النص المفهرس
صفحات 21-40
٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٠) حديث غَفِلِينَ﴾ - فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يُسْأَلُ عَنْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ أي التوحيد (غافلين، فقال عمر بن الخطاب) في جواب السائل: (سمعت رسول الله ﴿ يسأل) ببناء المجهول (عنها) أي عن هذه الآية التي سألتني عنها (فقال رسول الله (وَ ل*) في جواب سائله: (إن الله تبارك وتعالى خلق آدم) عليه السلام (ثم مسح ظهره بيمينه). قال الباجي(١): هذا يقتضي أن الباري تعالى موصوف بأن له يميناً، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَتْ بِمِينِهِ﴾، وروي عن النبي ◌ِّ أنه قال: ((أول شيء خلقه الله عز وجل القلم، فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين))، وأجمع أهل السنة أن يديه صفة، وليست بجوارح، كجوارح المخلوقين؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال الزرقاني(٢): وقال ابن العربي: عبّر بالمسح عن تعلق القدرة بظهر آدم، وكل معنى يتعلق به قدرة الخالق يُعَبَّرُ عنه بفعل المخلوق ما لم يكن دناءة، وقال عياض: اختلف في اليد وما في معناها من الجوارح التي وردت ويستحيل نسبتها إلى الله تعالى، فذهب كثير من السلف إلى أنه يجب صرفها عن ظاهرها المحال ولا تتأول، ويصرف علمها إلى الله تعالى، وهي من المتشابه، وتأولها الأشعري وناس من أصحابه على أنها صفات لا نعلمها، وتأوّلها قوم على ما تقتضيه اللغة، واليد في اللغة تطلق على القدرة والنعمة، فکذلك هاهنا، اهـ. (فاستخرج منه) أي من ظهر آدم، قال الشيخ - رضي الله عنه - في (١) ((المنتقى)) (٢٠٢/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٥/٤). ٢١ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٠) حدیث ذُرِّيَّةً. فَقَالَ: خَلَقْتُ هُؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجِنَّةِ يَعْمَلُونَ. ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً. فَقَالَ: خَلَقْتُ هُؤُلَاءِ لِلنَّارِ وِبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ)) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ، استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنَّةَ. ((البذل))(١): أي بواسطة ظهور الأخر، كما هو مدلول الآية، وإنما أسند الكل إلى ظهر آدم لكونهم راجعين إليه بواسطة آبائهم، اهـ. (ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة) أي لأدخلهم في الجنة يوم القيامة (وبعمل أهل الجنة) وهو العمل بالطاعات والاجتناب عن المعاصي (يعملون) في الدنيا (ثم مسح ظهره مرة) أخرى (فاستخرج) أي أخرج (منه ذرية) أخرى (فقال) عز اسمه: (خلقت هؤلاء للنار) يدخلونها يوم القيامة (وبعمل أهل النار) من المعاصي (يعملون) في الدنيا . (فقال رجل) قال الزرقاني(٢): يحتمل أنه عمران بن حصين كما في ((مسند مسدد بن مسرهد)) في نحو هذا الحديث، أو أنه سراقة بن مالك كما في مسلم في نحوه (يا رسول الله فقيم العمل؟) قال الباجي: معناه إذا كان قد يسبق الكتاب بمكان أحدنا من الجنة أو النار، وأنه لا محيد عنه ولا بد منه، فلم نتكلف العمل، اهــ يعني لا حاجة إذاً إلى عمل؛ لأنه سيصير إلى ما قُدِّر له. (فقال رسول الله وَ له: إن الله) تبارك وتعالى (إذا خلق العبد) ليصير آخراً (للجنة استعمله) أي وفقه (بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به) أي بسبب ذلك العمل (الجنة) بالنصب على المفعولية (١) ((بذل المجهود)) (٢٣٣/١٨). (٢) ((شرح الزرقاني) (٢٤٥/٤). ٢٢ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٠) حديث وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ. اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ. حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ. فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ)). أخرجه أبو داود في: ٣٩ - كتاب السنة، ١٦ - باب في القدر. والترمذي في: ٤٤ - كتاب الفسير، ٧ - سورة الأعراف، حديث ٢. (وإذا خلق العبد للنار استعمله) في الدنيا (بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار) وإنما العبرة بالخواتيم. وقد روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: حدّثنا رسول الله وَاله وهو الصادق المصدوق: ((إن خلق أحدكم يُجْمَعُ في بطن أمه