النص المفهرس

صفحات 281-300

٥٠ - كتاب صفة النبي وَل
(٣) باب
(١٦٤٩) حديث
فأوحى الله إليه أن عجلت قبل أن نأمرك بآلته، فقال: يا رب كرهت أن أؤخر
أمرك))، كذا في ((الفتح))(١).
وقال الزرقاني(٢): القدوم بخفة الدال اسم آلة النجّار يعني الفأس، كما
رواه ابن عساكر، وروي بشدها، وأنكره يعقوب بن شبة، وقيل: المراد المكان
الذي وقع فيه الختان، وهو أيضاً بالتخفيف والتشديد قرية بالشام، والأكثر على
أنه بالتخفيف، وإرادة الآلة، كما قاله يحيى بن سعيد أحد رواته، ورجحه
البيهقي والقرطبي والحافظ ابن حجر مستدلاً بحديث أبي يعلى، يعني المذكور
قريباً، وجمع بأنه اختتن بالآلة، وفي الموضع، اهـ.
وأخرج البخاري في ((صحيحه)(٣) في كتاب الأنبياء برواية أبي الزناد عن
الأعرج عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وجل: ((اختتن إبراهيم - عليه
السلام - وهو ابن ثمانين سنة))، تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد،
وتابعه عجلان عن أبي هريرة، ورواه محمد بن عمر عن أبي سلمة، قال
الحافظ (٤): أما متابعة عبد الرحمن، فوصلها مسدد في ((مسنده)) بلفظ: ((اختتن
إبراهيم بعد ما مرت به ثمانون))، وأما متابعة عجلان، فوصلها أحمد مثل رواية
قتيبة، وهي رواية البخاري، وأما رواية محمد بن عمرو، فوصلها أبو يعلى في
((مسنده)) بلفظ: ((اختتن إبراهيم على رأس ثمانين سنة)).
واتفقت هذه الروايات على أنه كان ابن ثمانين سنة عند اختتانه، ووقع
في ((الموطأ)) موقوفاً عن أبي هريرة، وعند ابن حبان مرفوعاً: ((أن إبراهيم
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٤٢/١٠) (٣٩٠/٦).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٦/٤).
(٣) (٣٣٥٦).
(٤) ((فتح الباري)) (٦/ ٣٩٠).
٢٨١

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلة
(٣) باب
(١٦٤٩) حدیث
اختتن، وهو ابن مائة وعشرين سنة))، والظاهر أنه سقط من المتن شيء، فإن
هذا القدر هو مقدار عمره، ووقع في آخر كتاب العقيقة عن سعيد بن المسيب
موصولاً مرفوعاً مثله، وزاد ((وعاش بعد ذلك ثمانين سنة))، وعلى هذا يكون
عاش مائتي سنة، وجمع بعضهم بأن الأول حسب من مبدأ نبوته، والثاني من
مولده، اهـ.
ثم أخرج البخاري في ((باب الختان بعد الكبر)) عن أبي هريرة أن
رسول الله ﴾ قال: ((اختتن إبراهيم عليه السلام بعد ثمانين سنة))، قال
الحافظ (١): تقدم بيان ذلك في كتاب الأنبياء، وذكرت هناك أنه وقع في
((الموطأ)) من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة موقوفاً: ((أن إبراهيم
أول من اختتن، وهو ابن عشرين ومائة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة))، ورويناه
في ((فوائد ابن السماك)) من طريق أبي أويس عن أبي الزناد بهذا السند مرفوعاً،
وأبو أويس فيه لِين، وأكثر الروايات على ما وقع في حديث الباب: أنه عليه
السلام اختتن وهو ابن ثمانين سنة.
وقد حاول الكمال بن طلحة في جزء له في الختان الجمع بين الروايتين،
فقال: نقل في الحديث الصحيح أنّه اختتن لثمانين، وفي رواية أخرى صحيحة
أنه اختتن لمائة وعشرين، والجمع بينهما أن إبراهيم عليه السلام عاش مائتي
سنة، منها ثمانين سنة غير مختون، ومائة وعشرين سنة وهو مختون، فمعنى
الحديث الأول اختتن لثمانين مضت من عمره، والثاني لمائة وعشرين بقيت من
عمره.
وتعقبه الكمال بن العديم، في جزء سماه ((الملحة في الرد على ابن
طلحة)) بأن في كلامه وهماً من أوجه: أحدها: تصحيحه لروايته مائة وعشرين،
(١) ((فتح الباري)) (٨٨/١١).
٢٨٢

