النص المفهرس

صفحات 121-140

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٣) حديث
بالجيم البحث عن عوراتهم، وبالحاء استماع حديث القوم، وهذا رواه
الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أحد صغار التابعين، وقيل: بالجيم البحث عن
بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشر، وبالحاء البحث عما يدرك بحاسة العين
والأذن، ورجح هذا القرطبي.
وقيل: بالجيم تتبع الشخص لأجل غيره، وبالحاء تتبعه لنفسه، وهذا
اختيار ثعلب، ويستثنى من النهي عن التجسس ما لو تعين طريقاً إلى إنقاذ نفس
من الهلاك، مثلاً كأن يخبر ثقة بأن فلاناً خلا بشخص ليقتله ظلماً أو بامرأة
ليزني بها، فيشرع في هذه الصور التجسس والبحث عن ذلك حذراً من فوات
استدراكه، نقله النووي عن ((الأحكام السلطانية)) للماوردي، واستجاده، وأول
كلامه ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات، ولو غلب على
الظن استسرار أهلها بها إلا هذه الصورة، اهـ.
وفي ((الزرقاني)) (١): قال ابن العربي: التجسس بالجيم تطلب أخبار الناس
في الجملة، وذلك لا يجوز إلا للإمام الذي رتب لمصالحهم، وألقي إليه زمام
حفظهم، فأما عرض الناس فلا يجوز لهم ذلك إلّا لغرض مصاهرة أو جوارٍ أو
رفاقة في سفر أو معاملة أو ما أشبه ذلك من أسباب الامتزاج، وأما بالحاء
فطلب الخبر الغائب للشخص، وذلك لا يجوز للإمام ولا لسواه.
وفي ((الأحكام السلطانية)) للماوردي: ليس للمحتسب أن يحتسب عما لم
يظهر من المحرمات ولو غلب على الظن استتار أهلها بها إلا إن تعين طريقاً.
إلى آخر ما تقدم من كلامه.
وفي ((المنتقى)) (٢): روي عن ابن وهب: ((لا تجسسوا)) لا يَلِ أحدُكم
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٣/٤).
(٢) (٢١٦/٧).
١٢١

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٣) حديث
وَلَا تَنَافَسُوا
استماع ما يقول فيه أخوه أو يقال في أخيه، ((ولا تحسسوا)): أي لا ترسل من
يسأل لك عما يقال فيك وما يقال في أخيك من الشر، وقال في ((المزنية))
محمد بن عيسى مثله، وروي عن ابن نافع أنه قال: هي كلمة متصرفة يريد بها
أن لا يتجسس الإنسان عن أمور أخيه التي يخاف أن يعيبه ويسبه، ولا يكثر
السؤال عما يكره أخوه أن يطلع عليه من حاله، اهـ.
وفي ((المرقاة))(١): قال ابن الملك: لا تطلبوا التطلع على خير أحد ولا
على شره، وكلاهما منهيٌّ عنه؛ لأنه لو اطلعت على خير أحد ربما يحصل لك
حسد، ولو اطلعت على شرّه تعيبه وتفضحه، وقد ورد: ((طوبى لمن شغله عيبه
عن عيوب الناس))، اهـ.
(ولا تنافسوا) هكذا في جميع النسخ، وهو بحذف إحدى التائين، كما
تقدم في كلام الحافظ من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء، قال القرطبي: أي
لا تتنافسوا حرصاً على الدنيا، إنما التنافس في الخير، قال تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَتَفِسُونَ﴾، وكأن المنافسة هي الغبطة، وأبعد من فسرها بالحسد؛ لأنه
عطفه عليها قوله: ((ولا تحاسدوا)).
وقال ابن العربي: التنافس هو التحاسد في الجملة، إلا أنه يتميز عنه بأنّه
سببه، قال ابن عبد البر: المراد التنافس في الدنيا، ومعناه طلب الظهور فيها
على الناس والتكبر عليهم، ومنافستهم في رياستهم، والبغي عليهم، وحسدهم
على ما آتاهم الله منها، وأما التنافس والحسد على الخير وطريق البر، فليس
من هذا في شيء، كذا في ((الزرقاني)) (٢).
وفي ((المحلى)): هو من المنافسة، وهو الرغبة في الشيء والانفراد به،
والتنافس والتحاسد واحد في المعنى، وإن اختلفا في الأصل، ذكره الطيبي،
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٣/٩).
(٢) (٢٦٤/٤).
١٢٢

