النص المفهرس
صفحات 661-680
٤٦ - كتاب الجامع (٦) باب فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ. قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَإِلٍ وَحِبَالٍ وَأَقْتَابٍ، ثُمَّ أَغْطَاهُمُ الْقِيمَةَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا. (٦) باب جامع ما جاء في أمر المدينة فوجدهم مرعوبين خائفين لما بلغهم من أخذ خيبر، فصالحوه على نصف الأرض بتربتها، فقبل ذلك منهم، وأمضاه رسول الله وَّه، وصار خالصاً له وَيتِ، ولم يزل أهلها بها حتى أجلى عمر - رضي الله عنه - اليهود، فوجه إليهم من قَوَّمَ نصف التربة بقيمة عدل، فدفعها إلى اليهود، وأجلاهم إلى الشام. (فأقام) أي قَوَّم (لهم عمر) - رضي الله عنه - (نصف الثمر ونصف الأرض قيمة) أي أعطاهم النصف من قيمة الثمر والأرض (من ذهب) هذا مع ما عطف عليه بيان للقيمة (وورق) بكسر الراء أي فضة (وإبل وحبال) جمع حبل بالمهملة (وأقتاب) بالقاف جمع قتب محركاً، الخشب الذي يوضع على ظهر البعير، ليركب عليه (ثم أعطاهم القيمة) أي نصف قيمة الثمر والأرض (وأجلاهم منها) أي من فدك. قال الباجي(١): قال أشهب عن مالك في ((العتبية)): فأما يهود نجران، فخرجوا منها ليس لهم من الثمر ولا من الأرض شيء، وأما يهود فدك، فكان لهم نصف الأرض ونصف الثمر، لأن رسول الله و لو كان صالحهم على نصف النخل ونصف الأرض، فأقام لهم عمر - رضي الله عنه - نصف ذلك بالذهب والورق والإبل وغيرها، فأعطاهم ذلك وأجلاهم منها، اهـ. (٦) جامع ما جاء في أمر المدينة أي الأحاديث المختلفة في هذا الباب. (١) ((المنتقى)) (١٩٦/٧). ٦٦١ ٤٦ - كتاب الجامع (٦) باب (١٥٩٢ - ١٥٩٣) حديث ٢٠/١٥٩٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ. فَقَالَ: ((هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)) . ٢١/١٥٩٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ؛ أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ ٢٠/١٥٩٢ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) مرسلاً عند جميع رواة ((الموطأ)) (١)، وتقدم موصولاً برواية مالك عن عمرو مولى المطلب عن أنس في أول باب ما جاء في تحريم المدينة (أن رسول الله وَلي طلع) أي ظهر (له أحد) الجبل المعروف بالمدينة (فقال: هذا) مشيراً إلى أحد (جبل يحبنا ونحبه) وتقدم أنه تكرر هذا القول منه ◌ّله في الرجوع عن عدة أسفار، وتقدم أيضاً أن للعلماء فيه قولين؛ الحقيقة وهو الأقرب، أو المجاز. ٢١/١٥٩٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن يحيى تابعي سمع أنس بن مالك وعبد الرحمن وإن عاصره، لكنه لم يلق صحابياً فهو تبع تابعي، وهما جميعاً من شيوخ الإمام مالك. (أن أسلم مولى عمر بن الخطاب أخبره) أي أخبر عبد الرحمن (أنه) أي أسلم (زار عبد الله بن عيّاش) بتحتية ثقيلة، فشين معجمة، الصحابي ابن الصحابي، قال الحافظ في ((التعجيل))(٢): عبد الله هذا صحابي شهير، ولد بأرض الحبشة إذ هاجر أبوه إليها، اهـ. فما في ((المحلى)) ولد بأرض الحبشة حفظه عن النبي وَثير، ولم يرو عنه (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٤/٤). (٢) (ص٢٣١). ٦٦٢ ٤٦ - كتاب الجامع (٦) باب (١٥٩٣) حديث الْمَخْزُومِيَّ فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذاً وَهُوَ بِطَرِيقٍ مَكَّةَ. فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ: إِنَّ هُذَا الشَّرَابُ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَحَمَلَ عَبْدُ الله بْنُ عَيَّاشِ قَدَحاً عَظِيماً. فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدَيْهِ. فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ هُذَا لَشَرَابٌ طَيِّبٌ. وأبوه صحابي، وكان أخا أبي جهل لأمه، اهـ. ففيه لفظ حفظه بالضمير الموهم أنه لم يره ◌ّ تحريف من الناسخ، والصواب بدون الضمير، قال الحافظ في (الإصابة))(١): عبد الله بن عياش كان أبوه قديم الإسلام، فهاجر إلى الحبشة، فولد له هذا بها، وحفظ عن النبي 18ّ وعن عمر - رضي الله عنه - وغيره، اهـ. (المخزومي) القرشي (فرأى) أسلم (عنده) أي عند ابن عياش (نبيذاً) بذال معجمة ماء طرح فيه تمر أو زبيب (وهو) أي ابن عياش (بطريق مكة) لعلهم كانوا يذهبون إلى مكة (فقال له) أي لابن عيّاش (أسلم) المذكور: (إن هذا الشراب) الذي أرى عندك (يحبه عمر بن الخطاب). قال الباجي(٢): حثّ لعبد الله بن عياش على أن يحمل إليه منه، وتنبيهه على ذلك لما كان بينهما من القرابة، فإن ابن عياش من أخوال عمر بن الخطاب، فكان ممن يقبل هديته قبل الولاية وبعدها (فحمل عبد الله بن عياش منه) أي من النبيذ الذي كان عنده (قدحاً عظيماً) أي كبيراً (فجاء به إلى عمر بن الخطاب فوضعه) أي القدح (في يده) أي في يد عمر - رضي الله عنه - (فَقَرّبه عمر إلى فيه) قال الباجي: لعله يريد على وجه الاختبار له ومعرفة حاله برائحته (ثم رفع) عمر - رضي الله عنه - (رأسه) عن القدح (فقال عمر: إن هذا الشراب) بفتح لام الإبتداء في النسخ المصرية (٣) وبلام التعريف في النسخ الهندية (طيب) قال الباجي: يحتمل أن يريد به حلالاً، ويحتمل أن يريد به لذيذاً مع كونه حلالاً (١) (٤/٢ /١١٦). (٢) ((المنتقى)) (١٩٦/٧). (٣) كذا في ((الاستذكار)) (٦٣/٢٦) إن هذا لشرابٌ طيبٌ، والحديث في ((التمهيد)) (٣٣/٢٢). ٦٦٣ ٤٦ - كتاب الجامع (٦) باب (١٥٩٣) حدیث فَشَرِبَ مِنْهُ. ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلاً عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ، نَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقُلْتُ: هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئاً. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: فَقُلْتُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئاً. ثُمَّ انْصَرَفَ. (فشرب منه) يسيراً (ثم ناوله رجلاً عن يمينه) فإنه الأدب المعروف عن رسول الله وَلّ قولاً وفعلاً الأيمن فالأيمن. (فلما أدبر) أي ولّى (عبد الله) بن عياش (ناداه عمر بن الخطاب فقال) عمر لابن عياش: (أأنت) بهمزتين في النسخ المصرية، فالأولى استفهامية وبحذفها في النسخ الهندية (القائل) خبر لمبتدأ (لمكة) بلام الابتداء المفتوحة للتأكيد (خير) أي أفضل (من المدينة) المنورة - على صاحبها أفضل صلوات وتحية - (فقال عبد الله) بن عياش: (فقلت) يا أمير المؤمنين (هي) مكة (حَرَم الله وأمْنُه) فإنه تعالى قال: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنَا﴾(١)، (وفيها بيته) أي الكعبة الشريفة (فقال عمر) - رضي الله عنه -: (لا أقول في بيت الله ولا في حرمه شيئاً) أي لا أنكر فضلهما، ولا أسألك عنهما إنما أسألك عن البلدين، هل تقول بأفضلية مكة على المدينة - زادها الله شرفاً وكرامة -. (ثم قال) له (عمر) ثانياً أي كرر سؤاله الأول (أأنت) بهمزتين في المصرية وبحذف الأولى في الهندية (القائل لمكة) قال الباجي: وسئل مالك عن مكة وبكة، فقال: بكة موضع البيت. ومكة غير ذلك يريد القرية، اهـ. (خير من المدينة