النص المفهرس

صفحات 61-80

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١١) حديث
٣/١٦١١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طَالِبٍ؛
قال صاحب ((المحلى)): استثناء منقطع، أي ما عاقب أحداً لخاصة نفسه، بل
لحقّ الله تعالى امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُم بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللّهِ﴾(١)، اهـ.
ولفظ ((الشمائل)) من حديث هشام عن عروة: ((ما لم ينتهك من محارم الله
شيء، فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء، كان من أشدهم في ذلك غضباً)).
قال الباجي(٢): يريد - والله أعلم - أن يؤذى أذى فيه غضاضة على
الدين، فإن في ذلك انتهاكا لحرمات الله تعالى، فينتقم الله بذلك إعظاماً لحق الله
تعالى، وقد قال بعض العلماء: إنه لا يجوز أن يؤذى النبي وقَ ﴾ بمباح ولا
غيره، وأما غيره من الناس فيجوز أن يؤذى بمباح، وليس له المنع، ولا يأثم
صاحبه، وإن وصل بذلك أذى إلى غيره، ولذلك قال النبي وسلّم إذا أراد عليّ
- رضي الله عنه - أن يتزوج ابنة أبي جهل: ((إنما فاطمة بضعة مني))، الحديث،
فجعل حكمها في ذلك حكمه أنه لا يجوز أن يؤذى النبي ◌َّ بمباح.
واحتجّ على ذلك بقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِ
وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا
٥٧
الُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا
اكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِثْمَا قُبِينًا ﴾﴾(٣)، فشرط في المؤمنين أن يؤذوا
بغير ما اكتسبوا، وأطلق الأذى في خاصة النبي ◌ٍّ﴾ من غير شرط، فحمل على
إطلاقه، اهـ.
٣/١٦١١ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن) زين العابدين (علي بن)
الإمام (حسين بن) أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) كرّم الله وجهه، قال
(١) سورة النور: الآية ٢.
(٢) ((المنتقى)) (٢١٠/٧). ((شرح الزرقاني)) (٢٥٢/٤).
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٥٧، ٥٨.
٦١

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١١) حديث
الزرقاني: مرسلاً عند جماعة رواة ((الموطأ)) فيما علمت إلا خالد بن
عبد الرحمن الخراساني، فقال: عن مالك عن ابن شهاب عن علي بن الحسين
عن أبيه، وخالد ضعيف، ليس بحجة فيما خولف فيه، ولابن شهاب فيه
إسنادان أحدهما مرسل كما قال مالك، والآخر عن أبي سلمة عن أبي هريرة،
وهما من رواية الثقات، قاله في ((التمهيد))(١).
وقال السيوطي: وصله الدارقطني من طريق خالد الخراساني وموسى بن
داود الضبي كلاهما عن مالك عن الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه، قال
ابن عبد البر: خالد وموسى لا بأس بهما، اهـ.
قال الزرقاني(٢): ولم أجده في ((التمهيد))، إنما فيه ما ذكرته، فلعل
نسخه اختلفت، اهـ. والظاهر عندي أنه وقع الغلط في نسخة ((التنوير)) التي
بأيدي العلامة الزرقاني، ومن ذلك الذي وقع التعارض عنده في كلام
((التمهيد)) .
والنسخة التي بأيدي من ((التنوير)) (٣) هكذا نصه: وصله الدارقطني من
طريق خالد بن عبد الرحمن الخراساني عن مالك عن الزهري عن علي بن
حسين عن أبيه، ومن طريق موسى بن داود الضبي عن مالك كذلك، قال ابن
عبد البر: وخالد وموسى لا بأس بهما، اهـ.
فالظاهر عندي أن قوله: كذلك قال ابن عبد البر متعلق بما سبق، وقوله:
خالد وموسى لا بأس بهما من كلام السيوطي، لا ابن عبد البر، وعلى هذا فلا
تعارض في كلامي ابن عبد البر، ثم قال العلامة الزرقاني: والحديث حسن،
(١) (١٩٩/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٣/٤).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٥١).
٦٢

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١١) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ قَالَ: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ)).
بل صحيح، أخرجه أحمد وأبو يعلى والترمذي(١) وابن ماجه (٢) من حديث
الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وأخرجه أحمد والطبراني في ((الكبير))
عن الحسن بن علي، والحاكم في ((الكنى)) عن أبي ذر، والعسكري والحاكم
في ((تاريخه)) عن علي - رضي الله عنه -، والطبراني في ((الصغير)) عن زيد بن
ثابت، وابن عساكر عن الحارث بن هشام، اهـ.
(أن رسول الله وَّ قال) ولفظ محمد في ((موطئه))(٣): مالك عن ابن
شهاب عن علي بن حسين يرفعه إلى النبي وَّر قال: ((من حسن إسلام المرء
تركه ما لا يعنيه))، قال محمد: هكذا ينبغي للمرء المسلم أن يكون تاركاً لما لا
يعنيه (من حسن إسلام المرء) قال الطيبي: ((من)) تبعيضة، ويجوز أنها بيانية،
وآثر التعبير بالإسلام على الإيمان؛ لأنه الأعمال الظاهرة، والفعل والترك إنما
يتعاقبان عليهما، وزاد ((حسن)) إيماءً إلى أنه لا تتميز صورة الأعمال فعلاً
وتركاً، إلا إن اتصف بالحسن بأن توفرت شروط مكملاتها فضلاً عن
المصححات. وجعل ترك ما لا يعني من الحسن مبالغة، قاله الزرقاني(٤).
(تركه ما لا يعنيه) بفتح أوله من عناه كذا إذا تعلقت عنايته به، وكان من
قصده يعني ترك الفضول كله على اختلاف أنواعه.
قال ابن العربي: لأن المرء لا يقدر أن يشتغل باللازم، فكيف يتعداه إلى
الفاضل، قال الزرقاني: وفي إفهامه أن من قبح إسلام المرء أخذه ما لا يعنيه؛
لأنه ضياع للوقت النفيس الذي لا يمكن تعويضه، فإن الذي يعنيه الإيمان
(١) ((سنن الترمذي)) (٢٣١٧).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٣٩٧٦).
(٣) («موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٨٣/٣).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٣/٤).
٦٣