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٣) حديث
وقال ابن القيم: الفرق بين المنافسة والحسد، أن المنافسة المبادرة إلى الكمال
الذي تشاهد في غيرك، فتنافس فيه لتلحقه وتجاوزه، فهو من شرف النفس وعلو
الهمة، والحسد خلق نفس ذميمة ليس فيها حرص على الخير، اهـ.
ولا يذهب عليك أنه وقع في رواية البخاري من حديث عبد الله بن
يوسف عن مالك بهذا السند والمتن بدل قوله: ((ولا تنافسوا)) ((ولا تناجشوا))،
قال الحافظ(١): كذا في جميع النسخ التي وقفتُ عليها من البخاري بالجيم
والشين المعجمة من النجش، وهو أن يزيد في السلعة، وهو لا يريدشراءها
ليقع غيره فيها، وقد تقدم بيانها وحكمها في كتاب البيوع، والذي في جميع
الروايات عن مالك بلفظ ((ولا تنافسوا)) بالفاء والسين المهملة.
وكذا أخرجه الدارقطني في ((الموطآت)) من طريق ابن وهب ومعن وابن
القاسم ويحيى بن يحيى التميمي والقعنبي ومحمد بن الحسن وغيرهم، كلهم
عن مالك، وكذا ذكره ابن عبد البر من رواية يحيى بن يحيى الليثي وغيره عن
مالك، إلى آخر ما بسط الكلام فيه.
وقال فيه: ويبعد أن يجتمع الجميع على شيء، وينفرد واحد بخلافه
ويكون محفوظاً، وحاصل ما بسطه أن الصواب في رواية مالك بالفاء والسين
المهملة، لكنه قال في موضع آخر: ولمسلم(٢) من طريق العلاء بن عبد الرحمن
عن أبيه عن أبي هريرة فيه (ولا يبع بعضكم على بيع بعض)).
ومثله له من رواية أبي سعيد مولى عامر بن كريز عن أبي هريرة زاد بعد
قوله: إخواناً، ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره،
بحسب امرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام :
(١) ((فتح الباري)) (٤٨٤/١٠).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٤١٢).
١٢٣

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٣) حديث
وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً)).
أخرجه البخاريّ في: ٧٨ - كتاب الأدب، ٥٨ - باب يا أيها الذين آمنوا
اجتنبوا كثيراً من الظن. ومسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٩ - باب
تحریم الظن والتجسس والتنافس، حديث ٢٨.
دمه وماله وعرضه، التقوى لههنا، ويشير إلى صدره)). وزاد في رواية أخرى من
هذه الطريق ((إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر الله
إلى قلوبكم))، وهذه الطريق من رواية عامر أجمع ما وقفت عليه من طرق هذا
الحديث عن أبي هريرة، وكأنه كان يحدث به أحياناً مختصراً، وطوراً بتمامه،
وقد فَرَّقه بعضُ الرواة أحاديث، وممن وقع عنده مفَرَّقاً ابن ماجه في كتاب
الزهد من كتابه، وهو حديث عظيم اشتمل على جمل من الفوائد والآداب
المحتاج إليها، اهـ.
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون اللفظان معاً، ذكر أحدهما مرة، والآخر
أخرى، وفي ((المشكاة)) برواية الشيخين ((ولا تناجشوا))، قال: وفي رواية: ((ولا
تنافسوا)). قال القاري: (١) قوله: ((ولا تناجشوا)) من النجش بالجيم والشين،
قيل: المراد به الترفع والعلو على الناس، وهو المناسب لسابقه ولا حِقِه،
وقيل: أن يُغرِيَ بعض بعضاً على الشر والخصومة، وهو من نتائج التجسس،
وقيل: هو الزيادة في الثمن ليخدع المشتري بالترغيب، وهذا المعنى هو
المشهور عند الفقهاء، وقيل: من النجش بمعنى التنفير، أي لا ينفر بعضكم
بعضاً بأن يسمعه كلاماً، أو يعمل شيئاً يكون سبب نفرته، اهـ.
وفي ((المحلى)): وروي ((ولا تناجشوا)) من النجش، وهو رفع الثمن في
البيع، وقيل: المراد في الحديث النهي عن إغراء بعضهم بعضاً على الشر
والخصومة، اهـ.
(ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً) قال
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٢٦٣).
١٢٤

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
١٦/١٦٢٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِم
عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه :
الحافظ: وقع عند مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة في آخره: ((كما
أمركم الله))، اهـ. قلت: وقد تقدم الكلام على هذا اللفظ وعلى بقية ألفاظ
الحديث في الحديث السابق.
١٦/١٦٢٤ - (مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني) وهو المعروف
بعطاء بن أبي مسلم، قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): عطاء الخراساني،
وهو عطاء بن أبي مسلم، وقيل: عطاء بن عبد الله، وقيل: عطاء بن ميسرة،
مولى المهلب بن أبي صفرة، وقيل: مولى لهذيل، والأول أكثر وأشهر، اهـ.
(قال) عطاء: (قال رسول الله وَل:) قال المنذري: هكذا رواه مالك
معضلاً، وقد أسند من طرق فيها مقال يشير إلى ما أخرجه ابن عدي عن ابن
عمر - رضي الله عنه - أن النبي ◌َ ل﴿ قال: ((تصافحوا يذهب الغِلُّ من قلوبكم))،
وإلى ما أخرجه ابن عساكر عن أبي هريرة مرفوعاً: ((تهادوا تحابُّوا، وتصافحوا
یذهب الغِلُّ عنكم».
فقول السيوطي: في المصافحة أحاديث موصولة بغير هذا اللفظ عجيب
مع أنه نفسه ذكره في ((جامعه))، وقال ابن المبارك: حديث مالك جيد، وقال
ابن عبد البر: هذا يتصل من وجوه شتى حسان كلها، ثم ذكر بأسانيده جملة
منها في المصافحة بغير هذا اللفظ، فكأن السيوطي اغترَّ به، وغفل عما في
((جامعه))، كذا في ((الزرقاني))(٢).
والحديث الذي أشار إليه في ((الجامع)) ذكره السيوطي في ((الجامع
الصغير))، بلفظ: ((تصافحوا يذهب الغلُّ عن قلوبكم)) عَدْ عن ابن عمر يعني
(١) (ص١١٤).
(٢) (٢٦٥/٤).
١٢٥

