفس متغير الفم بمأكول مثلاً، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن
النفس يصعد ببخار المعدة، والنفخ في هذه الأحوال كلها أشدُّ من التنفس، اهـ.
وفي ((البذل)) (٢): قال الخطابي: يحتمل أن يكون النهي عن ذلك من أجل
ما يخاف أن يبرز من ريقه ورطوبة فمه فيقع في الماء، وقد يكون النكهة من
بعض من يشرب متغيرة، فتعلق الرائحة بالماء برقته ولطفه، فيكون الأحسن في
الدأب أن يتنفس بعد إبانة الماء من فيه؛ لأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين،
فإن كان من حرارة الشراب فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذاء يبصره
فيه، فليمطه بأصبع أو خلال أو نحوه، ولا حاجة إلى النفخ فيه بحال، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٩٢).
(٢) ((بذل المجهود)) (٥٩/١٦).
٣١٦

٥٠ - كتاب صفة النبي وَالـ
(٧) باب
(١٦٥٦) حديث
١١/١٦٥٦ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي
بَكْرِ الصِّدِّيقِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ
وقال الشيخ ابن القيم(١): أما النفخ في الشراب فإنه يكسب من فم النافخ
رائحة كريهة يُعاف لأجلها، ولا سيما إن كان متغير الفم، اهـ.
قلت: والأطباء الروميون في هذا الزمان يُشَدِّدُوْن في النهي عن النفخ
أشدّ النهي، ويزعمون أن بالنفس تخرج الأبخرة الحارة السمية المشتملة على
الجراثيم، فتختلط بالشراب، فإذا شربه أحد بعد ذلك ترجع هذه الجراثيم إلى
الجوف، فتحدث أمراضاً كثيرة.
١١/١٦٥٦ - (مالك عن نافع) مولى ابن عمر - رضي الله عنهما - (عن
زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنهما - العدوي المدني، ذكره
مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، ولد في خلافة جده عمر
- رضي الله عنه -، من رواة الشيخين وغيرهما (عن عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبي بكر الصديق) - رضي الله عنه - ابن أخت أم سلمة، أمه قريبة بنت أبي
أمية، كذا في ((الفتح)).
(عن أم سلمة) أم المؤمنين (زوج النبي (وَ ل38) والحديث أخرجه البخاري
برواية إسماعيل عن مالك بهذا السند، قال الحافظ(٢): هذا الإسناد كله
مدنيون، وقد تابع مالكاً عن نافع عليه موسى بن عقبة وأيوب، وغيرهما عند
مسلم، وخالفهم إسماعيل بن أمية عن نافع، فلم يذكر زيداً في إسناده، جعله
عن نافع عن عبد الله، أخرجه النسائي، والحكم لمن زاد من الثقات، ولا
سيما وهم حفاظ، وقد اجتمعوا، وانفرد إسماعيل.
(١) ((زاد المعاد)) (٢١٦/٤).
(٢) (فتح الباري)) (٩٦/١٠) والحديث في ((التمهيد)) (١٠١/١٦).
٣١٧

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلقر
(٧) باب
(١٦٥٦) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ هِ قَالَ: ((الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ
وقال محمد بن إسحاق: عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة،
ووافقه سعد بن إبراهيم عن نافع في صفية، لكن خالفه، فقال: عن عائشة بدل
أم سلمة، وقول محمد بن إسحاق أقرب، فإن كان محفوظاً فلعل لنافع فيه
إسنادين، وشذّ عبد العزيز بن أبي روّاد، فقال: عن نافع عن أبي هريرة،
وسلك برد بن سنان وهشام بن الغاز الجادة، فقالا: عن نافع عن ابن عمر،
أخرج الجميع النسائي، وقال: الصواب من ذلك كله رواية أيوب ومن
تابعه، اهـ.
(أن رسول الله وَلي قال: الذي يشرب في آنية الفضة) وفي رواية لمسلم من
طريق عثمان بن مرة عن عبد الله بن عبد الرحمن عن خالته أم سلمة: ((من
شرب من إناء ذهب أو فضة))، وله أيضاً من رواية علي بن مسهر عن عبيد الله
العمري عن نافع: ((أن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة))، وأشار
مسلم إلى تفرد ابن مسهر بهذه اللفظة، أعني الأكل، كذا في ((الفتح)).
(فإنما) بزيادة الفاء في أوله في النسخ الهندية، وبدونها في النسخ
المصرية (يجرجر) بضم التحتية وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية بينهما راء
ساكنة، وآخره أيضاً راء من الجرجرة، وهو صوت يردده البعير في حنجرته إذا
هاج نحو صوت اللجام في فك الفرس، كذا في ((الفتح)).
زاد الزرقاني(١): إذا هاج وصب الماء في الحلق، أي يجرعه جرعاً
متداركاً، قال النووي: اتفقوا على كسر الجيم الثانية، وتعقب بأن الموفق بن
جمرة حكى فتحها، وحكى ابن الفركاح عن والده أنه قال: روي ((يجرجر)) على
البناء للفاعل والمفعول، وكذا جوّزه ابن مالك في ((شواهد التوضيح))، ورَدَّ
ذلك تلميذه ابن أبي الفتح، فقال في جزء جمعه في الكلام على هذا الحديث:
(١) (شرح الزرقاني)) (٢٩٢/٤).
٣١٨