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١١) حديث
والإسلام والعمل الصالح، وما تعلق بضرورة حياته في معاشه من شبع وري
وستر عورة وعفة فرج ونحو ذلك، مما يدفع الضرورة دون مزيد النعم، وبهذا
يسلم من جميع الآفات دنيا وأخرى، قال بعضهم: ومما لا يعني تعلم ما لا
يهم به من العلوم وترك الأهم منه، كمن ترك تعلم العلم الذي فيه صلاح
نفسه، واشتغل بتعلم ما يصلح به غيره، كعلم الجدل. ويقول في اعتذاره: نيتي
نفع الناس، ولو كان صادقاً لبدأ باشتغاله بما يصلح به نفسه وقلبه من إخراج
الصفات المذمومة من نحو حسد ورياء وكبر وعجب وتراؤس على الأقران
وتطاول عليهم ونحوها من المهلكات.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة
الجليلة في الألفاظ القليلة، وهو مما لم يقله أحد قبله ويتر، لكن روي معناه
عن صحف إبراهيم عليه السلام مرفوعاً، ثم أخرج بسنده عن أبي ذر: قلت: يا
رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: ((كانت أمثالاً كلها))، الحديث،
وفيه: ((وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه،
ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه)).
وقيل للقمان الحكيم: ما الذي بلغ بك ما نرى - أي الفضل -؟ قال:
قدر الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني.
وروى أبو عبيدة عن الحسن من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل
شغله فيما لا يعنيه، وقال أبو داود: وأصول السنن من كل فن أربعة أحاديث،
هذا، وحديث ((الأعمال بالنيات))، و((الحلال بَيِّن))، و((ازهد في الدنيا)). وقال
الباجي(١): قال حمزة الكناني: هذا الحديث ثلث الإسلام. والثاني: ((الأعمال
بالنيات)). والثالث: ((الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن)). وقال غيره: هو نصف الإسلام
وقيل: كله، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٣١٣/٧).
٠٠٠
٦٤

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١١) حديث
وحكى صاحب ((الإكمال)) وغيره عن الإمام أبي داود: إني كتبت عن
رسول الله صل* خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنه هذا الكتاب أي
((السنن)) له، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ويكفي الإنسان
لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها: قوله وَل﴾: ((إنما الأعمال بالنيات))،
والثاني: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، والثالث: ((لا يكون المؤمن
مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه))، والرابع: ((الحلال بَيِّنٌ والحرام
بَيِّنٌ))، الحديث.
قال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في ((البستان))(١): هو
كذلك، فإن الأول يكفي لتصحيح العبادات، والثاني لمحافظة الأوقات،
والثالث لمعرفة الحقوق، والرابع لرفع الشك والتردد من اختلاف العلماء
وغيره.
قلت: وقد سبق الإمام أبا داود في ذلك الإمامُ أبو حنيفة - رضي الله
عنه -، ففي ((جامع أصول الأولياء)): قال أبو حنيفة لابنه حماد: يا بُنَيَّ
أرشدك الله تعالى وأيدك. أوصيك بوصايا إن حفظتها وحافظتَ عليها، رجوتُ
لك السعادةَ في دينك إن شاء الله.
أولها: مراعاة التقوى بحفظ جوارحك من المعاصي خوفاً من الله تعالى.
الثاني: لا تستقر على جهل ما تحتاج إلى علمه.
الثالث: أن لا تعيش إلا مع من تحتاج إليه في دينك أو دنياك.
الرابع: أن تنتصف من نفسك، ولا تنتصف لها إلا لضرورة.
والخامس: أن لا تعادي مسلماً أو ذمياً.
(١) ((بستان المحدثين)) (ص١١٩).
٦٥