٥٠ - كتاب صفة النبي رَصلي
(٣) باب
(١٦٤٩) حديث
وليست بصحيحة، فذكر الحافظ الكلام عليه (١)، ثم قال: وثانيها: قوله في كل
منهما لثمانين ولمائة وعشرين، ولم يرد في طريق من الطرق باللام، وإنما ورد
بلفظ ((اختتن وهو ابن ثمانين))، وفي أخرى ((وهو ابن مائة وعشرين))، وثالثها:
أنه صرح في أكثر الروايات أنه عاش بعد ذلك ثمانين سنة (٢).
ثم ذكر الاختلاف في سن إبراهيم عليه السلام، وجزم بأنه لا يثبت منها
شيء، منها؛ أنه مات وهو ابن مائتي سنة، ومنها؛ أنه عاش مائة وخمساً
وسبعين سنة، ومنها؛ أنه توفي وهو ابن مائة وستين سنة، فهذه ثلاثة أقوال،
يتعسر الجمع بينها، لكن أرجحها الرواية الثالثة، اهـ.
قلت: ما حكى الحافظ من رواية ((الموطأ)) ليست ههنا في النسخ
المصرية ولا الهندية، ولم يعزُه الزرقاني ((للموطأ)»، بل قال: وللبخاري في
((الأدب المفرد))، وابن حبان عن أبي هريرة مرفوعاً، وابن السماك وابن حبان
أيضاً عنه مرفوعاً ((وهو ابن مائة وعشرين))، وزادوا ((وعاش بعد ذلك ثمانين))،
وأعلّ بأن عمره - عليه السلام - مائة وعشرون، ورُدَّ بأن مثله عند ابن أبي
شيبة، وابن سعد، والحاكم، والبيهقي وصححاه، وأبي الشيخ في العقيقة من
وجه آخر.
وزادوا أيضاً ((وعاش بعد ذلك ثمانين))، وعلى هذا فعاش مائتين، وجمع بأن
الأول حُسِب من نبوته، والثاني من مولده، أو المراد هو ابن ثمانين من وقت فراقه
من قومه وهجرته من العراق إلى الشام، وهو ابن عشرين ومائة من مولده، أو أن
بعض الرواة رأى مائة وعشرين، فظنها مائة إلا عشرين أو عكسه، قال: والأولان
أولى عن توهيم الرواة، وقد أمكن الجمع بدون توهیم، اهـ.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٨٩/١١).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٤٤/٢٦).
٢٨٣

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َليت
(٣) باب
(١٦٤٩) حديث
وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَ الشَّارِبَ. وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ، فَقَالَ: يَا
رَبِّ. مَا هُذَا؟ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَقَارٌ يَا إِبْرَاهِيمُ.
(وأول الناس قصَّ شاربه) قال القاري(١): يحتمل أنه ما طال إلا له، أو
ما كان الأمم متعبدين به، ويمكن أن يحمل قصّه على المبالغة، فيكون من
خصوصياته، وتبعه من بعده، اهـ. (وأول الناس رأى الشيب) قال القاري: أي
بياضاً في لحيته على ما هو الظاهر، ويَشْعُرُ به السؤال، اهـ
قال الباجي(٢): يحتمل أنه لم يكن قبله شيبٌ حتى رآه إبراهيم - عليه
السلام - أول من رآه، ويحتمل أن يكون الشيب معتاداً على حسب ما هو
اليوم، ولكن كان إبراهيم أول من قال هذا القول عند رؤيته، والأول أظهر؛
لأنّه لو كان الشيب معتاداً قد رآه إبراهيم عليه السلام لجميع الناس قبله، ما
أنكره، وما(٣) قال: يا رب ما هذا؟ ولو سأل عن وقوعه مع معرفته لم يفسر له
بأنه وقار، ولقيل له: هو الشيب الذي رأيته لمن بلغ بِسِنِّك، اهـ.
(فقال) إبراهيم: (يا رب ما هذا) الذي أرى من الشيب؟ قال القاري:
يعني ما الحكمة في هذا التغيير؟ (فقال الرب تبارك وتعالى): هذا (وقار) حلم
ورزانة (يا إبراهيم)، قال القاري: هذا وقار أي سببه، والوقار رزانة العقل
والتأني في العمل، ويترتب عليه الصبر والحلم والعفو وسائر الخصال الحميدة،
قال الطيبي: سمي الشيب وقاراً؛ لأن زمانَ الشيب أوانُ رزانةِ النفس والسكوت
والثبات في مكارم الأخلاق، قال تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاً (®)﴾(٤)،
قال ابن عباس: ما لكم لا تخافون لله عاقبة؛ لأن العاقبة حال استقرار الأمور،
وثبات الثواب والعقاب، من وقر إذا ثبت واستقر، اهـ.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٥/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٢٣٣/٧).
(٣) هكذا في ((الأوجز))، وفي ((المنتقى)): وقال بدون ((ما)).
(٤) سورة نوح: الآية ١٣.
٢٨٤

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٩) حديث
فَقَالَ: رَبِّ. زِدْنِي وَقَاراً.
قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنَ الشَّارِبِ حَتَّى
يَبْدُوَ
وفي ((الجلالين)): أي تأملون وقار الله إياكم بأن تؤمنوا، قال صاحب
((الجمل)): أي توقيراً من الله تعالى لكم أي توقيراً لله إياكم، أي مالكم لا
ترجون أن توقروا، وتعظموا - ببناء المجهول - من الله تعالى، اهـ مختصراً.
(فقال) إبراهيم: (رب زدني وقاراً) قال الباجي: لما أخبر الله تعالى أن ما
رآه منه معناه وقار، سأله عليه السلام الزيادة منه، إذ قد علم أن الوقار
محمود، مأمور به من هدي الصالحين، ولعله أراد أن يزيده من الشيب الذي
هو الوقار، اهـ. قال القاري: وفي العدل عن قوله: رب زدني شيباً نكتة لا
تخفى، ولهذا زاد الله تعالى نبينا وَ لير وقاراً مع أنه لم يزده شيباً، اهـ.
قال السيوطي في ((التنوير))(١): زاد ابن أبي شيبة عن سعيد ((وأول من
قَصَّ أظافره، وأول من استحدّ»، وزاد وكيع عن أبي هريرة ((وأول من تسرول،
وأول من فرق))، وللديلمي عن أنس مرفوعاً ((أنه أول من خضب بالحِنَّاء
والكتم))، ولابن أبي شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه ((أنه أول من خطب
على المنبر))، ولابن عساكر عن جابر ((أنه أول من قاتل في سبيل الله)).
وله عن حسان بن عطية ((أنه أول من رتَّب العسكر في الحرب ميمنة
وميسرة وقلباً))، ولابن أبي الدنيا في ((كتاب الرمي)) عن ابن عباس ((أنه أول من
عمل القسي))، وله في ((كتاب الإخوان)) عن تميم الداري مرفوعاً ((أنه أول من
عانق))، ولابن سعيد عن الكلبي ((أنه أول من ثَرَّدَ الثريد))، وللديلمي عن نبيط بن
شريطة مرفوعاً ((أنه أول من اتخذ الخبز المبلقس))، ولأحمد في ((الزهد)) عن
مطرف «أنه أول من راغم»، اهـ.
(قال مالك: يؤخذ) ببناء المجهول (من الشارب حتى يبدو) أي يظهر
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٦٥).
٢٨٥

