النص المفهرس

صفحات 41-60

٤٧ - كتاب القدر
(٢) باب
(١٦٠٦) حديث
مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ.
حتى يقارنه القبول، وذلك إنما بفضل الله ورحمته، وقيل: المراد على رواية
الكسر السعي التام في الحرص، أو الإسراع في الهرب.
وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح، وهو
الحظ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان. والمعنى لا ينجيه
حظه منك، وإنما ينجيه فضلك ورحمتك، قاله الزرقاني(١)، وقيل: لا ينفع
معطوف على ما قبله، وذا الجد منادى، أي ذا الغنى والعظمة والحظ، منك
الجد لا من غيرك، كذا في هامش ((الحصن)) وغيره.
(ومن يرد الله) بضم الياء وكسر الراء من الإرادة (به خيراً) أي جميع
الخيرات أو خيراً عظيماً (يفقهه) بتشديد القاف المكسورة، قال الحافظ: هي
ساكنة الهاء لأنه جواب الشرط (في الدين) والفقه لغةً الفهم، والحمل عليه ههنا
أولى من الفقه الاصطلاحي، ليعم فهم كل علم من علوم الدين، ومن
موصول، فيه معنى الشرط، ونكر خيراً ليفيد التعميم؛ لأن النكرة في سياق
الشرط كهي في سياق النفي، أو التنكير للتعظيم، ولذا قدر بجميع أو عظيم،
قاله الزرقاني.
قال الحافظ(٢): الفقه الفهم، قال تعالى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، (٣)
والمراد الفهم في الأحكام الشرعية، وترجم البخاري في (صحيحه)) بهذا
اللفظ، وأخرج فيه بسنده، إلى حميد بن عبد الرحمن، قال: سمعت معاوية
خطيباً يقول: سمعت النبي وَل* يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين،
وإنما أنا قاسم والله يعطي))، الحديث، قال الحافظ: أي يفهمه كما تقدم،
(١) (شرح الزرقاني)) (٢٤٩/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٢/ ٣٣٢).
(٣) سورة النساء: الآية ٧٨.
٤١

٤٧ - كتاب القدر
(٢) باب
(١٦٠٦) حديث
ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: سَمِعْتُ هُؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِّي عَلَى
هذِهِ الْأَعْوَادِ.
ويقال: فقه بالضم إذا صار الفقه له سجية، وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى
الفهم، وفقه بالكسر إذا فهم، ونُكِّرَ خيراً ليشمل القليل والكثير، والتنكير
للتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه.
ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي يتعلم قواعد الإسلام وما
يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير، وأخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه
آخر ضعيف، وزاد في آخره: ((ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به))،
والمعنى صحيح؛ لأن من لم يعرف أمور دينه، لا يكون فقيهاً ولا طالب فقه،
فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء
على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم، اهـ.
(ثم قال معاوية: سمعت هؤلاء الكلمات) المذكورة (من رسول الله(وَليه)
والجار متعلق بسمعت (على هذه الأعواد) جمع عود، والمراد أعواد المنبر
النبوي، قال الزرقاني: ظاهره أنه سمع جميع ما ذكره منه، وهذه رواية أهل
المدينة، وأما أهل العراق فيروون أن معاوية كتب إلى المغيرة أن اكتب إلي ما
سمعت النبي ◌ّ﴾ يقول خلف الصلوات، فكتب إليه: سمعته يقول خلف
الصلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا
معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) كما في ((الصحيحين))، وجمع
ابن عبد البر بجواز أن الذي سمعه منه وَله: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في
الدين))، فأشار إليه؛ لأن ذلك ليس في حديث المغيرة، فتجتمع بذلك
الأحاديث؛ لأنها كلها صحيحة، اهـ.
قال الزرقاني(١): ويمكن عود الإشارة لجميع ما ذكره، ولا يخالف ذلك
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٩/٢).
٤٢

٤٧ - كتاب القدر
(٢) باب
(١٦٠٦) حديث
كتابته إلى المغيرة لاحتمال أنه سمع ذلك كله منه ◌َلّ، ثم شك، فسأل
المغيرة، فأجابه فزال بذلك شكّه، فحدّث به عن سماعه منه وَطّ، قال: هكذا
ظهر لي، ثم رأيت ((فتح الباري)) قال: زعم بعضهم أن معاوية كان قد سمع
الحديث، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتج بحديث ((الموطأ)» هذا، اهـ.
قال: وهو حسن وإن عبّر عنه بزعم؛ لأنه من حيث جزمه بذلك، انتهى كلام
الزرقاني.
والذي ذكر من كلام الحافظ، قال في حديث أخرجه البخاري(١) بسنده
إلى وَرَّاد كاتب المغيرة، قال: أملى عليّ المغيرةُ في كتاب إلى معاوية أن
النبي 18 كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللَّهم لا مانِعَ لما أعطيت
ولا مُعْطِيَ لما منعَت، ولا ينفع ذا الجد منك الجدُّ)
قال: وسيأتي في القدر(٢) في آخره أن ورّاداً قال: ثم وفدت بعد على
معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك، وزعم بعضهم أن معاوية كان قد سمع
الحديث المذكور، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتجّ بما في ((الموطأ)) من
وجه آخر عن معاوية، أنه كان يقول على المنبر، فذكر حديث الباب.
وما يظهر لهذا العبد الفقير من سياق الحديثين، أنهما حديثان مختلفان
ظاهراً، أحدهما في الذكر بعد الصلاة، سأله معاوية عن المغيرة، والثاني
حديث الباب سمعه معاوية من النبي وَّر على المنبر كما صرّح به هو بنفسه،
ولا يلزم من اتحاد ألفاظ الأدعية اتحاد الحديثين، فإن الأدعية المأثورة تُؤثر
عنه ◌َّر في الأوقات المختلفة. ولكن يُشْكل عليه أن جهابذة العلم كلهم مالوا
إلى اتحادهما .
(١) ((صحيح البخاري)) (٨٤٤).
(٢) انظر: ((صحيح البخاري)) (٦٦١٥).
٤٣