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٢) حديث
٤/١٦١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ
والسادس: أن تقنع من الله بما رزقك من مال وجاه، إلى أن قال: التاسع
عشر: أن تعتمد خمسة أحاديث، انتخبتها من خمسمائة ألف حديث، فذكر
الثلاثة المذكورة في كلام أبي داود قال: والرابع: الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّن،
وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات استبرأ
لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كراعٍ يرعى حول
الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله
محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا
فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.
والخامس: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))(١)، والعشرون
أي من الوصايا: أن تكون بين الخوف والرجاء في حال صحتك، وتموت
بحسن الظن مع الله تعالى وغلبة الرجاء بقلب سليم، أن الله غفور رحيم، اهـ،
ولعل الإمام أبا داود لم يعد الخامس لاندماجه في الثالث، وعَدَّه الإمام أبو
حنيفة برأسه لشدة الاهتمام به.
٤/١٦١٢ - (مالك أنه بلغه) قال ابن عبد البر في التجريد(٢): هذا
الحديث عند طائفة من رواة ((الموطأ))، عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه
عن عائشة، ولم يذكر يحيى وجماعة معه في هذا الحديث يحيى بن سعيد، وقد
روي عن عائشة من وجوه صحاح من حديث عبد الله بن دينار عن عروة عن
عائشة، ومن حديث مجاهد عن عائشة ومن حديث ابن المنكدر عن عروة عن
عائشة، وهو حديث مجتمع على صحته، وأصح أسانيده رواية ابن عيينة عن
ابن المنكدر عن عروة عن عائشة، اهـ. وعزا الزرقاني هذا الطريق إلى الشيخين
وأبي داود والترمذي.
(١) أخرجه البخاري ح (١٠)، وأبو داود (٢٤٨١)، والنسائي (٥٠١١).
(٢) (ص٢٤٧).
٦٦

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٢) حديث
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ
(عن عائشة) أم المؤمنين (زوج النبي ◌َيّ أنها قالت: استأذن رجل) قال
الحافظ في ((الفتح))(١): قال ابن بطال: هو عيينة بن حصن الفزاري، وكان يقال
له: الأحمق المطاع، ورجا النبي ◌َل﴿ بإقباله عليه تألفه ليسلم قومه؛ لأنه كان
رئيسهم، وكذا فَسَّرَه به عياض ثم القرطبي والنووي جازمين به، ونقله ابن التين
عن الداودي احتمالاً لا جزماً، وقد أخرجه عبد الغني بن سعيد في ((المبهمات))
من طريق ابن عبد الحكم عن مالك أنه بلغه عن عائشة: استأذن عيينة بن حصن
على النبي وَّة فقال: ((بئس ابن العشيرة))، الحديث.
وأخرجه ابن بشكوال في ((المبهمات)) من طريق يحيى بن أبي كثير أن
عيينة استأذن، فذكره مرسلاً، وأخرج عبد الغني أيضاً من طريق أبي يزيد
المدني عن عائشة، قالت: جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع النبي (وَل
صوته، قال: ((بئس أخو العشيرة))، الحديث، وهكذا وقع لنا من ((فوائد أبي
إسحاق الهاشمي))، وأخرجه الخطيب، فيحمل على التعدد، وقد حكى المنذري
في ((مختصره)) القولين، فقال: هو عيينة، وقيل: مخرمة، واقتصر ابن الملقن
على أنه مخرمة، وذكر أنه نقله من حاشيته بخط الدمياطي، ولكنه حكى بعد
ذلك عن ابن التين أنه جَوَّزَ أنه عيينة، قال: وصرح به ابنُ بطال، اهـ
وفي ((المنتقى))(٢): قال ابن حبيب: هو عيينة بن حصن الفزاري، كان
يقال له: الأحمق المطاع، اهـ. وقال الزرقاني: حكى المنذري القولين، فقال:
هو عيينة، وقيل: مخرمة، وهو الراجح، وتُعقِّبَ بأن حديث تسميته عيينة
صحيح، وإن كان مرسلاً، وخبر تسميته مخرمة فيه راويان ضعيفان، ولذا قال
الخطيب وعياض وغيرهما: الصحيح أنه عيينة، قالوا: ويبعد أن يقول ول# في
حق مخرمة ما قال؛ لأنه كان من خيار الصحابة، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٤٥٣/١٠).
(٢) (٣١٣/٧).
٦٧

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٢) حديث
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّ هِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَنَا مَعَهُ فِي الْبَيْتِ.
قلت: ما حكى العلامة الزرقاني في قول المنذري لفظ ((وهو الراجح)»
ليس هو في كلام الحافظ، بل ما حكيا من قوله يشير ترجيح عيينة إذ ذكره
بالجزم، والثاني بلفظ قيل، نعم، ذكر الحافظ في ((باب المداراة)) (١) أن
البخاري رمز بذكر حديث مخرمة بعد حديث الباب، بأنه هو المبهم فيه، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال عياض: هو عيينة بن حصن، ولم يكن أسلم حينئذٍ،
وإن كان قد أظهر الإسلام، وكان منه في حياته وَ له وبعده ما دل على ضعف
إيمانه، وارتدّ مع المرتدين، وجيء به إلى أبي بكر أسيراً، وقوله وَلّ ذلك من
أعلام النبوة؛ لأنه ظهر كما وصف، قال الحافظ(٢): إنه ارتدّ في زمن
الصديق، وحارب، ثم رجع، وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر
- رضي الله عنه -، اهـ.
وقال المناوي في ((شرح الشمائل))(٣): هو عيينة بن حصن الفزاري الذي
يقال له: الأحمق المطاع، وجاء في رواية أنه مخرمة، فإن كانت الواقعة
تعددت، فظاهر، وإلا فالذي عليه المعوّل هو الأول لصحة روايته، وأما خبر
تسميته بمخرمة، ففيه أبو يزيد المدني، وفيه كلام، وأبو عامر صالح بن رستم
الجَزَّار، ضَعَّفَه ابنُ معين وغيره، اهـ، ويرجح كونه عيينة في رواية ((الموطأ)) أنه
هو المسمى في بلاغ مالك - رضي الله عنه -.
(على رسول الله وَ لقر قالت عائشة) - رضي الله عنها -: (وأنا معه) وَّ (في
البيت) قبل نزول الحجاب.
قال الحافظ (٤): والحديث الذي فيه ((إنه أحمق مطاع)) أخرجه سعيد بن
(١) «فتح الباري)) (٥٢٨/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٥٥/١٠).
(٣) (١٥٩/٢).
(٤) ((فتح الباري)) (٤٥٥/١٠).
٦٨

