النص المفهرس
صفحات 141-160
٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٦) حديث تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فقال: عن رسول الله (وَلير، كذا في ((الزرقاني))(١) و((التنوير))(٢) و((التجريد))(٣). قلت: ورواية ابن وهب عن مالك مرفوعاً، رواها مسلم في ((صحيحه)) برواية أبي الطاهر وعمرو بن سواد، كلاهما عن مالك، وأخرج برواية سفيان عن مسلم بن أبي مريم عن أبي صالح سمع أبا هريرة رفعه مرة، قال: ((تعرض الأعمال)) الحديث، وكذا في ((المشكاة)) برواية مسلم مرفوعاً. قال القاري(٤): ورواه الطبراني عن أسامة بن زيد بلفظ «تُعْرَض الأعمال على الله يوم الاثنين والخميس، فيغفر الله إلا ما كان من متشاحنين أو قاطع رحم))، وفي رواية الحكيم عن والد عبد العزيز ((تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله تعالى، وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم، وتزداد وجوههم بياضاً وإشراقاً، فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم))، اهـ. قلت: رواية الحكيم الترمذي عن والد عبد العزيز ذكرها السيوطي في ((الجامع))، ورقم عليه بالحسن، وسكت عليه العزيزي في ((شرحه)). (تعرض) بالتأنيث في النسخ المصرية والتذكير في الهندية، وقال القاري: بالتذكير ويؤنث (أعمال الناس) في النسخ المصرية وفي الهندية ((أعمال العباد)) قال القاري: يحتمل اختصاصه بالمؤمنين فإنهم الناس، وقال: الظاهر أنه أراد المكلفين منهم بقرينة ترتيبه المغفرة على العرض، وغير المكلف لا ذنب له فيغفر، قال البيضاوي: والمعروض عليه هو الله تعالى، أو ملك يوكله الله (١) (٤/ ٢٦٦) . (٢) ((تنوير الحوالك)) (ص ٦٥٧). (٣) (ص١٦٦). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٥/٩). ١٤١ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٦) حديث تعالى على جميع صحف الأعمال وضبطها، قال القاري: والأول أظهر للتصريح في رواية، قال الزرقاني: صرح في رواية الطبراني من حديث أسامة بأن العرض على الله تعالى. قلت: وهكذا في ((الجامع الصغير)) في رواية الحكيم الترمذي، قال العزيزي: قال العلقمي: المراد عرضها على الله تعالى، وأما رفع الملائكة لها فإنها في الليل مرة، وفي النهار مرة، وقال الحليمي: يحتمل أن ملائكة الأعمال يتناوبون، فيقيم فريق من الاثنين إلى الخميس، فيعرج، وفريق من الخميس إلى الاثنين، فيعرج، كلما عرج فريق قرأ ما كتب في موضعه من السماء، فيكون ذلك عرضاً في الصورة، وأما الباري في نفسه فغني عن نسخهم وعرضهم، وهو أعلم باكتساب عباده منهم، اهـ. وقال النووي(١): هذا العرض قد يكون بنقل الأعمال من صحائف الحفظة إلى محل آخر، ولعله اللوح المحفوظ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنََّ نَسْتَنْسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقال الحسن: الخزنة تستنسخ من الحفظة، وقد يكون العرض في هذين اليومين ليباهي سبحانه بصالح أعمال بني آدم الملائكة كما يباهي بأهل عرفة، وقد يكون لتعلم الملائكة المقبول من الأعمال من المردود، كما جاء ((إن الملائكة تصعد بصحائف الأعمال لتعرضها على الله تعالى، فيقول: ضعوا هذا، واقبلوا هذا فتقول الملائكة: وعزتك ما علمنا إلا خيراً، فيقول: إنه كان لغيري، ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي))، اهـ ما في ((الزرقاني)). وفي ((الكوكب الدري))(٢): ومعنى العرض إنما هو على انتظام في (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٦٧/٤). (٢) (٥٧/٢). ١٤٢ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٦) حديث كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ. يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ. فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ. إلَّا عَبْدَاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ. فَيُقَالُ: اتْرُكُوا هُذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا، أَوِ ارْكُوا أمورهم، وإلا فهو سبحانه يعلم كل شيء قبل وجوده، كما يعلمه بعد وجوده، فلا يحتاج في علمه إلى العرض، وإنما أحبّ أن يري الملائكة أعمال الصلحاء، فيعلموا الداعي في روحهم وريحانهم، وأن يبصروا أعمال الأشقياء، فيعلموا موجب حسرتهم وخسرانهم إلى غير ذلك من الفوائد، اهـ. (كل جمعة) بضمتين ويسكن الثاني منصوب بنزع الخافض أي في كل أسبوع (مرتين) أي عرضتين (يوم الاثنين ويوم الخميس) قال القاري: نصباً على الظرفية، والأظهر أنهما بدل من مرتين لئلا يتوهم أن العرض مرتين في كل من اليومين، قال القاضي: أراد بالجمعة الأسبوع، وعبّر عن