٤٧ - كتاب القدر
(٢) باب
(١٦٠٧) حدیث
٩/١٦٠٧ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ
يُقَالُ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي. الَّذِي لَا يَعْجَلُ
شَيْءٌ أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ،
٩/١٦٠٧ - (مالك أنه بلغه) عن الأسلاف من الصحابة والتابعين (كان
يقال) هكذا في النسخ المصرية ببناء المجهول، وكذا في ((التجريد))(١)، وفي
النسخ الهندية ((أنه كان يقول)) ببناء المعلوم، والأوجه الأول؛ لأني لم أره
موصولاً إلى رسول الله ◌َ﴾ في كلام أحد. قال الباجي(٢): يقتضي أنه من قول
أئمة الشرع؛ لأن مالكاً أدخله في كتابه ليعتقد صحته، ويحمد الله به (الحمد لله
الذي خلق كل شيء) من شأنه أن يخلق (كما ينبغي) أن يخلق.
قال الباجي: يريد أنه أحسنه، وأتى به على أفضل ما يكون عليه، فيكون
معناه قوله: الذي أحسن كل شيء خلقه على تأويل من قال: خلقه حسناً،
ويحتمل أن يريد به خلقه على ما ينبغي من قدرته عليه، وإرادته له، وعلمه به،
وبما فيه من المصالح لخلقه، اهـ. أشار الباجي إلى قوله عز اسمه في سورة
السجدة: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾ ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ﴾، وذكر
المفسرون في معناه أقوالاً بسطها صاحب ((الجمل)).
(الذي لا يعجل شيء) بالرفع في جميع النسخ المصرية والهندية (أَنَاهُ)
بقصر الهمزة في جميع النسخ، أي لا يسبق شيء وقته الذي وقته له، وقال
صاحب ((المحلى)): لا يعجل شيئاً آناه بمد الهمزة والنون، أي أخّره، وفي
نسخة شيء بالرفع، ويعجل بزنة المجهول، اهـ. وظاهر ما سيأتي في آخر
الحديث من كلام ابن عبد البر أن هذه رواية القعنبي لا يحيى، وفي ((مختار
الصحاح)): أنى يأني كرمى يرمي، إنا بالكسر: أي حان، وآناء الليل ساعاته،
اهـ. (وقَدَّرَه) أعرب عليه في النسخ المصرية بتشديد الدال.
(١) (ص٢٥٨).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٨/٧).
٤٤

٤٧ - كتاب القدر
(٢) باب
(١٦٠٧) حديث
حَسْبِيَ اللَّهُ وَكَفَى. سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا. لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مَرْمَى.
قال الباجي: الذي لا يَعْجَلُ شيءٌ أنَاه وقَدَّرَه، معناه لا يسبق وقته الذي
وقت له، قال الأخفش: أنا الشيء وقت بلوغه، وقال غيره(١): الأنا التأخير
والانتظار، يريد - والله أعلم - لا يسبق وقته الذي قدر له، قال تعالى: ﴿فَإِذَا
◌َآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾(٢)، اهـ.
(حسبي الله) أي الكافي لي في جميع أموري الله عز اسمه، قال الراغب:
حسب يستعمل في معنى الكفاية، حسبنا الله، أي كافينا هو، اهـ. وفي التنزيل:
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْمِىَ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوّ﴾(٣) (وكفى) أي كفايته يكفي لي في
جميع الأمور.
(سمع الله لمن دعا) أي أجاب الله عز وجل دعاء من سأله، قال الباجي
يحتمل أن يريد به الخبر، ويحتمل أن يريد به الدعاء (ليس وراء الله مرمى) بفتح
الميم وسكون الراء، أي ليس وراءه غاية يرمى إليها أي يقصد إليها بدعاء أو
أمل أو رجاء، يقال: هذه الغاية التي يرمى إليها، أي يقصد، شبهت بغاية
السهام التي ترمى، ويقصد بها، كذا في ((المنتقى))، وفي ((المحلى)): مرمى أي
مقصد ترمى إليه الآمال، والمرمى موضع الرمي، تشبيهاً بالهدف الذي ترمى إليه
السهام، اهـ.
قال ابن عبد البر في ((التجريد))(٤): هكذا روى يحيى هذا الخبر، وتابعه
قوم، ورواه القعنبي فقال فيه: ((الحمد لله الذي خلق كل شيء كما ينبغي، الذي
لم يعجل شيئاً أناه وقدره))، وقد روي من حديث عبد الرحمن بن عوف أن
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٠٩/٢٦).
(٢) سورة الأعراف: الآية ٣٤.
(٣) سورة التوبة: الآية ١٢٩.
(٤) انظر: ((الاستذكار)) (١١٠/٢٦). و((التجريد)) (ص٢٥٨).
٤٥