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٢) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: (بِتْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ)) ثُمَّ أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ .
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ سَمِعْتُ ضَحِكَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ مَعَهُ.
فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ فِيهِ مَا قُلْتَ. ثُمَّ لَمْ
منصور عن إبراهيم النخعي، قال: جاء عيينة بن حصن إلى النبي ◌َّ وعنده
عائشة، فقال: من هذه؟ قال: ((أم المؤمنين))، قال: ألا أنزل لك عن أجمل
منها، فغضبت عائشة، وقالت: من هذا؟ قال: ((أحمق مطاع)، اهـ. وذكره
الزرقاني بلفظ: قال: ألا أنزل لك عن أم البنين، فغضبت عائشة.
(فقال رسول الله رَة) له: (بئس ابن العشيرة) هكذا في جميع نسخ
(الموطأ))، وفي البخاري من طريق روح عن ابن المنكدر: ((بئس أخو العشيرة،
وبئس ابن العشيرة)) بلفظ الواو، وفي أخرى بلفظ ((أو)) بينهما .
قال عياض: المراد بالعشيرة الجماعة أو القبيلة، وقال غيره: العشيرة
الأدنى من الرجل من أهله، وهم ولد أبيه وجده، كذا في ((الفتح)).
قال الباجي: يريد عشيرته، وتصف العرب الرجل بأنه ابن العشيرة بمعنى
أنه ابن منها، اهـ. قال القاري: فإضافة الابن أو الأخ إليها كإضافة الأخ
للعرب في يا أخا العرب، اهـ.
(ثم أذن له رسول الله وَ له) وفي لفظ للبخاري، قال: ائذنوا له (قالت
عائشة) رضي الله عنها: (فلم أنشب) بفتح الهمزة والشين المعجمة أي لم أمكث
(أن سمعت ضحك) بفتح أوله وكسر ثانيه على ما أعرب في النسخ المصرية،
وفي ((الصراح)): بكسرتين، وسكون الثاني، وبفتح أوله وكسر ثانيه وسكونه
أربع لغات، اهـ. بإضافة المصدر إلى فاعله (رسول الله وَلخير معه) وفي رواية
للبخاري: ((فلما جلس تَطَلَّق النبيِ وَ له في وجهه، وانبسط إليه)).
(فلما خرج الرجل) المذكور (قلت) بصيغة المتكلم أي متعجبة ومستفهمة:
(يا رسول الله) حين دخل ذلك (قلت فيه ما قلت) بفتح التاء فيهما خطاباً (ثم لم
٦٩

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٢) حديث
تَنْشَبْ أَنْ ضَحِكْتَ مَعَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ
مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ)).
أخرجاه في الصحيحين من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر، عن
عروة، عن عائشة.
فأخرجه البخاريّ في: ٧٨ - كتاب الأدب، ٤٨ - باب ما يجوز من اغتياب
أهل الفساد والريب. ومسلم في: ٤٥ - كتاب الأدب، ٢٢ - باب مداراة من يتقى
فحشه، حدیث ٧٣.
تنشب) أي لم تمكث بصيغة الخطاب (أن ضحكت) بصيغة الخطاب (معه)،
وفي رواية البخاري: ((فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله حين رأيتَ
الرجل، قلتَ له كذا وكذا، ثم تَطَلَّقْتَ في وجهه، وانبسطْتَ إليه)) (فقال
رسول الله ( 18) زاد الشيخان: ((يا عائشة متى عهدتني فحاشاً)).
(إن من) بكسر الميم (شر الناس من) بفتح الميم (اتقاه الناس لشره) قال
صاحب ((المحلى)): يعني إنما لم أواجهه بالمكروه؛ لأنها توجب نفرته عني،
وتركه إيايَ لخوف فحشي، وشرُّ الناس من تركه الناس لخوف فحشه، ويحتمل
أن يكون بياناً لفحش الرجل، وأنه من شر الناس، وإنما لم يواجهه بالمكروه،
وتركه على حاله لاتقاء شره وخوف فحشه، ويؤيد هذا المعنى لفظ أبي داود:
((إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم)) (١)، اهـ.
قلت: ويؤيد المعنى الأول لفظ الشيخين: ((يا عائشة متى عهدتني
فحاشاً، إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره))،
لكن الحافظ حمله أيضاً على فحشه إذ قال: قوله: اتقاء شره، أي قبحَ كلامِه؛
لأن المذكور كان من جُفَاة العرب، اهـ.
لكن ظاهر السياق يؤيد المعنى الأول، وردّه القاري في ((شرح
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٩٣).
٧٠

