النص المفهرس

صفحات 161-180

٤٩ - كتاب اللباس
(٢) باب
(١٦٣٠) حديث
وقد نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكل حال أن
يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله، قال: وأرخص في المعصفر؛ لأني لم أجد
أحداً يحكى عنه إلا ما قال علي - رضي الله عنه -: نهاني، ولا أقول: أنهاكم،
قال البيهقي: وقد ورد ذلك عن غير علي - رضي الله عنه - وساق حديث
عبد الله بن عمر، وقال: رأى عليَّ النبيُّ وَّه ثوبين معصفرين، فقال: ((إن هذه
من ثياب الكفار، فلا تلبسهما)) أخرجه مسلم، وفي لفظ له: فقلت: أغسلهما؟
قال: ((لا، بل أحرقهما))، قال البيهقي: فلو بلغ ذلك الشافعي لقال به اتباعاً
للسنة كعادته.
وقد كره المعصفر جماعة من السلف، ورخّص فيه جماعة، قال النووي:
أتقن البيهقي المسألة، ورخّص مالك في المعصفر والمزعفر في البيوت، وكرهه
في المحافل، والكراهة في البدن أشدُّ من الكراهة في الثوب، وأخرج أبو داود
والترمذي في ((الشمائل)) والنسائي في ((الكبرى)) عن أنس: ((دخل رجلٌ على
النبي ◌َّي، وعليه أثر صفرة فكره ذلك))، الحديث، ولأبي داود (١) من حديث
عمار، رفعه: ((لا تحضر الملائكة جنازة كافر ولا مضمخ بالزعفران))، وأخرج
أيضاً من حديث عمار قال: قدمت على أهلي ليلاً، وقد تشققت يداي فخلقوني
بالزعفران، فسلّمت على النبي ◌ّ﴾ فلم يرحب بي، وقال: ((إذهب فاغسل عنك
هذا)).
ثم ترجم البخاري: ((باب الثوب المزعفر))، وذكر فيه حديث ابن عمر:
(نهى النبي صل﴾ أن يلبس المحرم ثوباً مصبوغاً بورس أو زعفران))، قال
الحافظ(٢): وأخذ من التقييد بالمحرم جواز لبس الثوب المزعفر للحلال، قال
ابن بطال: أجاز مالك وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع
(١) ((سنن أبي داود)) (٤١٧٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٠٤/١٠).
١٦١

٤٩ - كتاب اللباس
(٢) باب
(١٦٣٠) حديث
قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْغِلْمَانُ
شَيْئاً مِنَ الذَّهَبِ. لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ نَهَى عَنْ تَخَتُمِ الذَّهَبِ.
أخرجه الشيخان عن أبي هريرة.
فأخرجه البخاريّ في: ٧٧ - كتاب اللباس، ٤٥ - باب خواتيم الذهب.
ومسلم في: ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ١١ - باب في طرح خاتم الذهب، حديث
٥١.
فَأَنَا أَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ، الْكَبِيرِ مِنْهُمْ وَالصَّغِيرِ.
النهي للمحرم خاصة، وحمله الشافعي والكوفيون على المحرم وغير المحرم، اهـ.
وفي ((المحلى)): روى الشيخان عن أنس ((أنه وَ ل﴾ُ نهى أن يتزعفر
الرجل))، وبه قال أبو حنيفة والشافعي والجمهور: إنه يكره تحريماً لبس الثوب
المزعفر، قال ابن الهمام: وإنما عملوا بالنهي مع معارضة أخبار الإباحة تقديماً
للمحرم على المبيح، وجمع الخطابي بأن ما صبغ غزله ثم نسج، فليس بداخل
في النهي، ووافقه على ذلك، اهـ.
(قال مالك: وأنا أكره) قال الزرقاني(١): تنزيهاً (أن يلبس) ببناء المعلوم من
المجرد، أو المجهول من المزيد، (الغلمان) بكسر الغين المعجمة جمع غلام،
وهو الطارُّ(٢) الشاربُ، قاله الراغب، والمراد غير البالغين (شيئاً من الذهب) أو
الفضة وغيرهما المحرمة على الرجال (لأنه بلغني) وهو حديث معروف في
((الصحيحين)) وغيرهما (أن رسول الله وَّل نهى عن تختم الذهب) أي لبس خاتم
الذهب للرجال؛ لقوله 18 في الذهب والحرير: ((هذان حرامان على رجال
أمتي، حلٌّ لإناثهم)) (وأنا أكرهه) أي الذهب وما في معناه (للرجال، الكبير منهم
والصغير) قال الزرقاني: أي للبالغ منهم كراهة تحريم، والصغير تنزيهاً، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٩/٤).
(٢) طرَّ الشارب: طلع ونَبَتَ.
١٦٢