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َالة
(٧) باب
(١٦٥٦) حديث
فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٧٤ - كتاب الأشربة، ٢٨ - باب آنية الفضة. ومسلم
في: ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ١ - باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة،
حديث ١.
لقد كثر بحثي على أن أرى أحداً رواه مبنياً للمفعول، فلم أجده عند أحد من
حفاظ الحديث، وإنما سمعناه من الفقهاء الذين ليست لهم عناية بالرواية.
وسألت أبا الحسين اليونيني، فقال: ما قرأته على والدي ولا على شيخنا
المنذري إلا مبنياً للفاعل، قال: ويبعد اتفاق الحفاظ قديماً وحديثاً على ترك
رواية ثابتة، قال: وأيضاً فإسناده إلى الفاعل هو الأصل، وإسناده إلى المفعول
فرع، فلا يصار إليه بغير حاجة، وأيضاً، فإن علماء العربية قالوا: يحذف
الفاعل إما للعلم به، أو للجهل به، أو إذا تخوف منه، أو عليه، أو لشرفه، أو
لحقارته، أو لإقامة وزن، وليس ههنا شيء من ذلك، كذا في ((الفتح))(١).
(في بطنه نار جهنم) وقع للأكثر بنصب نار، على أن الجرجرة بمعنى
الصب أو التجرع، فيكون ناراً نصب على المفعولية، والفاعل الشارب، أي
يصب ويتجرع، وجاء الرفع على أن الجرجرة هي التي تصوت في البطن، قال
النووي: النصب أشهر، ويؤيده رواية عثمان بن مرة عند مسلم بلفظ ((فإنما
يجرجر في بطنه ناراً من جهنم))، كذا في ((الفتح)).
قال الباجي(٢): الجرجرة صوت وقوع الماء في الجوف، ومعنى ذلك أنه
يعاقب عليه في جهنم، وربما كان ذلك بأن يشرب منها ما يسمى مُهُلاً، وجاز
شرابها الذي يوصف بأنه نار، والعرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه،
فيسمى العصير خمراً إذا أريد به الخمر، وتسمى الشدة موتاً لما كان تؤول
إليه، اهـ.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٠ / ٩٧).
(٢) ((المنتقى)) (٢٣٥/٧).
٠
٣١٩

٥٠ - كتاب صفة النبي وَالر
(٧) باب
(١٦٥٧) حديث
١٢/١٦٥٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ مَوْلَى
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،
١٢/١٦٥٧ - (مالك عن أيوب بن حبيب) كذا في جميع النسخ المصرية
والهندية من المتون والشروح، غير ((المنتقى)) ففيها بدله أيوب السختياني، وهو
وهم من المصنف أو تحريف من الناسخ، فإن السختياني وإن كان من مشايخ
الإمام، لكن هذا رجل آخر، وعلى الصواب أخرجه محمد في ((موطئه))(١) عن
أيوب بن حبيب مولى سعد بن أبي وقاص.
قال ابن عبد البر في ((التجريد))(٢): أيوب بن حبيب له حديث واحد، قال
فيه مالك: إنه مولى سعد بن أبي وقاص، وغيره يجعله جمحياً، ينسبه أيوب بن
حبيب بن أيوب بن علقمة بن ربيعة بن الأعور خلف بن عمرو بن وهيب بن
حذافة بن جمع، هكذا نسبه مصعب، وقال: قتل بقديد سنة ثلاثين ومائة،
وقال غيره سنة ١٣١هـ.
(مولى سعد بن أبي وقاص) كذا قال مالك، وجعله غيره جمحياً كما قال
ابن عبد البر.
وقال الحافظ في ((تهذيبه))(٣)، ورقم له للترمذي، وللنسائي في ((مسند
مالك)»: أيوب بن حبيب الزهري المدني، مولى سعد بن أبي أيوب، له عندهما
حديث واحد في النفخ، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرجه له هو والحاكم
في ((صحيحهما))، وصححه قبلهما الترمذي، وقال البخاري في ((التاريخ)): مات
سنة ١٣١هـ، وحكى ابن عبد البر أنه ابن حبيب بن علقمة بن الأعور، من
جمع، اهـ.
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٦٩/٣).
(٢) (ص٢٢).
(٣) (تهذيب التهذيب)) (٤٠٠/١).
٣٢٠