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٢) حديث
الشمائل))(١) إذ قال: أخطأ الحنفي في هذا المقام، وزلت قدم قلمه في بيان
المرام، حيث قال: المعنى إنما ألنتَ له القول؛ لأني لو قلتَ له في حضوره ما
قلته في غيبته لتركني اتقاء فحشي، فأكون من أشر الناس، اهـ. ولم يتفرد
الحنفي بذلك، بل شرح به غيره أيضاً، كما حكاه المناوي(٢) عن العلائي
وغيره، إذ قال: إن إلخ إشارة إلى المقول فيه أنه بئس أخو العشيرة، ويكون
هذا كالتعليل.
وبيان وجه الحكمة لما أنكرته عائشة - رضي الله عنها - من إلانة القول،
قال العلائي وغيره: ويحتمل أنه علل به مداراته لعموم الناس هذا وغيره، وأنه
ليس فحاشاً، بل شأنه إكرام الناس وإحسان العشرة، اهـ.
قلت: ويؤيد ما تقدم عن البخاري: ((يا عائشة متى عهدتني فحاشاً))
وأوضح منه لفظ أبي داود: فلما خرج قلت: يا رسول الله، لما دخل قلت
كذا، فلما دخل انبسطت إليه، فقال رسول الله وَله: ((إن الله لا يحب الفاحش
المتفحش))(٣).
وذكر شيخ مشايخنا الگنگوهي، قدس سره في ((الكوكب))(٤) الاحتمالين
معاً إذ قال: من هذه تصلح للإطلاق على النبي ريَّ، فالمعنى أني لم أفحش
لئلا ينفضّ الناس من حولي، وتصلح للإطلاق على الذي جاءه ريل18 بأني لم
أترك ما كان له إلا لاتقائي بالمداراة عن فحشه، اهـ.
قال المناوي(٥): والحاصل أن إلانة القول له بعدما قال: إنما هو ليجذب
(١) (٣٦١/٢).
(٢) (١٩٠/٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٧٩٢).
(٤) ((الكوكب الدري)) (٦٥/٣).
(٥) (شرح الشمائل)) (١٦٠/٢).
٧١

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٢) حديث
أهله إلى الإسلام، فهو من السياسة الدينية، وليس هو من قبيل ما يظهر
الشخص خلاف ما يبطن، وهو لم يمدحه بعد ذلك حتى يكون مناقضاً؛ لقوله
الأول، وإنما بذل له حسن عشرته وطلاقة وجهه تطييباً لخاطره واتقاءً لِشَرِّ منعه
قومه من الدخول في الإسلام، ولا خلاف في جوازه، بل حسنه بل ندبه، وإنما
الممنوع المداهنة كما تقرر.
وقد كمل الله عز وجل هذا النبي ◌ّل﴾ في كل شيء، فأعطاه من ملكة
التألف ما لم يعط سواه، فكان يتألفهم ببذل الأموال العظيمة، فضلاً عن طلاقة
الوجه، كل ذلك شفقة على الخلق وتكثيراً للأمة، كيف لا وهو نبي
الرحمة، اهـ.
وقال أيضاً في موضع آخر(١): إن اتقاء الشر جائز، قال الغزالي: لكن
هذا ورد في الإقبال عليه والتبسم، فأما الثناء، فهو كذب صريح فلا يجوز
الثناء، ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التصديق على كلام باطل،
فإن فعل ذلك فهو منافق، اهـ.
قال الخطابي: جمع هذا الحديث علماً وأدباً، وليس في قوله بَّ في
أمته بالأمور التي يسميهم بها أو يضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون
ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه أن يبين ذلك، ويُعَرِّفَ الناس
أمره، فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة، ولكنه لما جبل عليه من
الكرم، وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة، ولم يجبه بالمكروه لتقتدي
به أمته في اتقاء شَرِّ مَنْ هذا سبيله.
قال الحافظ(٢): وظاهر كلامه أن يكون هذا من جملة خصائصه
(١) (١٥٢/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٥٤/١٠).
٧٢

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٢) حديث
وليس كذلك، بل كل من اطّلع من حال شخص على شيء، وخشي أن غيره
يغترُّ بجميل ظاهره، فيقع في محذور، فعليه أن يُطْلِعَه على ما يحذر من ذلك
قاصداً نصيحته، وإنما الذي يمكن أن يختصّ به النبي و # أن يكشف له عن
حال من يغترّ بشخص من غير أن يطلعه المغترّ على حاله، فيذم الشخص
بحضرته ليتجنبه المغتر.
بخلاف غير النبي وَلـ، فإن جواز ذمه للشخص يتوقف على تحقق الأمر
بالقول أو الفعل، وقال القرطبي: في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو
الفحش أو نحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة مع جواز
مداراتهم اتقاء شرهم، ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله.
ثم قال تبعاً لعياض: والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل
الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو لهما معاً، وهي مباحة، وربما استحبت.
والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبي ◌َّير إنما بذل له من دنياه حسن
عشرته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه
قول حق، وفعله معه حسن عشرته، فيزول من هذا التقرير الإشكال بحمد الله
تعالی، اهـ.
وقال عياض: لم يكن عيينة - والله أعلم - حينئذٍ فلم يكن القول فيه غيبة،
أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصحاً، فأراد النبي وَل﴿ أن يبين ذلك لئلا يغترَّ
به من لم يعرف باطنه. وقد كانت منه في حياة النبي وح لول وبعده أمور تدل على
ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به النبي وَ لّ من جملة علامات النبوة.
وقال القرطبي: في هذا الحديث إشارة إلى أن عيينة المذكور ختم له
بسوء؛ لأن النبي ◌َ ﴿ اتقى فحشه وشره، وأخبر أن من يكون كذلك يكون شر
الناس منزلةً عند الله يوم القيامة. قال الحافظ: ولا يخفى ضعف هذا
الاستدلال، فإن الحديث ورد بلفظ العموم، فمن اتصف بالصفة المذكورة فهو
٧٣