٤٩ - كتاب اللباس
(٢) باب
(١٦٣٠) حديث
وقال الدردير(١): حرم استعمال ذكر بالغ محلى بذهب أو فضة، نسجاً
كان أو طرزاً أو زِرّاً، وأما الصغير فيكره لوليه إلباسه الذهب والحرير، ويجوز
له إلباسه الفضة هذا هو المعتمد، قال الدسوقي: قوله: هو المعتمد، ومقابله
أنه يحرم على الولي إلباس الصغير الذهب والحرير، ويكره إلباسه الفضة، وهو
قول ابن شعبان ورجحه في ((التوضيح))، وما قاله الشارح هو ظاهر المذهب
عند كثير من الشيوخ، وقول ابن شعبان أظهر من جهة الدليل، اهـ.
وقال الباجي(٢): قول مالك: إنه يكره، يريد خاتماً أو غيره، وعلّق المنع
في ذلك بالكراهة دون التحريم، وذلك يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكره ذلك
لمن يلبسهم إياه أو يترك منعهم منه ممن له ذلك؛ لأنه من جنس من يحرم عليه
ذلك، ولم يبلغ به حد التحريم؛ لأنهم ليسوا بمكلفين، والوجه الثاني: أن يكره
ذلك لهم؛ لأنهم مأمورون به على وجه الندب، ومنهيون على وجه الكراهية،
ولذلك يعاقبون على كثير من الأفعال، وبذلك قال: أنا أكره ذلك للكبير منهم
والصغير، فأشار إلى أن الكراهية تتعلق بهم دون أوليائهم.
واستدل على ذلك بما روي عن النبي ◌ّ﴾ أنه نهى عن تختم الذهب،
ويحتمل أن يريد أن نهيه يتوجه على العموم على قول من قال به في المضمر
والمقدر، فكأنه قال: نهى الناس عن تختم الذهب، فتوجه إلى المكلفين على
وجه التحريم، وإلى غير المكلفين على وجه الكراهة، ثم خص من أبيح له
ذلك من النساء، فبقي الباقي على أصله، ويحتمل أن يريد أن نهيه توجه إلى
المكلفين من الرجال خاصة، فكره ذلك للصبيان لما كانوا من جنسهم لئلا
يعتادوا عند التكليف، اهـ.
(١) ((الشرح الكبير)) (٦٢/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢١/٧).
١٦٣

٤٩ - كتاب اللباس
(٢) باب
(١٦٣٠) حديث
وقال صاحب ((المحلى)): قول مالك: وأنا أكرهه، أي ما حرم لبسه حرم
إلباسه للصغير، وهو مذهب أبي حنيفة. يكره إلباس الصبي ذهباً أو حريراً،
وللشافعية فيه وجوهٌ، أصحها: أنه يجوز للولي إلباس الصبي الحرير ونحوه،
والثاني: لا يجوز، والثالث: له إلباسه قبل سبع سنين، والأصح الجواز
مطلقاً، ونص الشافعي على إباحة تزيين الصبيان يوم العيد بحلي الذهب
والمصبوغ، ويلحق به الخرز، كذا في ((شرح المنهاج)).
قال النووي(١): قال أصحابنا: يجوز إلباسهم الحلي والحرير يوم العيد؛
لأنه لا تكليف عليهم، وفي باقي السنة ثلاثة أوجه، ومما يدل على الجواز ما
في ((جامع الأصول)) (٢) برواية ابن رزين عن ابن عباس: أن النساء كن يلبسن
الفتخ، والخواتيم، والخرص، والسخاب على عهده وَّر، وأن ذلك مما كن
يلبسن أولادهن الذكور، اهـ.
وقال محمد في ((موطئه))(٣) في حديث عمر في حلة سيراء تباع عند
المسجد: لا ينبغي للرجل المسلم أن يلبس الحرير والديباج والذهب، وكل
ذلك مكروه للذكور من الصغار والكبار، ولا بأس به للإناث، وهو قول أبي
حنيفة والعامة من فقهائنا، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (٤): كره إلباس الصبي ذهباً أو حريراً، فإن ما حرم
لبسه وشربه حرم إلباسه وإشرابه، قال ابن عابدين: لأن النص حرَّم الذهب
والحرير على ذكور الأمة بلا قيد البلوغ، والحرية، والإثم على من ألبسهم؛
لأنا أمرنا بحفظهم، اهـ.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤/ ٣٣).
(٢) (٧١٩/٤).
(٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٧٣/٣).
(٤) (٥٩٩/٩).
١٦٤

٤٩ - كتاب اللباس
(٢) باب
(١٦٣٠) حديث
قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي الْمَلَاحِفِ الْمُعَصْفَرَةِ فِي
الْبُيُوتِ لِلرِّجَالِ، وَفِي الْأَفْنِيَةِ. قَالَ: لَا أَعْلَمُ مِنْ ذُلِكَ شَيْئاً حَرَاماً.
وَغَيْرُ ذُلِكَ مِنَ اللََّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ.
(قال مالك في الملاحف) بفتح الميم جمع ملحفة بكسر الميم وسكون
اللام: الملاءة التي يلتحف بها (المعصفرة) المصبوغة بالعصفر (في البيوت)
احتراز عن المحافل (للرجال) ولا بأس للنساء مطلقاً في البيوت أو المحافل
(وفي الأفنية) جمع فناء، أي في أفنية الدور (قال) مالك: (لا أعلم من ذلك)
أي المعصفر المذكور (شيئاً حراماً) أي لا أحرم نوعاً منه (وغير ذلك من
اللباس) الذي لا عصفر فيه (أحبّ إليّ).
قال الزرقاني(١): مقتضاه الإباحة في البيوت والأفنية، والكراهة في
المحافل والأسواق، ونحوها. وروي ذلك عنه نصاً، وعنه الجواز مطلقاً،
والكراهة مطلقاً وهي المشهورة، ففي («المدونة»: كره مالك الثوب المعصفر
المُفْدَم للرجال في غير الإحرام، والمقدم: بضم الميم وسكون الفاء، وفتح
الدال المهملة: القويّ الصبغ، الذي رُدَّ في العصفر مرة بعد أخرى، قال في
((التوضيح)): أما المعصفر غير المقدم، والمزعفر، فيجوز لبسها في غير
الإحرام، نص على الأول في ((المدونة)) وعلى الثاني في غيرها، اهـ.
وضبط الحافظ المُفَدَّمُ بتشديد الدال، وترجم في ((صحيح مسلم))(٢) ((باب
النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر))، وأخرج فيه حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص، قال: رأى رسول الله وسلّ عليّ ثوبين معصفرين، فقال: ((إن هذه من
ثياب الكفار، فلا تلبسهما))، وفي أخرى قال: رأى النبي ◌ُّ عليّ ثوبين
معصفرين، فقال: ((أمك أمرتك بهذا؟)) قلت: أغسلهما؟ قال: ((أحرقهما))،
(١) (شرح الزرقاني)) (٢/ ٢٧٠).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤/ ٥٥).
١٦٥