أربعين يوماً أو أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث الله إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل عمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها))(١). وهذا يقتضي أنه سبق الكتاب بما يعمل وبما يصير إليه، وأنه سبق الكتاب بأن يعمل في أول عمره عملاً صالحاً، ثم في آخر عمره عملاً سيئاً ثم يموت عليه وينقلب إليه، وقد سبق الكتاب بأن يعمل في أول عمره عملاً سيئاً، وفي آخره عملاً صالحاً ثم يموت عليه فيصير إليه، كذا في ((المنتقى))(٢). قال الزرقاني(٣): وحديث الباب أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه من طريق مالك به، وصححه الحاكم، وهو من التفسير المرفوع، (١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣). (٢) (٢٠٣/٧). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٦/٤). ٢٣ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٠) حديث وشواهده كثيرة كحديث ((الصحيحين)) عن عمران بن حصين، قال رجل: يا رسول الله: أَعُلِمَ أهلُ الجنة من أهل النار؟ قال: ((نعم))، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: ((كلٌّ مُيسر لما خلق له)»، وتناقض ابن عبد البر، فقال أولاً: حديث منقطع، لأن مسلم بن يسار لم يلق عمر - رضي الله عنه -، وبينهما نعيم بن ربيعة، ثم أخرجه من طريق النسائي وغيره عن أبي عبد الرحيم عن زيد عن عبد الحميد عن مسلم عن نعيم بن ربيعة، قال: كنت عند عمر - رضي الله عنه - فسأله رجل عن هذه الآية فذكر الحديث، ثم قال: زيادة من زاد نعيماً ليست بحجة؛ لأن الذين لم يذكروه أحفظ، وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقن . قال الزرقاني: فحيث لم تقبل فهي من المزيد في متصل الأسانيد، فيناقض قوله أولاً: منقطع بينهما نعيم، وأما قوله: وبالجملة، فإسناده ليس بالقائم، فمسلم، ونعيم غير معروفين بحمل العلم، لكن صح معناه من وجوه كثيرة عن عمر وغيره، فإن هذا ليس بعلة قادحة، انتهى كلام الزرقاني، وقال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): في إسناد هذا الحديث علتان، قد بينتهما في كتاب ((التمهيد))(٢)، اهـ. وما ذكره أن النسائي أخرجه بواسطة نعيم لم أجده في ((المجتبى))، فيمكن أن يكون تخريجه في ((الكبرى))، نعم أخرجه أبو داود(٣) بواسطته، فإنه أخرج الحديث أولاً من طريق مالك بدون الواسطة، ثم أخرجه برواية عمر بن جعفر القرشي عن زيد بن أبي أنيسة، فذكر فيه واسطة نعيم بن ربيعة، وذكر الحافظ (١) (ص٥٤). (٢) (٤/٦). (٣) (٤٧٠٣، ٤٧٠٤). ٢٤ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠١) حديث ٣/١٦٠١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ في ((تهذيبه))(١) ترجمة نعيم هذا، ورقم عليه لأبي داود فقط، فقال: نعيم بن ربيعة الأزدي عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ الآية، وعند مسلم بن يسار الجهني، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، اهـ. والحديث أخرجه الحاكم من طريق مالك، بدون واسطة نعيم، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، اهـ. وتعقب عليه الذهبي فقال: فيه إرسال، اهـ. ٣/١٦٠١ - (مالك أنه بلغه) قال الزرقاني(٢): إن بلاغه صحيح، كما قال ابن عيينة، وقد أخرجه ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، اهـ. وقال في ((التجريد))(٣): هذا حديث محفوظ مشهور عن النبي ◌ّله عند أهل العلم شهرة يكاد يستغنى بها عن الإسناد، وقد ذكرناه مسنداً في كتاب ((التمهيد)»(٤)، اهـ. قلت: وذكر الحديث صاحب ((المشكاة)»(٥) عن مالك مرسلاً كما في ((الموطأ))، وأخرج الحاكم في ((المستدرك))(٦) بسنده إلى ابن عباس: أن رسول الله ﴾ خطب الناس في حجة الوداع، فقال: ((قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم))، الحديث، وفيه: ((إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً؛ كتاب الله وسنة نبيه وَ ل(9))، ثم قال: وقد وجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة، فذكر بإسناده إليه، قال: قال رسول الله وَلّى: ((إني قد تركت (١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٤٦٤/١٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٦/٤). (٣) (ص٢٥١). (٤) ((التمهيد)) (٣٣١/٢٤). (٥) ح (١٨٦). (٦) (٩٣/١). ٢٥ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠١) حدیث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا مَسَكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِّهِ)). فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما؛ كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض)). (أن رسول الله وَ ل ير قال: تركت) بصيغة المتكلم (فيكم) بعد وفاتي (أمرين) قال صاحب ((المحلى)): أي ((شيئين)) عظيمين أو حكمين، اهـ. وفي رواية أبي هريرة المتقدمة عند الحاكم شيئين (لن تضلوا ما) بمعنى ما دام (تمسكتم) بزيادة المثناة الفوقية في أوله في جميع النسخ الهندية والمصرية من التسمك، وفي نسخة الزرقاني بدون التاء، وضبطه بفتح الميم والسين يعني من المجرد، والمعنى لن تضلوا مدة تمسككم وتعلقكم (بهما كتاب الله وسنة نبيه) وَله بنصبهما على البدلّة من أمرين، قال صاحب ((المحلى)): أو بتقدير أعني، أو مرفوعان على الخبرية، اهـ. والمعنى أنهما الأصلان اللذان لا عدول عنهما، ولا هدي إلا منهما، والعصمة والنجاة لمن تمسك بهما واعتصم بحبلهما . قال الباجي(١): قال ذلك على سبيل الحض على تعلمهما أو التمسك بهما والاقتداء بما فيهما، وبَيَّن ◌َّ الأمرين فقال: ((كتاب الله وسنة رسوله وَلَ)) يريد - والله أعلم - ما سَنَّه وشرعه، وأنبأنا عن تحليله وتحريمه وغير ذلك من سننه، وهذا فيما كان فيه كتاب أو سنة، وما لم يكن فيه كتاب ولا سنة فمردود إليهما ومعتبر بهما، وقد روى ابن وهب عن مالك في ((المجموعة)): الحكم على وجهين، فالذي يحكم بالقرآن والسنة فذلك الصواب، والذي يجهد العالم نفسه فيه فيما لم يأت فيه شيء فلعله يوفق، وثالث متكلف بمالا يعلم، فما أشبه أن لا يوفق. ومقتضى هذا - والله أعلم - أن الحكم بالكتاب والسنة مقدم فيما فيه (١) ((المنتقى)) (٢٠٣/٧). ٢٦ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٢) حديث ٤/١٦٠٢ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسِ الْيَمَانِيِّ؛ كتاب أو سنة، وما عدم ذلك فيه اجتهد العالم فيه بالرأي والقياس، والردّ إلى ما ثبت بالكتاب والسنة، وأما الجاهل فلا يتعرض لذلك، فإنه متكلف بما لا يعلم، وبما لم يكلفه، ويوشك أن لا يوفق، اهـ. والكتاب والسنة مملوءان بمسألة القدر، ولذا يقال للعاملين بهما، ومنهم القائلون بالقدر: أهل السنة والجماعة، ولذا ذكره الإمام في باب القدر، وكتب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - في مكتوبه الطويل الذي كتبه في القدر أخرجه أبو داود(١): أوصيك بتقوى الله، واتباع سنة نبيه وَله، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، فعليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، إلى آخر ما ذكره. ٤/١٦٠٢ - (مالك) الحديث أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢) برواية عبد الأعلى وقتيبة، كلاهما عن مالك بهذا الإسناد والمتن (عن زياد بن سعد) بسكون العين ابن عبد الرحمن الخراساني، تقدمت ترجمته في ((زكاة ما يخرص))، قال ابن عبد البر في ((التجريد))(٣): لمالك عنه ثلاثة أحاديث: أحدها مسند، والثاني مرسل، والثالث موقوف، ثم ذكر أولاً حديث الباب، ثم ذكر حديث ((سَدَلَ رسولُ اللهِ وَّ ناصيتَه))، ثم ذكر حديث الصدقة، قلت: وله موقوف آخر يأتي بعد ذلك. (عن عمرو) بفتح العين وسكون الميم (ابن مسلم) الجندي بفتح الجيم والنون (اليماني)، من رواة مسلم وغيره، قال في ((التقريب)): صدوق، له أوهام، من السادسة. (عن طاووس) بن كيسان (اليماني)، يقال: اسمه ذكوان، وطاووس لقبه. (١) انظر: ((سنن أبي داود)) (٢٠٣/٤). (٢) (٢٦٥٥). (٣) (ص٥٥). ٢٧ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٢) حديث أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاساً مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللَّهِ وَ لِّ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ . قَالَ طَاؤُسٌ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿: ((كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ، (أنه قال: أدركت ناساً) أي جماعة (من أصحاب رسول الله وَل يقولون) قال الباجي(١): قال ذلك على وجه التصحيح لما حكاه لفضل القائلين له وعلمهم ودينهم، وأنهم الذين صحبوا رسول الله مَ﴿، وعلموا ما جاء به، وتكرر أخذهم وسماعهم لما قاله، وفهمهم المراد وسؤالهم النبي ◌َّ عما أشكل عليهم، واتفاقهم على صحة النقل عنه، فسمعهم