٥٠ - كتاب صفة النبي وَال
(٤) باب
طَرَفُ الشَّفَةِ. وَهُوَ الْإِطَارُ. ولَا يَجُزُّهُ فَيَمِثُلُ بِنَفْسِهِ.
(٤) باب النهي عن الأكل بالشمال
(طرف الشفة) العليا ظهوراً بيناً، وطرف بصيغة الإفراد في النسخ المصرية،
وبصيغة الجمع بلفظ ((الأطراف)) في الهندية (وهو) أي طرف الشفة المذكور
(الإطار) بكسر الهمزة وتخفيف الطاء المهملة على زنة كتاب: اللحم المحيط
بالشفة من جانب الفم (ولا يَجُزُّه) بضم الجيم وشد الزاي المعجمتين، أي لا
يقطعه بالكلية حتى يبلغ إلى الجلد (فيمثلُ) بضم المثلثة من المثلة على ما ضبطه
صاحب ((المحلى))، ويحتمل كسرها من قولهم: أمثله جعله مثلة (بنفسه) وذلك
لما تقدم قريباً أن حلق الشوارب داخل في المثلة عند الإمام مالك، وتقدم
اختلاف الأئمة في ذلك.
(٤) النهي عن الأكل بالشمال
محمول على كراهة التنزيه عند الجمهور، قال الزرقاني(١): وأخذ جماعة
من ظاهر أحاديث الأمر وجوب الأكل باليمين وحرمته بالشمال، ولصحة الوعيد
في الأكل بالشمال، ففي مسلم (٢) عن سلمة بن الأكوع: ((أن النبي ◌َّ رأى
رجلاً يأكل بشماله. فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، فقال: لا استطعت،
ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه بعد)» أي فما استطاع رفع يده إلى فمه بعد
ذلك.
وأخرج الطبراني(٣) ومحمد بن ربيع الجيزي بسند حسن عن عقبة بن
عامر: أن النبي وَله رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها، فقال وَلخير: ((أخذها داء
(١) (شرح الزرقاني)) (٢٨٨/٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٢١).
(٣) ((المعجم الكبير)) (٣٢١/١٧).
٢٨٦

٥٠ - كتاب صفة النبي رَله
(٤) باب
غزة؟، فقيل: إن بها قرحة، فقال: وإن، فمرت بغزة فأصابها الطاعون،
فماتت)) وأجيب بأن الدعاء ليس لترك المستحب، بل لقصد المخالفة كبراً بلا
عذر، فدعا على الرجل فشلت يده، والمرأة فماتت، انتهى ما في الزرقاني تبعاً
للحافظ .
زاد، قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): حمله أكثر الشافعية على الندب،
وبه جزم الغزالي ثم النووي، لكن نص الشافعي في ((الرسالة)) وفي موضع آخر
من ((الأم)) على الوجوب، وكذا ذكره عنه الصيرفي في ((شرح الرسالة))، ونقل
البويطي في ((مختصره)) أن الأكل من رأس الثريد، والتعريس على الطريق،
والقران في التمر، وغير ذلك مما ورد الأمر بضده حرام.
ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد على الأكل بالشمال، فذكر
حديث مسلم عن سلمة بن الأكوع وحديث سبيعة المذكورين قبل، قال: وثبت
النهي عن الأكل بالشمال، وأنه من عمل الشيطان من حديث ابن عمر، وجابر
عند مسلم، وعند أحمد بسند حسن عن عائشة رفعته ((من أكل بشماله أكل معه
الشيطان))، الحدیث.
قال النووي: في هذه الأحاديث استحباب الأكل والشرب باليمين،
وكراهة ذلك بالشمال، وكذلك كل أخذٍ وعطاءٍ، كما وقع في بعض طرق
حديث ابن عمر - رضي الله عنه -، وهذا إذا لم يكن عذر من مرض أو جراحة،
فإن كان فلا كراهة، كذا قال، وأجاب عن الإشكال في الدعاء على الرجل
الذي فعل ذلك واعتذر، فلم يقبل عذره بأن عياضاً ادّعى أنه كان منافقاً.
وتعقبه النووي بأن جماعة ذكروه في الصحابة، وسموه بسراً بضم
الموحدة وسكون السين، واحتجّ عياض بما ورد في خبره أن الذي حمله على
ذلك الكبر، وردّه النووي بأن الكبر والمخالفة لا يقتضي النفاق، لكنه معصية
إن كان الأمر أمر إيجاب.
٢٨٧