٤٧ - كتاب القدر
(٢) باب
(١٦٠٨) حديث
١٠/١٦٠٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: إِنَّ
أَحَداً لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ.
رسول الله ﴿ كان فيما يعوذ به الحسن والحسين «كفى بسمع الله داعياً لمن
دعي، لا مَرْمَى وراء أمر الله لرام رمَى))، قال: وكان إبراهيم عليه السلام يُعَوِّذُ
بها ابنيه إسماعيل وإسحاق - صلاة الله وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين - ،
اهـ.
١٠/١٦٠٨ - (مالك أنه بغله) وقد روي مرفوعاً متصلاً بوجوه ستأتي (أنه
كان يقال) ببناء المجهول في جميع النسخ الهندية والمصرية، ولو وجد ههنا في
نسخة ببناء المعلوم كان أوجه، ذكر الحسن بن علي الحلواني بسنده إلى
يحيى بن عتيق، كان محمد بن سيرين إذا قال: كان يقال، لم يشُكَّ أنه عن
النبي وَّةِ، قال ابن عبد البر: وكذا كان مالك إن شاء الله، قال: وهذا الحديث
جاء من وجوه حسان عن جابر وأبي حميد الساعدي، وابن مسعود، وأبي
أمامة، وغيرهم عن النبي ◌َّر، قاله الزرقاني(١).
وفي ((التجريد)) (٢): هذا يروى عن النبي ◌َل من حديث ابن مسعود وجابر
وأبي أمامة وأبي حميدة(٣) الساعدي، وروى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر
قال: قال رسول الله وَله: ((إن أحدكم لن يموت حتى يستوفي رزقه، فاتقوا الله
وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم))، اهـ.
(إن أحداً لن يموت حتى يستكمل) ويستوفي (رزقه) الذي كتب له، وهو
في بطن أمه، كما تقدم في الباب السابق من حديث ابن مسعود.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٠/٤).
(٢) (ص٢٥٨).
(٣) كذا في الأصل. انتهى.
(٤) سورة الزخرف: الآية ٣٢.
٤٦

٤٧ - كتاب القدر
(٢) باب
(١٦٠٨) حديث
وقال عز اسمه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنّا﴾(١) الآية. قال
الزرقاني: فإنه سبحانه قسم الرزق وقدره لكل أحد بحسب إرادته، لا يتقدم ولا
يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص بحسب علمه تعالى القديم الأزلي، فلا يعارضه
ماورد: ((الصبحة تمنع الرزق، والكذب ينقص الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق
بالذنب يصيبه))، وغير ذلك مما في معناه، أو أن الذي يمنعه وينقصه هو الرزق
الحلال، أو البركة لا أصل الرزق، اهـ.
وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب من أحبّ البسط في الرزق))
وأخرج فيه حديث أنس قال: سمعت رسول الله وَ لَه يقول: ((من سرّه أن يُبْسط
له في رزقه، أو يُنْسَأ له في أثره فليصل رحمه)»، قال الحافظ (٢): قال العلماء،
معنى البسط في الرزق البركة فيه، وفي العمر حصول القوة في الجسد؛ لأن
صلة أقاربه صدقة، والصدقة تربي المال، وتزيد فيه فينمو بها ويزكو؛ لأن رزق
الإنسان يكتب وهو في بطن أمه، فلذلك احتيج إلى هذا التأويل، أو المعنى أنه
يكتب مقيداً بشرط، كأن يقال: إن وصل رحمه فله كذا وإلا فكذا، أو المعنى
بقاء ذكره الجميل بعد الموت.
وأغرب الحكيم الترمذي فقال: المراد بذلك قلة البقاء في البرزخ،
وقال ابن قتيبة: يحتمل أن يكتب أجل العبد مائة سنة، وتزكيته عشرين، فإن
وصل رحمه زاد التزكية، وقال غيره: المكتوب عند الملك الموكل به غير
المعلوم عند الله تبارك وتعالى، فالأول يدخل فيه التغيير، وتوجيهه أن
المعاملات على الظواهر، والمعلوم الباطن خفي لا يعلق عليه الحكم، فذلك
الظاهر الذي اطلع عليه الملك، هو الذي يدخله الزيادة، والنقص، والمحو،
والإثبات، والحكمة فيه إبلاغ ذلك إلى المكلف، ليعلم فضل البر، وشؤم
القطيعة، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٣٠٢/٤).
٤٧