يقولون: (كل شيء بقدر) أي جميع الأمور إنما هي بتقدير الله تعالى في الأزل، فما قُدِّر لا بد من وقوعه. أو المراد كل المخلوقات بتقدير محكم، وهو الإرادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب، قاله الزرقاني (٢). قال الباجي(٣): وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ( ٤٩ ويحتمل من جهة مقتضى لسان العرب معاني: أحدها: أن يكون معناه خلقنا منه شيئاً مقدراً، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، الثاني: خلقناه على قدر ما لا يزاد فيه ولا ينقص، قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾، الثالث: أن يكون معناه نقدره عليه، قال تعالى: ﴿بَ قَدِرِينَ عَلَى أَن ◌َُّوِّىَ بَنَهُ ﴾﴾، الرابع: بقدر أن نخلقه في وقته، فقدر له عز وجل وقتاً يخلقه فيه، اهـ. (قال طاووس: وسمعت عبد الله بن عمر) بن الخطاب - رضي الله عنه - (يقول: قال رسول الله وَلقر: كل شيء) متبدأ خبره يكون (بقدر حتى العجز والكَيْس) بفتح الكاف وسكون الياء، آخره سين مهملة، قال عياض: رويناه (١) ((المنتقى)) (٢٠٣/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٦/٤). (٣) ((المنتقى)) (٢٠٤/٧). ٢٨ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٢) حديث بالخَفض عطفاً على شيء، والرفع عطفاً على كل، وقد تكون حتى جارة، وهو أحد معانيها، وفي ((المحلى)): قال التوربشتي: الجر أكثر، وقال النووي: العجز عدم القدرة، أو هو ترك ما يجب فعله وتأخيره عن وقته، أو العجز عن الطاعات، أو هو عامٌ في أمور الدنيا والآخرة، والكَيْسُ ضد العجز، وهو النشاط والحذق بالأمور، وقيل: هو كمال العقل، وشدة معرفة الأمور، وتمييز ما فيه النفع عما فيه الضرر، والعجز مقابله. قال الطيبي: قوبل الكيس بالعجز على المراد على المعنى، لأن المقابل الحقيقي للكيس البلادة، وللعجز القدرة، وفائدة هذا الأسلوب تقييد كل من اللفظين بما يقابل الآخر، كأنه قيل: حتى الكيس والقدرة والبلادة والعجز، وقال التوربشتي: الكيس جودة الفرعية، وإنما أتى به في مقابلة العجز؛ لأنه هو الخصلة التي يفضي صاحبها إلى الجلادة وإتيان الأمور من أبوابها، وذلك نقيض العجز، ولهذا المعنى كنوا به عن الغلبة، فقالوا: كايسه مكايسة: أي غلبه، والعجز هاهنا عدم القدرة، أو ترك ما يجب فعله بالتأخر فيه، يعني أن الكيس يتضمن معنى القدرة، اهـ. قال الزرقاني(١): والعجز يحتمل أنه على ظاهره، وهو عدم القدرة، وقيل: هو ترك ما يجب فعله، والتسويف فيه حتى يخرج وقته، ويحتمل أن يريد به عمل الطاعات، ويحتمل أمر الدنيا والآخرة، والكيس ضد العجز، وهو النشاط في تحصيل المطلوب. قال: وإدخال مالك وغيره هذا الحديث في كتاب القدر يدل على أن المراد به ههنا ما قدر الله سبحانه وقضى به وأراده من خلقه، اهـ. قال الزرقاني: وهو وجيه، لكن تعقب الأبي تفسير العجز بعدم القدرة (١) (شرح الزرقاني)) (٢٤٧/٤). ٢٩ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٢) حديث أَوِ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ)). أخرجه مسلم في: ٤٦ - كتاب القدر، ٤ - باب كل شيء بقدر، حديث ١٨. يصيره عدماً، وهو عند المتكلمين صفة ثبوتية يمتنع معها وقوع الفعل الممكن، ورجح الطيبي أن ((حتى)) حرف جر بمعنى إلى، نحو ﴿حَّى مَطْلَعَ الْفَجْرِ﴾، لأن المعنى يقتضي الغاية، إذ المراد أن أفعال العباد واكتسابهم كلها بتقدير خالقهم، حتى الكيس الموصل صاحبه إلى البغية، والعجز الذي يتأخر به عن دركها . قال القرطبي: ومعنى الحديث ما من شيء يقع في الوجود إلا وسبق علمه به، وتعلقت به إرادته، ولذا أتى بكل التي هي للعموم، وعقبها بحتى التي هي للغاية، وإنما عبر بالعجز والكيس ليبين أن أفعالنا وإن كانت مرادة لنا فهي لا تقع إلا بإرادة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ الله﴾، اهـ. (أو الكيس والعجز) هكذا في النسخ المصرية، وليس هذا في النسخ الهندية، والصواب وجوده في رواية يحيى، قال الباجي(١): على وجه الشك من الراوي، ومعناه - والله أعلم - أن كل شي بقدر، وأن العاجز قد قُدِّرَ عجزه، والكيس قد قُدِّرَ کیسه، اهـ. قال ابن عبد البر(٢): فإن صح أن الشك من ابن عمر أو من دونه، ففيه مراعاة على رتبتها، وأظنه من ورع ابن عمر - رضي الله عنه -، والذي عليه العلماء جواز الرواية بالمعنى للعارف بالمعاني، اهـ. وقال ابن عبد البر في ((التجريد))(٣): هكذا روى