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َّ -
(٤) باب
(١٦٥٠) حديث
٥/١٦٥٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيِّ؛
قال الحافظ(١): ولم ينفصل عن اختياره أن الأمر أمر ندب، وقد صرح
ابن العربي بإثم من أكل بشماله، واحتج بأن كل فعلٍ ينسب إلى الشيطان
حرام، وقال القرطبي: هذا الأمر على جهة الندب؛ لأنه من باب تشريف
اليمين على الشمال، اهـ
وقال المناوي في ((شرح الشمائل)) (٢) في قوله ◌َّر: (كل بيمينك)): ندباً،
وقيل: وجوباً لما في غيره من الشره، وانتصر له السبكي، وعليه نصّ الشافعي
في ((الرسالة)) ومواضع من ((الأم))، وقال القاري في ((شرحه)): قال ميرك: ذهب
الجمهور إلى الندب، وذهب بضعهم إلى أن الأمر بالأكل باليمين على الوجوب
لحديث مسلم وسبيعة المذكورين، وحمله الجمهور على الزجر والسياسة، وما
ورد ((لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال))، فالظاهر أنه نهى عن
التشبه بالشيطان، فيفيد الاستحباب، اهـ.
وقد أخرج الطبراني في ((الأوسط)) وفي سنده ضعف أن عبد الله بن جعفر،
قال: ((رأيت في يمين النبي وَلّ قثاءً، وفي شماله رطباً، وهو يأكل من ذا مرة
ومن ذا مرة))، وأخرج هو وأبو نعيم في ((كتاب الطب)) له بسند فيه ضعف عن
أنس ((أن النبي و لو كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب
بالبطيخ))، كذا في ((جمع الوسائل)) تبعاً للحافظ ابن حجر في ((الفتح))(٣).
٥/١٦٥٠ - (مالك عن أبي الزبير المكي) محمد بن مسلم (عن جابر بن
عبد الله) الصحابي الشهير الأنصاري ثم (السلمي) بفتحتين نسبة إلى سلمة بن
(١) ((فتح الباري)) (٥٢٣/٩).
(٢) (٢٣٥/١).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٢٢/١٠).
٢٨٨

٥٠ - كتاب صفة النبي رَليقول
(٤) باب
(١٦٥٠) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهَ نَهى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ. أَوْ يَمْشِي فِي نَعْلِ
وَاحِدَةٍ. وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ. وَأَنْ يَحْتَبِيَ
سعد، كما في ((المحلى)) (أن رسول الله وَّليل نهى) قال الزرقاني: تنزيهاً على
الأصح، وفي ((المحلى)): نهي تنزيه عند الجمهور عن (أن يأكل الرجل) وصف
طردي، والمراد الإنسان أعم من الذكر والأنثى (بشماله) إلا لعذر، قال
الباجي: وهذا على ما تقدم أنه # # كان يحب التيامن في شأنه كله (أو يمشي)
بلفظ ((أو)) في المصرية وبالواو في الهندية (في نعل واحدة) صفة نعل لأنها
مؤنثة، وتقدم الكلام على ذلك قريباً في باب الانتعال.
(وأن يشتمل الصَمّاء) بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم، فسرت في
حديث أبي سعيد بأن يجعل الرجل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس
عليه ثوب، أي لأن يده تصير داخل ثوبه، فإذا أصابه شيء يريد الاتقاء منه
بيديه تعذر عليه، وإن أخرج يده من تحت الثوب انكشفت عورته، وبهذا فسرها
الفقهاء، وقالوا: تحرم إن انكشف بعض عورته، وإلا كرهت، وفسره اللغويون
بأن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده، ولا يرفع منه جانباً، ولذا سميت
صماء؛ لأنه يسُدُّ على يديه ورجليه المنافذ كلها، كصخرة صَمَّاء لا خرق فيها،
قاله الزرقاني(١).
وتقدم البسط في ذلك في ((باب لبس الثياب)) في حديث أبي هريرة ((نهى
عن لبستين))، الحديث، وفي ((المحلى)): قال الجوهري: اشتمال الصماء أن
تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الأعراب بأكسيتهم، وهو أن يرد الكساء من قبل
يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانياً من خلفه على يده اليمنى
على عاتقه الأيمن، فيغطهما جميعاً، اهـ.
(وأن يحتبي) بفتح أوله وكسر الموحدة من الاحتباء، وضمير الفاعل إلى
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٧/٤).
٢٨٩

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َالله
(٤) باب
(١٦٥١) حديث
فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفاً عَنْ فَرْجِهِ .
أخرجه مسلم في: ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٠ - باب اشتمال الصماء
والاحتباء في ثوب واحد، حديث ٧٠.
٦/١٦٥١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي
بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،
الرجل (في ثوب واحد) حال كونه (كاشفاً عن فرجه) تقدم الكلام عليه أيضاً في
حديث أبي هريرة المذكور.
٦/١٦٥١ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي بكر بن عبيد الله)
بضم العين مصغراً في جميع النسخ المصرية والهندية من المتون والشروح
و((التجريد)) وسكت عليه، ويظهر من كلام ابن عبد البر الآتي أن يحيى ذكره
بلفظ ابن عبد الله مكبراً، وهو وهم منه، قال الزرقاني: بضم العين، قال أبو
عمر: على الصواب الذي اتفق عليه أصحاب الزهري ومالك إلا يحيى، فقال:
بفتح العين، وهو وهم وخطأ، لا شك فيه عند علماء الأثر والنسب (ابن
عبد الله بن عمر) بن الخطاب.
قال الحافظ في ((التقريب)): أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ثقة
من الرابعة، مات بعد الثلاثين، وفي ((التهذيب))(١): أبو بكر بن عبيد الله، روى
عن جده وعمه سالم، وعنه قريبه عمر بن محمد، والزهري، مدني ثقة، قليل
الحديث، مات في زمن مروان بن محمد، اهـ.
قال ابن عبد البر في ((التجريد))(٢): أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن
عمر، أدرك جده عبد الله بن عمر، وروى عنه هذا الحديث، كان أبوه شقيق
سالم، أمهما أمة، وأما عبد الله بن عبد الله بن عمر أمه صفية بنت أبي عبيد،
وإليه أوصى أبوه عبد الله بن عمر، اهـ.
(١) (٣٢/١٢).
(٢) (ص١٤٩).
٢٩٠

