النص المفهرس

صفحات 181-200

٤٩ - كتاب اللباس
(٥) باب
قال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار لأن أكثر الناس في عهده كانوا
يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس القميص، والدراريع(١)، كان حكمها
حكم الإزار في النهي، قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص
بالثوب، فإنه یشمل جميع ذلك.
قال الحافظ: وأخرج أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم من حديث
أبي جري بالجيم والراء مصغراً، قال في أثناء حديث مرفوع: ((وارفع إزارك إلى
نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنه من المخيلة،
وإن الله لا يحب المخيلة))، وأخرج النسائي وصحح الحاكم من حذيفة بلفظ:
((الإزار إلى أنصاف الساقين، فإن أبيت فأسفل، ولاحق للكعبين في الإزار)).
قال: ويستثنى من إسبال الإزار مطلقاً ما أسبله لضرورة، كمن يكون
بكعبيه جرح مثلاً يؤذيه الذباب، إن لم يستره بإزاره، حيث لا يجد غيره، نَبَّه
على ذلك شيخنا في شرح الترمذي، واستدل على ذلك بإذنه وَ لّ لعبد الرحمن بن
عوف في لبس قميص الحرير من أجل الحكة، والجامع بينهما جواز تعاطي ما
نهي عنه من أجل الضرورة، كما يجوز كشف العورة للتداوي.
ثم قال في موضع آخر بعد ذكر روايات الباب في هذه الأحاديث: إن
إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه
أيضاً، لكن استدل بالتقييد بالخيلاء على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم
الإسبال محمولٌ على المقيد، فلا يحرم الجرّ والإسبال إذا سلم من الخيلاء.
قال ابن عبد البر(٢): مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا
أن جرّ القميص وغيره من الثياب مذمومٌ على كل حال.
(١) الدراعة: ج دراريع: جبة مشقوقة المقدم.
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٤٧/٣ - ٢٤٨).
١٨١

٤٩ - كتاب اللباس
(٥) باب
قال النووي: الإسبال تحت الكعبين للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو
مكروه، هكذا نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء، قال:
والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق، والجائز بلا كراهة إلى الكعبين،
وما نزل عن الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء، وإلا فمنع تنزيه.
قال الحافظ: والنص الذي أشار إليه ذكره البويطي في ((مختصره)) عن
الشافعي، قال: لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها
خفيف؛ لقول النبي وَلّ لأبي بكر. وقوله: خفيف ليس صريحاً في نفي التحريم،
بل هو محمول على أن ذلك بالنسبة للجرِّ خيلاء، فأما لغير الخيلاء فيختلف
الحال، فإن کان الثوب علی قدر لا بسه، لکنه یسدله، فهذا لا يظهر فيه تحریم،
ولا سيما إن كان عن غير قصد، كالذي وقع لأبي بكر، وإن كان الثوب زائداً على
قدر لا بسه، فهذا قد يتّجه فيه المنع من جهة الإسراف، فينتهي إلى التحريم.
وقد يتّجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء، وهو أمكن فيه من الأول،
وقد صحح الحاكم(١) من حديث أبي هريرة: أن رسول الله وَل لعن الرجل
يلبس لبسة المرأة، وقد يتّجه المنع فيه من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق
النجاسة به، وإلى ذلك الحديث الذي أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (٢)
والنسائي عن الأشعث بن سليم عن عمته عن عمها، قال: كنت أمشي وعلي
بردٌ أُجُرّه، فقال لي رجل: ((ارفع ثوبك فإنه أنقى وأبقى فنظرت، فإذا هو
النبي وَلّ، فقلت: إنما هي بُردَة ملحاء(٣) فقال: ((أمالَكَ فيَّ أسوة))؟ قال:
فنظرت فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه، وفي قصة قتل عمر - رضي الله عنه - أنه
قال للشاب الذي دخل عليه: ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك
(١) ((المستدرك)) (١٩٤/٤).
(٢) انظر: ((جمع الوسائل)» (١٧٢/١).
(٣) قوله: مَلْحَاء: بفتح الميم تأنيث أملح والملحة بالضم، بياض يخالطه سواد.
١٨٢

٤٩ - کتاب اللباس
(٥) باب
ويتّجه المنع أيضاً من جهة أخرى، وهي كونها مَظِنَّة الخيلاء، قال ابن
العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أُجُرُّه خيلاء؛ لأن
النهي قد تناوله لفظاً، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ أن يقول: لا أمتثله؛ لأن
تلك العلة ليست فيّ، فإنها دعوى غير مُسَلَّمة، بل إطالة ذيله دالةٌ على تكبره.
قال الحافظ: يعني أنه يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء،
ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: ((إياك وجر
الإزارِ، فإن جر الإزار من المخيلة))، وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة:
((بينما نحن مع رسول الله ◌َ﴿ إذا لِحقَنا عمروُ بنُ زرارة الأنصاري في حُلَّة إزار
ورداء، قد أسبل، فجعل رسول الله ﴿ ﴿ يأخذ بناحية ثوبه، ويتواضع لله،
ويقول: عبدك وابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو، فقال: يا رسول الله: إني
حمش(١) الساقين، فقال: يا عمرو، وإن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا
عمرو إن الله لا يحب المسبل))، الحديث(٢).
وأخرجه الطبراني (٣) عن عمرو بن زرارة نفسه، وفيه: ((وضرب
رسول الله ﴾ بأربع أصابع تحت ركبة عمرو، فقال: يا عمرو هذا موضع
الإزار، ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع، فقال: يا عمرو هذا موضع
الإزار))، الحديث، ورجاله ثقات، وظاهره أن عمراً المذكور لم يقصد بإسباله
الخيلاء، وقد منعه من ذلك لكونه مظنة، وأخرج الطبراني (٤) من حديث الشريد
الثقفي، قال: أبصر النبي ◌َ له رجلاً قد أسبل إزاره فقال: ((ارفع إزارك))، فقال:
(١) حمش الساقين: دقيق الساقين.
(٢) انظر: ((مجمع الزوائد» (١٢٤/٥).
(٣) ((المعجم الكبير)) (٢٤٠/١).
(٤) ((المعجم الكبير)) (٧٢٤٠).
١٨٣