يحيى هذا الحديث على الشك في تقديم إحدى اللفظين، وتابعه ابن بكير وأبو مصعب، وروته طائفة على القطع بلا شك، ورواه القعنبي وابن وهب موقوفاً، لم يزيدوا على قول (١) ((المنتقى)) (٢٠٤/٧). (٢) ((التمهيد)) (٢٣١/٢٤). (٣) (ص٥٥). ٣٠ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٣) حديث ٥/١٦٠٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْن دِينَارِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي طاووس: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله وَ * يقولون: كل شيء بقدر انتهى. قلت: وهكذا بالشك في رواية مسلم المتقدمة في أول الحديث. ٥/١٦٠٣ - (مالك عن زياد بن سعد) المذكور آنفاً، فما في بعض النسخ بدله ابن سعيد تحريف، ولم يذكر هذا الحديث ابن عبد البر في ((التجريد)) في الأحاديث الثلاثة التي ذكرها لزياد كما تقدم قريباً (عن عمرو) بفتح العين وسكون الميم (ابن دينار) المكي أبو محمد الجمحي، ثقة، ثبت، من رواة الستة، مات سنة ١٢٦ هـ. (أنه قال: سمعت عبد الله بن الزبير) رضي الله عنه (يقول في خطبته) في زمان خلافته (إن الله) تبارك وتعالى (هو الهادي) الذي يبين الرشد من الغيّ، وألهم طرق المصالح الدينية كل مكلف، والدنيوية كل حي، قاله الزرقاني. وقد قال عزّ اسمه لنبيه وَ لل حين حرص على إيمان عمه أبي طالب: ﴾ (١) ٥٦ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ قال صاحب ((الجمل)) (٢): فيكون معنى الهداية خلق الاهتداء، وهو المذكور في كلام مشايخ أهل السنة، وحينئذٍ فلا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(٣)؛ لأن الذي أثبت، وأضيف إليه الدعوة، والذي نفي عنه هدایته، التوفيق، وشرح الصدر، اهـ. قال الباجي(٤): الهداية تكون على معنيين؛ أحدهما بمعنى الإيضاح (١) سورة القصص: الآية ٥٦. (٢) (٣٧/٦). (٣) سورة الشورى: الآية ٥٢. (٤) ((المنتقى)) (٢٠٤/٧). ٣١ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٤) حديث وَالْفَاتِنُ . ٦/١٦٠٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكِ؛ والإرشاد، والآخر بمعنى التوفيق، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبْتَ﴾ الآية، ولا يجوز أن يريد به ههنا الإرشاد، لأنه لا خلاف بين المسلمين أن النبي ◌ََّ قد أَرْشَدَ، وبَيّنَ، وأوضح، وبلغ من يحب ومن لا يحب، اهـ. (والفاتن) بمعنى المضلّ الوارد في أسمائه تعالى، ولكن هذا وارد أيضاً عن صحابي، فهو توقيف، إذ لا يقال بالرأي، وفي التنزيل: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَا قَوْمَكَ﴾(١)، و﴿إِنَّ هِىَ إِلَّا فِئْتَنْكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ﴾(٢)، وأخرج أبو عمر عن عطاء بن أبي رباح: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: أرأيت من حرمني الهدى وأورثني الضلالة والردى، أتراه أحسن إليّ أو ظلمني؟ فقال ابن عباس: إذا كان الهدى شيئاً كان لك عنده فمنعك فقد ظلمك، وإن كان الهدى له يؤتيه من يشاء فما ظلمك شيئاً، ولا تجالسني بعد، وبهذا أجاب ربيعة غيلان القدري، لما سأله، وإنما أخذه من قول ابن عباس، قاله الزرقاني(٣). وقال الباجي(٤): الفتنة معناها في كلام العرب الاختبار إلا أنها مستعملة في عرف التخاطب في معنى الخذلان، يقال: فتن فلان إذا خذل وضل، وفلان مفتون، ويدل على صحة هذا التأويل أنه قال: الهادي بمعنى الموفق، فمعناه - والله أعلم - أنه الموفق بفضله، والخاذل لمن شاء بعدله، لا إله إلا هو الفعال لما يريد، اهـ. ٦/١٦٠٤ - (مالك عن عمه أبي سهيل) مصغراً اسمه نافع (بن مالك) بن (١) سورة طه: الآية ٨٥. (٢) سورة الأعراف: الآية ٥٥. (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٧/٤). (٤) ((المنتقى)) (٢٠٥/٧). ٣٢ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٤) حديث أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: مَا رَأْيُكَ فِى هُؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ؟ فَقُلْتُ: رَأْبِي أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ. فَإِنَّ تَابُوا، وَإِلَّا عَرَضْتَهُمْ عَلَى السَّيْفِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَذَلِكَ رَأْيِي. قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ رَأْيِي. أبي عامر (أنه قال: كنت أسير مع) أمير المؤمنين (عمر بن عبد العزيز فقال) لي: (ما رأيك في هؤلاء القدرية؟) يعني ما أفعل بهم؟ قال الباجي: اختلف أهل العلم فيما سموا به قدرية، فقال قوم من أهل العلم: سموا به لأنهم نفوا القدر، وقال قوم: سموا بذلك لأنهم ادعوا أن لهم قدرة على خلق أفعالهم، ونفوا قدرة الباري سبحانه عليهم، اهـ. (فقلت: رأيي أن تَسْتَتِيْبَهُم) أي تطلب منهم التوبة عن عقيدتهم الفاسدة (فإن قبلوا) أي التوبة، وتابوا فاقبل توبتهم وخل سبيلهم (وإلا) أي إن لم يتوبوا (عَرَضْتَهُم) بتخفيف الراء المهملة من العرض (على السيف) كناية عن قتلهم (فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك) الذي رأيك (رأيي فيهم قال) الإمام (مالك: وذلك رأيي فيهم) أنهم إن لم يتوبوا يقتلوا، قال الرزقاني: دفعاً لفسادهم وقطعاً لبدعتهم لا للكفر، اهـ. وفي ((المحلى)): قول مالك: وذلك رأيي فيهم ظاهره القول بتكفيرهم، وقال ابن القاسم: هم مسلمون، وإنما قتلوا لرأيهم السوء، قال القاضي: إنما قال مالك في القدرية، وسائر أهل البدع يُستتابون، فإن تابوا وإلا فقتلوا؛ لأنه من الفساد في الأرض، كذا ذكره عياض في ((الشفاء)). وقد يتمسك للكفر بحديث ابن عباس عند الترمذي (١): ((صِنْفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية))، والمحققون على أن لا يسارع إلى تكفير أهل الأهواء المتأوِّلِين؛ لأنهم بمنزلة الجاهل، والحديث (١) ((سنن الترمذي)) (٤٥٤/٤). ٣٣ ٤٧ - كتاب القدر (١) باب (١٦٠٤) حديث . محمول على سوء الحظ وقلة النصيب، وكذا كلما وقع في شأنهم مما يدل على التكفير، فهو من باب الزجر والمبالغة، قال عياض: أكثر قول مالك وأصحابه ترك القول بتكفيرهم، والمبالغة في عقوبتهم، وإطالة سجنهم حتى تستبين توبتهم، وهذا قول محمد بن المواز في الخوارج وعبد المالك بن الماجشون، وقول سحنون في جميع أهل الأهواء. قال عياض: وممن روي عنه القول بترك تكفيرهم عليّ وابن عمر - رضي الله عنهما -، والحسن البصري وجماعة، واحتجُّوا بتوريث الصحابة وَرَثة أهل حروراء، ومن عرف بالقدر منهم، ودفنهم في مقابر المسلمين، قال: وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وقالوا: هم فُسَّاقٌ وعُصَاةٌ، قال سحنون: ولا إعادة على من صلّى خلفهم في وقت ولا في غيره، قال: وهو قول جميع أصحاب مالك إلى آخر ما بسطه. وقال النووي في ((شرح مسلم))(١) في حديث يحيى بن يعمر، إذ قال لابن عمر - رضي الله عنه: ظهر قِبلنا ناس يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف أي مستأنف، لم يسبق به قدر، ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه: وهذا قول غلاتهم، وليس قول جميع القدرية، وقول ابن عمر - رضي الله عنه - هذا ظاهر في تكفيره القدرية. قال القاضي عياض: هذا في القدرية الأولى الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات، قال: والقائل بهذا كافر بلا خلاف، اهـ. قال ابن عابدين(٢): حكم الخوارج عند جمهور الفقهاء والمحدثين حكم البغاة، وذهب بعض المحدثين إلى كفرهم، قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً (١) (١٥٦/١). (٢) ((رد المحتار)) (٤٠٠/٦). ٣٤ ٤٧ - كتاب القدر (٢) باب (١٦٠٥) حدیث (٢) باب جامع ما جاء في أهل القدر ١٦٠٥/ ٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ وافق أهل الحديث على تكفيرهم، وهذا يقتضي نقل إجماع الفقهاء، وقد ذكر في ((المحيط)) أن بعض الفقهاء لا يكفر أحداً من أهل البدع، وبعضهم يكفّر من خالف منهم ببدعته دليلاً قطعياً، ونسبه إلى أكثر أهل السنة، والنقل الأول أثبت. نعم يقع في كلام أهل مذهب تكفير كثير، لكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من غيرهم. ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا، وابن المنذر أعرف بنقل مذاهب المجتهدين، لكن صرح في كتابه ((المسايرة)) بالاتفاق على تكفير المخالف فيما كان من أصول الدين وضرورياته، كالقول بقدم العالم ونفي حشر الأجساد، ونفي العمل بالجزئيات، وأن الخلاف في غيره كنفي مبادئ الصفات والقول بخلق القرآن، اهـ. (٢) جامع ما جاء في أهل القدر يعني الروايات المتفرقة المتضمنة لأمور تتعلق بالقدر. ٧/١٦٠٥ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله ( * قال: لا تسأل المرأة)، ولفظ البخاري برواية أبي سلمة عن أبي هريرة: ((لا يحل لامرأة تسأل)). قال الحافظ(١): ظاهره التحريم؛ وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوز ذلك، كرَيْبَةٍ في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر معها في عصمة (١) ((فتح الباري)) (٢١٩/٩). ٣٥ ٤٧ - كتاب القدر (٢) باب (١٦٠٥) حديث طَلَاقَ أُخْتِهَا. الزوج، ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة أو لِضَرَرٍ يحصل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون سؤالها ذلك بعوض، وللزوج رغبة في ذلك، فيكون كالخلع مع الأجنبي إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة، وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب، فلو فعل ذلك لم يفسخ النكاح، وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في التحريم، ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، اهـ. قال الباجي(١): نهى رسول الله وَ ◌ّ ر عن ذلك لما فيه من البغي والأذى والظلم للتي يشترط طلاقها، ويحتمل أن يريد به وسليه ما يشترط النساء عند عقد النكاح، من أن كل امرأة معه طالق، وأن لا يتزوج عليها ولا يتسرَّى معها ولا يتخذ أم ولد، اهـ. (طلاق أختها) قال النووي(٢): المراد بأختها غيرها، سواء كانت أختها من النسب أو الرضاع، أو الدين، ويلحق بذلك الكافرة في الحكم، وإن لم تكن أختاً في الدين، إما لأن المراد الغالب أو أنها أختها في الجنس الآدمي، وحمل ابن عبد البر الأخت هاهنا على الضَّرَّة، فقال: فيه من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به، وهذا يمكن في الرواية التي وقعت بلفظ: ((لا تسأل المرأة طلاق أختها))، أما الرواية التي فيها لفظ الشرط، فظاهرها أنها في الأجنبية. ويؤيده قوله فيها: ((ولتنكح)) أي ولتتزوج الزوج المذكور من غير أن يشترط أن يطلق التي قبلها، وعلى هذا فالمراد بالأخت: الأخت في الدين، ويؤيده زيادة ابن حبان في آخره من طريق أبي كثير عن أبي هريرة بلفظ: ((لا تسأل (١) ((المنتقى)) (٢٠٧/٧). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٢٠/٩). ٣٦ ٤٧ - كتاب القدر (٢) باب (١٦٠٥) حديث لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، وَلِتَنْكِحَ. المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، فإن المسلمة أخت المسلمة))، وقد تقدم في ((باب لا يخطب الرجل على خطبة أخيه))، نقل الخلاف عن الأوزاعي وبعض الشافعية أن ذلك مخصوص بالمسلمة، وبه جزم أبو الشيخ في كتاب النكاح، ويأتي مثله ههنا، ويجيء على رأي أبي القاسم أن يستثنى ما إذا كان المسؤول طلاقها فاسقةً، وعند الجمهور لا فرق، اهـ. وقال الباجي(١): إنما أراد أختها في الدين، ووصفها بذلك ليذكر ما بينهما من الحرمة التي توجب إشفاقها عليها، وترك مضارتها، اهـ. (لتستفرغ) بكسر اللام وفتح المثناتين الفوقيتين وكسر الراء المهملة، (صحفتها) قال صاحب ((النهاية)): الصحفة: إناء كالقصعة المبسوطة، قال القاري: أي لتجعل قصعة أختها فارغة عما فيها من الطعام، وهذا مثل ضربه لحيازة الضرة حق صاحبتها لنفسها، وقال الطيبي: أي تفوز بحظها، اهـ. وقال الحافظ(٢): يفسر المراد بقوله: تكتفىء بالهمز افتعال من كفأت الإناء إذا قلبته وأفرغت ما فيه، قال: وهذا مَثَلٌ يريد الاستئثار عليها بحظها، فيكون كمن قلب إناء غيره في إنائه، اهـ. وفي رواية البيهقي ((لتستفرغ إناء أختها))، (ولتنكح) قال الزرقاني(٣): بإسكان اللام والجزم، أي ولتتزوج هذه المرأة من خطبها من غير أن تسأله طلاق أختها، اهـ. وقال القاري(٤): لتنكح بصيغة المعلوم منصوب بالعطف على (لتستفرغ)» (١) ((المنتقى)) (٢٠٧/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٢٢٠/٩). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٨/٤). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١٢/٤). ٣٧ ٤٧ - كتاب القدر (٢) باب (١٦٠٥) حديث فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا)). أخرجه البخاريّ في: ٨٢ - كتاب القدر، ٤ - باب وكان أمر الله قدراً مقدوراً. أي ولتنكح زوجها ليكون جميع مال ذلك الرجل للطالبة، كذا قيل، والمعنى لتنكح هذه المرأة الزوج خاصة أي لتنكح طالبة الطلاق زوج تلك المطلقة، وإن كانت الطالبة والمطلوبة تحت رجل، يحتمل أن يعود ضميره إلى المطلوبة، يعني ولتنكح ضرّتُها زوجاً آخر، فلا تشترك معها، أو مجزوم بالعطف على تسأل، أي ولتنكح زوجاً غيره، وقيل: بصيغة المجهول، أي ولتجعل منكوحة له، وقال ابن الملك في شرحه («للمشارق)»: روي لتنكح بصيغة الأمر المعلوم أو