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َليه
(٤) باب
(١٦٥١) حدیث
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّهِ قَالَ: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ. فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ
بشِمَالِهِ)).
أخرجه مسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ١٣ - باب آداب الطعام والشراب
وأحكامهما، حديث ١٠٥.
وقال السيوطي في ((الإسعاف)): أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن
عمر، روى عن جده، وعنه الزهري وغيره، وثقه أبو زرعة، وقال أبو حاتم:
لا يسمى، اهـ. ولم أجد ترجمة أبي بكر بن عبد الله المكبر فيما عندي من
كتب الرجال، من ((التهذيب))، و(التعجيل))، و((الإسعاف))، و((كتاب الكنى)) لابن
عبد البر وغيرها .
(عن) جده (عبد الله بن عمر) بن الخطاب، قال ابن عبد البر: في رواية
يحيى بن بكير زيادة ((عن أبيه عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -)). ولم
يتابعه أحد من أصحاب مالك، ولا ينكر أن أبا بكر يروي عن جده، فقد روى
عنه من حفدته محمد بن زيد وعبد الله بن واقد، ومن دونهم في السن، ولا
أدفع رواية ابن بکیر، اهـ.
قلت: لكن أهل الرجال لم يذكروا أباه في مشايخه، فإن الحافظ ذكر في
شيوخه جده وعمه، كما تقدم.
(أن رسول الله (بَّ قال: إذا أكل أحدكم) أي أراد أن يأكل (فليأكل
بيمينه) على الاستحباب عند الجمهور (وليشرب بيمينه) وفي رواية: ((وإذا شرب
فليشرب بيمينه))، وقدم الأكل إجراء لحكم الشرع على وفق الطبع، قال
الزرقاني(١): فيكره تنزيهاً لا تحريماً عند الجمهور فعلهما بالشمال إلا لعذر،
وأرشد لعلة ذلك بقوله: (فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) وفي
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٨/٤).
٢٩١

٥٠ - كتاب صفة النبي (وَل
(٤) باب
(١٦٥١) حديث
((المحلى)): أخذ جمع من الحنابلة والمالكية والظاهرية من التعليل به حرمة أكله
وشربه بالشمال؛ لأن فاعل ذلك الشيطان أو شبهه، اهـ.
قال الحافظ: نقل الطيبي معنى قوله: إن الشيطان يأكل بشماله، أي
يحمل أولياءه من الإنس على ذلك ليضاد به عباد الله الصالحين، قال الطيبي:
وتحريره لا تأكلوا بالشمال، فإن فعلتم كنتم من أولياء الشيطان، فإن الشيطان
يحمل أولياءه على ذلك، قال الحافظ: فيه عدول عن الظاهر، والأولى حمل
الخبر على الظاهر. وأن الشيطان يأكل حقيقة؛ لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد
ثبت الخبر به، فلا يحتاج إلى تأويل، وحكى القرطبي بذلك احتمالين، ثم
قال: والقدرة صالحة لذلك، ثم ذكر من عند مسلم أن الشيطان يستحل الطعام
إذا لم يذكر اسم الله عليه، قال: وهذا عبارة عن تناوله، وقيل: معناه استحسانه
رفع البركة من ذلك الطعام، إذا لم يذكر اسم الله عليه، قال القرطبي:
قوله ◌َ﴾: ((إن الشيطان يأكل بشماله)) ظاهره أن من فعل ذلك تَشَبَّه بالشيطان،
وأبعد وتعسف من أعاد الضمير في شماله على الأكل، انتهى ما في
((الفتح))(١).
قال الزرقاني(٢): قوله وَ﴾: ((إن الشيطان يأكل بشماله)) حقيقة؛ لأن العقل
لا يحيله، والشرع لا ينكره، وقد ثبت الخبر، فلا يحتاج إلى تأويله بأن معناه
إن فعلتم كنتم أولياءه؛ لأنه يحمل أولياءه على ذلك، قال ابن عبد البر: هذا
ليس بشيء، فلا معنى لحمل شيء من المعنى على المجاز إذا أمكنت الحقيقة
فيه بوجهٍ ما .
وقال ابن العربي: من نفى عن الجن الأكل والشرب، فقد وقع في حبالة
(١) ((فتح الباري)) (٩/ ٥٢٢).
(٢) (٢٨٨/٤).
٢٩٢