٤٩ - كتاب اللباس
(٥) باب
(١٦٣٥) حديث
٩/١٦٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ه قَالَ: ((الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ،
إني أحَنَفُ (١) تصطك(٢) ركبتايَ، قال: ((ارفع إزارك فكل خلق الله حسن))
وأخرجه مسدد، وأبو بكر بن أبي شيبة من طرق عن رجل من ثقيف لم يسم،
وفي آخره: ((ذاك أقبح مما بساقك))، وأخرج النسائي وابن ماجه وصححه ابن
حبان(٣) من حديث المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله ﴿ أخذ برداء سفيان بن
سهيل وهو يقول: ((يا سفيان لا تسبل، فإن الله لا يحب المسبلين)).
وقال في موضع آخر في حديث أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟
فقال: ((يرخين شبراً))، فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن، قال: ((فيرخينه ذراعاً لا
يزدن عليه))، يستفاد منه التعقب على من قال: إن الأحاديث المطلقة في الزجر
عن الإسبال مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء، ووجه
التعقب أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جرّ
ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقاً، سواء كان عن مخيلة أم
لا، فسألَتْ عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر
العورة؛ لأن جميع قدمها عورة، فبيَّن لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم
الرجال في هذا المعنى فقط، اهـ.
٩/١٦٣٥ - (مالك عن عبد الله بن دينار) العدوي (عن) مولاه (عبد الله بن
عمر) رضي الله عنهما (أن رسول الله وَ خلال قال: الذي يجرثوبه) إزاراً كان أو غيره
من القميص والرداء وغيرهما (خيلاء) بضم الخاء المعجمة وفتح التحتية والمد
كبراً أو عجباً، حال من ضمير يجرّ.
(١) أحتف: لمن اعوجت رجله إلى الداخل.
(٢) تضطرب.
(٣) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٩٦٢٤)، وابن ماجه (٣٥٧٤)، وابن حبان (٥٤٤٢).
١٨٤

٤٩ - كتاب اللباس
(٥) باب
(١٦٣٦) حديث
لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) .
١٠/١٦٣٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَنِ
الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى،
قال الباجي(١): يريد كبراً، وعن ابن القاسم الخيلاء الذي يتبختر في
مشيه، ويختال، ويطيل ثيابه بطراً من غير حاجة إلى أن يطيلها، ولو اقتصد في
ثيابه ومشيه، لكان أفضل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾(٢)
وقوله وَلـ: ((جر ثوبه خيلاء)) يقتضي تعلق هذا الحكم بمن جَرَّه خيلاء، أما من
جَرَّه لطول ثوب لا يجد غيره أو عذر من الأعذار، فإنه لا يتناوله الوعيد، وقد
روي عن الصديق - رضي الله عنه - أنه لما سمع هذا الحديث قال: يا رسول الله
إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي وقال: ((لست
ممن يصنعه خيلاء)) .
(لا ينظر الله) تبارك وتعالى (إليه يوم القيامة) نظر رحمة، قال الباجي:
معنى ذلك أنه لا يرحمه، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ
ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَّكَ لَ خَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ وَلَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ (®)﴾(٣)
١٠/١٦٣٦ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَلَو قال: لا
ينظر الله) أي لا يرحم، قال الزين العراقي (٤): عَبَّر عن المعنى الكائن عند
(١) ((المنتقى)) (٢٢٥/٧).
(٢) سورة النساء: الآية ٣٦.
(٣) سورة آل عمران: الآية ٧٧.
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٣/٤).
١٨٥

٤٩ - كتاب اللباس
(٥) باب
(١٦٣٦) حديث
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَراً)).
أخرجه البخاريّ في: ٧٧ - كتاب اللباس، ٥ - باب من جرّ ثوبه من الخيلاء.
١١/١٦٣٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ وَعَبْدِ الله بْنِ
دِينَارٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
النظر بالنظر؛ لأن من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته،
فالرحمة والمقت مسببان عن النظر (يوم القيامة) إشارة إلى أنه محل الرحمة
الدائمة، خلاف رحمة الدنيا، فقد تنقطع بما يتجدد من الحوادث (إلى من يجرُّ
إزاره) أو غيره من الثياب (بطراً) بموحدة ومهملة مفتوحتين، قال عياض:
جاءت الرواية بفتح الطاء على المصدر، وبكسرها على الحال من فاعل يجرُّ،
أي تكبراً وطغياناً.
وأصل البطر الطغيان عند النعمة، واستعمل بمعنى الكبر، وقال الراغب:
أصل البطر: دهش يعتري المرء عند هجوم النعمة عن القيام بحقها، وقال
النووي: قال العلماء: الخيلاء بالمد والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر
كلها بمعنى واحد وهو حرام، اهـ.
١١/١٦٣٧ - (مالك عن نافع وعبد الله بن دينار) كلاهما مولى ابن عمر
- رضي الله عنهما - (وزيد بن أسلم) مولى أبيه عمر - رضي الله عنه -، والسند
هكذا بلفظ ((وزيد بن أسلم)) بالواو في جميع النسخ الموجودة عندنا من
المصرية والهندية، وهكذا رواه البخاري برواية إسماعيل عن مالك، وقال
الحافظ(١): وقع في ((الموطأ)) عن نافع وعبد الله بن دينار، وعن زيد بن أسلم
بتكرير عن، وعند الترمذي من رواية معن عن مالك سمع كلهم يحدث، هكذا
جمع مالك رواية الثلاثة.
(١) ((فتح الباري)) (٢٥٤/١٠).
١٨٦