٤٩ - كتاب اللباس
(٢) باب
(١٦٣٠) حديث
وأخرج عن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله وَ ل نهى عن لبس القسي
والمعصفر، الحديث.
قال النووي: اختلف العلماء في الثياب المعصفرة، فأباحها جمهور
العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة
ومالك، لكنه قال: غيرها أفضل منها، وفي رواية عنه أنه أجاز لبسها في
البيوت وأفنية الدور، وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها، وقال جماعة من
العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لأنه ثبت أن
النبي ◌َّله لبس حلة حمراء.
وقال الخطابي: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج. فأما
ما صبغ غزله، ثم نسج، فليس بداخل في النهي، وحمل بعض العلماء النهي
ههنا على المحرم بالحج أو العمرة، ليكون موافقاً لحديث ابن عمر - رضي الله
عنه -: ((نهى المحرم أن يلبس ثوباً مسّه ورسٌ أو زعفران)).
وأما البيهقي فقد أتقن المسألة، فقال في كتابه ((معرفة السنن)): نهى
الشافعي الرجل عن المزعفر، وأباح له المعصفر، وقال: إنما رخصتُ المعصفر
لأني لم أجد أحداً يحكي عن النبي وَّر النهي، إلا ما قال عليّ رضي الله عنه:
نهاني، ولا أقول نهاكم، قال البيهقي: وقد جاءت أحاديث تدل على النهي
على العموم، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو المذكور، ثم أحاديث أخر، ثم
قال: لو بلغت هذه الأحاديث الشافعي لقال بها إن شاء الله، اهـ.
قلت: ما حكى النووي من جمهور العلماء إباحة المعصفر هذا من دأبه
المعروف أنه - رحمه الله - يعزو مسلكه إلى الجمهور، وما حكى عن أبي حنيفة
من إباحته لا يصحُّ النقل، قال صاحب ((المحلى)): حكاية الإباحة عن أبي
حنيفة لا توجد في كتب المذهب، بل نص فيها بكراهة لبس المعصفر خاصة،
اهـ. وتقدم عن ((الدر المختار)): كره لبس المعصفر والمزعفر للرجال، اهـ.
١٦٦

٤٩ - كتاب اللباس
(٣) باب
(٣) باب ما جاء في لبس الخز
قال الحافظ(١): أخرج ابن ماجه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((نهى
رسول الله (18 عن المقدم)) هو بالفاء وتشديد الدال المشبع بالعصفر، فسره في
الحديث، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه كان إذا رأى على الرجل ثوباً
معصفراً جذبه، وقال: دعوا هذا للنساء، أخرجه الطبري، اهـ.
وأخرج الترمذي(٢) حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: مرَّ
رجل، وعليه ثوبان أحمران، فسلّم على النبي وَ ر فلم يرد عليه النبي
صَلىالله
وَئيل
السلام، قال الترمذي: معنى هذا الحديث عند أهل العلم أنه كره المعصفر،
ورأوا أن ما صبغ بالحمرة بالمدر أو غير ذلك فلا بأس إذا لم يكن
معصفراً، اهـ.
وأخرج أبو داود(٣) عن عبد الله بن عمرو قال: رآني رسول الله وَسمير وعلي
ثوب مصبوعٌ بعصفر، فقال: ((ما هذا؟» فانطلقت، فأحرقته، فقال النبي وَ ل:
((ما صنعت بثوبك؟)) فقلت: أحرقتُه. قال: ((أفلا كسوته بعض أهلك))، وفي
رواية: ((فإنه لا بأس به للنساء))، اهـ.
(٣) ما جاء في لبس الخز
بفتح الخاء وشد الزاي المعجمتين اسم دابة، ثم أطلق على الثوب
المتخذ من وبرها، والجمع خزوز على زنة فلوس، كذا في ((الزرقاني)) (٤)، قال
الشيخ في ((البذل))(٥): الخز ما غَلُظَ من الديباج، وأصله من وبر الأرنب،
(١) ((فتح الباري)) (٣٠٥/١٠).
(٢) ((سنن الترمذي)) (٣٨٠٧).
(٣) (سنن أبي داود)) ح (٤٠٦٨).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٠/٤).
(٥) ((بذل المجهود)) (٣٦٢/١٦).
١٦٧