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
((تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ.
لابن عدي في ((الكامل))، ورقم عليه بالضعف، وسكت عليه العزيزي، وأخرج
أيضاً (تهادوا تحابُّوا، وتصافحوا يذهب الغل عنكم)) ابن عساكر عن أبي هريرة،
ورقم عليه بالحسن، وقال العزيزي: بإسناد جيد، اهـ.
وأنت خبير بأن هذين اللفظين ليسا بتمام ألفاظ ((الموطأ))، فالتعقب بهما
على السيوطي مشكل، نعم يصحُّ التعقب بهما على ما في ((الفتح)) إذ قال: وفي
مرسل عطاء الخراساني في ((الموطأ)) ((تصافحوا يذهب الغل))، ولم نقف عليه
موصولاً، واقتصر ابن عبد البر على شواهده من حديث البراء وغيره، اهـ.
(تصافحوا) أمر من المصافحة، قال الحافظ: هي مفاعلة من الصفحة،
والمراد بها الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد، وفي ((الزرقاني)): قال
الجوهري: المصافحة الأخذ باليد، وفي ((المشارق)): المصافحة بالأيدي عند
السلام واللقاء هي ضربُ بعضِها ببعض، اهـ.
قال الحافظ(١): وأخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) وأبو داود بسند
صحيح من طريق حميد عن أنس رفعه: ((قد أقبل أهل اليمن وهم أول من حَيَّانا
بالمصافحة))، وفي ((جامع ابن وهب)) من هذا الوجه: ((وكانوا أول من أظهر
المصافحة))، اهـ.
(يذهب) أعرب عليه في النسخ المصرية بفتح أوله وفتح الهاء أي من
المجرد، قال الزرقاني(٢): بكسر الباء مجزوم في جواب الأمر، حرك بالكسر
لالتقاء الساكنين وبالرفع، أي فيه يذهب، اهـ. (الغل) بكسر الغين المعجمة
وتشديد اللام: الحقد والضغانة على ما أعرب في نسخ ((الموطأ))، وقال
القاري: يذهب بفتحتين، وفي نسخة: بضم أوله وكسر الهاء، فقوله: الغل
(١) ((فتح الباري)) (٥٤/١١).
(٢) (٢٦٥/٤).
١٢٦

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
مرفوع بالفاعلية على الأول، منصوب بالمفعولية على الثاني، وفاعله ضمير
راجع إلى التصافح الدال عليه ((تصافحوا)).
قال الباجي(١): يريد - والله أعلم - المصافحة بالأيدي، وقد قال علقمة
والأسود: من تمام التحية المصافحة، ودخل عليه سفيان بن عيينة فصافحه
مالك، وقال: لولا أنها بدعة لعانقتك، فقال سفيان: عانق من هو خير مني
ومنك النبي ◌ّ لجعفر حين قدم من أرض الحبشة، قال مالك: ذلك خاص،
قال سفيان: بل هو عام، وروى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة
والمعانقة، فعلى هذه الرواية يحتمل أن يريد - والله أعلم - في الحديث
المصافحة أن يصفح بعضهم عن بعض، من الصفح، وهو التجاوز والغفران،
وهو أشبه؛ لأن ذلك يذهب الغل في الأغلب.
واحتجّ مالك لمنع المصافحة باليد بقوله عز وجل: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ
سَلَمَا قَالَ سَلٌَ قَوْمٌ مُكَرُونَ ﴾﴾(٢)، ولم يذكر مصافحة، وقوله وَّر: ((يذهب
الغل)) أي العداوة، ومعنى ذلك أنه إذا صفح عن أخيه، وصفح عنه أخوه ذهب
ما في أنفسهما من الغل، وكذلك إذا تصافحا بالأيدي؛ لأنها نهاية ما يتودد به
المسلم، والمواصل على قول من حمله على ذلك، اهـ.
وفي ((الزرقاني)) (٣): روى ابن وهب وغيره عن مالك كراهة المصافحة
والمعانقة، وبه قال سحنون وغيره، وروي عن مالك خلافه، وهو الذي يدل
عليه معنى ما في ((الموطأ))، وعلى جوازها جماعة العلماء سلفاً وخلفاً، وفيه
آثار حسان، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٢١٦/٧).
(٢) سورة الذاريات: الآية ٢٥.
(٣) (٢٦٥/٤).
١٢٧

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
قلت: ترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب المصافحة))، وذكر فيه عن
ابن مسعود - رضي الله عنه -: علّمني النبي ◌َّ التشهد وكَفِّي بين كفيه، وقال
كعب بن مالك: دخلت المسجد فإذا برسول الله وَ طّ، فقام إليَّ طلحةُ بن
عبيد الله يهرول حتى صافحني، وهنّأني، وعن قتادة قلت لأنس - رضي الله عنه
-: أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله وَ ل﴾؟ قال: نعم، وعن عبد الله بن
هشام: كنا مع النبي ◌َّ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب.
قال الحافظ(١): قوله: ((حتى صافحني وهَنّأني)) وجاء ذلك - أي
المصافحة - من فعل النبي والإ، كما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر،
فقد أخرجا عن رجل لم يُسَمَّ، قال: قلت لأبي ذر: هل كان رسول الله وَال
يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، الحديث. ورجاله ثقات
إلا هذا الرجل المبهم.
وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) من حديث أنس: ((كانوا إذا تلاقوا
تصافحُوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا))، وله في ((الكبير)): ((كان النبي ◌َّ إذا
لقي أصحابه لم يصافحه حتى يسلم عليهم))، وقوله: عن قتادة قلت لأنس إلخ،
زاد الإسماعيلي في روايته عن همام، قال قتادة: وكان الحسن يعني البصري
يصافح، وجاء من وجه آخر عن أنس قيل: يا رسول الله الرجل يلقى أخاه
أينحني له؟ قال: ((لا))، قال: فيأخذ بيده ويصافحه، قال: ((نعم)) أخرجه
الترمذي(٢) وقال: حسن، قال ابن بطال: المصافحة حسنة عند عامة العلماء،
وقد استحبها مالك بعد كراهته.
وقال النووي(٣): المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي، وقد أخرج
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٥/١١).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٧٢٨).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (٥٥/١١) و((مرقاة المفاتيح)) (٧٤/٩).
١٢٨