٤٩ - كتاب اللباس
(٥) باب
(١٦٣٧ - ١٦٣٨) حديث
كُلُّهُمْ يُخْبِرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ قَالَ: ((لَا
يَنْظُرُ اللَّهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٧٧ - كتاب اللباس، ١ - باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ
حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِبَادِهِ﴾. ومسلم في: ٣٧ - كتاب اللباس، ٩ - باب تحريم
جر الثوب خيلاء، حديث ٤٢.
١٢/١٦٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن،
عَنْ أَبيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنِ الْإِزَارَ؟ فَقَالَ: أَنَا
أَخْبِرُكَ بِعِلْم. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّه يَقُولُ: ((إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ
وقد روى داود بن قيس رواية زيد بن أسلم عنه بزيادة قصته، قال:
أرسلني أبي إلى ابن عمر، قلت: أدخل؟ فعرف صوتي، فقال: أي بني إذا
جئت إلى قوم، فقل: السلام عليكم، فإن ردّوا عليك، فقل: أدخل؟ قال: ثم
رأى ابنه وقد انجرّ إزاره، فقال: ارفع إزارك، فقد سمعت، فذكر الحديث،
وأخرجه أحمد والحميدي جميعاً عن سفيان بن عيينة عن زيد نحوه، وسميا
الابن عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر، اهـ.
(كلهم يخبره) أي الثلاثة يخبرون مالكاً (عن عبد الله بن عمر) رضي الله
عنهما (أن رسول الله وَله قال: لا ينظر الله) تعالى نظر رحمة (يوم القيامة إلى من
يجر ثوبه خيلاء) كما تقدم في الحديث السابق.
١٢/١٦٣٨ - (مالك عن العلاء بن عبد الرحمن) الجهني (عن أبيه)
عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي (أنه قال: سألت أبا سعيد) سعد بن مالك
(الخدري) الصحابي الشهير ابن الصحابي (عن الإزار) إلى أي محل يكون، كما
يدل عليه الجواب (فقال) أبو سعيد: (أنا أخبرك بعلم) الباء للسببية أو العلم،
أي أخبرك بنص لا اجتهاد، وفي رواية: على الخبير سقطت (سمعت
رسول الله والله يقول: إزرة) بكسر الهمزة وسكون الزاي للهيئة (المؤمن) في
(المحلى)) عن ((النهاية)): الإزرة بالكسر: الحالة، وهيئة الاتزار كالجلسة أي
١٨٧

٤٩ - كتاب اللباس
(٥) باب
(١٦٣٨) حديث
إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ. لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ. مَا أَسْفَلَ
مِنْ ذُلِكَ فَفِي النَّارِ.
الهيئة التي يرتضي منها في الاتزار أن يكون إزاره (إلى أنصاف) بفتح الهمزة
جمع نصف (ساقيه) فقط.
قال الزرقاني(١): جمع أنصاف كراهة توالي تثنيتين كقوله: رؤوس
الكبشين، وفي ((المحلى)): جمع ليشعر بالتوسعة، قال الباجي(٢): يحتمل أن
يريد به أن هذه صفة لباسه الإزار؛ لأنه يلبس لبس المتواضع المقتصد المقتصر
على بعض المباح، ويحتمل أن يريد أن هذا القدر المشروع له، ويبين هذا
التأويل قوله وَ﴾: ((لا جناح عليه))، الحديث.
قال الزرقاني: وذلك علامة التواضع والاقتداء بالمصطفى، ففي الترمذي
عن سلمة كان عثمان - رضي الله عنه - يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: ((كانت
أزرة صاحبي)) يعني النبي الله، وفي النسائي والترمذي(٣) عن عبيد المحاربي،
أنه وَّ﴾ قال له: ((ارفع إزارك، أما لك فِيَّ أسوة حسنة))؟ قال: فنظرت فإذا
إزاره ول# إلى نصف ساقيه.
(لا جناح) أي لا حرج (عليه) أي على الرجل (فيما بينه) أي بين نصف
الساق (وبين الكعبين) أي فيجوز الإرسال إلى الكعبين، قال الباجي: يريد أن
هذا لو لم يقتصر على المستحب، مباح لا إثم عليه فيه، وإن كان قد ترك
الأفضل (ما أسفل من ذلك) أي من الكعبين (ففي النار) دخلت الفاء في الخبر
بتضمين ما معنى الشرط .
قال الحافظ(٤) في حديث أبي هريرة عند البخاري مرفوعاً: ((ما أسفل من
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٤/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٧/٧).
(٣) أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (١٢٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٦٠٢).
(٤) ((فتح الباري)) (٢٥٧/١٠).
١٨٨