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٢) حديث
الذي يتوجه عليه الوعيد، وشرط ذلك أن يموت على ذلك، ومن أين له أن
عيينة مات على ذلك. واللفظ المذكور يحتمل لأن يقيد بتلك الحالة التي قيل
فيها ذلك، وما المانع أن يكون تاب وأناب، وقد كان عيينة ارتدَّ في زمن أبي
بكر، وحارب، ثم رجع وأسلم، وحضر في بعض الفتوح في عهد عمر
- رضي الله عنه -، اهـ.
وذكره الحافظ في القسم الأول من ((الإصابة)) (١) وقال: أسلم قبل الفتح
وشهدها وشهد حنيناً والطائف، وبعثه النبي صَلّ لبني تميم، فسبى بعض بني
العنبر، ثم كان ممن ارتدَّ في عهد أبي بكر، ومال إلى طليحة، فبايعه، ثم عاد
إلى الإسلام، وكان فيه جفاء، ثم ذكر من جفائه بعده گل﴾.
وقال في آخره: رأيت في كتاب ((الأم)) للشافعي في باب من كتاب
الركاز أن عمر - رضي الله عنه - قتل عيينة على الردة، ولم أر من ذكر
ذلك غيره، فإن كان محفوظاً فلا يذكر في الصحابة، لكن يحتمل أن
يكون أمر بقتله، فبادر إلى الإسلام، فترك، فعاش إلى خلافة عثمان
- رضي الله عنه -.
وقال أيضاً في القسم الأول(٢) من الطاء، في ترجمة طليحة بن خويلد
الأسدي: إنه ارتدّ بعده وَ ل﴿ وادعى النبوة، قال: ثم أسلم إسلاماً صحيحاً،
ووقع في ((الأم)) للشافعي في ((باب قتل المرتد)) قبيل (باب الجنائز)) أن عمر
- رضي الله عنه - قتل طليحة وعيينة بن بدر، وراجعت في ذلك القاضي جلال
الدين البلقيني، فاستَغْرَبَه جداً، ولعله قبل - بالباء الموحدة - أي قبل منهما
الإسلام، اهـ.
(١) (٥٥/٥).
(٢) (٢٩٤/٥).
٧٤

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٣) حديث
٥/١٦١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ
مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَحْبَيْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا
مَا لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ، فَانْظُرُوا مَاذَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ.
٥/١٦١٣ - (مالك عن عمه أبي سهيل) مصغراً اسمه نافع (بن مالك عن
أبيه) مالك بن عامر (عن كعب) بن ماتع المعروف بكعب (الأحبار) جمع حبر
(أنه قال) موقوفاً، ويحتمل أن يكون من الكتب القديمة؛ لأنه حِبْرُها، وقد رواه
ابن عساكر بسند ضعيف عن عليّ عن النبي وَ ل9، قاله الزرقاني(١).
وذكره السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٢) وقال ابن عساكر: عن علي،
ومالك: عن كعب موقوفاً، ورقم عليه بالضعف، وقال العزيزي في ((شرحه)):
رواه ابن عساكر في ((تاريخه))، وقال الشيخ: حسن لغيره، اهـ.
(إذا أحببتم) بالموحدتين أي أردتم (أن تعلموا ما) موصولة أو استفهامية
(للعبد عند ربه) من منزلة خير أو شر (فانظروا) أي تأملوا (ماذا يتبعه) أي يلحقه
من الذي يجري على ألسنة الناس في حياته أو بعد موته (من حسن الثناء) بفتح
المثلثة والمد أي الوصف بمدح أو به وبذم.
قال الباجي(٣): قوله: ((ما للعبد عند ربه)) أراد به من الغفران أو العقاب
أو الرضا عنه أو السخط عليه، فانظروا ما يتبعه، قال ابن المزين: يريد في
الحياة وفيما بعد الموت، وقاله محمد بن عيسى الأعشى، يريد ما يجري على
ألسنة الناس من ذكره، فإن ألقى الله تعالى على ألسنتهم الثناء الجميل فذلك
دليل على صلاح ما يصير إليه، وإن ألقى على ألسنتهم الذكر القبيح، فذلك
دليل على شديد ما يصير إليه، وإنما يريد به الذكر الشائع عند جمهور الناس،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٥/٤).
(٢) ((الجامع الصغير مع فيض القدير)) (٢٤٨/١).
(٣) ((المنتقى)) (٢١٢/٧).
٧٥