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
أحمد وأبو داود والترمذي عن البراء رفعه: ((ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان
إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا))، وزاد فيه ابن السني ((وتكاشرا بود ونصيحة))، وفي
رواية لأبي داود ((وحمدا الله واستغفراه))، وأخرجه أبو بكر الروياني في ((مسنده))
بوجه آخر عن البراء: لقيت رسول الله 8﴿ فصافحني، فقلت: يا رسول الله
كنت أحسبُ أن هذا من زي الأعاجم، فقال: ((نحن أحق بالمصافحة))، فذكر
نحو سياق الخبر الأول، اهـ.
ولا يذهب عليك أن السنة في المصافحة أن تكون باليدين كما هو
المعروف عن الصحابة والتابعين، والمتوارث عن المشايخ أن يلصقا بطن كفي
يمينهما، ويجعلا بطن كف يساريهما على ظهر كف يمين الآخر، هكذا وصل
إلينا في الحديث المسلسل بالمصافحة.
قال صاحب ((الدر المختار)) (١): وفي ((القنية)): السنة في المصافحة بكلتا
يديه، وتمامه فيما علقته على ((الملتقى)) قال ابن عابدين، ونصه: وهي إلصاق
صفحة الكف بالكف، وإقبال الوجه بالوجه، فأخذ الأصابع ليس بمصافحة
خلافاً للروافض، والسنة أن تكون بكلتا يديه، وبغير حائل من ثوب أو غيره،
وعند اللقاء بعد السلام، وأن يأخذ الإبهام، فإن فيه عرقاً يُنْبتُ المحبة، كذا
جاء في الحديث، ذكره القهستاني وغيره، اهـ.
وعُلِمَ من ذلك أن من فسر المصافحة بإلصاق صفحة الكف بالكف لا
يخالف كونها باليدين، فإنه فسرها بذلك، وصرح بنفسه بكونها باليدين، ووجه
ذلك أنهم إذا فسروها بإلصاق الصفحة أرادوا الإشارة إلى مأخذ الاشتقاق من
أنه مشتق من الصفحة لا من الصفح بمعنى العفو، والتجاوز، كما قال به
بعضهم، ولم يريدوا إذ ذاك بيان الكيفية، ولما أرادوا بيان الكيفية صرحوا
بکونها بالیدین، اهـ.
(١) (٦٢٩/٩).
١٢٩

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
وفي ((الفتاوى الهندية)): السنة فيها أن يضع يديه على يديه من غير حائل
من ثوب أو غيره، كذا في ((خزانة الفتاوي))، اهـ.
وترجم البخاري في ((صحيحه))(١): ((باب المصافحة))، وذكر فيه قال ابن
مسعود: ((عَلَّمني النبي ◌ََّ التشهد، وكَفِّي بين كفيه)). وغرض الإمام البخاري
بذلك بيان كيفية اليدين، فإن المصافحة باليدين تحتمل صوراً مختلفة، بأن
تكون مثلاً كَفّا واحدٍ عنهما في الوسط وكفا الآخر في الطرفين، أو يلصق كف
يمين كل واحد منهما بكف يمين الآخر، وكذلك كفا يسراهما وغير ذلك، فَبِيَّن
الإمام البخاري - رضي الله عنه - بذكر ذلك كيفية اليدين، ولا يضر على ذلك
كونُه للتعليم أو غير ذلك.
ثم ذكر البخاري ((باب الأخذ باليدين)) على رواية جمهور رواة البخاري،
وذكر فيه: ((صافح حماد بن زيد ابنَ المبارك بيديه)) إشارة إلى أن ذلك هو
المعروف بين الصحابة والتابعين، ولم يذكر للمصافحة باليد الواحدة رواية ولا
أثراً، وأما على نسخة أبي ذر عن الحموي والمستملي بلفظ الإفراد، فإشارة
إلى أن ما ورد في الروايات من لفظ الأخذ باليد، المراد بها الجنس، ولذا ذكر
الإمام في الباب أثر حماد وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، وإلا فلا وجه
لذكرهما في باب الأخذ بالید.
وقد أخرج البخاري في ((الأدب المفرد))(٢) عن عبد الرحمن بن رزين،
قال: مررنا بالربذة، فقيل لنا: لهُهنا سلمة بن الأكوع، فأتيتُه فسلمنا عليه،
فأخرج يديه، فقال: بايعت بهاتين نبي الله وَ اشهر، فأخرج كفاً له ضخمة، كأنها
كف بعير، فقمنا إليه فقبلناها، اهـ.
(١) ((صحيح البخاري مع فتح الباري)) (٥٤/١١). وانظر تفصيل المصافحة في ((الأبواب
والتراجم)) (١٤٩/٦).
(٢) (ص٣٢٨) ح (٩٧٦).
١٣٠