٤٩ - كتاب اللباس
(٥) باب
(١٦٣٨) حديث
الكعبين من الإزار في النار)): ما موصولة وبعض الصلة محذوف، وهو كان،
وأسفل خبره، وهو منصوب. ويجوز الرفع أي ما هو أسفل، وهو أفعل تفضيل،
ويحتمل أن يكون فعلاً ماضياً، ويجوز أن تكون ((ما)) نكرة موصوفة بأسفل.
قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في
النار، فكنى بالثوب عن بدن لابسه، يعني أن الذي دون الكعبين من القدم
يُعَذَّبُ عقوبةً، فهو من تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حلّ فيه، وتكون من
بيانية، ويحتمل أن تكون سببية، ويكون المراد الشخص نفسه، أو المعنى ما
أسفل من الكعبين من الذي يسامت الإزار في النار، أو التقدير: لابس ما
أسفل من الكعبين إلى آخره. أو التقدير: أن فعل ذلك محسوب في أفعال أهل
النار، أو فيه تقديم وتأخير أي ما أسفل من الإزار من الكعبين في النار، كل
هذا استبعاد ممن قاله لوقوع الإزار حقيقة في النار.
وأصله ما أخرج عبد الرزاق(١) عن أبي روّاد أن نافعاً سئل عن ذلك،
فقال: وما ذنب الثياب؟ بل هو من القدمين، لكن أخرج الطبراني عن ابن عمر
- رضي الله عنهما - ، قال: رآني النبي وَلّ أسبلت إزاري، فقال: ((يا ابن عمر
كل شيء يمسُّ الأرض من الثياب في النار))، فعلى هذا لا مانع من حمل
الحديث على ظاهره، ويكون من وادي ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾(٢)، أو يكون في الوعيد لما وقعت به المعصية إشارة إلى أن
الذي يتعاطى المعصية أحق بذلك، اهـ.
قال الباجي(٣): يريد - والله أعلم - أنه لباس يوصل إلى النار، وروى
أصبغ أن نافعاً سئل عن قوله وَ له: ((ما أسفل من ذلك ففي النار)) أذلك من
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) (١٩٩٩١).
(٢) سورة الأنبياء: الآية ٩٨.
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٦/٧).
١٨٩

٤٩ - كتاب اللباس
(٦) باب
(١٦٣٨) حديث
مَا أَسْفَلَ مِنْ ذُلِكَ فَفِي النَّارِ. لَا يَنْظُرُ اللَّهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَى مَنْ
جَرَّ إِزَارَهُ بَطَراً)).
أخرجه أبو داود في: ٣١ - كتاب اللباس، ٢٧ - باب في قدر موضع الإزار.
وابن ماجه في: ٣٢ - كتاب اللباس، ٧ - باب موضع الإزار أين هو؟
(٦) باب ما جاء في إسبال المرأة ثوبها
الإزار؟ فقال: بل من الرجلين، وقال عيسى بن دينار: معناه ما غطي تحت
الكعبين من ساقيه بالإزار يخشى عليه أن تصيبه النار؛ لأنه من الخيلاء، اهـ.
زاد في جميع النسخ المصرية في المتون والشروح مرة ثانية (ما أسفل من
ذلك ففي النار) وليس هذا في النسخ الهندية، قال الزرقاني: أعادها للتأكيد،
وفي رواية أنه قالها ثلاث مرات، اهـ.
(لا ينظر الله) تبارك وتعالى (يوم القيامة) نظر رحمة كما تقدم (إلى من
جر) بشد الراء المفتوحة (إزاره بطراً) بفتح الطاء وكسرها روايتان كما تقدم،
قال الزرقاني(١): هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن من طريق مالك وغيره
به، وأخرجوه أيضاً بنحوه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر، وإسناده
صحيح، وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي وَطّ: ((ما أسفل من الكعبين من
الإزار في النار))، اهـ.
(٦) ما جاء في إسبال المرأة ثوبها
يعني أن الوعيد الوارد في الروايات السابقة مخصوص بالرجال. قال
النووي(٢): أجمع العلماء على جواز الإسبال للنساء، وقد صح عن النبي :
صَىله
الإذن لهن في إرخاء ذيولهن ذراعاً، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٤/٤).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤/ ٦٢).
١٩٠