٤٩ - كتاب اللباس
(٣) باب
ويقال لذكر الأرنب: خزز بوزن عمر، وفي ((القاموس)): الخزز كصرد ذكر
الأرانب، ومنه اشتق الخز، قال في ((الكوكب)) (١): هو المنسوج من الإبريسم
والصوف، وقال غيره: حرير يخلط بوبرٍ وشبهه، وقال ابن العربي: أحد نوعيه
السداء، أو اللحمة حرير وآخر سواه، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (٢) بعد ذكر الاختلاف في المختلط من الحرير
وغيره: وعند المالكية في المختلط أقوال: ثالثها الكراهة، ومنهم من فَرَّق بين
الخزِّ وبين المختلط بقطن، ونحوه، فأجاز الخز، ومنع الآخر، وهذا مبنيٌّ على
تفسيره، وقد ورد في بعض تفاسير القسيِّ أنه الخز. فمن قال: إنه رديء
الحرير، فهو الذي يتنزل عليه القول المذكور، ومن قال: إنه ما كان من وبر
فخلط بحرير، لم يتجه التفصيل المذكور، واحتجّ من أجاز المختلط بحديث
ابن عباس: ((إنما نهى رسول الله مح لول عن الثوب المصمت(٣) الحرير، فأما
العَلَمَ من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به))، أخرجه الطبراني بسند حسن
هكذا، وأصله عند أبي داود.
وأخرجه الحاكم بسند صحيح، وقد ثبت لبس الخز عن جماعة من
الصحابة وغيرهم، قال أبو داود: لبسه عشرون نفساً من الصحابة وأكثر،
وأورده ابن أبي شيبة عن جمع منهم، وعن طائفة من التابعين بأسانيد جياد،
وأعلى ما ورد في ذلك ما أخرجه أبو داود(٤) والنسائي من طريق عبد الله بن
سعد عن أبيه، قال: رأيت رجلاً على بغلة، وعليه عمامةُ خز سوداء، وهو
(١) هذا غير ((الكوكب)) الذي من تقرير الشيخ الگنگوهي رحمه الله تعالى، اهـ. ((ش)).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٩٤/١٠).
(٣) بضم الميم الأولى وفتح الثانية المخففة، وهو الذي جميعه إبريسم لا يخالطه قطن ولا
غيره.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٠٣٨)، والترمذي (٣٣٢١).
١٦٨

٤٩ - كتاب اللباس
(٣) باب
يقول: كسانيها رسول الله وَ﴾، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمار بن أبي
عمار قال: أتت مروان بن الحكم مطارف خز، فكساها أصحاب رسول الله وَلته،
والأصح في تفسير الخز أنه ثياب سداها من حرير، ولحمتها من غيره، وقيل:
تنسج مخلوطة من حرير وصوف أو نحوه، وقيل: أصله اسم دابة، يقال لها:
الخز، سُمِّيَ الثوب المتخذ من وبرها خزاً لنعومته، ثم أطلق على ما يخلط
بالحرير لنعومة الحرير.
وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بلبسه على جواز لبس ما يخالطه الحرير،
ما لم يتحقق أن الخز الذي لبسه السلف كان من المخلوط بالحرير، وأجاز
الحنفية والحنابلة لبس الخز ما لم يكن فيه شهرة، وعن مالك الكراهة، وهذا
كله في الخز، وأما القز بالقاف بدل الخاء، فقال الرافعي: عند الأئمة القز من
الحرير، وحرموه على الرجال، ونقل الإمام الاتفاق عليه، اهــ .
وفي ((المجمع)) (١): الخز المعروف أولاً ثياب تنسج من صوف وإبريسم،
وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه
بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز ما هو المعروف الآن، فهو حرام؛ لأنه
جميعه من الإبريسم، وعليه يحمل حديث ((قوم يستحلّون الخز والحرير))، ولم
يكن هذا النوع في عصره وَّر، فهو معجزة للإخبار بالغيب، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٢) عن ((شرح المجمع)): الخز صوفُ غنم البحر،
قال: هذا كان في زمانهم، وأما الآن فمن الحرير، فحينئذ يحرم، فليحفظ،
قال ابن عابدين عن ((التتارخانية)): الخزُّ اسم لدابة يكون على جلدها خَرُّ، وإنه
ليس من جملة الحرير، وقال الإمام ناصر الدين: الخز في زمانهم من أوبار
الحيوان المائي، اهـ.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٤/٢).
(٢) انظر: ((رد المحتار على الدر المختار)) (٥٨٨/٩).
١٦٩

٤٩ - كتاب اللباس
(٣) باب
(١٦٣١) حديث
٥/١٦٣١ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ وَّهِ؛ أَنَّهَا كَسَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ مِطْرَفَ خَزِّ
كَانَتْ عَائِشَةُ تَلْبَسُهُ.
وما في ((المجمع)) قاله صاحب ((المحلى)) عن ((النهاية)) زاد: قالوا: وعلى
هذا يحمل ما في حديث البخاري ((سيأتي قومٌ يستحلَّون الخَزَّ والحرير))، قال
الحافظ(١): اختلف في ضبط هذا اللفظ، فقيل: بالحاء والراء المهملتين،
والمراد بها الزنا، والآخر بالمعجمتين، والأول هو الصواب، كما قاله
عبد الحق. اهـ.
٥/١٦٣١ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي وَل
أنها كست) أي ألبست ابن أختها أسماء (عبد الله بن الزبير) الصحابي ابن
الصحابي (مطرف خز) بالإضافة، والمطرف بكسر الميم وسكون الطاء المهملة
وفتح الراء وفاء: ثوبٌ من خز، له أعلام، ويقال: ثوب مربع من خز، كذا في
((الزرقاني))(٢). وفي ((المحلى)): المطرف بكسر الميم وضمها وفتحها: الثوب
الذي في طرفيه علمان، والميم زائدة، اهـ.
(كانت عائشة) رضي الله عنها (تلبسه) قال الزرقاني: فدل على إباحة لبس
الخز للرجال، وروي عن مالك وصححه في ((القبس))، وذكر عبد الملك بن
حبيب جوازه عن خمسة وعشرين صحابياً وخمسة عشر تابعياً. وقيل: مكروه،
قال ابن رشد: هو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب، وقيل: يحرم لبسه، اهـ.
قال الباجي(٣): قوله: كست، يقتضي أنها أعطته إياه ليلبسه، ولو لم ترد
أن يلبسه، لقال: أعطته، فأما لفظ ((كست)) يقتضي وجه اللباس، وذلك يقتضي
(١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٥٥).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٢٧٠/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٢١/٧).
١٧٠