الشيء بآخره وما يتم به. (فيغفر) ببناء المجهول (لكل عبد مؤمن) ذنوبه المعروضة عليه (إلا عبداً) بالنصب في جميع النسخ الهندية والمصرية، وكذا في ((المشكاة)). قال التوريشتي: وجدناه في ((كتاب المصابيح)) بالرفع، وهو في ((مسلم)) بالنصب، وهو الأوجه، فإنه استثناء من كلام موجب، وبه وردت الرواية الصحيحة، كذا في ((المرقاة))(١)، قال الزرقاني(٢): وفي رواية: ((عبدٌ)) بالرفع، وتقديره فلا يحرم أحد من الغفران إلا عبد، اهـ. (كانت بينه وبين أخيه) المسلم (شحناء فيقال: اتركوا هذين) كما تقدم في الحديث السابق (حتى يَفِيئًا) بفتح الياء وكسر الفاء والهمزة الممدودة، مضارع مثنى من فاء إذا رجع، أي يرجعا عما هما عليه من التقاطع والعداوة إلى المودة (أو) شك من الراوي (أركوا) بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة أي (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٥/٩). .. (٢) (شرح الزرقاني)) (٢٦٧/٤). ١٤٣ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٦) حديث هُذَيْنِ حَتَّى يَفِيئًا . أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ١١ - باب النهي عن الشحناء والتهاجر، حديث ٣٦. أخّروا، يقال: أركيت الشيء أخرته، كذا في ((الزرقاني))، وفي ((المجمع)) (١): اركوا من ركاه يركوه إذا أخره، وروي اتركوا من الترك، وروي أرهكوا أي كلفوهما وألزموهما، من رهكت الدابة إذا حملت عليها في السير وجهدتها، وقيل: من الركون بمعنى الإصلاح، أي أصلحوا بينهما حتى يقع بينهما الصلح، واركوا بسكون الراء وضم كاف وهمزة وصل، وروي بقطعها من أركيته إذا أخرته، اهـ. (هذين حتى يفيئا) هكذا بالشك في رواية مسلم عن ابن وهب عن مالك، وفي رواية سفيان عن مسلم بن أبي مريم، فيقال: ((اركوا هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا))، وبالتكرار بدون الشك. قال الزرقاني(٢): ولا يعارض هذا الحديث ما صح مرفوعاً: ((إن الله تعالى يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل))، قال العراقي: لاحتمال عرض الأعمال عليه تعالى كل يوم، ثم تعرض عليه كل اثنين وخميس، ثم تعرض عليه أعمال السنة في شعبان، فتعرض عرضاً بعد عرض، ولكل عرض حكمة يستأثر بها مع أنه لا تخفى عليه من أعمالهم خافية، ويحتمل أنها تعرض في اليوم تفصيلاً، وفي الجمعة إجمالاً أو عكسه، اهـ. وتقدم قريباً ما قاله النووي، والشيخ في ((الكوكب)) من مصالح العرض المقتضية للتعدد. (١) (٣٧٦/٢). (٢) (٤/ ٢٦٧). ١٤٤ ٤٩ - كتاب اللباس ..... .. (١) باب بسم الله الرحمن الرحيم ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب ما جاء في لبس الثياب للجمال بها (١) ما جاء في لبس الثياب للجمال بها اللبس بضم اللام وسكون الموحدة، قال القاري(١) عن ((القاموس)): لبس الثوبَ كسمع لبساً بالضم، ولباساً بالكسر، وأما لبس كضرب لبساً بالفتح فمعناه خلط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾(٢)، وإنما ذكرته للالتباس على كثير من الناس، اهـ. والتجمل بالثياب مشروع، بل مندوب فإنه تبارك وتعالى مَنَّ بذلك في قوله عز اسمه: ﴿يَنِيّ ◌َادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتَّكُمْ وَرِشًا﴾(٣)، قال صاحب ((الجلالين)): هو ما يتجمل به من الثياب، وقال الخازن: الريش للطائر معروف، وهو لباسه وزينته كالثياب للإنسان، فاستعير للإنسان؛ لأنه لباسه وزينته، والمعنى أنزلنا عليكم لباسين: لباساً يواري سوآتكم، ولباساً لزينتكم؛ لأن التزيين غرض صحيح، كما قال تعالى: ﴿لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ﴾، وقال رسول الله وَّهِ: ((إن الله جميل يحب الجمال))، اهـ. وفي ((الدر المختار)): يستحب التجمل، وأباح الله الزينة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىِّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾(٤) الآية، وخرج ◌َّ وعليه رداء قيمته ألف دينار، اهـ. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٤/٨). .. . (٢) سورة البقرة: الآية ٤٢. (٣) سورة الأعراف: الآية ٢٦. (٤) سورة الأعراف: الآية ٣٢. ۔۔ .... ١٤٥ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب وفي ((المشكاة))(١) برواية الشيخين عن أنس - رضي الله عنه -: كان أحبُّ الثياب إلى النبي ◌ّل﴿ أن يلبسها الحِبَرة، وبرواية الترمذي(٢) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَلَه: ((إن الله يُحِبُّ أن يُرَى أثر نعمته على عبده)، وبرواية النسائي وأحمد عن جابر قال: أتانا رسول الله وَليس زائراً فرأى رجلاً علیه ثياب وسخة، فقال: «ما کان یجد هذا ما یغسل به ثوبه))، وبروايتهما عن أبي الأحوص عن أبيه، قال: أتيت رسول الله وَّه، وعليّ ثوبٌ دونٌ، فقال لي: ((ألك مال))؟ قلت: نعم، قال: ((من أيّ المال))؟ قلت: من كل المال، قد أعطاني الله من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق، فقال: ((إذا آتاك الله مالاً فَلْيُرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامته)). وبرواية أحمد عن أبي مطر قال: إن علياً - رضي الله عنه - اشترى ثوباً بثلاثة دراهم، فلما لبسه قال: الحمد الله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي، ثم قال: هكذا سمعت رسول الله وَل يقول، وغير ذلك من الروايات الكثيرة في الباب(٣)، ومع هذا كله فلو تركه أحد تواضعاً كان أرفع. ففي (المشكاة) عن رجل من أبناء أصحاب النبي وَ لّر عن أبيه: ((من ترك لبس ثوب جمال، وهو يقدر عليه))، وفي رواية: «تواضعا كساه الله حلة الكرامة)) الحديث، رواه أبو داود، وروى الترمذي منه عن معاذ بن أنس حديث اللباس، قال القاري (٤): أي إنما تركه خوفاً لله تعالى، أو رجاء لما عنده من المقام الأعلى، أو استحقاراً لزينة الدنيا، اهـ. (١) ح (٤٣٠٤) كتاب اللباس. (٢) ((سنن الترمذي)) ح (٢٨١٩) من كتاب الأدب. (٣) انظر: ((مشكاة المصابيح)) (٤٣٥١ - ٤٣٥٢ - ٤٣٧٣) من كتاب اللباس. (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٥/٨). ١٤٦ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب قلت: وعليه يحمل ما ورد من الروايات في هذا المعنى، كما في ٠٠٠٠٠٠٦ ((المشكاة)) برواية الشيخين عن أبي بردة، قال: أخرجت إلينا عائشة كساء ملبّداً وإزاراً غليظاً، فقالت: ((قُبِضَ رسول الله وَّر في هذين))، وبرواية الشيخين أيضاً عن عائشة، قالت: ((كان فراش رسول الله صَلّ الذي ينام عليه أدماً حشوُه ليفٌ)) وبرواية الترمذي، وضعفه عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله وَله: (يا عائشة إن أردتِ اللحوقَ بي، فليكفيكِ من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسةً الأغنياء، ولا تستخلقي ثوباً حتى ترقعيه))(١). وبرواية أبي داود عن إياس بن ثعلبة قال: قال رسول الله وَ له: ((ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان))(٢)، وبرواية البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً: ((طوبى لعبدٍ أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعثَ رأسه مُغْبرةً قدماه))، الحديث. وبرواية الترمذي(٣) عن عثمان أن النبي وَ لّ قال: ((ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري به عورتَه، وجِلْفُ الخبز والماء)). وبرواية أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود أن رسول الله وال نام على حصير، فقام وقد أثر في جسده، فقال ابن مسعود: يا رسول الله لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل، فقال: ((مالي وللدنيا، وما أنا والدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة، ثم راح وتركها)). وبرواية البخاري عن أبي هريرة قال: رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، الحديث. (١) ((سنن الترمذي)) (١٧٨٠). (٢) ((سنن أبي داود)) (٤١٦١). (٣) ((سنن الترمذي)) (٢٣٤١). ١٤٧ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب وبرواية أحمد (١) عن معاذ أن رسول الله وَّليه لما بعث به إلى اليمن، قال: ((إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين))، وغير ذلك من الروايات التي لا تحصى، ولذا اختار النبي وَل﴿ لنفسه البذاذة، وحاذى حذوه في ذلك الشيخان ومن تبعهما من أهل المعرفة والزهادة. قال القاري(٢): وفي ((شرح السنة)): قال أنس: رأيت عمر - رضي الله عنه - وهو يومئذ أمير المؤمنين، وقد رقع ثوبه برقاع ثلاث، لبّد بعضها فوق بعض، وقيل: خطب عمر - رضي الله عنه - وهو خلیفة، وعلیہ إزار فيه اثنا عشرة رقعة، اهـ. وقال القاري أيضاً: وأما أكثر طوائف الصوفية، فاختاروا لبس الصوف؛ لأنهم لم يلبسوا لحظوظ النفس ما لان مسّه وحسن منظره، وإنما لبسوا لستر العورة ودفع الحر والقرِّ، فاجتزوا بالخشن من الشعر والغليظ من الصوف، وقد وصف أبو هريرة وفضالة بن عبيد أصحابَ الصفة، بأنهم كان لباسهم الصوف، اهـ. قال الزرقاني(٣): أما قوله وَّل﴾: ((البذاذة من الإيمان)) رواه أبو داود، وصححه الحاكم، فمعناه إن قصد بها تواضعاً وزهداً وكف نفس عن فخر وتكبر، لا إظهار فقر وصيانة مال، فالمراد به إثبات التواضع للمؤمن كما ورد: ((المؤمن متواضع، وليس بذليل))، اهـ. ومما يجب التنبيه عليه أيضاً أن اللباسين معاً قد يكرهان لغرض فاسد، ففي أبي داود(٤) عن ابن عمر - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((من لبس ثوب شهرة (١) ((مسند أحمد)) (٣٤٣/٥). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٤/٨). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٨/٤). (٤) ((سنن أبي داود)) (٤٠٢٩). ١٤٨ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب (١٦٢٧) حديث ١/١٦٢٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَل فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ . ألبسه الله يوم القيامة ثوباً مثله))، زاد في رواية ((ثم تلهب فيه النار)) وفي أخرى له قال: ((ثوب مذلة))، قال الشيخ في ((البذل)) (١): أي غرض اللابس ومقصده بهذا اللباس الشهرة، إما باعتبار التفاخر والخيلاء أو باعتبار التزهد، اهـ. وقال القاري: قوله: ((ثوب شهرة)) أي ثوب تكبر وتفاخر، أو ما يتخذه المتزهد ليشهر نفسه بالزهد، أو ما يشعر به المتسيد من علامة السيادة، كالثوب الأخضر، أو ما يلبسه المتفيقهة من لبس الفقهاء، والحال أنه من جملة السفهاء، اهـ. وفي هامش أبي داود، عن ((اللمعات)): تحقيق المقام أن الأحاديث كما وردت في باب فضيلة الزهد وترك التنعم والترفه في ملاذِ الدنيا وملابسها ومطاعمها والترغيب والتحريض عليه، كذلك وقعت في شأن التجمل والترفه إظهاراً للنعمة وتركاً للتكلف، والمعتبر في ذلك القصد، والنية، فترك التجمل ولبس أدون الثياب إن كان للبخل والخِسّةِ، أو إظهاراً للفقر، والتزهد، والطمع فيما في أيدي الناس، ومراءاتهم فهو مذموم، وعلى قصد الزهد والتواضع والإيثار محمود، وكذا التزين والتجمل والترفه في لبس أفخر الملابس، إن كان على وجه التكبر والخيلاء والتفاضل والبطر والإسراف، فهو قبيح حرام، وإن كان لإظهار النعمة والتعفف وستر الحال، فهو حسن، وهذا هو القول الفيصل، اهـ. ١/١٦٢٧ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن جابر بن عبد الله الأنصارى) الصحابي الشهير (أنه قال: خرجنا مع رسول الله وَّة) من المدينة (في غزوة بني أنمار) بفتح الهمزة وسكون النون فميم فألف فراء، بناحية نجد في (١) ((بذل المجهود)) (٣٥٦/١٦). ١٤٩ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب (١٦٢٧) حديث سنة ثلاث من الهجرة، وهي غزوة غطفان، وتعرف بذي أَمَر بفتح الهمزة والميم، وسببها أن جمعاً من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا، يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله وَالر، فخرج إليهم، فلما سمعوا بذلك هربوا في رؤوس الجبال فرقاً ممن نصر بالرعب، فرجع ولم يلق حرباً، كذا في ((الزرقاني))(١). وفي ((البداية والنهاية))(٢): في السنة الثالثة في أولها كانت غزوة نجد، ويقال لها: غزوة ذي أَمِرٍ، فذكر القصة، وفي ((طبقات ابن سعد)): غزوة رسول الله # غطفان إلى نجد، وهي غزوة ذي أمر، في شهر ربيع الأول على رأس خمس وعشرين شهراً من مهاجرة رسول الله وَله، فذكر القصة. وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب غزوة أنمار))، وذكر فيه حديث جابر في الصلاة على الراحلة. قال الحافظ(٣): كان محل هذه الترجمة قبل غزوة بني المصطلق؛ لأنه عَقَّبَه بحديث الإفك، والإفك كان في غزوة بني المصطلق، فلا معنى لإدخال غزوة أنمار بينهما، بل غزوة أنمار يشبه أن يكون هي غزوة محارب وبني ثعلبة، ولم يذكر أهل المغازي غزوة أنمار، وذكر مغلطاي أنها غزوة أمر - بفتح الهمزة وكسر الميم -، فقد ذكر ابن إسحاق أنها كانت في صفر، وعند ابن سعد: قدم قادم بحلب، فأخبر أن أنمار وثعلبة قد جمعوا لهم، فخرج لعشر خلون من المحرم، فأتى محلهم بذات الرقاع، وقيل: إن غزوة أنمار إنما وقع في أثناء غزوة بني المصطلق، اهـ. قلت: وفيما ألفته في ((الوقائع والدهور)) في السنة الثالثة من الهجرة: قال (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٧/٤). (٢) (٥/٤). (٣) ((فتح الباري)) (٤٢٩/٧). ١٥٠ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب (١٦٢٧) حديث قَالَ جَابِرٌ: فَبَيْنَا أَنَا نَازِلٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ، إِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الظُّلِّ. قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ فَقُمْتُ إِلَى غِرَارَةٍ لَنَا . الطبري: لما رجع رسول الله و 98 من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم، ثم غزا نجداً يريد غطفان وهي غزوة ذي أمر، فأقام بنجد الصفر كله، ثم رجع ولم يلق كيداً، وفي ((الخميس)): سماها الحاكم غزوة أنمار، وفي ((المجمع)) في السنة الثالثة بعد ذكر غزوة السويق: ثم غزا نجداً، وأقام بها الصفر، ثم رجع من غير قتال، اهـ. وقال