٤٧ - كتاب القدر
(٢) باب
(١٦٠٨) حديث
فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ.
جاء في معناه مرفوعاً، عن جابر. أخرجه ابن ماجه في: ١٢ - كتاب
التجارات، ٢ - باب الاقتصاد في طلب المعيشة.
(فأجملوا) بفتح الهمزة وكسر الميم، أي أحسنوا (في الطلب) (١) بأن
تطلبوه بالطرق الجميلة المحللة، بلا كد ولا حرصٍ ولا تهافت على الحرام أو
الشبهات، أو غير منكبين عليه مشتغلين عن الخالق الرازق.
وفي ((المحلى)): وبين كيفية الإجمال في المرفوع عند ابن ماجه(٢) عن
جابر: ((خذوا ما حلّ ودعوا ما حرّم)). وروى أبو نعيم في ((الحلية)) عن أبي
أمامة مرفوعاً: ((إن روح القدس نفث في رَوْعى أن نفساً لن تموت حتى
يستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا
يحملنَّكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية، فإن الله تعالى لن يُنَال ما عنده إلا
بطاعته، قيل لبعضهم: من أين تأكل؟ قال: لو كان من أين لفنى، وقيل لآخر
ذلك، فقال: سل من يطعمني))، اهـ.
قال الزرقاني(٣): أخرج ابن ماجه والحاكم وصححه عن جابر رفعه:
((أيها الناس اتقوا الله، وأجملوا في الطلب، فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي
رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حلّ، ودعو
ما حرم)). وللبيهقي والعسكري وغيرهما عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((إن الرزق
ليطلب العبد كما يطلبه أجله)) وفيه: ((أن الطلب لا ينافي التوكل)).
وأما حديث ابن ماجه والترمذي والحاكم(٤) وصححه عن عمر - رضي الله
(١) انظر هذا الحديث في ((التمهيد)) (٤٣٤/٢٤).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢١٤٤).
(٣) (شرح الزرقاني)) (٢٥٠/٤).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣١٨/٤).
٤٨

٤٧ - كتاب القدر
(٢) باب
(١٦٠٨) حديث
عنه - رفعه «لو توكلتم على الله حق التوكل، لرزقكم، كما يرزق الطير، تغدو
خماصاً وتروح بطانة))، فقال الإمام أحمد: فيه ما يدل على الطلب، لا
القعود، أراد لو توكلوا في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم، وعلموا أن الخير بيده
ومن عنده لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير، ولكنهم يعتمدون على قوتهم
وكسبهم، وهذا خلاف التوكل.
وعن أحمد أيضاً في القائل: أجلس لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي،
هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي ◌َّي: ((إن الله تعالى جعل رزقي
تحت رمحي))، وقوله: ((تغدو خماصاً وتروح بطاناً))، وكان أصحابه وَ له يتّجرون
في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم، وبهم القدوة، اهـ.
٤٩

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
بسم الله الرحمن الرحيم
٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب ما جاء في حسن الخلق
(١) ما جاء في حسن الخلق
قال الحافظ(١): أما الحسن فقال الراغب: هو عبارة عن كل مرغوب
فيه، إما من جهة العقل، وإما من جهة العرض، وإما من جهة الحس، وأكثر
ما يقال في عرف العامة فيما يدرك بالبصر، وأكثر ما جاء في الشرع فيما يدرك
بالبصيرة، كذا قال، ونص الراغب: الحسن عبارة عن كل مبهج مرغوب،
وذلك ثلاثة أضرب، مستحسن من جهة العقل، ومستحسن من جهة الهوى،
ومستحسن من جهة الحس، اهـ.
قال الحافظ: وأما الخلق فهو بضم الخاء واللام ويجوز سكونها، قال
الراغب: الخلق والخلق يعني بالفتح والضم في الأصل بمعنى واحد كالشرب
والشرب، لكن خص الخلق بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص
الخلق بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، وكان النبي وَله يقول: ((اللَّهم
كما حَسَّنْتَ خلقيَ فَحَسِّنْ خلقي)) أخرجه أحمد(٢)، وصححه ابن حبان، اهـ.
وفي ((الزرقاني)) (٣): الخلق بضمتين وتسكن اللام للتخفيف، وفي
((النهاية)): الخلق - بضم اللام وسكونها -: الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه
الصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه، وأوصافها المختصة بها بمنزلة الخلق
بصورته الظاهرة، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٤٥٦/١٠).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٤٠٣/١)، وابن حبان (٢٣٩/٣) ح (٩٥٩).
(٣) (شرح الزرقاني)) (٢٥٠/٤).
٥