٤٩ - كتاب اللباس
(٤) باب
(١٦٣٢) حديث
(٤) باب ما يكره للنساء لبسه من الثياب
٦/١٦٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْفَمَةَ،
عَنْ أُمِّهِ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَتْ حَقْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَلَى عَائِشَةَ
زَوْجِ النَّبِيِّ وَهِ. وَعَلَى حَفْصَةَ خِمَارٌ رَقِيقٌ. فَشَقَّتْهُ عَائِشَةُ، وَكَسَتْهَا
خِمَاراً كَثِيفاً .
أنها تعتقد أن ذلك مباح له، والخز بَزّ يتخذ منه الثياب، وأما كل ثوب سداه
حرير، ولحمته وبر أو قطن، فيكره ولا يحرم، وقد ذهب إلى إباحته للرجال
ابنُ عباس، وروي عن عبد الله بن عمر كراهيتُه، وبه قال مالك، قال ابن
القاسم: إنما كرهه لسدى الحرير فيه، وقد اتفقوا على الامتناع من تحريمه،
وذلك بوجهين: أحدهما؛ أن الحرير أقل أجزائه، والوجه الثاني؛ أنه مستهلك
علی وجه لا یمکن تخليصه للانتفاع، اهـ.
(٤) ما يكره للنساء لباسه من الثياب
(ما يكره) ببناء المجهول (للنساء لبسه) بضم اللام وسكون الموحدة في
النسخ المصرية وفي الهندية ((لباسه)) (من الثياب) أي الثياب التي تكره للنساء
خاصة دون الرجال.
٧/١٦٣٢ - (مالك عن علقمة بن أبي علقمة) المدني (عن أمه) مرجانة
مولاة عائشة (أنها قالت: دخلت حفصة بنت عبد الرحمن) بن أبي بكر الصديق
- رضي الله عنه - (على) عمتها أم المؤمنين (عائشة زوج النبي بَّه وعلى حفصة)
المذكورة، (خمار) بكسر الخاء المعجمة ثوب تغطي المرأة به رأسها (رقيق)
يصف ما تحته من الشعر (فشقته عائشة) أي خرقته لئلا تعود للبسه بعد ذلك
(وكستها خماراً كثيفاً) أي غليظاً لا يصف البدن.
قال الباجي(١): يحتمل - والله أعلم - أن يكون خمارها مع رقته من
(١) ((المنتقى)) (٢٢٤/٧).
١٧١

٤٩ - كتاب اللباس
(٤) باب
(١٦٣٣) حديث
٧/١٦٣٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُسْلِم بْنِ أَبِي مَرْيَمَ،
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ:
الخفة ما يصف ما تحته من الشعر، ويحتمل أن يكون رقيقاً لا يستر الأعضاء
وإن كان صفيفاً لشدة رقته ولصوقه بالأعضاء، والأول أظهر في الخمار،
فكرهت لها ذلك عائشة وشقته لتمنعها الاختمار به في المستقبل، وأعطتها ما
تختمر به خماراً كثيفاً تتخذ في المستقبل مثله، وتريها الجنس الذي شرع لها
الاختمار به، ويحتمل أن تريد بذلك تعويضها مما شقته من خمارها تطييباً
لنفسها ورفقاً بها، اهـ.
٧/١٦٣٣ - (مالك عن مسلم بن أبي مريم) يسار المدني (عن أبي صالح)
السمان ذكوان (عن أبي هريرة أنه قال) قال ابن عبد البر: هكذا روى يحيى هذا
الحديث موقوفاً على أبي هريرة، وكذلك هو في ((الموطأ)) عند جميع رواته، إلا
عبد الله بن نافع، فإنه رواه عن مالك بإسناده هذا مرفوعاً إلى النبي وَل﴾،
ومعلوم أن هذا لا يمكن أن يكون من رأي أبي هريرة؛ لأن مثل هذا لا يدرك
بالرأي، ومحال أن يقول أبو هريرة من رأيه: لا يدخل الجنة، كذا في
((التنوير))(١) و((التجريد))، زاد فيه: والقول قول من رفعه، قال مالك: كان مسلم
رجلاً صالحاً كان يتهيب أن يرفع الأحاديث، اهـ.
رواه مسلم(٢) عن زهير نا جرير عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((صنفان من أهل النار، لم أرهما، قوم معهم
سياط، كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات
مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها،
وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا)).
(١) (ص٦٦١).
(٢) أخرجه مسلم (٢١٢٨).
١٧٢