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َ ﴾
(٤) باب
(١٦٥١) حديث
إلحاد وعدم رشاد، بل الشيطان وجميع الجان يأكلون ويشربون وينكحون.
ويولد لهم ويموتون، وذلك جائز عقلاً، وورد به الشرع، وتظافرت به الأخبار،
فلا يخرج عن هذا المضمار إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شَمٌّ، فما شَمَّ
رائحة العلم.
قال الحافظ (١) بعد ما بسط الكلام على وجود الجنات وحقيقتهم:
واختلف أيضاً هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا؟ قيل: بالنفي، وقيل:
بمقابله، ثم اختلفوا، فقيل: أكلهم وشربهم تشَمُّمٌ واسترواح لامضغ ولا بلع،
وهو مردود بما رواه أبو داود من حديث أمية بن مخشي قال: ((رجل يأكل ولم
يُسَمِّ، ثم سَمَّى في آخره، فقال النبي ◌َّ: ما زال الشيطان يأكله معه، فلما
سمى استقاء ما في بطنه))، وروى مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه،
فذكر حديث الباب.
قال الزرقاني(٢): ويقوي ذلك ما في مسلم: أن الجن سألوه الزاد،
فقال ◌َ: ((كل عظم ذكر عليه اسم الله يقع في يد أحدكم أوفر ما كان
لحماً))(٣) لأن صيرورته لحماً يكون للأكل حقيقة، وروى ابن عبد البر عن
وهب بن منبه أن الجن أصنافٌ، فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا
يتوالدون، وصنف تفعل ذلك، ومنهم السعالي والغيلان والقطرب.
قال الحافظ: وهذا إن ثبت كان جامعاً للقولين الأولين، ويؤيده ما روى
ابن حبان والحاكم(٤) عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعاً ((الجن ثلاثة أصناف:
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٤٥/٦).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٢٨٨/٤).
(٣) أخرجه مسلم (٤٥٠).
(٤) أخرجه ابن حبان (٦١٥٦)، والحاكم (٤٥٦/٢).
٢٩٣

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل قر
(٤) باب
(١٦٥١) حديث
صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلون
ويظعنون))، ولابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء مرفوعاً نحوه، لكن قال في
الثالث: وصنف عليهم الحساب والعقاب.
قال السهيلي: ولعل الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ولا يشرب إن صح
القول به، وروى ابن أبي الدنيا من حديث يزيد بن يزيد بن جابر، أحد ثقات
التابعين، قال: ((ما من أهل بيت إلا وفي سقف بيتهم من الجن، وإذا وضع
الغداء نزلوا فتغدوا معهم، والعشاء كذلك))، وقد ورد في أحاديث الاستنجاء
((أن الروث والعظم زاد الجن))، وفي رواية: ((هما طعام الجن))، قال صاحب
((آكام المرجان)): وبالجملة فالقائلون: الجن لا يأكل ولا يشرب إن أرادوا
جميعهم فباطل لمصادمة الأحاديث الصحيحة، وإن أرادوا صنفاً منهم فمحتمل،
لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون، اهـ بزيادة من ((الفتح))(١).
قال: واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله تعالى: ﴿لَّمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسٌ
قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴾ وبقوله تعالى: ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ﴾ الآية، والدلالة من
ذلك ظاهرة، واعتلّ من أنكر ذلك بأن الله تعالى أخبر أن الجان خُلِقٍ من نار،
وفي النار من اليبوسة والخفة ما يمنع معه التوالد. والجواب أن أصلهم من
النار كما أن أصل الآدمي من التراب، وكما أن الآدمي ليس طيناً حقيقة،
كذلك الجني ليس ناراً حقيقة، وقد وقع في ((الصحيح)) في قصة تعرض الشيطان
للنبي وَلّ أنه قال: ((فأخذته، فخنقته، حتى وجدت برد ريقه على يدي))، اهـ.
وفي ((المحلى)): إنه يأكل بشماله حقيقة، قال: عليه جمهور المحدثين
والفقهاء والمتكلمين لإمكانه عقلاً فإذا أثبته الشارع وجب قبوله، وكذا يقال في
(بال الشيطان في أذنه)) و((قاء الشيطان ما في بطنه))، اهـ.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٤٥/٦).
٢٩٤

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلعمه-
(٥) باب
(٥) باب ما جاء في المساكين
(٥) ما جاء في المساكين
جمع مسكين، قال الحافظ(١): مفعيل من السكون، قاله القرطبي، قال:
فكأنه من قلة المال سكنت حركاته، ولذا قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا
مَتْرَةٍ (®﴾ (٢) أي لاصق بالتراب، اهـ. وفي ((البخاري)): المسكنة مصدر
المسكين، فلان أسكنُ من فلان أي أحوج منه، ولم يذهب إلى السكون، اهـ.
قال الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾(٣) الآية:
اختلفوا فيها، فقال بعضهم: الذي يكون أشدّ حاجةً هو الفقير، وهو قول
الشافعي وأصحابه، وقال آخرون: الذي أشدّ حاجة هو المسكين، وهو قول
أبي حنيفة وأصحابه، ومنهم من قال: لا فرق بينهما، والله تعالى وصفهم
بهذين الوصفين، والمقصود شيء واحد، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وفائدته تظهر فيمن أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فالذين قالوا:
الفقراء غير المساكين، قالوا: لفلان الثلث، ومن قال: هما واحدٌ قال: لفلان
النصف، ثم بسط في ترجيح قول الشافعي - رحمه الله - أن الفقير أسوء حالاً
من المسكين .
وتقدم في كتاب الزكاة، أن الفقير عند الشافعي: من لا مال له ولا
حرفة، وعند أبي حنيفة: من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو غير نصاب
غير نام، والمسكين عند الشافعي: من له مال أو حرفة ولا يغنيه، وعند أبي
حنيفة: من لا شيء له، ومذهب الإمام أحمد يوافق الشافعي، والإمام مالك
يوافق الحنفية، وقولهم يوافق أهل اللغة، فإن الرازي حكى عن الأصمعي وأبي
(١) ((فتح الباري)) (٣٤٢/٣).
(٢) سورة البلد: الآية ١٦.
(٣) سورة التوبة: الآية ٦٠.
٢٩٥