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
وقال القرطبي في ((المفهم)): الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها
غيره، وهي محمودة، ومذمومة، فالمحمودة على الإجمال أن تكون مع غيرك
على نفسك، فتنصف منها ولا تنصف لها، وعلى التفصيل العفو والحلم
والجود والصبر وتحمل الأذى والرحمة والشفقة وقضاء الحوائج والتوادد ولين
الجانب ونحو ذلك، والمذموم منها ضد ذلك، كذا في ((الفتح)) (١).
وفي ((المحلى)): قال الحسن: حسن الخلق بسط الوجه وبذل الندى وكف
الأذى، وقال الواسطي: هو أن لا يخاصم ولا يخاصم، وقال أيضاً: هو
إرضاء الخلق في السراء والضراء، وقال سهيل التستري: أدناه الاحتمال، وترك
المكافأة، والرحمة للظالم، والاستغفار له، اهـ.
ثم قال الحافظ: وحكى ابن بطال تبعاً للطبري خلافاً، هل حسن الخلق
غريزة أو مكتسب؟ وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث ابن مسعود: ((إن الله
قسم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم))، الحديث، وهو عند البخاري في ((الأدب
المفرد)»، ووقع في حديث الأشج عند أحمد والنسائي والبخاري في ((الأدب
المفرد)) وصححه ابن حبان، أن النبي وَّ لإر قال: ((إن فيك خصلتين يحبهما الله،
الحلم والأناة، قال: يا رسول الله قديماً كان أو حديثاً؟ قال: قديماً، قال:
الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله))(٢)، فترديده السؤال، وتقريره وَل
عليه يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي، وما هو مكتسب، اهـ.
قال الزرقاني: هذا هو الحق، وهو جمع بين القولين لا ثالث، اهـ.
وقال القاري في ((شرح الشمائل))(٣): اختلف هل حسن الخلق غريزية
(١) ((فتح الباري)) (٤٥٦/١٠).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٥/٤، ٢٠٦)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٥١٣/٨)، والبخاري
في ((الأدب المفرد)) ح (٥٨٤)، وابن حبان (٧٢٠٣ - ٧٢٠٤).
(٣) (١٥٠/٢).
٥١

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦٠٩) حديث
....
١/١٦٠٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ:
طبيعية أو مكتسبة اختيارية؟ فقيل بالأول لخبر: ((إن الله قسم بينكم أخلاقكم))،
الحديث، وقيل: بعضه مكتسب لما صح في خبر الأشج. قال ابن حجر:
فترديد السؤال عليه وتقريره يشعر بأن منه ما هو جبليٍّ، ومنه ما هو مكتسب،
وهذا هو الحق، ومن ثمة قال القرطبي: هو جبلة في نوع الإنسان، وهم
متفاوتون فيه، فمن غلبه حسنه فهو المحمود. وإلا أمر بالمجاهدة حتى يصير
حسناً، وبالرياضة حتی یزید حسنه.
قال القاري(١): والأظهر أن الأخلاق كلها باعتبار أصلها جبلية قابلة
للزيادة والنقصان في الكمية والكيفية بالرياضات الناشئة عن الأمور العلمية
والعملية، كما يدل عليه العبارات النبوية والإشارات الصوفية.
منها حديث: ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق))، سيأتي في ((الموطأ))
قريباً، رواه البخاري في ((تاريخه)) والحاكم والبيهقي وأحمد عن أبي هريرة،
وأخرجه البزار بلفظ: ((مكارم الأخلاق)).
ومنها، ما في مسلم عن عليٍّ - رضي الله عنه - في دعاء الافتتاح:
((واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت)).
ومنها، ما صح عنه وَّر: ((اللَّهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي))،
والمراد زيادة تحسين الخلق على ما هو الظاهر على طبق ((رب زدني
علماً))، اهـ.
ويشكل على هذه الروايات ما ورد من قوله وَله: ((إذا سمعتم برجل تغير
عن خلقه فلا تصدقوه))، الحديث، وسيأتي الجواب عنه في آخر الباب.
١/١٦٠٩ - (مالك أن معاذ بن جبل قال) كذا في جميع النسخ المصرية
من المتون والشروح، وفي النسخ الهندية: ((مالك عن معاذ بن جبل أنه قال))،
(١) ((جمع الوسائل)) (١٥٠/٢).
٥٢

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦٠٩) حدیث
وفي ((التجريد))(١): مالك أن معاذ بن جبل قال: ((آخر ما أوصاني به)) الحديث،
هكذا روى يحيى هذا الحديث، وتابعه ابن القاسم والقعنبي، ورواه ابن بكير
عن مالك عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن جبل، وهو مع هذا منقطع جداً، ولا
يوجد مسنداً عن النبي وَلّر من حديث معاذ ولا غيره بهذا اللفظ، والله أعلم،
ولكن معناه صحيح مسند، اهـ.
وزاد في ((التنوير))(٢) في كلام ابن عبد البر: لكن ورد معناه، فأخرج
الترمذي(٣) بسنده إلى ميمون بن أبي شبيب عن معاذ بن جبل: قلت: يا
رسول الله علمني ما ينفعني، قال: ((اتق الله حيث كنت، وأتبع السيئة الحسنة
تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))، وأخرج الترمذي عن أنس قال: بعث
النبي ◌َ﴿ معاذ بن جبل إلى اليمن فقال: ((يا معاذ اتق الله، وخالق الناس بخلق
حسن))، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال أبو عمر: هذا أحد الأحاديث الأربعة التي هي
منقطعة في الكتاب، ولا توجد موصولاً، اهـ. وتقدم ذكر الأربعة في الفائدة
التاسعة من الباب الثاني من مقدمة هذا ((الأوجز))، وفي ((المشكاة)): عن أبي ذر
قال: قال لي رسول الله وَله: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة
تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) (٤) رواه أحمد والترمذي، والدارمي، قال
القاري: وفي ((الجامع الصغير)): رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن
أبي ذر، وأحمد والترمذي والبيهقي عن معاذ، وابن عساكر عن أنس، اهـ.
(١) (ص٢٤٩).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص ٤٥٠).
(٣) ((سنن الترمذي)) (٣٥٥/٤) ح (١٩٨٧).
(٤) أخرجه أحمد (١٥٣/٥)، والترمذي (١٩٨٧)، والدارمي (٢٧٩١).
٥٣