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
وأخرج نحوه أحمد في ((مسنده)) وفي آخره: فأخرج لنا كفه كفاً ضخمة
فقمنا إليه، فَقَبَّلنا كفيه جميعاً، لا يقال: إنها في البيعة؛ لأن المعروف فيها
أيضاً المصافحة، لما في ((الدر المنثور)) برواية أحمد والترمذي وصححه
والنسائي وغيرهم عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت النبي وب لير في نساء لنبايعه
(الحديث))، وفيه قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: ((إني لا أصافح
النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة»، وعن أسماء قالت: بايعت
النبي ◌َّ﴾ في نسوة، فقال: ((إني لا أصافحكن، ولكن آخذ عليكن ما أخذ الله)).
فعُلِمَ من رواية البخاري في ((الأدب)) أن ما ورد في بعض الروايات عند
البيعة أو المصافحة لفظ الكف أو اليد، فالمراد بهما الجنس لا الواحد؛ لأن
في هذه الرواية تصريحاً باليدين، ومع ذلك قال: فأخرج كفاً له، فلا بد أن ذكر
الكف لهُهنا للجنس، ويؤيده أيضاً تقبيل الكفين جميعاً.
وأخرج(١) أيضاً عن الوزاع بن عامر قال: قدمنا فقيل: ذاك رسول الله وَ لاته،
فأخذنا بيديه ورجليه نقبلها. وفي ((مجمع الزوائد))(٢): عن أنس أن نبي الله وَله
قال: ((ما من مسلمين التقيا، أخذ أحدهما بيد صاحبه إلا كان حقاً على الله عز
وجل أن يحضر دعاءهما، ولا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما)) رواه أحمد
والبزار وأبو يعلى، إلا أنه قال: ((حقاً على الله أن يجيب دعاءهما، ولا يردّ
أيديهما حتى يغفر لهما))، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ميمون بن عجلان،
وثقه ابن حبان ولم يضعفه أحد، اهـ.
وفيه دليل على أن ما ورد في الروايات من لفظ الأخذ باليد يراد به
الجنس؛ لأنه ذكره أولاً بأخذ يد صاحبه، ثم رتب عليه لا يفرق بين أيديهما،
(١) ((الأدب المفرد)) (٩٧٨).
(٢) (٧٥/٨) رقم الحديث (١٢٧٦٤).
١٣١

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
وعن أبي أمامة أن رسول الله وَ لّ قال: ((إذا تصافح المسلمان لم تفرق أكفهما
حتى يغفر لهما)) رواه الطبراني(١)، وفيه مهلب بن العلاء ولم أعرفه، وبقية
رجاله ثقات.
وفي ((كنزل العمال))(٢) برواية ابن النجار عن ابن عمر - رضي الله عنه -:
((أيما مسلم يصافح أخاه ليس في صدر واحدٍ منهما على أخيه حِنَة(٣)، لم تفرق
أيديهما، حتى يغفر الله لهما))، الحديث، وفيه برواية ابن عساكر عن ابن عمر:
((من صافح أخاه المسلم ليس في صدر أحدهما على صاحبه إحتَة (٤)، لم يتفرق
أيديهما حتى يغفر الله لهما))، الحديث، وفيه أيضاً عن البراء قال: أخذ بيدي
رسول الله وَّ﴿ وقال: ((ما من مؤمنين يلتقيان، فيأخذ كل واحد منهما بيد أخيه،
لا يأخذ إلا لمودة في الله تعالى، فتفترق أيديهما حتى يغفر لهما)).
ففي هذه الروايات كلها تصريح بالأيدي بلفظ الجمع، ولم أر بعد في
رواية ولا أثر تصريحاً باليد الواحدة، ولو سُلِّم على الفرض، فقد أفاد شيخ
مشايخنا الكنگوهي - قدس سره - في ((الكوكب الدري))(٥): قوله: والأخذ
باليد، اللام فيه للجنس فلا تثبت الوحدة، والحق فيه أن مصافحته وَل# ثابتة
باليد(٦) واليدين، إلا أن المصافحة بيد واحدة لما كانت شعار أهل الإفرنج
وجب تركه لذلك، اهـ.
قلت: وهذا كما قالوا في التختم باليمين واليسار: كلاهما ثابت عن
(١) ((المعجم الكبير)) (٨٠٨٦) (٣٣٦/٨).
(٢) (١٣٣/٩ - ١٣٤).
(٣) الحنة: العداوة.
(٤) إحنَةٌ: حقد.
(٥) (٣٩٢/٣).
(٦) هذا لا ينافي ما قلته، فإني نفيت الرؤية عن نظري القاصر، اهـ، (ش)).
١٣٢