٤٩ - كتاب اللباس
(٦) باب
(١٦٣٩) حديث
١٣/١٦٣٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِع، ...
وقال الحافظ(١): نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون
النساء، ومراده منع الإسبال لتقريره وَ﴿ أم سلمة على فهمها إلا أنه بَيَّنَ لها،
أنه عام مخصوص، لتفرقته في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال، وتبيينه
القدر الذي يمنع ما بعده في حقهن، كما بَيَّنَ ذلك في حق الرجال.
والحاصل أن للرجال حالين: حال استحباب، وهو أن يقتصر بالإزار
على نصف الساق، وحال جواز، وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان:
حال استحباب، وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال
جواز بقدر ذراع.
ويؤيد هذا التفصيل في حق النساء ما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) عن
أنس، ((أن النبي (وَ لَّ شَبَّرَ لفاطمة من عقبها شبراً))، وقال: ((هذا ذيل المرأة))،
وأخرجه أبو يعلى بلفظ: ((شَبَّر من ذيلها شبراً أو شبرين))، وقال: ((لا تزدن على
هذا))، ولم يسم فاطمة، قال الطبراني: تفرد به معتمر عن حميد، قال الحافظ:
أوشكٌّ من الراوي، والذي جزم بالشبر هو المعتمد، ويؤيده ما أخرجه الترمذي
من حديث أم سلمة: ((أن النبي بََّ شَبَّرَ لفاطمة شبراً))، اهـ
وقال قبل ذلك في حديث ابن عمر: فقالت أم سلمة: ((فكيف تصنع
النساء بذيولهن فقال: يرخين شبراً، فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن قال: فَيُرِينه
ذراعاً، لا يزدن عليه)) هذا لفظ الترمذي، وأخرج أبو داود عن ابن عمر
- رضي الله عنهما -، قال: ((رخص رسول الله وَّر لأمهات المؤمنين شبراً، ثم
استزدنه، فزادهن شبراً، فكن يرسلن إلينا، فنذرع لهن ذراعاً))، وأفادت هذه
الرواية قدر الذراع المأذون فيه، وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة، اهـ.
١٣/١٦٣٩ - (مالك عن أبي بكر بن نافع) العدوي المدني يقال: اسمه
(١) ((فتح الباري)) (٢٥٩/١٠).
١٩١

٤٩ - كتاب اللباس
(٦) باب
(١٦٣٩) حدیث
عَنْ أَبِيهِ نَافِعِ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ صَفِيَّةً بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ
عَنْ أُمِّ سَلَمَةُ زَوْجِ النَّبِّ وَ أَنَّهَا قَالَتْ، حِينَ ذُكِرَ الْإِزَارُ: فَالْمَرْأَةُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((تُرْخِيهِ شِبْراً)»
عمر، وذكره ابن عبد البر في ((التجريد))(١) فيمن لا يوقف على اسمه، وقال: له
حديثان؛ أحدهما هذا، والثاني يأتي في (السنة في الشعر))، قلت: وله ثالث
موقوف تقدم في الحج في الرمي (عن أبيه نافع مولى ابن عمر) شيخ الإمام
مالك - رضي الله عنه -، روى عنه لهُهنا بواسطة ابنه، وسقط من النسخ الهندية
لفظ عن أبيه، والصواب إثباته، وهكذا رواه أبو داود برواية القعنبي عن مالك.
(عن صفية بنت أبي عبيد) بضم العين المهملة، الثقفية زوج ابن عمر
- رضي الله عنهما - (أنها أخبرته) أي أخبرت صفية نافعاً (عن أم سلمة) أم
المؤمنين (زوج النبي قيل أنها) أي أم سلمة (قالت) للنبي وَ لجر (حين ذكر الإزار)
قال صاحب ((المحلى)): ببناء المجهول، وفي نسخة بالمعلوم، أي ذكر النبي
أن الإزار المسنون إلى أنصاف ساقيه، اهـ.
قال الزرقاني(٢): أي حين ذكر التحذير من جر الإزار، وفي النسائي
والترمذي، وصححه من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وجلاله
قال: ((لا ينظر الله إلى من جرثوبه خيلاء))، فقالت أم سلمة، الحديث.
(فالمرأة يا رسول الله) كيف تصنع؟ وفي ((المحلى)): فماذا تصنع المرأة؟
أو المرأة ما حكمها يا رسول الله؟ اهـ. وفي رواية أيوب المذكورة: فكيف
تصنع النساء بذيولهن؟ (قال) وَله: (ترخيه) بضم الفوقية وسكون الراء أي ترسله
(شبراً) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة، واحد الأشبار، قال الشيخ في
((البذل))(٣): هو ما بين طرفي الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد.
(١) (ص٢٣٩).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٥/٤).
(٣) ((بذل المجهود)) (٤٤٥/٨).
١٩٢

٤٩ - كتاب اللباس
(٦) باب
(١٦٣٩) حديث
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِذاً يَنْكَشِفُ عَنْهَا. قَالَ: ((فَذِرَاعَاً لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ)).
أخرجه أبو داود في: ٣١ - كتاب اللباس، ٣٧ - باب في قدر الذيل.
(قالت أم سلمة: إذاً) بالتنوين (ينكشف) قال الزرقاني(١): بالرفع لانتفاء
شرط النصب، وهو قصد الجزاء بما بعد إذاً (عنها) ولفظ أيوب ((إذاً تنكشف
أقدامهن)) (قال) وَ ثير: (فذراعا) ترخيه، ثم أكده بقوله: (ولا تزيد عليه) أي على
الذراع، إذ به يحصل الأمن من الانكشاف، قال العراقي: هل ابتداء الذراع من
الحد الممنوع للرجال، وهو ما أسفل من الكعبين، أو من الحد المستحب
للرجال، وهو أنصاف الساقين، أوحدُّه من أول ما يمس الأرض؟ الظاهر أن
المراد الثالث، بدليل رواية أبي داود، وابن ماجه، والنسائي، واللفظ له عن أم
سلمة قالت: ((سئل رسول الله وَلجر: كم تجرّ المرأة من ذيلها؟ قال: شبراً،
قالت: إذاً ينكشف عنها، قال: فذراعاً لا تزيد عليه))، فظاهره أن لها أن تجر
على الأرض منه ذراعاً، لأن الجر السحب، وإنما يكون على الأرض.
قال: والظاهر أن المراد بالذراع ذراع اليد، وهو شبران لرواية ابن ماجه
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: رخص وَ ل﴿ لأمهات المؤمنين شبراً، ثم
استزدنه فزادهن شبراً، فدل على أن الذراع المأذون فيه شبران، كذا في
((الزرقاني)).
قال الباجي(٢): قوله وَل﴾: ((ترخيه شبراً)) يريد ترخيه على الأرض شبراً
ليستر قدميها، وهذا يقتضي أن نساء العرب لم يكن من زيهن خف ولا
جورب، كن يلبسن النعال أو يمشين بغير شيء، ويقتصرن من ستر أرجلهن
على إرخاء الذيل، اهـ.
وقال القاري في ((المرقاة))(٣): قوله: ترخي شبراً، أي من نصف الساق،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٥/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٦/٧).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٤٧/٨).
١٩٣