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦٠٩) حديث
آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّ حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرز،
أَنْ قَالَ: ((أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ.
(آخر ما أوصاني به رسول الله وَ *) لما بعثه إلى اليمن قاضياً تاسع الهجرة
(حين وضعت رجلي) بسكون الياء في النسخ المصرية والهندية (في الغرز) بفتح
الغين المعجمة وسكون الراء المهملة آخره زاي معجمة، قال صاحب
((المحلى)): هو الركاب، وقيل: الركاب يكون من الحديد والخشب، والغرز لا
يكون إلا من الجلد، وقيل: هما مترادفان، والغرز للجمل، والركاب
للفرس، اهـ.
(أن قال لي) قال الباجي(١): تنبيه على تأكيد ما أوصاه به واهتباله وَلخلقه
بولائه، ولا يهتبل في ذلك من الوصية من يودع المسافر إلا بأوكد ما يوصيه به
(أحسن) بصيغة الأمر (خلقك) قال الباجي: تحسين خلقه أن يظهر لمن يجالسه
أو ورد عليه البشر والحلم والإشفاق والصبر على التعليم والتودد إلى الصغير
والكبير، وقد قال مالك: والغلظ مكروه، لقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظَا
غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾، اهـ.
وتقدم في أول الباب ما حكى صاحب ((المحلى)) من قول الحسن وغيره
(للناس) قال الباجي: وإن كان لفظه عاماً إلا أنه يريد بذلك من يستحق تحسين
الخلق له، فأما أهل الكفر والإصرار على الكبائر والتمادي على ظلم الناس،
فلا يؤمر بتحسين خلقه لهم، بل يؤمر بأن يغلظ عليهم، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ
جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾(٢)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالَِّ
فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً جَدَّةٍ وَلَا تَأْخُذُكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ رِ الِّ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْأَخِرِّ وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾(٣). وفي ((العتبية)) من سماع مالك:
(١) ((المنتقى)) (٢٠٩/٧).
(٢) سورة التوبة: الآية ٧٣.
(٣) سورة النور: الآية ٢.
٥٤

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦٠٩) حديث
يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ)) .
سئلت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق النبي وَالرّ فقالت: كان خلقه وأمره
القرآن واتباعه، اهـ.
وحكاه القاري عن السيوطي إلى قوله: بل يؤمر بأن يغلظ عليهم، ثم
قال: قلت: قد يقال: إن الرفق من جملة حسن الخلق فيمكن أن يعم جميع
الخلق، قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ﴾(١) الآية، اهـ.
قلت: ولا منافاة بينهما، فإنهما حالتان مختلفتان، إحداهما؛ حالة
الموعظة، والثانية؛ حالة المجاهدة والانتهاك لحرم الله.
(معاذ بن جبل) هكذا في جميع النسخ الهندية وبعض المصرية بحذف
حرف النداء وبه جزم الزرقاني، إذ قال: فهو منادى بحذف الأداة، وفي
((المحلى)): ((معاذ)) بالضم على أنه منادى معرفة، وحرف النداء محذوف، و((ابنَ
جبل)) بنصب النون كما هو المختار، اهـ. وفي أكثر النسخ المصرية بذكر حرف
النداء بلفظ ((يا معاذ بن جبل)).
قال الزرقاني(٢): وهذا آخر الأحاديث الأربعة التي قالوا: إنها لم توجد
موصولة في غير ((الموطأ))، وذلك لا يضر مالكاً الذي قال فيه سفيان بن عيينة:
كان مالكاً لا يبلغ من الحديث إلا ما كان صحيحاً، وإذا قال: بلغني فهو إسناد
صحيح. فقصور المتأخرين عن وجود هذه الأربعة موصولة لا يقدح فيها،
فلعلها وصلت في الكتب التي لم تصل إليهم.
وقد قال السيوطي في حديث ((اختلاف أمتي رحمة)): لعله خَرَّجَ في بعض
الكتب التي لم تصل إلينا؛ لأنه عزاه لجمع من الأجِلّة ذكروه في كتبهم بلا
إسناد، ولا نسبة لمخرج كإمام الحرمين، ولا ريب أنهم دون مالك بمراحل
بعيدة، اهـ.
(١) سورة النحل: الآية ١٢٥.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥١/٤).
٥٥