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
النبي 18 إلا أنه لما (١) صار شعاراً للروافض وجب الاحتراز عنه، فكيف
بالتشبه بالكفرة، لا يقال: إنه وقع التصريح بالمصافحة باليمين في بعض
الروايات، لأن ذلك ليس إلا لشرافة اليمين، ولأن الأصل في إلصاق الكفين
هما اليمينان، وليس ذكر اليمين للاحتراز عن اليسار.
ففي ((المشكاة)) عن ابن مسعود رفعه: ((ثلاثة يحبهم الله، رجلٌ قام من
الليل يتلو كتاب الله، ورجلٌ يتصدق بصدقة بيمينه يخفيها))، الحديث، أفترى
من تصدق بشماله كذلك لا يدخل فيمن يحبهم الله؟ وأخرج الإمام أحمد عن
أبي أمامة أن النبي ◌َّ قال: ((من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه، فقد أوجب الله
له بها النار)»، أَوَ يقول أحد: إن من اقتطع حق امرىء مسلم بغير اليمين لا
يدخل في النار؟ وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((ثلاثةٌ لا
يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)»، وفيه: ((ورجل
ساوم رجلاً بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أُعْطِيَ به كذا وكذا))، أَوَ يمكن
أن يقال من كذلك في غير هذا الوقت لا يدخل في الوعيد؟.
وقد أخرج الحاكم عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن الزبير
وعبد الله بن جعفر بايعا النبي صل﴾، وهما ابنا سبع، وأن رسول الله وَل لما
رآهما تبسَمَّ وبسط يده فبايعهما، أفترى أنه وُّ ه بايعهما باليد الواحدة مرة
واحدة؟ .
وفي ((المشكاة)) برواية الشيخين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ الت :
(يد الله ملآى))، الحديث، وفي رواية لمسلم)) ((يمين الله ملآى))، الحديث،
أفترى أن يده الأخرى تبارك وتعالى خالية؟ بل يداه مبسوطتان يُنفق كيف يشاء.
وفي (الدر)) عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ
(١) أبهمتُ ذلك قصداً لاختلافهم في شعارهم، كما في ((الشامي))، اهـ. ((ش)).
١٣٣

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
وَتَهَادَوا تَحَابُوا، وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ)).
ءَدَمَ﴾ الآية، أنه تعالى أخذ بيده قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في
النار، أفترى القبضتين في يد واحدة؟
وقد ورد في عدة روايات أنه أخذهما في اليدين، ولذلك نظائر لا تحصى
صريحة في أن أمثال هذه التخصيصات تكون لأدنى ملابسة، ولذا ترى أن
حديث عمرو بن العاص ذكره مسلم بلفظ: ((ابْسُطْ يمينَك فبسط يمينه))، وذكره
أبو عوانة في ((صحيحه)) بلفظ: ((ابسط يدك، فبسط يمينه))، وذكره أحمد بلفظ:
((فبسط يده إليّ)).
(وتهادوا) بفتح التاء والدال المخففة، أمر من التهادي، والهدية هي ما
يكرم به الرجلُ، بخلاف الصدقة، فإنها ما يتمحض به ثواب الآخرة فقط.
(تحابوا) بفتح التاء وضم الموحدة المشددة من التحابب، من باب
التفاعل على أنه مضارع مجزوم على جواب الأمر حذف منه إحدى التائين،
كذا في ((المرقاة)(١).
وفي ((الزرقاني))(٢): قال الحافظ تبعاً للحاكم: إن كان بالتشديد فمن
المحبة، وإن كان بالتخفيف فمن المحاباة، اهـ. من حَبَّاه كذا وكذا، إذا
أعطاه، والحباء العطية.
(وتذهب) بواو العطف، قال القاري: بالضبطين السابقين، لكنه لهُهنا
مجزوم بالعطف على ما قبله، وحرك بالكسر للالتقاء، اهـ. والمراد بالسابقين
ما تقدم من كلامه في قوله: ((تصافحوا يذهب الغلُّ)) (الشحناء) بشين معجمة
مفتوحة وحاء مهملة ساكنة ونون والمد، العداوة، لأن الهدية جالبة للرضاء
والمودة، فتذهب العداوة.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٣/٩).
(٢) (شرح الزرقاني) (٢٦٥/٤).
١٣٤

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٤) حديث
ولأحمد والترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((تهادوا، فإن الهدية تذهب
وَحْرَ الصدر)) أي غِلَّه وغِشَه، وللبيهقي عن أنس وابن عبد البر عن أم سلمة:
((تهادوا، فإن الهدية تذهب بالسخيمة)) يعني الغل، وعن معاوية بن الحكم،
قال: سمعتُ رسول الله وَل﴿ يقول: ((تهادوا فإنه يُضْعِفُ الودَّ ويُذْهِبُ بغوائل
الصدور)) أخرجه الدارقطني من طريق محمد بن عبد الرحمن بن بحر عن أبيه
عن مالك عن الزهري عن ابن سلمة عن معاوية به، وقال: تفرد به محمد عن
أبيه، ولم يكن بالرضى، ولا يصح عن مالك ولا عن الزهري.
قال الزرقاني: لكن له شاهد عند الطبراني في ((الكبير)) عن أم حكيم بنت
وداع الخزاعية مرفوعاً بلفظ: ((فإن الهدية تُضْعِفُ الحب))(١)، والباقي سواء،
وأخرج ابن عبد البر من طريق أبي مصعب عن مالك عن جعفر بن محمد عن
أبيه عن جده، قال: اجتمع علي وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فتماروا في
أشياء، فقال علي - رضي الله عنه -: انطلقوا بنا إلى رسول الله وَلل نسأله، فلما
وقفوا عليه، قالوا: يا رسول الله جئنا نسألك، قال: ((إن شئتم سلوني، وإن
شئتم أخبرتكم بما جئتم له))، الحديث بطوله، قال أبو عمر: حديث حسن،
لكنه منكر عن مالك عندهم، ولا يصح عنه، ولا له أصل في حديثه، اهـ.
قال الزرقاني: لعل مراده أن متنه حسن، وإن كان سنده المذكور لا يصحُّ
عن مالك، وإلا فالجمع بين حسن وبين منكر لا يصح تناف(٢)، أو مراده حسن
اللفظ، وهو بعيد، اهـ. قلت: صرح أبو عمر أن نكارته خاصة بكونه عن
مالك، إذ قال: لا يصح عنه ولا له أصل في حديثه، وهو لا ينافي كونه حسناً
بسند آخر.
(١) قال ابن عبد البر: وهذا مما تكاد تشهد به؛ لأن النفوس جُبلت عليه، ((الاستذكار))
(٢٦ /١٥٥).
(٢) كذا في الأصل، اهـ. (ش)).
١٣٥