٤٩ - كتاب اللباس
(٧) باب
(٧) باب ما جاء في الانتعال
وقيل: من الكعبين، والمعنى ترخي شبراً أو ذراعاً بحيث يصل ذلك المقدار
إلى الأرض، لتكون أقدامهن مستورة، اهـ.
وقال في ((شرح الشمائل)) (١): فالمقصود حصول الستر والمجاوزة ممنوع،
إما كراهة أو تحريماً، فإذا لبست المرأة خفاً أو ما في معناه فالظاهر أنه لا
يجوز التجاوز عن القدم في حقهن، وكذا جواز الإرخاء يكون باعتبار ثوب
واحد للتستر، فلا يتعدى إلى جميع الثياب، اهـ.
وقال المناوي: يسن للمرأة جره على الأرض قدر شبر؛ لأنه أستر لها،
وأکثره ذراع، اهـ.
(٧) ما جاء في الانتعال
أي الروايات الواردة في لبس النعل ومتعلقات ذلك، وذكر المناوي في
((شرح الشمائل))(٢) صفة نعله بَّلة، أذكرها لتكميل الفائدة والذوق، فقال: لم أر
أحداً من الشراح تعرض لصفة النعل، وقد نظم ذلك الحافظ العراقي كأصله
حيث قال:
طوبى لمن مسّ بها جبينُه
ونعله الكريمة المصونة
سبتيتان سبتوا شعرهما
لها قبالان بسير وهما
وعرضها مما يلي الكعبان
وطولها شبر وأصبعان
خمس وفوق ذا فست فاعلم
سبع أصابع وبطن القدم
بين القبالين أصبعان اضبطهما. اهـ
ورأسها محدد وعرض ما
(١) (١٧٤/١).
(٢) (١٣٢/١).
١٩٤

٤٩ - كتاب اللباس
(٧) باب
(١٦٤٠) حديث
١٤/١٦٤٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((لَا يَمْشِيَنَّ
أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ .
١٤/١٦٤٠ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله وَّ قال: لا يمشين) بنون
التأكيد الثقيلة، وللقعنبي ((لا يمشي)). قال القاري في ((شرح الشمائل)): نفي
صورةً، ونهي معنى، وهو أبلغ من النهي الصريح (أحدكم في نعل واحدة)
بالتأنيث في جميع النسخ؛ لأن النعل مؤنث، وفي بعض الروايات بلفظ واحد
بالتذكير بتأويل الملبوس.
قال الباجي(١): نص في المنع من ذلك، وبه قال مالك، وعليه جماعة
الفقهاء لما في ذلك من المثلة والمفارقة للوقار، ومشابهة زي الشيطان، كالأكل
بالشمال، اهـ.
قال الحافظ(٢): قال الخطابي: الحكمة فيه أن النعل شُرِعَتْ لوقاية
الرِجل عما يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين
احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه مالا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن
سجية مشيه، ولا يأمن مع ذلك من العثار، وقيل: لأنه لم يعدل بين جوارحه،
وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي وضعفه، وقال ابن العربي: العلة فيه
أنها مشية الشيطان، وقيل: لأنها خارجة عن الاعتدال، وقال البيهقي: الكراهة
فيه للشهرة، فيمتدّ الأبصار لمن يرى ذلك منه، وقد ورد النهي عن الشهرة في
اللباس، فكل شيء صَيَّر صاحبه شهرة فحقه أن يجتنب.
وأما ما أخرج مسلم عن أبي هريرة بلفظ، ((إذا انقطع شسع أحدكم فلا
(١) ((المنتقى)) (٢٢٧/٧).
(٢) (فتح الباري)) (٣٠٩/١٠ - ٣١١).
١٩٥