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٠) حديث
٢/١٦١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّرَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلآل
قلت: وهكذا يقول الحنفية في الأحاديث التي استدل بها الإمام أبو
حنيفة، وقال المتأخرون: لم نجده بهذا اللفظ، فإن أبا حنيفة - رضي الله عنه -
أكبر سناً من الإمام مالك - رضي الله عنه - بأكثر من عشر سنين، ثم قال
الزرقاني: كيف، ومن شواهد هذا الحديث ما وراه أحمد والترمذي وغيرهما
عن معاذ قلت: يا رسول الله عَلِّمْنِي ما ينفعني، الحديث، وأخرج الترمذي عن
أنس قال: ((بعث النبي ◌َ﴿ معاذ بن جبل إلى اليمن))، الحديث، تقدما قريباً في
كلام ((التنوير)).
ثم قال: وروى قاسم بن أصبغ عن معاذ أن آخر كلمة فارقت عليها
رسول الله ﴿ قلت: يا رسول الله أيّ العمل أفضل؟ قال: ((لا يزال لسانك
رطباً من ذكر الله)). فكأنه لما كان آخر ما أوصاه سأله عن هذا فأجابه، فكان
آخر کلمة، فلا خلاف، اهـ.
وهذا الحديث الذي ذكره العلامة الزرقاني ذكره الجزري في ((الحصن))
بلفظ: آخر كلام فارقت عليه رسول الله وَّر أن قلت: أي الأعمال أحبُّ
إلى الله؟ قال: ((أن تموت ولسانك رطبٌ من ذكر الله))، وعزاه إلى ابن حبان
والبزار والطبراني في ((الكبير)).
٢/١٦١٠ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير عن) أم
المؤمنين (عائشة زوج النبي ◌ّر أنها قالت: ما خير) بضم الخاء المعجمة وكسر
التحتية المثقلة ببناء المجهول (رسول الله وَله) نائب الفاعل، قال الحافظ (١):
وأبهم الفاعل ليكون أعم من قبل الله أو من قبل المخلوقين، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٦/ ٥٧٥).
٥٦

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٠) حديث
فِي أَمْرَيْنِ قَظْ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا،
وقال الباجي(١): يحتمل أن يريد بذلك ما خَيَّره الله عز وجل بين أمرين
من الأعمال مما يكلفه أمته إلا اختار أيسرهما بأمته، وأرفقهما بأمته، ويحتمل
أن يريد ما خيّره الله بين العقوبتين ينزلهما بمن عصاه، إلا اختار أيسرهما،
ويحتمل أن يريد بذلك ما خُيّر أحد من أمته ممن لم يدخل في طاعته، ولا آمن
به بين أمرين كان في أحدهما موادعة ومسالمة، وفي الآخر محاربة ومشاقة إلا
اختار ما فيه الموادعة، وذلك قبل أن يؤمر بالمجاهدة.
ويحتمل أن يراد به جميع أوقاته، وذلك بأن يخيره بين الحرب وأداء
الجزية، فإنه كان يأخذ بالأيسر، ويقبل الجزية، ويحتمل أن أمته المؤمنين لم
يخيروه بين التزام الشدة في العبادة وبين الأخذ بما يجب عليهم من ذلك، إلا
اختار لهم أيسرهما رفقاً بهم وخوفاً أن يكتب عليهم أشقهما فيعجزوا عنها، اهـ.
وفي ((جمع الوسائل)) (٢): قال ابن حجر تبعاً لشارح ((التخيير)): إما بأن
يخيره الله بين عقوبتين، فيختار الأخف، أو في حق أمته في المجاهدة في
العبادة والاقتصاد فيختار الاقتصاد، زاد القاري: بقي تخييرٌ آخرُ من الله تعالى
في حق أمته بين وجوب الشيء وندبه، أو حرمته وإباحته، اهـ.
زاد المناوي: مثل قول جبرائيل أو ملك الجبال: إن شئت أطبقت عليهم
الأخشبين، فاختار بقاءهم رجاء أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله، اهـ.
(في أمرين) وللتنِّيسي والقعنبي ((بين أمرين)) (قط) بتشديد الطاء، قال
الحافظ: أي من أمور الدنيا بدليل قوله: ((ما لم يكن إثماً))؛ لأن أمور الدين لا
إثم فيها (إلا أخذ) وفي رواية ((إلا اختار))، كما في ((الشمائل)) (أيسرهما) أي
أسهلهما، قال المناوي: ابتناء لدينه على اليسر ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾
(١) ((المنتقى)) (٢٠٩/٧).
(٢) (١٥٩/٢).
٥٧

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٠) حديث
مَا لَمْ يَكُنْ إِثْماً. فَإِنْ كَانَ إِثْماً، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَمَا انْتَقَمَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ لِنَفْسِهِ،
الآية، إن هذا الدين يسر (ما لم يكن) الأيسر (إثماً) أو مفضياً إلى الإثم.
قال الباجي(١): إن كان المخير هو الله تعالى، فإنه استثناء منقطع؛ لأن
الباري تعالى لا يخير بين الإثم والطاعة، وإن كان المخير الكفار والمنافقون
ممن بعث إليهم، فيكون استثناء متصلاً، ويكون المعنى إنما يختار الأيسر إذا
خُيِّرَ بين جائزين مشروعين، وإن كان المخير له المؤمنون من أمته، فالظاهر أنه
استثناء منقطع؛ لأنهم أيضاً لا يخيرونه بين طاعة ومعصية، ويجوز على بُعْدِ أن
يكون استثناء متصلاً، بمعنى أن يخيروه بين التزام ما يجوز، وما لا يجوز،
وهم يعتقدونه مما يجوز، فيكون أبعد الناس من أن يبيح لهم ما لا يجوز، بل
يبين لهم المنع منه، ويحذرهم من إتيانه، ويعدل بهم إلى الجائز، وإن شق ذلك
علیهم، اهـ.
وقال الحافظ(٢): وفي حديث أنس عند الطبراني في ((الأوسط)): ((إلا
اختار أيسرهما ما لم يكن الله فيه سخط))، ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا
إثم فيه من قِبَل المخلوقين واضح، وأما من قِبَل الله، ففيه إشكال؛ لأن التخيير
إنما يكون بين جائزين، لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم، أمكن ذلك
بأن يخيره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به أن لا
يتفرغ للعبادة مثلاً، وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف، فيختار الكفاف،
وإن كانت السعة أسهل منه، والإثم على هذا أمر نسبيٌّ لا يراد منه معنى
الخطيئة لثبوت العصمة له، اهـ.
(فإن كان) الأيسر (إثماً كان) وَلّر (أبعد الناس منه) ويختار حينئذٍ الأشد،
(وما انتقم رسول الله وَالر لنفسه) خاصة أبداً.
(١) ((المنتقى)) (٢٠٩/٧).
(٢) (فتح الباري)) (٦/ ٥٧٥).
٥٨