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٥) حديث
١٦٢٥/ ١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((تُفْتَحُ أَبْوَابُ
الْجَنَّةِ
١٧/١٦٢٥ - (مالك عن سهيل) مصغراً (ابن أبي صالح عن أبيه) ذكوان
السمان (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَّر قال: يفتح) بالتذكير
في النسخ الهندية، وبالتأنيث في النسخ المصرية، وفي ((المشكاة)) برواية مسلم
بالتذكير، قال القاري(١): بالتذكير ويؤنث مخففاً مجهولاً، (أبواب الجنة).
قال الباجي(٢): يريد - والله أعلم - أنه يصفح في هذين اليومين عن
الذنوب العظيمة، ويثبت فيهما لكثير من الناس الدرجة الرفيعة، فتكون بمنزلة
فتح أبوابها، وقد يعبر بفتح الأبواب عن الإقبال على أمر والإنعام، فيقال: فتح
فلان باب طعامه، وباب عطائه، فلا يغلقه عن أحد، ويقال في مشاهدة حرب
العدو: قد فتحت أبواب الجنة، معناه - والله أعلم - وجدت أسباب دخولها
وغفران الذنوب المانعة منها .
وفي الحديث الآخر: ((تعرض أعمال العباد في هذين اليومين، فيغفر لكل
عبد»، الحديث، فاقتضى ذلك أن عرض أعمال المؤمن بما أراده الله من
الغفران له، فهو يعبر عنه بأن أبواب الجنة قد فتحت، ويحتمل أن يكون فتح
أبواب الجنة علامة على الغفران والإحسان في ذلك اليوم.
ويبين هذا التأويل قوله وَفيه: ((فيغفر لكل عبد مسلم)) يريد أن هذا الغفران
الذي يكون بمعنى فتح أبواب الجنة، ويكون فتح أبواب الجنة علامةً عليه تعُمُّ
كل مسلم إلا من كانت بينه وبين أخيه شحناء، تحذيراً من بقاء الشحناء وحضّا
على الإقلاع من ذلك، اهـ.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٤/٩).
(٢) ((المنتقى)) (١٢٧/٧).
١٣٦

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٥) حديث
يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِم لَا يُشْرِك بِاللَّهِ
شَيْئاً .
وقال الزرقاني(١): يحتمل حقيقة؛ لأن الجنة مغلوقة، وفتح أبوابها
ممكن، ويكون دليلاً على المغفرة، ويحتمل أن يكون كناية عن مغفرة الذنوب
العظيمة، وكتب الدرجات الرفيعة، قاله الباجي، وقال القرطبي: الفتح حقيقة،
ولا ضرورة تدعو إلى التأويل، ويكون فتحها تأهباً من الخزنة لمن يموت يومئذٍ
ممن غفر له، أو يكون علامة للملائكة على أنّ الله تعالى يغفر في ذينك
الیومین، اهـ.
وقال القاري(٢): يفتح أبواب طبقاتها أو غرفها ودرجاتها، وفي ((شرح
مسلم)): قال القاضي عياض: معنى فتح الأبواب كثرة الصفح والغفران، ورفع
المنازل، وإعطاء الثواب الجزيل، ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن فتح
أبوابها علامة لذلك، اهـ.
(يوم الاثنين ويوم الخميس) قال الزرقاني: فيه فضلهما على غيرهما من
الأيام، وكان النبي صل1 يصومهما، ويندب أمته إلى صيامهما، وقد روى أبو
داود(٣) وغيره عن أسامة قال: كان ◌َل يصوم يوم الاثنين والخميس، فسئل عن
ذلك، فقال: ((إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين والخميس)) (فيغفر) فيهما
ببناء المجهول (لكل عبد مسلم لا يشرك بالله) صفتان لقوله: عبد (شيئاً) قال
القاري: أي شيئاً من الإشراك أو من الأشياء أو شيئاً من شرك جليّ أو خفيّ،
وفي رواية: لكل عبد مؤمن، ولعل المراد به عبد كامل، اهـ.
وقال الزرقاني(٤): أي ذنوبه الصغائر بغير وسيلة طاعة، قال القرطبي:
(١) (٣٦٦/٤).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٤/٩).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٢٤٣٦).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٦/٤).
١٣٧