صاحب ((المحلى)): غزوة بني أنمار يعني أنمار بن يعيض، وهم قبائل في العرب، وتلك الغزوة اشتهرت بذات الرقاع، وكانت قبل الخندق بعد النضير عند ابن إسحاق، أو سنة خمس، فيما ذكره ابن سعد وابن حبان، وجزم ابن حجر بأنها بعد الخندق، ونص البخاري أنها بعد خيبر؛ لأن أبا موسى شهده، وكان قدومه بعد خییر، اهـ. قلت: وهذا الاختلاف الذي ذكره صاحب ((المحلى)) كله في غزوة ذات الرقاع، وفيه نص البخاري ما نص، فإن كانت غزوة بني أنمار هي ذات الرقاع يتمشى فيها هذا الاختلاف، وإلا فلا . (قال جابر: فبينا) بلا ميم في جميع النسخ (أنا) بفتح الهمزة وتخفيف النون (نازل تحت شجرة) أي في ظلها (إذا) للمفاجأة (رسول الله (وَليه) خبره محذوف، أي أقبل أو طالع (قال) جابر: (فقلت: يا رسول الله هلمّ) بشد الميم المفتوحة، أي أقبل وتشرف (إلى الظل) أي ظل هذه الشجرة، وكان من عادة الصحابة إذا رأوا شجرة ظليلة تركوها لرسول الله وَله. (قال) جابر: (فنزل رسول الله وَ ل18) عن دابته تحت ظل شجرة (فقمت إلى غرارة لنا) قال الزرقاني: بكسر الغين المعجمة شبه العدل، جمعها غرائر، وفي ((المحلى)): بفتح الغين المعجمة والراء المكررة، وبكسر الغين: وعاء يجعل فيه الطعام كالجوالق، وفي ((الصراح)): أظنه معرباً . ١٥١ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب (١٦٢٧) حديث فَالْتَمَسْتُ فِيهَا شَيْئاً فَوَجَدْتُ فِيهَا جِرْوَ قِثَّاءٍ. فَكَسَرْتُهُ. ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهِ. فَقَالَ: ((مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هُذَا؟)) قَالَ فَقُلْتُ: خَرَجْنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ. قَالَ جَابِرٌ: وَعِنْدَنَا صَاحِبٌ لَنَا نُجَهِّزُهُ (فالتمست فيها) أي طلبت في الغرارة (شيئاً) مما يؤكل، أقدمه لرسول الله وَ﴾، وليس في النسخ الهندية لفظ ((شيئاً))، فالمفعول محذوف، (فوجدت فيها جرو) وقال صاحب ((المحلى)): مثلثة، الصغير من كل شيء حتى الحنظل والبطيخ، وفي ((الزرقاني)) (١): بكسر الجيم على الأفصح، وضمها لغة، وقال الباجي (٢): الجرو القثَّاءة الصحيحة، وقيل: المستطيلة، وقيل: الصغيرة، حكاه أبو القاسم الجوهري، وقال أبو عبيد: الجرو صغير القثاء، والرمَّان، جمعه أجراء، وجمع الجمع أجر، (قِثاء) كسر القاف أكثر من ضمها فمثلثة ثقيلة، ومَدٌّ، اسم للخيار، وبعضهم يطلق على نوع يُشْبه الخيار، وفي (المحلى)): فاكهة مشهورة (فكسرته) قال الباجي: معنى كسره له، أن يسهل تناوله، ويكثر عدده، وهو في الأغلب مما يفعله الآكل بالكبير منها، فلعل جابراً سماه باسم الصغير تحقيراً لما قدمه، فكفاه مؤنة العمل. (ثم قَرَّبته) بتشديد الراء، أي جعلت القثاء قريباً (إلى رسول الله وَليه) ليأكله (فقال رسول الله) وليس في النسخ المصرية لفظ ((رسول الله))، فالفاعل الضمير إليه وَّ﴾ (من أين لكم هذا؟) أي من أي مكان حصل لكم القثاء لما علم من عدمه بذلك الموضع وتعذر وجوده فيه (قال) جابر: (فقلت: خرجنا به يا رسول الله) وَخر (من المدينة) المنورة (قال جابر: وعندنا صاحب لنا) لم يسم (نجهزه) بضم النون وفتح الجيم وكسر الهاء المشددة. قال الباجي(٣): نُهيّءُ من أمره ما يحتاج إليه في توجهه لحفظ الظهر، قال (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٨/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢١٨/٧). (٣) ((المنتقى)) (٢١٨/٧). ١٥٢ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب (١٦٢٧) حديث يَذْهَبُ يَرْعَى ظَهْرَنَا. قَالَ: فَجَهَّرْتُهُ. ثُمَّ أَدْبَرَ يَذْهَبُ فِي الظَّهْرِ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ لَهُ قَدْ خَلَقَا. قَالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرُ هُذَيْنِ؟)) صاحب ((المحلى)): التجهيز إعداد ما يحتاج إليه المسافر والغازي والميت والعروس . (يذهب) استئناف لبيان سبب التجهيز (يرعى) حال مقدرة من الضمير في يذهب، أو استئناف لبيان وجه الذهاب، كذا في ((المحلى)) (ظهرنا) أي دوابنا، سميت بها لكونها يركب على ظهورها . (قال) جابر: (فجهزته) بما ينبغي (ثم أدبر) الصاحب المذكور (يذهب في الظهر) ليرعاه استئناف (وعليه) أي على الرجل المذكور (بُزْدان له) بضم الموحدة تثنية برد، ثوب مخطط (قد خلقا) بفتح الخاء المعجمة وتثليث اللام من باب ضرب وكرم وسمع، كذا في ((القاموس))، أي صارا باليين، كذا في ((المحلى)). قال الباجي: يريد أنهما قد بلغا من ذلك مبلغاً تمجّه العين، ويخرج عن عادة لباس الناس، مع ما قد علم النبي ◌َ ل8 من سعة أحوال الناس في ذلك الوقت، ويحتمل أنه كره ذلك لما يخاف أن يعتقد ذلك شرعاً أو مباحاً مع القدرة على اللباس المعتاد، وكره النبي 8# لباس غير المعتاد وما يشتهر به لا بسه من دون الملبس، كما كره ما يشهر به صاحبه في رفعته، ويحتمل أنه لما كان في غزو، ولعله كان بقرب المشركين، ولم يأمن أن يكون لهم على أصحابهم عيونٌ، فيرون عليهم مثل هذا الملبس، فيعتقدون فيهم من ضعف الحال ما يقوي نفوسهم، ويؤكد طمعهم في الظهور عليهم، فيكره ذلك رسول الله وَلهر، وأراد إظهار القوة وصلاح الحال لتضعف نفوسهم، ويقل طمعهم، اهـ. (قال) جابر: (فنظر رسول الله وَ له إليه فقال: أما) بفتح الهمزة وخفة الميم (له ثوبان غير هذين) البردين الباليين؟ قال الباجي(١): يحتمل أن يعرف حاله (١) (المنتقى)) (٢١٨/٧). ١٥٣ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب (١٦٢٧) حديث فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. لَهُ ثَوْبَانِ فِي الْعَيْبَةِ. كَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا. قَالَ: ((فَادْعُهُ فَمُرْهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا)) قَالَ: فَدَعَوْتُهُ فَلَبِسَهُمَا. ثُمَّ وَلَّى يَذْهَبُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَله: ((مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ. أَلَيْسَ هُذَا خَيْراً لَهُ))؟ قَالَ: فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ: فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ليعلم هل فعل ذلك لضرورة عدم؟ فيعذره أو يعينه، أو يعلم أنه فعل ذلك مع القدرة على الملبس الصالح، فينكر عليه، ويأمره بما هو أفضل له، قال جابر: (فقلت: بلى يا رسول الله له ثوبان) زاد أبو نعيم جديدان (في العَيْبَةِ) بفتح العين المهملة وسكون التحتية وموحدة: زنبيل من أدم، وما يجعل فيه من الثياب، كذا في ((المحلى)) عن ((القاموس)) (كسوته إياهما) أي أعطيته إياهما. (قال) وَله: (فادعه، فمره فليلبسهما) بفتح الموحدة. (قال) جابر: (فدعوته فلبسهما) امتثالاً لأمره وَ ﴿ (ثم ولّى يذهب) بعد لبسهما (قال) جابر: (فقال رسول الله وَلي: ما له) لفظ استفهام للإنكار أي يلبس الخلقين مع وجود الجديدين (ضرب الله عنقه) قال الباجي: هذه كلمة تقولها العرب عند إنكار أمر، ولا يريدون بذلك الدعاء على من يقال له ذلك (أليس هذا) أي لبس الجديدين (خيراً له) من لبس الخلقين؟. (قال) جابر: (فسمعه الرجل) أي قوله وَل: ((ضرب الله عنقه))، قال الباجي: فلما سمعه، وعلم أن دعاء النبي وَلّر غالباً يستجاب، اعتقد أن يستجاب له، أو خاف أن يكون من موجدته عليه لما أتاه، قد أخرجت هذه اللفظة منه على وجه الدعاء، إذا علم من حاله أن ما يقوله يكون على حسب ما يقوله (فقال) الرجل: (يا رسول الله في سبيل الله) أي قل مع كلامك لفظ ((في سبيل الله)) أيضاً، وهذا لتيقنه أن ما قاله رَّر سيقع. (فقال رسول الله مَّ) على معنى استدعائه: (في سبيل الله، قال) جابر: (فقتل الرجل في سبيل الله) قال صاحب ((المحلى)): الظاهر من اللفظ أنه قتل ١٥٤ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب (١٦٢٨) حديث ٢/١٦٢٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى الْقَارِئِ أَبْيَضَ الثَِّابِ. الرجل في تلك الغزوة، ولكن روى أبو نعيم أنه قتل الرجل في وقعة اليمامة، وكان في زمن أبي بكر مع مسيلمة الكذاب، وأما في تلك الغزوة فلم يقع القتال، بل رجع النبي وَّل من غير قتال، كما في كتب السير، اهـ. ٢/١٦٢٨ - (مالك أنه بلغه) عن مشايخه (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (قال: إني لأحب) بفتح اللام وصيغة المتكلم (أن أنظر إلى القارئ) أي العالم أو قارئ القرآن (أبيض الثياب). قال الباجي(١): يحتمل أن يريد قارئ القرآن المعروف بذلك، والمشهور به، وهم كانوا أهل العلم والدين في زمنه، فكان - رضي الله عنه - يرغب أن تكون هذه صفتهم، ويكون هذا زيّهم، وذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون يستحب لهم لبس البياض دون لبس المصبغات من المعصفر وغيره، وقد روي عن النبي ◌ُّير أنه قال: ((خير ثيابكم البياض))، والوجه الثاني: أن يريد به نقاء ثيابه وسلامتها من الوضر، وأن لا تُدَنَّسَ ألوانُ الثياب ويُغَيَّرَ بياضُها؛ لأن نقاء الثوب من حسن الزيّ، ودليل على توقي لابسه والمحافظة على طهارته. ويحتمل أن يريد بالقارئ العابد، وهذا يقتضي أن عمر بن الخطاب لم يستحسن للعباد الخروج عن حسن الزيِّ إلى الملبس المستخشن؛ لأن ذلك خروج عن العادة، ومدخل فيما يشوه، وقد قال إبراهيم بن أدهم لرجل تَنَسَّكَ، فلبس الصوف: رأيته نسك نسكاً أعجمياً، فعاب ذلك عليه لخروجه