٤٩ - كتاب اللباس
(٧) باب
(١٦٤٠) حديث
يمش في نعل واحدة))، وبنحوه عن جابر، فهذا لا مفهوم له حتى يدل على
الإذن في غير هذه الحالة، وإنما هو تصوير خرج مخرج الغالب.
ويمكن أن يكون من مفهوم الموافقة، وهو التنبيه بالأدنى على الأعلى؛
لأنه إذا منع مع الاحتياج فمع عدم الاحتياج أولى، وفيه استدراك على من
أجاز ذلك حين الضرورة وليس كذلك، وإنما المراد أن هذه الصورة قد يظن
أنها أخف لكونها للضرورة، لكن العلة موجودة فيها أيضاً، وهو دالٌّ على
ضعف ما أخرجه الترمذي (١) عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ربما انقطع
شسع رسول الله ﴾ فمشى في النعل الواحدة حتى يصلحها، وقد رجح
البخاري وغير واحد وقفه على عائشة.
وأخرج الترمذي بسند صحيح ((عن عائشة أنها كانت تقول: لأخيفن أبا
هريرة فيمشي في نعل واحدة))، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة(٢) موقوفاً، وكأنها لم
يبلغها النهي، وقولها: (لأخيفن)) معناه لأفعلن فعلاً يخالفه، واختلف في ضبطه
فروي ((لأخالفن))، وهو أوضح في المراد، وروي (لأحنثن)) من الحنث،
واستبعد، ويمكن أن يكون بلغها أن أبا هريرة حلف على كراهية ذلك، فأرادت
المبالغة في مخالفته، وروي (لأخيفن)) بكسر المعجمة، وهو تصحيف، وقد
وجهت بأن مرادها أنه إذا بلغه أنها خالفته، أمسك عن ذلك خوفاً منها، وهذا
في غاية البعد.
وقد كان أبو هريرة يعلم أن من الناس من ينكر عليه هذا الحكم، ففي
رواية لمسلم خرج إلينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته، فقال: أما إنكم
تحدثون أني أكذب، لتهتدوا وأضلّ، أشهد لسمعت، فذكر الحديث، وقد وافق
(١) ((سنن الترمذي)) (١٧٧٧) ((باب ما جاء من الرخصة في المشي في النعل الواحدة)) من
((كتاب اللباس)).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٢٩/٨) رقم (٤٩٨١)، و((الاستذكار)) (١٩٥/٢٦).
١٩٦

٤٩ - كتاب اللباس
(٧) باب
(١٦٤٠) حديث
صَلىالله
وَسَلم
أبا هريرة جابر على رفع الحديث، فأخرج مسلم عنه، يقول: إن النبي
قال: ((لا يمش في نعل واحدة)) الحديث أخرجه بطرق عنه.
قال ابن عبد البر: لم يأخذ أهل العلم برأي عائشة - رضي الله عنها - في
ذلك، وقد ورد عن عليّ وابن عمر - رضي الله عنهم - أيضاً أنهما فعلا ذلك،
وهو إما أن يكون بلغهما النهي، فحملاه على التنزيه، أو كان زمن فعلهما
يسيراً بحيث يؤمن معه المحذور، أو لم يبلغهما النهي، أشار إلى ذلك ابن
عبد البر.
وقال عياض: روي عن بعض السلف في المشي في نعل واحدة أو خف
واحد أثر لم يصحّ، أو له تأويل في المشي اليسير بقدر ما يصلح الأخرى،
والتقييد بقوله: ((لا يمش)) قد يتمسك به من أجاز الوقوف بنعل واحدة إذا
عرض للنعل ما يحتاج إلى إصلاحها .
وقد اختلف في ذلك، فنقل عياض عن مالك أنه قال: يخلع الأخرى،
ويقف إذا كان في أرض حارّة أو نحوها مما يَضَرُّ فيه المشي فيه، حتى
يصلحها، أو يمشي حافياً إن لم يكن ذلك، قال ابن عبد البر: هذا هو
الصحيح في الفتوى، وفي الأثر، وعليه العلماء، ولم يتعرض لصورة الجلوس،
والذي يظهر جوازها بناء على أن العلة في النهي ما تقدم ذكره، إلا ما ذكر من
إرادة العدل بين الجوارح، فإنه يتناول هذه الصورة أيضاً، اهـ ما في ((الفتح))
مختصراً .
وقال القاري، في ((شرح الشمائل))(١): محل النهي أن يكون من غير
ضرورة، وإلا فلا كراهة كما هو ظاهر، قال ابن حجر: وعليه يحمل ما روي
أنه ﴿ ربما فعله، ويمكن أن يحمل فعله وَّر على ما قبل النهي، أو على بيان
الجواز، اهـ.
(١) (١٣٣/١).
١٩٧

٤٩ - كتاب اللباس
(٧) باب
(١٦٤٠) حديث
لِيَنْعَلْهُمَا جَمِيعاً أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً)).
أخرجه البخاريّ في: ٧٧ - كتاب اللباس، ٤٠ - باب لا يمشي في نعل
واحدة. ومسلم في: ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ١٩ - باب إذا انتعل فليبدأ باليمين،
حديث ٦٨.
ر
(لينعلهما جميعاً) قال القاري في (شرح الشمائل)): بضم الياء وكسر
العين، وفي نسخة بفتحهما وسكون اللام الثاني، والأول مكسور للأمر، اهـ.
قال ابن عبد البر: أراد القدمين وإن لم يجرِ لهما ذِكْرٌ، وهذا مشهور في لغة
العرب، وورد في القرآن ﴿أَنْ يُؤْثََّ﴾ بضمير لم يتقدم له ذكر لدلالة السياق
عليه، وينعلهما، ضبطه النووي بضم أوله من أنعل، وتعقبه الزين العراقي في
((شرح الترمذي)) بأن أهل اللغة قالوا: نعل بفتح العين، وحكي كسرها،
وانتعل: أي لبس النعل، لكن قال أهل اللغة أيضاً: أنعل رِجْله أي ألبسها
نعلاً، والحاصل أن الضمير إن كان للقدمين جاز الضم والفتح، وإن كان
للنعلين تعين الفتح، كذا في ((الفتح)).
(أو ليحفهما جميعاً) بضم الياء وكسر الفاء من الإحفاء، كذا في جميع
النسخ المصرية من المتون والشروح، وهكذا في ((التجريد))، وكذا في
((المحلى)) من النسخ الهندية، وفي غيرها من النسخ الهندية بدله ((أو
ليخلعهما))، والصواب الأول، وهكذا في رواية البخاري، قال الحافظ: كذا
للأكثر، ووقع في رواية أبي مصعب في ((الموطأ)) ((أو ليخلعهما))، وكذا في
رواية لمسلم، والذي في جميع روايات ((الموطأ)) كالذي في البخاري، وقال
النووي: وكلا الروايتين صحيح، وعلى ما وقع في رواية أبي مصعب، فالضمير
في قوله: ((أو ليخلعهما)) يعود على النعلين؛ لأن ذكر النعل قد تقدم، اهـ.
وعلم منه أن الصحيح في رواية يحيى كالذي في البخاري ما في النسخ
المصرية، ولفظ الهندية رواية أبي مصعب، قال الحافظ(١): قد يدخل في هذا
(١) ((فتح الباري)) (٣١١/١٠).
١٩٨