٤٩ ۔۔ کتاب اللباس
(٤) باب
(١٦٣٣) حديث
نِسَاءٌ كَاسِیَاتٌ عَارِیاتٌ،
(نساء) مبتدأ للاتصاف بقوله: (كاسيات) قال صاحب ((المحلى)): قوله:
(نساء)) مبتدأ (كاسيات)) صفة له، وكذا ما بعده صفة بعد صفة، وخبره قوله: ((لا
يدخلن الجنة))، اهـ. قال ابن عبد البر: أراد اللواتي يلبسن من الثياب الشيء
الخفيف الذي يصف ولا يستر فهن كاسيات بالاسم (عاريات) في الحقيقة.
قال النووي(١): قيل: معناه كاسيات من نعمة الله، عاريات من شكرها،
وقيل: معناه تستر بعض بدنها وتكشف بعضه. إظهاراً للجمال ونحوه، وقيل:
معناه تلبس ثوباً رقيقاً يصف لون بدنها، اهـ.
وقال الباجي(٢): قال عيسى بن دينار: تفسيره يلبسن ثياباً رقاقاً فهن
كالكاسيات بلبسهن تلك الثياب، وهن عاريات؛ لأن تلك الثياب لا تواري
منهن ما ينبغي لهن أن يسترنه من أجسادهن، وروي عن ابن نافع مثله، وقاله
محمد بن عيسى الأعشى، وفي ((العتبية)) عن ابن القاسم: عاريات تلبسن
الرقيق، ويحتمل عندي أن يكون ذلك المعنيين؛ أحدهما الخِفَّة فَيَشِفُّ عما
تحته، فيدرك البصر ماتحته من المحاسن، ويحتمل أن يريد به الثوب الرقيق
الصفيق الذي لا يستر الأعضاء، بل يبدو حجمها .
قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نهى النساء أن
يلبسن القَبَاطِيَّ، قال: وإن كانت لا تَشِفُّ فإنها تصف، قال مالك: معنى تَصِفُ
أي تلصق بالجلد، وسُئِل مالك عن الوصائف يلبسن الأقبية، فقال: ما يعجبني
ذلك، وإذا شدتها عليها ظهر عجزها، ومعنى ذلك أنه لضِيْقِهِ يصف أعضاءها
عجزها وغيرها، وهذا في النساء، وأما الرجال ففي ((العتبية)) عن ابن القاسم:
الساتر كله يصير إلى الإزار، فإن كان الإزار رقيقاً والقميص رقيقاً فلا خير فيه،
وإن كان أحدهما كثيفاً فلا بأس به، اهـ.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٠٩/١٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٤/٧).
١٧٣

٤٩ - کتاب اللباس
(٤) باب
(١٦٣٣) حديث
مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ. لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ،
قلت: وقد أخرج أبو داود(١) من حديث بريدة، قال: ((نهى رسول الله وَل
أن يصلي في سراويل، وليس عليه رداءٌ))، قال ابن رسلان(٢): لأنه يصف
الأعضاء، ولا يتجافى البدن، قال ابن عابدين: رؤية الثوب بحيث يصف حجم
العضو ممنوعةٌ، ولو كثيفاً لا ترى البشرة منه، اهـ.
وعُلِم منه أن ما شاع في زماننا من لبسة السراويل الملتصق على البدن،
وما يكون من فوقه القميص لا ينزل إلى الفخذ أيضاً لا يجوز للرجال أيضاً؛
لأنه يصف البدن.
(مائلات) إلى الرجال (مميلات) إياهم إلى أنفسهن، وقال الزرقاني(٣):
مائلات عن الحق، مميلات لأزواجهن عنه، وقال المازري: مائلات عن
طاعة الله وما يلزمهن من حفظ فروجهن، مميلات غيرهن إلى مثل فعلهن،
وقيل: مائلات متبخترات في مشيهن، مميلات أكتافهن وأعطافهن، وقيل:
مائلات أي يمشطن المشطة الميلاء، وهي مشطة البغايا، مميلات غيرهن
إلى تلك المشطة، قال ابن دريد: ناقة ميلاء إذا مال سنامها إلى أحد
شقيها، وقد يكون معنى مائلات منحطات للرجال، مميلات لهم بما يبدين
من زینتهن، اهـ.
قلت: ومعنى المشطة الميلاء أن يفرقن إلى أحد جانبي الرأس، وفي
((المحلى)): قيل: يمتشطن مشطة المائلة، وهي مشطة البغايا، مميلات أي
يمتشطن غيرهن تلك المشطة، اهـ.
(لا يدخلن الجنة) قال الزرقاني: أي مع السابقين أو بغير عذاب، قال
(١) أخرجه أبو داود في ((كتاب الصلاة)) (٦٣٦).
(٢) انظر هامش ((بذل المجهود)) (٣٠٠/٤).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٧١/٤).
١٧٤

٤٩ - كتاب اللباس
(٤) باب
(١٦٣٤) حديث
وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَرِيحُهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ خَمْسِمَائَةِ سَنَّةٍ.
٨/١٦٣٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ؛
ابن عبد البر: هذا عندي محمول على المشيئة، وأن هذا جزاؤهن، فإن عفا الله
عنهن، فهو أهل العفو والمغفرة، لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن
يشاء (ولا يجدن ريحها) أي ريح الجنة (وريحها) مبتدأ خبره (يوجد من مسيرة
خمسمائة سنة) وما في مسلم في حديث الباب ((مسيرة كذا وكذا)) يفسر برواية
((الموطأ)» هذه، وقال صاحب ((المحلى)): المقصود منه التكثير لا التحديد، فلا
يعارضه ما في مسلم: ((وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين خريفاً))، اهـ.
قال الباجي(١): يقتضي أن ريح الجنة ينتفع به قبل دخول الجنة من
تفضّل الله جل ذكره عليه بذلك، وأنه يبعد عنه من حرمه من أهل الكفر
والمعاصي، أما ببعد المسافة فلا يصل أحد منهم إلى الموضع الذي يوجد
منه ريحها، ويحتمل أن يريد أن يمنع إدراكه، فلا يجده بأن كان في
الموضع الذي ينال فيه من كان من أهل السعادة، والأول أظهر من جهة
اللفظ ، اهـ.
٨/١٦٣٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن ابن شهاب)
الزهري روى عنه الإمام مالك لههنا بواسطة، وهو من شيوخه، والحديث
مرسل في ((الموطأ))، ووصله البخاري(٢) بطرق عديدة عن الزهري عن هند
بنت الحارث عن أم سلمة، أخرجه في العلم والتهجد واللباس والأدب
والفتن، وفي بعض الطرق عن الزهري عن امرأة عن أم سلمة به، قال
(١) ((المنتقى)) (٢٢٤/٧).
(٢) في: ٣ - كتاب العلم، ٤٠ - باب العلم والعظة بالليل (١١٥).
١٧٥