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٥) حديث
إِلَّا رَجُلاً
لحديث ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمة ورمضان إلى رمضان مكفرات
ما بينهما ما اجتنبت الكبائر))، اهـ. قلت: المغفرة تختص الصغائر أو تعم
الكبائر أيضاً، تقدم الكلام عليه مختصراً في أبواب الوضوء، وبشيء من
التفصيل في أبواب الحج.
والأوجه عندي أن لا يشدد في ذلك، بل يبقى مجملاً تحت المشيئة،
وقد قال عز اسمه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَاءٍ﴾(١)، وفي ((المشكاة)) برواية ((الصحيحين)) عن ابن عمر مرفوعاً: ((إن الله
تعالى يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف
ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد
هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها اليوم))، الحديث.
وفي ((جمع الفوائد)) برواية مسلم والترمذي عن أبي ذر مرفوعاً في رجل
((يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها،
فيعرض عليه صغارها))، الحديث، وفيه: ((فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة
حسنة، فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها لهُهنا؟ قال: فلقد رأيت
رسول الله ﴾﴾ ضحك حتى بدت نواجذه)).
وفي ((الدر المنثور)) برواية ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة
مرفوعاً: ((ليأتين ناس يوم القيامة وَدُّوا أنهم استكثروا من السيئات))، قيل: ومن
هم يا رسول الله؟ قال: ((الذين بدّل الله سيئاتهم حسنات))، وغير ذلك من
الروايات، وحديث البطاقة مشهور في ذلك، فأي فاقة إلى التضييق في ذلك
والتشديد، ويترك على المشيئة يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
(إلا رجلاً) بالنصب في النسخ المصرية وبالرفع في النسخ الهندية، قال
(١) سورة النساء: الآية ٤٨.
١٣٨

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٥) حديث
كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هُذَيْنِ
الزرقاني(١): بالنصب لأنه استثناء من كلام موجب، وهو الرواية الصحيحة،
وروي بالرفع، قاله التوريشتي.
وفي ((المشكاة)) برواية مسلم بلفظ ((رجل))، وكذا في ((الأدب المفرد))
للبخاري، قال القاري(٢): بالرفع في جميع نسخ ((المشكاة)) أي إلا ذنب رجل،
فالمضاف مقدر، وإلا فالظاهر النصب، كذا قال السيد جمال الدين، وفيه أن
تقدير المضاف لا يجوز كونه رفعاً، نعم لو روي بالجر لكان له وجه بأن حذف
المضاف المنصوب، وأبقي المضاف إليه مجروراً على حاله، قال الطيبي:
والظاهر فيه النصب، ويمكن أن يقال: إن الكلام محمول على المعنى، أي لا
يبقى ذنب أحد إلا ذنب رجل، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيل﴾ أي
فلم يطيعوه إلا قليل، قال القاري: قراءة الرفع شاذة، والمتواترة بالنصب،
وقيل: وجه رفعه أنه صفة لكل عبد، فإن محله الرفع، وإلا بمعنى غير أي غير
رجل، اهـ.
(كانت) كذا في جميع النسخ، وكذا في ((المشكاة)). قال القاري: وفي
نسخة ((كان)) (بينه وبين أخيه شحناء) بفتح المعجمة والمد أي عداوة تملأ
القلب (فيقال: أنظروا) بفتح الهمزة بصيغة الأمر من الإنظار، قال البيضاوي:
يقول الله تبارك وتعالى للملائكة النازلة بهدايا المغفرة: أخروا وأمهلوا (هذين)،
قال الزرقاني: أتى باسم الإشارة بدل الضمير لمزيد التنفير والتعبير، يعني لا
تعطوا منها أنصباء رجلين بينهما عداوة، وقال القاري: أي أخروا مغفرتهما
مطلقاً زجراً لهما، أو من ذنب الهجران فقط وهو الأظهر، اهـ. وقال
الباجي(٣): أي أخّروا الغفران لهما.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٦/٤).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٤/٩).
(٣) ((المنتقى)) (٢١٧/٧).
١٣٩

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٤) باب
(١٦٢٦) حديث
حَتَّى يَصْطَلِحَا. أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)).
أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ١١ - باب النهي عن
الشحناء والتهاجر، حديث ٣٤.
١٨/١٦٢٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُسْلِم بْنِ أَبِي مَرْيَمَ
عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ:
(حتى يصطلحا) أي يتصالحا ولو بمراسلة عند البعد (أنظروا هذين حتى
يصطلحا) كذا بالتكرار في نسخ ((الموطأ)»، ولم يكرر في ((المشكاة)).
قال الزرقاني(١): كرر للتأكيد، وقال القرطبي: المقصود من الحديث
التحذير من الإصرار على العداوة، قال ابن رسلان: الأظهر أنه لو صالح
أحدهما الآخر فلم يقبل، غفر للمصالح، قال القاري: أي حتى يتصالحا
ويزول عنهما الشحناء، فلا يفيد التصالح للسمعة والرياء، والظاهر أن مغفرة
كل واحد متوقفة على صفائه وزوال عداوته، سواء صفا صاحبه أم لا، اهـ.
وتقدم مفصلاً أن الهجرة لله ليست بداخلة في ذلك.
قال الزرقاني: الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من
طريق مالك وغيره، ولم يخرجه البخاري، ووهم من عزاه له، اهـ. قلت:
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد»، فلعل من عزاه إليه سقط عنه لفظ في
«الأدب)».
١٨/١٦٢٦ - (مالك عن مسلم بن أبي مريم) يسار المدني (عن أبي
صالح) ذكوان (السمّان) بشد الميم بائع السمن (عن أبي هريرة أنه قال) قال ابن
عبد البر: هكذا وقفه يحيى وجمهور الرواة، ومثله لا يقال بالرأي، فهو توقيف
بلا شك، وقد رواه ابن وهب عن مالك، وهو أجلُّ أصحابه، فصرح برفعه،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٦/٤).
١٤٠