٥٠ - كتاب صفة النبي رَليل
(٥) باب
(١٦٥٢) حديث
٧/١٦٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَلِ قَالَ: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ
بِهُذَا الَطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ. فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ.
وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ)) قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
عمرو بن العلاء أنهما قالا: الفقير الذي له ما يأكل، والمسكين الذي لا شيء
له، وقال يونس: الفقير قد يكون له بعض ما يكفيه، والمسكين هو الذي لا
شيء له، قال الرازي: إن فائدة هذا الاختلاف لا تظهر في تفرقة الصدقات.
وإنما تظهر في الوصايا، اهـ.
٧/١٦٥٢ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله وَلقر قال: ليس المسكين)
الكامل في المسكنة (بهذا الطواف) الباء زائدة على خبر ليس، والطواف بشد
الواو صيغة مبالغة موصوف صفته (الذي يطوف) بسكون الواو على ما هو
المعروف، وأعرب في بعض النسخ المصرية على الواو بالتشديد، فيكون
بتشديد الطاء أيضاً من التفعل، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ
بِهِمَا﴾ (على الناس) للسؤال (فتردُّه) بضم الدال المشددة، وضمير المفعول إلى
المسكين (اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان) من باب إلى باب.
(قالوا: فما) كذا في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية ((قالوا: فمن))؟
ويظهر من كلام الزرقاني أن رواية يحيى الأول إذ قال قوله: فما، كذا ليحي
وحده، ولغيره فمن، كذا قيل، وقد رواه قتيبة أيضاً عن مالك بلفظ ((ما))، وهي
رواية لمسلم نظراً إلى أنه سؤال عن الصفة، وهي المسكنة، وما يقع عن
صفات العقلاء يقال فيه: ما، نحو قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآِ﴾
فالروايتان صحيحتان(١)، اهـ. (المسكين) حقيقة (يا رسول الله قال) وَله :
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٨٨/٤).
٢٩٦

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٥) باب
(١٦٥٢) حديث
((الَّذِي لَا يَجِدُ غِنَّى يُغْنِيهِ. وَلَا يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ. وَلَا
يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسِ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٥٣ - باب قول الله تعالى: لا
يسألون الناس إلحافاً. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٣٤ - باب المسكين لا يجد
غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه، حديث ١٠١.
المسكين (الذي لا يجد غنى) بكسر المعجمة مقصوراً أي يساراً (يغنيه) قال
الحافظ: هذه صفة زائدة على اليسار المنفي إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء
أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، وكان المعنى نفي اليسار المقيد بأنه
يغنيه مع وجود أصل اليسار (ولا يفطن) بضم الطاء وفتحها أي لا يتنبه (الناس
له) فاعل لا يفطن (فيتصدق عليه) ببناء المجهول على الإفراد بالرفع والنصب،
كما في ((الزرقاني))، وفي النسخ الهندية القديمة ((فيتصدقن عليه)) بصيغة الجمع.
(ولا يقوم) المسكين المذكور (فيسأل الناس) قال الحافظ: بنصب يتصدق
ويسأل، وفي ((المحلى)): هو برفع المضارع الواقع بعد الفاء عطفاً على المنفي
المرفوع، أي لا يفطن له فلا يصدق عليه، ولا يقوم فلا يسأل الناس،
وبالنصب فيهما بأن مضمرة وجوباً بالوقوع في جواب النفي بعد الفاء.
قال الحافظ(١): في الحديث دلالة على أن الفقير أسوأ حالاً من
المسكين، وأن المسكين الذي له شيء لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له كما
تقدم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِ اُلْبَحْرِ﴾(٢)
فسماهم مساكين، مع أن لهم سفينة يعملون فيها، وهذا قول الشافعي وجمهور
أهل الحديث والفقه، وعكس آخرون، فقالوا: المسكين أسوأ حالاً من الفقير،
وقال آخرون: هما سواء، وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك، وقيل:
الفقير الذي يسأل، والمسكين الذي لا يسأل، حكاه ابن بطال.
(١) ((فتح الباري)) (٣٤٣/٣).
(٢) سورة الكهف: الآية ٧٩.
٢٩٧

٥٠ - كتاب صفة النبي وَ لـ
(٥) باب
(١٦٥٣) حديث
٨/١٦٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ
بُجَيْدِ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْحَارِثِيِّ،
وظاهره أيضاً أن المسكين من اتصف بالتعفف عن السؤال، لكن قال ابن
بطال: معناه المسكين الكامل، وليس المراد نفي أصل المسكنة عن الطواف،
بل هي كقوله وقالقر: ((أتدرون من المفلس؟))، الحديث، وكذا قرره القرطبي
وغيره، اهـ.
وفي ((المحلى)): قيل: في الحديث حجة لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك،
أن المسكين هو الذي لا يملك شيئاً وأنه أسوأ حالاً من الفقير، وما ذكره
بعض الشافعية أنه 18 تعوّذ من الفقر في حديث ((الصحيحين))، وسأل المسكنة
في حديث الترمذي فمدفوع بأن حديث الترمذي ضعيف.
بل روى البيهقي أنه وسل* يتعوذ من المسكنة أيضاً، ثم إنه حمل ذلك على
أنه استعاذ من فتنة الفقر، لا نفس الفقر، وقد تحمل المسكنة التي سألها على
التواضع اللازم لأهلها، وقال أيضاً: المشهور عند الحنفية أن الفقير من له دون
النصاب، والمسكين من لا شيء له، لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرٍَ
وآية السفينة للترحم، اهـ.
٨/١٦٥٣ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن ابن بجيد) بموحدة
وجيم مصغراً (الأنصاري ثم الحارثي) بحاء مهملة وثاء مثلثة، نسبة إلى بني
حارثة، بطن من الخزرج، قال صاحب ((المحلى)): اسمه عبد الرحمن، اهـ.
وظاهر كلام الحافظ أن راوي ((الموطأ)) هذا محمد، قال الحافظ في ((تعجيل
المنفعة)) في الكنى: ابن بجيد تقدم في محمد بن بجيد، وذكره في الأسماء،
ورقم عليه لمالك وأحمد، فقال: محمد بن بجيد الأنصاري عن جدته، وعنه
زيد بن أسلم، أخرج مالك عن زيد به حديث: ((رُدُّوا السائل ولو بظلف
محرق))، وأخرجه أحمد من طريق مالك ولم يسم ابن بجيد ولا جدته.
وعلى ذلك اتفق رواة ((الموطأ)) وانفرد ابن بكير، فقال: عن محمد بن بجيد.
٢٩٨