المجهول عطفاً على قوله: لا تسأل، يعني لتثبت المرأة على نكاحها الكائن على ضرتها قانعة بما يحصل لها فيه، أو معناه لتنكح تلك المرأة الغير المنكوحة زوجاً غير زوج أختها، ولتترك ذلك الزوج، اهـ. وقال الحافظ (١): ولتنكح بكسر اللام وبإسكانها ويسكون الحاء على الأمر، ويحتمل النصب عطفاً على قوله: لتكتفىء فيكون تعليلاً لسؤال طلاقها، ويتعين على هذا كسر اللام، ثم يحتمل أن يكون المراد، ولتنكح ذلك الرجل من غير أن تتعرض لإخراج الضرة من عصمته، بل تكل الأمر في ذلك إلى ما يقدره الله، ويحتمل أن يكون المراد تنكح زوجاً غيره، أو المراد ما يشمل الأمرين، والمعنى لتنكح من تيسر لها، اهـ. (فإنما لها) أي للسائلة (ما قدر لها) ببناء المجهول، أي لن يعدو ذلك ما قسم لها، ولن تستتزيد به شيئاً(٢). قال ابن عبد البر: هذا الحديث من أحاديث القدر عند أهل العلم؛ لما (١) ((فتح الباري)) (٢١٩/٩). (٢) نفس المصدر (٤٩٥/١٠). ٣٨ ٤٧ - كتاب القدر (٢) باب (١٦٠٦) حديث ٨/١٦٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ. وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ. دل عليه من أن الزوج لو أجابها، وطلق من تظن أنها تزاحمها في رزقها، فإنه لا يحصل لها من ذلك إلا ما كتب الله لها، قاله الزرقاني(١)، ولذا ذكره الإمام في أبواب القدر. ٨/١٦٠٦ - (مالك عن يزيد بن زياد) بن أبي زياد، وقد ينسب لجده، قال ابن عبد البر في ((التجريد))(٢): له حديثان، أحدهما موقوف، وهو هذا. والثاني تقدم في المواقيت موقوفاً، والمواقيت لا تُدْرَك بالرأي، وقد روي مرفوعاً، كذا قال ابن عبد البر، وأنت ترى أن حديث الباب أيضاً مرفوع إذ قال معاوية في آخره: ((سمعته من رسول الله وَليّ)) فتأمل. (عن محمد بن كعب القرظي) من بني قريظة (قال: قال معاوية بن أبي سفيان) ولبعض الرواة عن مالك كما أفاده أبو عمر، ((قال: سمعت معاوية))، كذا في ((الزرقاني)) (وهو) أي معاوية (على المنبر) النبوي عام حج في خلافته (أيها الناس إنه) الضمير للشأن (لا مانع لما أعطى الله) أي لما أراد الله عز اسمه إعطاءه، وإلا فبعد الإعطاء من كل أحد لا مانع له، إذ الواقع لا يرتفع، قاله الزرقاني (ولا معطي لما منع الله) أي لا يمكن ذلك، وما موصولة، وجملة أعطى صلة ما، والعائد محذوف، وقيل في وجه إعرابه غير ذلك، ذكره الزرقاني(٣). وقال: الرواية على بنائه من غير تنوين. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٨/٤). (٢) (ص٢٠٨). (٣) (شرح الزرقاني)) (٢٤٨/٤). ٣٩ ٤٧ - كتاب القدر (٢) باب (١٦٠٦) حديث وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجِدِّ مِنْهُ الْجِدُّ. قال الباجي(١): يريد أن ما أعطى الله من خير دين أو دنيا، فلا مانع له، وما منع من ذلك فلا معطي له، وهو نحو قوله عز وجل: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَ رَآَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءٍ﴾(٢)، اهـ. (ولا ينفع ذا الجد منه الجد) بفتح الجيم فيهما على المشهور، ومنه يتعلق بينفع، أي لا ينفع صاحب الحظ من نزول عذابه حظه، وإنما ينفعه عمله الصالح، قال ابن عبد البر: الرواية بفتح الجيم، لا أعلم فيه خلافاً عن مالك، وهو الحظ، وهو الذي تقوله العامة البخت، وقال أبو عبيد: معناه لا ينفع ذا الغنى منه غناه، وإنما تنفعه طاعته، واحتج بحديث ((قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها الفقراء، وإذا أصحاب الجد محبوسون))، أي أصحاب الغنى في الدنيا محبوسون، قال: وهو حسن أيضاً، وروي بكسر الجيم أي الاجتهاد، والمعنى لا ينفع ذا الاجتهاد في طلب الزرق اجتهاده، وإنما يأتيه ما قدر له، وليس يرزق الناس على قدر اجتهادهم، ولكن الله يعطي من يشاء ويمنع، وهذا وجه حسن. وقال الحافظ(٣): الجد بفتح الجيم في جميع الروايات ومعناه الغنى، كما نقله البخاري عن الحسن، أو الحظ، وحكى الراغب أنه أبو الأب، أي لا ينفع أحداً نسبه، وحكي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواه بالكسر، بمعنى الاجتهاد، وأنكره الطبري، قال القزاز: لأن الاجتهاد في العمل نافع لدعاء الله عز اسمه الخلق إليه، فكيف لا ينفع عنده؟ قال: فيحتمل أن المراد الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييع الآخرة، وقال غيره: لعل المراد أنه لا ينفعه بمجرده (١) ((المنتقى)) (٢٠٨/٧). (٢) سورة الأنعام: الآية ١٧. (٣) ((فتح الباري)) (٣٣٢/٢). ٤٠