٤٩ - كتاب اللباس
(٤) باب
(١٦٣٤) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿وَ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ فَقَالَ: ((مَاذَا
فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟
الحافظ(١): إن الزهري كان ربما أبهمها وربما سماها، ورواه مالك في
((الموطأ)) ولم يذكر هنداً ولا أم سلمة، اهـ.
(أن رسول الله وَلي قام) أي انتبه من نومه (من الليل) وفي البخاري في
كتاب العلم: ((استيقظ النبي وَ ﴿ ذات ليلة))، وفي الفتن: (استيقظ رسول الله وَل
ليلة فزعاً))، (فنظر في أفق) بضم الهمزة والفاء أي في ناحية (السماء) قال
الباجي: يحتمل أن يريد به في قيامه للتهجد، ويحتمل أن يريد به قام بمعنى رآه
أو أوحي إليه، فنظر في أفق السماء اعتباراً إنما يراه ليتمثل قول الله عز وجل:
(٢)
﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿ وَإِلَى السَّمَاءِ كَفَ
رُفِعَتْ (®)﴾(٣)، اهـ.
(فقال) زاد في رواية البخاري ((سبحان الله)) (ماذا) ما استفهامية متضمنة
لمعنى التعجب والتعظيم، ويحتمل أن تكون ما نكرة موصوفة (فتح) ببناء
المجهول في النسخ المصرية، وبزدياة اسم الجلالة بلفظ ((فتح الله)) ببناء الفاعل
في النسخ الهندية، وبكلا اللفظين وقعت الروايات، كما ضبطه الحافظ، وقال:
المراد بالإنزال إعلام الملائكة بالأمر المقدر، أو أن النبي ◌ّ﴾ أوحي إليه في
نومه ذاك بما سيقع بعده، فعبر عنه بالإنزال، اهـ. (الليلة من الخزائن) قال
الحافظ: عَبَّرَ عن الرحمة بالخزائن كقوله تعالى: ﴿خَيْنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ﴾(٤)، وعن
العذاب بالفتن؛ لأنها أسبابه، قاله الكرماني.
(١) ((فتح الباري)) (٢١٠/١).
(٢) سورة آل عمران: الآية ١٩٠.
(٣) سورة الغاشية: الآية ١٧.
(٤) سورة الإسراء: الآية ١٠٠.
١٧٦

٤٩ - كتاب اللباس
(٤) باب
(١٦٣٤) حديث
وَمَاذَا وَقَعَ مِنَ الْفِتَنِ؟
وقال ابن عبد البر(١): يريد من الخزائن من أرزاق العباد مما فتحه الله
على هذه الأمة من ديار الكفر والاتساع في المال، وقال الباجي: يحتمل أن
يريد به أنه فتح من خزائنها من تلك الليلة ما قدر الله أن لا ينزل إلى الأرض
شيئاً منها إلا بعد فتح تلك الخزائن، ويحتمل أن يريد أنه فتح من خزائن زهرة
الدنيا ما هو سبب للفتن، ويحتمل أن يريد به أنه فتح من خزائن الفتن، فوقع
بعض ما كان فيها بمعنى أنه قد وجد، أو وصل إلى موضع لم يصل إليه قبل
ذلك، اهـ.
(وماذا وقع من الفتن؟) بكسر الفاء جمع فتنة، قال الباجي(٢): يحتمل أن
يريد به ما يفتتن به من هذه الدنيا، ويحتمل أن يريد الفتن التي حدثت من سفك
الدماء وانتهاك الحرم والأموال وإفساد أحوال المسلمين، اهـ.
وسياق البخاري عكس ذلك بلفظ ((ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح
من الخزائن))، قال الداودي: الثاني هو الأول، والشيء قد يعطف على نفسه
تأكيداً؛ لأن ما يفتح من الخزائن يكون سبباً للفتنة، وكأنه فهم أن المراد
بالخزائن خزائن فارس والروم وغيرهما مما فتح على الصحابة، لكن المغايرة
بين الخزائن والفتن أوضح؛ لأنهما غير متلازمين، وكم من نائل من تلك
الخزائن سالم من الفتن، كذا في ((الفتح))(٣).
وقال أيضاً في موضع آخر(٤): قال ابن بطال: في هذا الحديث أن
الفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال بأن يتنافس فيه، فيقع القتال بسببه، وأن
(١) انظر: ((تنوير الحوالك)) (ص٦٦٠) و((الاستذكار)) (١٨٤/٢٦) و((التمهيد)) (٤٤٧/٢٣ -
٤٤٨).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٥/٧).
(٣)
(فتح الباري)) (٢١٠/١).
(٤) ((المصدر السابق)) (٢٣/١٣).
١٧٧