عن عادة مثله، وسئل مالك عن لباس الصوف الغليظ، فقال: لا خير في الشهرة، ولو كان يلبسه تارة ويتركه تارة لرجوت، ولا أحبُّ المواظبة عليه، قال مالك: هذا لمن وجد غيره، فأما من لم يجد غيره فلا أكرهه له، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٢١٩/٧). ١٥٥ ٤٩ - كتاب اللباس (١) باب (١٦٢٩) حدیث ٣/١٦٢٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ؛ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ. جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ. ٣/١٦٢٩ - (مالك عن أيوب بن أبي تميمة) كيسان السختياني (عن محمد بن سيرين) التابعي الشهير (قال: قال عمر بن الخطاب: إذا أوسع) بصيغة الإفعال (اللَّهُ عليكم) في المال (فأوسعوا على أنفسكم) لأن الله تبارك وتعالى يُحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، وروى أبو نعيم وابن لال وغيرهما عن ابن عمر مرفوعاً: ((إن المؤمن أخذ عن الله أدباً حسناً، إذا وسع الله عليه وسع على نفسه))، كذا في الزرقاني(١) (جمع رجل عليه ثيابه) خبر، أريد به الأمر يعني ليجمع عليه ثيابه، قاله ابن بطال. وقال ابن المنير: الصحيح أنه كلام في معنى الشرط، كأنه قال: إن جمع رجل عليه ثيابه فحسن. قال الباجي(٢): يريد - والله أعلم - إذا وسع الله على الرجل في ماله، فليوسع على نفسه في ملبسه، فيحمل نفسه على عادة مثله، ولا يخل بحاله، حتى يكره النظر إليه وإلى زيّه، ويبشع بذلك ذكره، اهـ. وهذه قطعة من حديث رواه البخاري في ((صحيحه)(٣) مفصلاً عن سليمان بن حرب عن حماد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال: قام رجل إلى النبي ﴾ فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: ((أَوَ كلُّكم يجد ثوبين))، ثم سأل رجل عمر - رضي الله عنه - فقال: إذا وسّع الله فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلّى رجل في إزارٍ ورداءٍ، في إزارٍ وقميصٍ، في إزارٍ (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٩/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٢٠/٧). (٣) أخر البخاري في: ٨ - كتاب الصلاة، ٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء، ح(٣٦٥). ١٥٦ ٤٩ - كتاب اللباس (٢) باب (٢) باب ما جاء في لبس الثياب المصبغة والذهب وقباءٍ، في سراويلَ ورداءٍ، في سراويلَ وقميصٍ، في سراويلَ وقباءٍ، في تُبَّانٍ وقباءٍ، في تُبّانٍ وقميصٍ، قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء. قال الحافظ (١): روى ابن حبان هذا الحديث من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب، فأدرج الموقوف في المرفوع، ولم يذكر عمر - رضي الله عنه -، ورواية حماد بن زيد هذه المفصلة أصحّ، وقد وافقه على ذلك حماد بن سلمة، فرواه عن أيوب وهشام وحبيب وعاصم، كلهم عن ابن سيرين، أخرجه ابن حبان أيضاً، اهـ. (٢) ما جاء في لبس الثياب المصبغة والذهب (ما جاء في لبس) بضم لام وسكون موحدة (الثياب المصبغة) بصيغة المفعول من الإصباغ أو التصبيغ (و) لبس (الذهب) أي حلية الذهب، ولا أعلم خلافاً بين الأئمة في جواز لبس المصبوغ للرجال والنساء مع الخلاف بينهم في بعض أنواع الصبغ، كالأحمر والمزعفر والمعصفر وغير ذلك. قال صاحب ((الدر المختار))(٢): كره لبس المعصفر والمزعفر الأحمر والأصفر للرجال، ومفاده أنه لا يكره للنساء، ولا بأس بسائر الألوان، اهـ. وما ورد من قوله ومَ له: ((البسوا ثياب البيض، وكَفّنُوا فيها موتاكم))، رواه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم وصححاه، فليس على الوجوب عند أحد لما ثبت عنه 8# من لبس غيره في روايات كثيرة، منها ما روي عن أنس رضي الله عنه: ((كان أحبُّ الثياب إلى رسول الله وَّل أن يلبسها الحبرة)) أخرجه الشيخان وغيرهما، وعن أبي رمثة قال: ((رأيت النبي وَ له وعليه بردان أخضران)» (١) ((فتح الباري)) (٤٧٥/١). (٢) انظر: ((رد المحتار)) (٥٩١/٩). ١٥٧ ٤٩ - كتاب اللباس (٢) باب (١٦٣٠) حديث ٤/١٦٣٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْمِشْقِ. أخرجه أصحاب السنن، وغير ذلك من الروايات. ٤/١٦٣٠ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (كان يلبس) بفتح الموحدة (الثوب المصبوغ بالمشق) بكسر الميم وفتحها وسكون الشين المعجمة آخره قاف، أي المغْرَة وهو الطين الأحمر، قال صاحب ((المحلى)): فيه جواز لبس الثوب الممشق، وقد روي لبسها عن جماعة من الصحابة، فأخرج الطبراني(١) بإسناد حسن عن عبد الله بن شدّاد، قال: رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر، عليه إزار عدنيٌّ غليظ، ثمنه أربعة دراهم أو