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٠) حديث
وفي ((الشمائل)) (١) من رواية هشام عن عروة: ((ما رأيت رسول الله وله
منتصراً من مظلمة ظلمها قط))، الحديث.
قال الحافظ (٢): فلا يرد أمره بقتل عُقْبَةَ، وعبد الله بن خطل وغيرهما
ممن كان يؤذيه؛ لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله، وقيل: أرادت أنه
لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي
الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثّر في كتفه،
وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما العِرْض فقد
اقتصّ ممن نال منه، قال: واقتصّ ممن لَدَّه في مرضه بعد نهيه عن ذلك، كذا
قال، اهـ.
قال الباجي(٣): وروى ابن حبيب قال مالك: ((كان رسول الله وَال يعفو
عمن شتمه))، اهـ. قال القاري: فلم ينتقم لبيدَ بن الأعصم الذي سحره،
واليهوديةَ التي سَمَّتْه، لأنه حق آدمي سقط بعفو، اهـ.
قال القاضي في ((الشفاء)) (٤): ولا خفاء مما يؤثر من حلمه، واحتماله،
وإن كل حليم قد عرفت منه زلة، وهو وَل# لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبراً،
وعلى إسراف الجاهل إلا حلماً، ثم ذكر حديث الباب، ثم قال: وروي أن
النبي * لما كسرت رباعيته، وشجّ وجنه يوم أحد، شقّ ذلك على أصحابه
شديداً، وقالوا: لو دعوتَ عليهم، فقال: ((إني لم أبعث لعّاناً، ولكن بُعِثْتُ
داعياً ورحمةً، اللَّهم اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون)).
(١) (الشمائل)) مع شرحه ((جمع الوسائل)) (١٥٤/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٧٥/٦).
(٣) ((المنتقى)) (٢١٠/٧).
(٤) انظر ((الشفاء مع شرحه)) لعلي القاري (١٢/٢ - ٢٧).
٥٩

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٠) حديث
إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ. فَنْتَقِمُ للَّهِ بِهَا.
أخرجه البخاري في: ٦١ - كتاب المناقب، ٢٣ - باب صفة النبي ◌َّل.
ومسلم في: ٤٣ - كتاب الفضائل، ٢٠ - باب مباعدته وَلّ للآثام، حديث ٧٧.
وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في بعض كلامه: بأبي أنت
وأمي، يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه، فقال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾(١)
الآية، ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وُطِئَ ظهرك وأُدْمي
وجهك وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيراً، فقلتَ: ((اللَّهم اغفر لقومي
فإنهم لا يعلمون)).
ولما قال له الرجل: اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، لم يزدد
في جوابه إلا أن قال: ((ويحك، فمن يعدل إن لم أعدل))، ونهى من أراد من
أصحابه قتله، ولما تصدى غورث بن الحارث ليفتك به، ورسول الله وال تحت
شجرة قائلاً، فلم ينتبه إلا وهو قائم، والسيف صلتاً في يده، فقال: من يمنعك
مني؟ فقال: ((الله))، فسقط السيف من يده، فأخذه النبي وَّر، وقال: ((من يمنعك
مني))؟ فقال: كن خيرَ آخذٍ، فعفا عنه، فجاء إلى قومه، فقال: جئتكم من عند
خير الناس، ومن عظيم خبره في العفو عفوه عن اليهودية التي سَمَّتْه بعد
اعترافها، على الصحيح من الرواية، ولم يؤاخذ لبيد بن الأعصم، وقد أوحي
إليه بشرح أمره، ولا عتب عليه فضلاً عن معاقبته، إلى آخر ما بسطه، وقال فيه:
والحديث عن حلمه وَّه وصبره وعفوه عند المقدرة أكثر من أن نأتي عليه.
(إلا أن تنتهك) بضم الفوقية الأولى ببناء المجهول من الانتهاك في جميع
النسخ الهندية والمصرية، وقال صاحب ((المحلى)): بضم الفوقية وسكون الهاء
ثم الفوقية المفتوحة من الهتك، وفي ((البخاري)) من الانتهاك، أي تقطع
وتضاع، اهـ. (حرمة الله) عز وجل (فينتقم الله) تبارك وتعالى (بها) أي بسببها،
(١) سورة نوح: الآية ٢٦.
٦٠