٤٩ - كتاب اللباس
(٤) باب
(١٦٣٤) حديث
كُمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا، عَارِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
يبخل به فيمنع الحق، أو يبطر صاحبه، فأراد و ل تحذير أزواجه من ذلك كله.
وكذلك غيرهن ممن بلغه ذلك، اهـ.
و(كم من) نفس (كاسية) لابسة (في الدنيا) بأثواب نفيسة (عارية) بخفة
الياء، قال الحافظ: مجرورة في أكثر الروايات على النعت، قال السهيلي: هو
أحسن، ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت، أي هي
عارية، اهـ. (يوم القيامة) من حكم اللباس.
قال الباجي: يحتمل أن يريد كَمْ من كانت في الدنيا مكسية ذات حال
صالحة ودنيا واسعة، وهي في الآخرة عارية من ذلك كله إذا كسي غيرها من
أهل الصلاح، ويحتمل أنها كاسية في الدنيا بلباس ما قد نهيت، فهي تعرى من
أجله في الآخرة إذا كسي غيرها، اهـ. وقال ابن عبد البر: يحتمل عارية من
الحسنات.
قال الحافظ: اختلف في المراد بقوله: كاسية عارية على أوجه: أحدها :
كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل
في الدنيا .
ثانيها : كاسية بالثياب، لكنها شفافة لا تستر عورتها، فيعاقب في الآخرة
بالعري جزاء على ذلك.
ثالثها: كاسية من نعم الله عاريةٌ من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة
بالثواب.
رابعها: كاسية جسدها لكنها تَشُدُّ خمارها من ورائها، فيبدو صدرها
فتصير عارية، فتعاقب في الآخرة.
خامسها: كاسية بالخلعة من التزوج بالرجل الصالح، عارية في الآخرة
من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها، ذكر هذا الأخير الطيبي، ورجحه لمناسبة
١٧٨

٤٩ - كتاب اللباس
(٥) باب
أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ)).
(٥) باب ما جاء في إسبال الرجل ثوبه
المقام واللفظة، وإن وردت في أزواج النبي ◌َّير، لكن العبرة لعموم اللفظ، اهـ
قال الحافظ: أشار ◌َ# بذلك إلى موجب استيقاظ أزواجه، أي ينبغي
لهن أن لا يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهن أزواج النبي وَلّر. (أيقظوا)
بفتح الهمزة وكسر القاف أي: نَبِّهوا (صواحب) جمع صاحبة بالنصب على
المفعولية، وجوز الكرماني ايقظوا بكسر أوله وفتح ثالثه، وصواحب منادى،
كذا في ((الفتح))(١). (الحجر) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة،
وهي منازل أزواجه ◌َ*، خصهن بالإيقاظ؛ لأنهن الحاضرات حينئذٍ، أو من
باب ((ابدأ بنفسك ثم بمن تعول))، أو لقوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ﴾ الآية،
وقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، وقال الباجي(٢): قال
عيسى بن دينار: أمر بإيقاظ النساء للصلاة، وقال سحنون في ((العتبية)): معناه
أيقظوا نسائي يسمعن ما ظهر إليه من وقوع الفتن ويحذرهن من ذلك، فيفزعن
إلى الصلاة والدعاء وغير ذلك من أعمال البر مما يرجى أنه يدفع الله به عنهن
الفتن، وهذه سنة في أن يفزع الإنسان إلى الصلاة والدعاء، عندما يطرأ من
الآيات والأمور المخوفة، قال عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾(٣)
وقال النبي ◌ّيل في الكسوف: ((فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة))، اهـ.
(٥) ما جاء في إسبال الرجل ثوبه
ترجم الإمام - رضي الله عنه - بلفظ ((الثوب)) تعميماً للإزار وغيره، كما
(١) ((فتح الباري)) (٢٢/١٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٥/٧).
(٣) سورة الإسراء: الآية ٥٩.
١٧٩

٤٩ - كتاب اللباس
(٥) باب
ترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار)) قال
الحافظ (١): كذا أطلق في الترجمة، ولم يقيده بالإزار إشارة إلى التعميم في
الإزار والقميص وغيرهما، وكأنه أشار إلى لفظ حديث أبي سعيد، وقد أخرجه
مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه أبو عوانة وابن حبان، كلهم من
طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي سعيد، ورجاله رجال مسلم،
وكأنه أعرض عنه لاختلاف وقع فيه على العلاء على أبيه، اهـ.
قلت: ولفظه عند أبي داود(٢): عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله:
((أزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين،
وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جَرَّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه))،
وأخرج البخاري في الباب حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ما أسفل من الكعبين من
الإزار في النار))، ثم ترجم البخاري ((باب من جر ثوبه خيلاء))، وذكر فيه
حديث ابن عمر مرفوعاً: ((من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة))،
قلت لمحارب: أذكر إزاره؟ قال: ما خص إزاراً ولا قميصاً.
قال الحافظ(٣): كان سبب السؤال أن أكثر الطرق جاءت بلفظ الإزار،
وحاصل جواب محارب أن التعبير بالثوب يشمل الإزار وغيره، وقدجاء
التصريح بما اقتضاه ذلك، فأخرج أصحاب السنن إلا الترمذي، واستغربه ابن
أبي شيبة عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً: ((الإسبال في الإزار
والقميص والعمامة، من جر منها شيئاً خيلاء))، الحديث. وأخرج أبو داود
بطريق آخر عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال ما قال رسول الله رَ حيل في
الإزار فهو في القميص.
(١) ((فتح الباري)) (٢٥٦/١٠).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٠٩٣) باب في قدر موضع الإزار.
(٣) (فتح الباري)) (٢٦٢/١٠ - ٢٦٤).
١٨٠