خمسة، وريطة كوفية ممشقة. ومرّ في الحج من الكتاب أن طلحة بن عبد الله لبس ثوباً مصبوغاً بالمدر. وروى البخاري عن ابن سيرين، قال: كنا عند أبي هريرة، وعليه ثوبان مُمَشَّقَانٍ، وروى ابن أبي شيبة عن سفيان مولى عبد الله بن إياس، قال: رأيت أصحابه وسلم يُحرمون في الثوبين الأبيضين الممشقين، وروى ابن عساكر عن سالم بن عبد الله: لما ولّي عمر - رضي الله عنه - قال لحفصة: أناشدك الله ما أفضل ما اقتثى (٢) رسول الله وَّل في بيتك من اللمس، قالت: ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد، وقد يخطب فيهما للجمع، وروى ابن أبي شيبة وابن عدي من رواية علي بن زيد عن أنس: أن ملك الروم أهدى إلى النبي صَلّ ممشقة من سندس، فلبسها، أورده في ترجمة علي، وضعفه، ونقله العيني. وقد يعارض ذلك ما رواه أبو داود(٣) عن امرأة من بني سعد قالت: كنت (١) ((المعجم الكبير)) للطبراني (٧٥/١) ح (٩٢) و(«مجمع الزوائد» (٨٠/٩). (٢) كذا في الأصل. (٣) ((سنن أبي داود)) (١٩/٤) ح (٤٠٧١). ١٥٨ ٤٩ - کتاب اللباس (٢) باب (١٦٣٠) حديث في بيت زينب أم المؤمنين ونحن نصبغ ثياباً لها بمغرةٍ، فبينا نحن كذلك إذ طلع علينا رسول الله بَله، فلما رأى المغرة رجع، فلما رأت ذلك زينب غسلت ثيابها، ووارت كل حمرة، فجاء فدخل، لكن في سنده ضعف، ولو صح يفيد المنع للنساء، وقد اتفقوا على خلافه، اهـ. وقال الحافظ في ((الفتح))(١): في سنده ضعف . وقال الشيخ في ((البذل))(٢): كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رضي الله عنه - قوله: فلما رأت ذلك زينب، إلخ: وكان ذلك ظناً منها - رضي الله عنها -، وإلا فمن المعلوم المُسَلَّم عند كل من أصحاب المذاهب أن الحمرة الخالصة من المعصفر وغيره جائز للنساء، فكيف يمكن أن يكون النبي ◌ّ﴿ كرهها، والقول: إنه كرهها زهداً بعيدٌ أيضاً؛ لأن المغرة لا ينافي الزهد، بل الصبغ بها عين الزهد، فليس فيه غير أنه ◌َلقّ لما رجع وكان رجوعه لحاجة له بدت عند وصوله إلى الباب، فعاد لتذكرها، أو لما رأى في البيت من نسوة الأنصار الأجنبيات واشتغالهن في أمرهن من الصبغ وتجفيف الثياب وغير ذلك، ظنت زينب أنه لم يرجع إلا لكراهة المغرة، وكثيراً ما يشتبه المراد. وقال ابن رسلان: قال بعضهم: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، وأما ما صبغ غزله ثم نسج، فغير داخل في النهي، وقال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وابنه محمد بن إسماعيل، وفيهما مقال، اهـ. قال الباجي في أثر الباب: إن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان يلبس المصبوغ بالمشق، وهو المغري والمصبوغ بالزعفران يقتضي إباحة ذلك، أما المصبوغ بالمشق فمتفق عليه، اهـ. (١) (فتح الباري)) (٣٠٥/١٠). (٢) ((بذل المجهود)) (٣٩٦/١٦). ١٥٩ ٤٩ - كتاب اللباس (٢) باب (١٦٣٠) حديث وَالْمَصْبُوغَ بِالزَّغْفَرَانِ. (والمصبوغ بالزعفران) قال الباجي(١): أما المصبوغ بالزعفران، فذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - إلى إباحة ذلك، وبه قال مالك وأكثر فقهاء المدينة، وكره ذلك قوم من التابعين. والدليل على ما نقوله حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - المتقدم في كتاب الصلاة، فأما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﴾ يصبغ بالصفرة، وهذا عام في الزعفران، وغيره، إلا ما خصه الدليل، ومن جهة القياس أن الزعفران طيب لا يحرم على النساء، فلم يحرم على الرجال كالمسك. وما روي عن النبي وَل أنه نهى أن يزعفر الرجل، يحتمل أن يريد به المحرم؛ لما روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله وَ ر أن يلبس المحرم ثوباً مصبوغاً بورس أو زعفران، ويحتمل أن يريد بالتزعفر استعماله في جسده لما فيه من التشبه بالنساء. وقد قال مالك: بلغني أن عطاء بن يسار كان يلبس الثوبين: الرداء والإزار بالزعفران، وإني لألبسه وأستحسنه وأراه حسناً، وللأشياء وجوه، وأما السرف فلا أحبه، قال مالك: ورأيت ابن المنكدر يلبس الملبس بالزعفران، ورأيت ابن هرمز يلبس الثوبين بالزعفران، اهـ. وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب النهي عن التزعفر للرجال))، قال الحافظ (٢): أي في الجسد؛ لأنه ترجم بعده ((باب الثوب المزعفر))، وقيده بالرجل ليخرج المرأة، وذكر البخاري فيه حديث أنس، قال: ((نهى النبي وَل أن يتزعفر الرجل)). قال الحافظ: اختلف في النهي عن التزعفر، هل هو لرائحته لكونه من طيب النساء، ولهذا جاء الزجر عن الخلوق، أو للونه، فيلتحق به كل صفرة. (١) ((المنتقى)) (٢٢٠/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٣٠٤/١٠). ١٦٠