٤٩ - كتاب اللباس
(٧) باب
(١٦٤١) حديث
١٥/١٦٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ هِ قَالَ: ((إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ. وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ. وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا
تُنْعَلُ. وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٧٧ - كتاب اللباس، ٣٩ - باب ينزع نعل اليسرى.
كل لباس شفع كالخفين، وإخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى والتردي
على أحد المنكبين دون الآخر، قاله الخطابي، وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة
بلفظ: ((لا يمش أحدكم في نعل واحدة، ولا خف واحد)»، وهو عند مسلم
أيضاً من حديث جابر، وإلحاق إخراج اليد الواحدة من الكم وترك الأخرى
بلبس النعل الواحدة بعيد، إلا إن أخذ من الأمر بالعدل بين الجوارح وترك
الشهرة، وكذا وضع طرف الرداء على أحد المنكبين، اهـ.
١٦٤١/ ١٥ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله وَّل﴿ قال: إذا انتعل) أي إذا
أراد (أحدكم أن) يلبس النعل (فليبدأ) بأمر الاستحباب (بيمينه) كذا في النسخ
الهندية، وفي المصرية بدله ((باليمين))، قال الزرقاني(١): أي بالجانب اليمين،
وفي رواية ((باليمنى)) أي بالنعل اليمنى؛ لأن النعل مؤنثة (وإذا نزع) كذا في
جميع نسخ ((الموطأ))، ولفظ البخاري ((وإذا انتزع))، قال الحافظ: ولفظ مسلم
((وإذا خلع)) (فليبدأ بشماله) وفي المصرية ((بالشمال)) أي بالجانب الشمال
(ولتكن اليمنى أَوَّلَهُمَا تنعل) ببناء المجهول (وآخرهما تنزع) ببناء المجهول أيضاً.
قال الحافظ(٢): زعم ابن وضَّاح فيما حكاه ابن التين أن هذا القدر
مدرج، وأن المرفوع انتهى عند قوله ((بالشمال))، وضبط قوله: أَوَّلَهما وآخرَهما
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٦/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٣١١/١٠).
١٩٩

٤٩ - كتاب اللباس
(٧) باب
(١٦٤٢) حديث
١٦/١٦٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ
مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ؛ أَنَّ رَجُلاً نَزَعَ نَّعْلَيْهِ. فَقَالَ: لِمَ
خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ؟
بالنصب على أنه خبر كان، أو على الحال، والخبر تنعل، وتنزع، وضبطا
بمثناتين فوقانيتين، وتحتانيتين مذكرين باعتبار النعل والخلع المصدرين.
قال الحليمي: وجه الابتداء بالشمال عند الخلع أن اللبس كرامة؛ لأنه
وقايةٌ للبدن، فلما كانت اليمنى أكرم من اليسرى بدئ بها في اللبس، وأُخِّرَت
في الخلع لتكون الكرامة لها أدوم، قال ابن عبد البر: من بدأ بالانتعال في
اليسرى، أساء لمخالفة السنة، ولكن لا يحرم عليه لبس نعله، وقال غيره:
ينبغي له أن ينزع النعل من اليسرى ثم يبدأ باليمنى، ونقل عياض وغيره
الإجماع على أن الأمر فيه للاستحباب، قال ابن العربي: البداءة باليمين
مشروعة في جميع الأفعال الصالحة لفضل اليمين حساً في القوة وشرعاً في
الندب إلى تقديمها .
قال النووي(١): يستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم
أو الزينة، والبداءة في اليسار في ضد ذلك، اهـ.
قال الدميري: أفاد الإمام أبو الفرج بن الجوزي أن من واظب على
البداءة في لبس النعل باليمين والخلع باليسار أمن من وجع الطحال، اهـ. ولله
در النبي ◌َ ◌ّ ما في آدابه الصغيرة من الفوائد الكبيرة.
١٦/١٦٤١ - (مالك عن عمه أبي سهيل) مصغراً اسمه نافع (بن مالك عن
أبيه) مالك بن أبي عامر (عن كعب الأحبار أن رجلاً) لم يُسَمَّ (نزع نعليه) قال
صاحب ((المحلى)): أي خلعهما لدخول المسجد (فقال) كعب: (لم) بكسر
اللام وفتح الميم (خلعت نعليك) إذ ذاك، قال الباجي(٢): قاله كعب على وجه
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤ / ٧٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٧/٧).
٢٠٠