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٥) باب
(١٦٥٣) حديث
وبذلك جزم ابن البرقي فيما حكاه أبو القاسم الجوهري في ((مسند
الموطأ)»، ووقع في ((الأطراف)) للمزي في ((مسند أم بجيد)) أن النسائي أخرجه
من وجهين(١). عن مالك عن زيد عن عبد الرحمن بن بجيد عن جدته بذلك،
ولم يترجم في ((التهذيب)) لمحمد، بل جزم في ابن بجيد في ((المبهمات)) أن
اسمه عبد الرحمن وليس ذلك بجيد؛ لأنه لم يقع في النسائي إلا كما وقع عند
أكثر رواة ((الموطأ)) غير مسمى، لا هو ولا ابنه.
وقد أوضحت ذلك في (تهذيب التهذيب))، وذكرت أن مستند من سماه
عبد الرحمن ما وقع في السنن الثلاثة(٢) من طريق الليث بن سعد عن سعيد
المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد عن جدته، فذكر هذا الحديث مطولاً، لكنه
لا يلزم من كون شيخ سعيد المقبري فيه عبد الرحمن أن لا يكون فيه شيخ
زيد بن أسلم آخر يسمى محمداً، انتهى ما في ((التعجيل))(٣) بتغير بعض الألفاظ
عن الزرقاني (٤)، لما في نسخة ((التعجيل)) من تحريف الناسخ.
وذكر في ((مبهمات التهذيب)) و((التقريب))(٥) ابن بجيد هو عبد الرحمن،
وذكره في الأسماء وعزاه لأبي داود والترمذي والنسائي، فقال(٦):
عبد الرحمن بن بجيد بن وهب بن قيظى الأنصاري، الحارثي، المدني، روی
عن النبي ◌َ 8* وعن جدته أم بجيد، وعنه زيد بن أسلم ومحمد بن إبراهيم
(١) أي معن وقتيبة كلاهما عن مالك، ولا يذهب عليك أنه وقع التحريف في نسخ النسائي، إذ
ذكر عن مالك عن يزيد بن أسلم بزيادة الياء في أوله، والصواب زيد بدون الياء، اهـ. ((ش)).
(٢) أي ((سنن أبي داود))، و((الترمذي))، و((النسائي))، اهـ. (ش)).
(٣) ((تعجيل المنفعة)) (ص ٣٦٠).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٨٨/٤).
(٥) ((تقريب التهذيب)) (٣٧٣/١)، ((تهذيب التهذيب)) (٢٨٦/١٢).
(٦) ((تهذيب التهذيب)) (١٤٢/٦).
٢٩٩

٥٠ - كتاب صفة النبي رَالعمل
(٥) باب
(١٦٥٣) حديث
وسعيد المقبري، وبسط ترجمته، وذكر الاختلاف في صحبته لإنكاره على
سهل بن أبي حثمة حديث القسامة.
ثم قال: وعند النسائي من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن ابن بجيد
عن جدته حديث غير هذا - أي غير حديث القسامة -، وكذا وقع غير مسمى
لأكثر رواة ((الموطأ))، وسماه يحيى بن بكير محمداً، وجزم هذا، فكان يلزم
المزي أن يترجم لمحمد بن بجيد، وكأنه اعتمد على ما وقع في ((الأطراف)) في
مسند أم بجيد، فقال: في رواية النسائي، ثم ذكر كلام ((الأطراف))، وفيه
سقوط العبارة وتحريف من الناسخ.
وما يظهر لي أنه أراد أن النسائي ذكره أولاً من طريق مالك مبهماً ثم من
طريق أخرى عن المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد، ثم قال الحافظ: فظن
مصنف ((الأطراف)) اتحاد الروايتين، فجزم بأن شيخ ابن أسلم هو عبد الرحمن بن
بجيد، وفيه نظر؛ لأنه لا مانع أن يكون محمد بن بجيد شيخ زيد بن أسلم غير
عبد الرحمن بن بجيد شيخ المقبري، وأن كلا منهما يروي عن جدته، اهـ.
ولا يذهب عليك أن الإمام أحمد (١) ذكر في مسند أم بجيد حديث الباب
بعدة طرق في كلها عن المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد عن جدته أم بجيد،
ثم ذكره في مسند الحواء عن روح عن مالك عن زيد بن أسلم عن عمرو بن
معاذ الأشهلي، عن جدته بمعناه. ثم برواية روح أيضاً عن مالك عن زيد بن
أسلم عن ابن بجيد عن جدته حديث الباب، ثم بسنده إلى زهير عن زيد عن
عمرو بن معاذ الأنصاري، قال: إن سائلاً وقف على بابهم، فقالت له جدته
حواء: أطعموه، الحديث. وحديث عمرو بن معاذ سيأتي في ((الموطأ)) قريباً في
((جامع الطعام والشراب)).
(١) ((مسند أحمد)) (٧٠/٤)، ورواه البغوي في ((شرح السنة)) (١٧٥/٦).
٣٠٠