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٣) حديث
وأهل الدين والخير، وأما ما ينفرد به الواحد وأهل الضلال والفسق فلا اعتبار
به، لأنه قد يكون للإنسان العدو فيتبعه بالذكر القبيح، وأما أهل الضلال فلا
يذكرون أهل الدين والصلاح إلا بالشر، وإنما الأمر على ما قدمته، أهـ.
قال الزرقاني(١): فإن ذكره الصلحاء بشيء علم أن الله تبارك وتعالى
أجرى على ألسنتهم ماله عنده، فإنهم ينطقون بإلهامه، كما يفيده قوله وَاليه :
((إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر)) رواه
الحاكم وغيره عن أنس، فإن كان خيراً، فليحمد الله تبارك وتعالى ولا يعجب،
بل يكون خائفاً من مكره الخفيّ، وإن كان شراً فليبادر بالتوبة، ويحذر سطوته
وقهره، اهـ.
وحديث أنس المذكور ذكره السيوطي في ((الجامع الصغير))، ورقم له
بالصحة، وعزاه إلى الحاكم في ((المستدرك)) والبيهقي في ((الشعب))، وقال
العزيزي: قوله: ((تنطق على ألسنة بني آدم)) أي خلق الله تعالى لها قوة الإلقاء
على ألسنتهم، وقال المناوي: كأنها تركب ألسنتها على ألسنتهم كما في التابع
والمتبوع من الجن، وقوله: ((من الخير والشر)) متعلق بتنطق أي فإذا أجرى الله
ذكر إنسان بالخير على ألسنة أهل الخير، كان ذلك علامةً على ما هو منطوٍ
علیہ، وحکم عکسہ عکس حکمه، اهـ.
وفي الباب عدة روايات ذكرها السيوطي في ((الدر))(٢) في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُنَّا (٦﴾﴾(٣)، منها ما
قال: أخرج البخاري ومسلم والترمذي (٤) وغيرهم عن أبي هريرة أن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٥/٤).
(٢) ((الدر المنثور)) (٤٧٨/٥).
(٣) سورة مريم: الآية ٩٦.
(٤) أخرجه البخاري (٧٠٤٧)، ومسلم (٢٦٣٧)، والترمذي (٣١٦١).
٧٦

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٤) حديث
٦/١٦١٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: بَلَغَنِي
رسول الله وَ﴾ قال: ((إذا أحبّ الله عبداً نادى جبرائيل؛ إني قد أحببت فلاناً،
فأحبه، فينادي في السماء، ثم تنزل المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآية، وإذا أبغض الله عبداً نادى جبرائيل؛ إني قد أبغضت
فلاناً فينادي في أهل السماء، ثم ينزل له البغضاء في أهل الأرض))، اهـ.
ولفظ البخاري عن أبي هريرة أن النبي وَ لّ قال: ((إذا أحب الله العبد
نادى جبريل؛ إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل
السماء؛ إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في
أهل الأرض)».
قال الحافظ(١): زاد مسلم فيه: ((وإذا أبغض عبداً دعا جبريل)) فساقه على
منوال الحب، وقال في آخره: ((ثم يوضع له البغضاء في الأرض))، ونحوه في
حديث أبي أمامة عند أحمد، وفي حديث ثوبان عند الطبراني: ((إن العبد يعمل
بسخط الله فيقول الله: يا جبريل إن فلاناً يستسخطنى))، فذكر الحديث على
منوال الحب أيضاً، وفيه ((فيقول جبريل: سخطة الله على فلان))، وفي آخره مثل
ما في الحب، وقوله: ((يوضع له القبول)) هو من قوله تعالى: ﴿فَقَبِّلَهَا رَبُّهَا
پِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾، اهـ.
قلت: وحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا أحبَّ الله العَبْدَ قال لجبريل: قد
أحببت فلاناً فَأَحِبَّه))، الحديث، يأتي في ((الموطأ)) أيضاً مختصراً في ((باب ما
جاء في المتحابَّيْن في الله)).
٦/١٦١٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: بلغني) قال
ابن عبد البر في ((التجريد))(٢): هذا لا يجوز أن يكون رأياً. وإنما هو توقيف،
(١) (فتح الباري)) (١٠/ ٤٦٢).
(٢) (ص٢٣٣).
٧٧

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٤) حديث
أَنَّ الْمَرْءَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الْقَائِمِ بِاللَّيْلِ، الّامِي بِالْهَوَاجِرِ.
وقد روي مسنداً عن النبي وَلّ من حديث عائشة وأبي أمامة وجابر وأبي
هريرة، ورواه زهير بن معاوية عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة
عن النبي وَ لؤل، اهـ. قلت: أخرجه أبو داود (١) برواية المطلب عن عائشة،
وقال السيوطي في ((الجامع الصغير)): ((إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة
القائم الصائم))، وعزاه إلى أبي داود وابن حبان في ((صححيه))، ورقم عليه
بالحسن، وقال: ((إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل الظامي
بالهواجر»، وعزاه إلى الطبراني في ((الكبير))، ورقم عليه بالضعف، قال
الزرقاني: ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، وأقرّه الذهبي عن
أبي هريرة مرفوعاً، اهـ.
(أن المرء) وفي رواية ((إن الرجل)) والمراد بهما الإنسان، وفي رواية ((إن
المؤمن)) قاله الزرقاني(٢) (ليدرك بحسن خلقه) قال الباجي(٣): ومن حسن
الخلق مجاملة الزوجة والأهل ومعاشرتهم والتوسعة عليهم، قال مالك: ينبغي
للرجل أن يحسن إلى أهل داره حتى يكون أحبّ الناس إليهم (درجة القائم
بالليل) بالعبادة (الظامي) بالظاء المعجمة أي العطشان (بالهواجر) جمع هاجرة
أي في شدة الحر بسبب الصوم؛ لأنهما مجاهدان لأنفسهما في مخالفة حظهما
من الطعام والشراب والجماع والنوم وغيرها، ومن حسن خلقه يجاهد نفسه في
تحمل أثقال مساويء أخلاق الناس، وهو جهاد كبير.
وفي ((العزيزي)): قال العلقمي: أعلى درجات الليل القيام في التهجد،
(١) أخرجه أبو داود في الأدب (٤٧٩٨) باب في حسن الخلق، والحاكم في ((المستدرك))
(٦٠/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٥/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢١٢/٧).
٧٨

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٥) حديث
١٦١٥/ ٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ:
وأعلى درجات النهار الصيام في شدة الهواجر، وصاحب الخلق الحسن يدرك
ذلك بسبب حسن خلقه، اهـ.
قال صاحب ((المحلى)): فاستويا في الدرجة، بل ربما زاد، قال الباجي:
ليدرك بحسن خلقه درجة المتنفل بالصوم والصلاة لصبره على الأذى، وكفّه عن
أذى غيره، والمعارضة عليه مع سلامة صدره من الغل، اهـ.
٧/١٦١٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: سمعت
سعيد بن المسيب يقول) قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): هكذا الحديث
موقوف في ((الموطأ)) على سعيد، ولم يختلف الرواة فيه، ورواه إسحاق بن
بشير الكاهلي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن أبي الدرداء
عن النبي ◌َّر، ورواه أبو كريب عن حسين الجعفي عن ابن عيينة عن يحيى عن
ابن المسيب عن أبي الدرداء عن النبي وَّر، وزاد فيه، قال أبو الدرداء: أما
إني لا أقول: حالقة الشعر، ولكنها حالقة الدين، وقد روي من حديث
حفص بن غياث عن يحيى عن سعيد عن أبي الدرداء مرفوعاً، ومن حديث
الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أم الدرداء عن أبي
الدرداء مرفوعاً أيضاً، اهـ.
وفي ((الزرقاني))(٢): موقوفاً لجميع رواة ((الموطأ)) إلا إسحاق بن بشر(٣)
الكامل وهو ضعيف، متروك الحديث، فرواه عن مالك عن يحيى عن سعيد عن
أبي الدرداء مرفوعاً، ورواه الدارقطني من طريق حفص بن غياث عن يحيى عن
(١) (ص٢١٣) و((التمهيد)) (١٤٤/٢٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٥/٤).
(٣) كذا في الأصل، وفي ((التجريد)) و(التنوير)): ابن بشير الكاهلي، ((ش)).
٧٩

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٥) حديث
أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟
ابن المسيب، قال: قال رسول الله وَال، فذكره مرسلاً(١). ورواه أيضاً من
طريق ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن أبي الدرداء عن النبي وَّر، وأخرجه
البزار من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أم
الدرداء عن أبي الدرداء، وذكر ابن المديني أن يحيى لم يسمعه من سعيد،
وإنما بينهما إسماعيل بن أبي حكيم كما حدّث به عبد الوهاب، ويزيد بن
هارون وغيرهما عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل عن ابن المسيب مرفوعاً
مرسلاً، قاله كله ابن عبد البر ملخصاً .
وتعليل ابن المديني ليس بظاهر، فإن يحيى ثقة، حافظ باتفاق، وقد
صرح بالسماع في بعض طرقه، فلا مانع أنه سمعه من إسماعيل عن سعيد، ثم
سمعه عن سعيد، فحدّث به على الوجهين، كما أن ابن المسيب حدّث به
مرسلاً، وموقوفاً، وموصولاً، وأيما كان، فالحديث صحيح، وقد أخرجه أحمد
والبخاري في ((الأدب المفرد)) وأبو داود والترمذي وصححه، عن أبي الدرداء
عن النبي وَ لچر، اهـ
(ألا) حرف تنبيه مركب من همزة الاستفهام التي للإنكار ولا التي للنفي
(أخبركم بخير من كثير) هكذا في جميع النسخ المصرية بزيادة التحتية بين
المثلثة والراء، وفي النسخ الهندية بحذفها بلفظ ((كثر)) والصواب الأول، وفي
(المشكاة)) برواية أبي داود والترمذي عن أبي الدرداء: ((ألا أخبركم بأفضل من
درجة الصيام والصدقة والصلاة))، الحديث، (من الصلاة والصدقة) وزاد في
بعض الروايات ((والصيام))، كما تقدم عن ((المشكاة))، وكذا في غيرها.
قال القاري(٢): يعني أنه أفضل من فعل مجموعها، ويحتمل أن يكون
(١) كذا في الأصل، وفي ((التنوير)): وصله الدارقطني من طريق حفص بن غياث وابن عيينة،
كلاهما عن يحيى عن سعيد عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّرَ، ((ش)).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٩/٩).
٨٠