قال) عبد الله معيداً جوابه الأول (فقلت: هي حرم الله وأمنه، وفيها بيته فقال عمر) ثانياً: (لا أقول في حرم الله ولا في بيته شيئاً) إنما سؤالي عن البلدين (ثم انصرف) عبد الله بن عياش ولم يقل شيئاً. (١) سورة البقرة: الآية ١٢٥. ٦٦٤ ٤٦ - كتاب الجامع (٦) باب (١٥٩٣) حديث قال الباجي(١): قال عيسى بن دينار: كان عمر - رضي الله عنه -، كره تفضيله مكة على المدينة، قال محمد بن عيسى: ولو أقرّ بذلك لضربه يريد لأدبه على تفضيله مكة، وهذا من عمر - رضي الله عنه - يحتمل أن يريد به إنكار تفضيل مكة على المدينة لاعتقاده تفضيل المدينة على مكة، أو هو يرى ترك الأخذ في تفضيل إحداهما على الأخرى، إلا أن الوجه الأول أظهر لما اشتهر من أخذ الصحابة في ذلك دون نكير. ولا خلاف أنه كان السكنى بمكة وغيرها ممنوعاً، والانتقال إلى المدينة مفترضاً قبل الفتح، وقد اختلف العلماء في ذلك بعد الفتح في حق من تقدمت هجرته قبل الفتح، فقال الجمهور: إن ذلك بقي في حقهم، وقال جماعة: إن لمن هاجر قبل الفتح أن يرجع إلى مكة بعد الفتح، إلا أنه لا خلاف أن المقام بالمدينة كان أفضل، ولذلك أقام بها النبي وَلّر والمهاجرون، وقد انتقل جماعة من المدينة إلى العراق والشام، ولم يرجع منهم مشهور بالفضل إلى سكنى مكة، وإنما رجع إليها من صَغُرَ سنُّه عن أن يكون له حكم الهجرة كابن الزبير وابن عباس، والجمهور على خلاف ذلك، فلا خلاف أن المدينة أفضل في حق هؤلاء. وأما من لم تكن له هجرة، فلا خلاف في أنه يجوز له سكنى مكة وسكنى المدينة، وذهب مالك أن سكنى المدينة أفضل، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن سكنى مكة أفضل، واستدل القاضي أبو محمد على ذلك بما روي عن النبي ◌ّلو أنه قال: ((الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها)) قال: يخص بذلك المدينة، وبقوله وَله: ((أمرت بقرية تأكل القرى)) قال: فلا معنى لقوله: تأكل القرى إلا على ترجيح فضلها على غيرها، وقوله وَله: ((اللَّهم حَبِّبْ إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ)) ولا يدعو ◌َّ في أن يُحبِّبَ إلينا سكنى المدينة، وسكنى غيرها أفضل منها . (١) ((المنتقى)) (١٩٧/٧). ٦٦٥ ٤٦ - كتاب الجامع (٦) باب (١٥٩٣) حديث ووجهه من جهة المعنى أن النبي وَ لو اختار سكناها بعد الفتح، فإن كان ذلك قد افترض عليه، فلا يفترض عليه السكنى إلا في أفضل البقاع، وإن يكن ذلك مفترضاً واختاره، فلا يختار الاستيطانه واستيطان أمته وفضلاء الصحابة إلا أفضل البقاع، اهـ. وقال الزرقاني(١): في قول عمر - رضي الله عنه -: لا أقول في بيت الله شيئاً، يعني أن هذا ليس من محل الخلاف، ولم أسألك عنه، وإنما سألتك عن البلدين، ثم كرر السؤال، لينظر هل تغيّر اجتهاده إلى موافقة عمر - رضي الله عنه - في تفضيل المدينة، ولم يتغير اجتهاد أحدهما في موافقة الآخر، وقد اختلف السلف في ذلك، فذهب الأكثر إلى تفضيل مكة، وبه قال الشافعي وابن وهب ومطرف وابن حبيب، واختاره ابن عبد البر وابن رشد وابن عرفة، وذهب عمر وجماعة وأكثر أهل المدينة ومالك وأصحابه سوى من ذكر إلى تفضيل المدينة، واختاره بعض الشافعية، والأدلة كثيرة من الجانبين، حتى قال ابن أبي جمرة بتساوي البلدین. وقال السيوطي في ((الحجج المبينة)): المختار الوقف عن التفضيل لتعارض الأدلة، بل الذي تميل إليه النفس تفضيل المدينة، ثم قال: وإذا تأمل ذو البصيرة لم يجد فضلاً أعطيته مكة، إلا وأعطيت المدينة نظيره وأعلى منه، وجزم في ((خصائصه)) المختار تفضيل المدينة، وموضع الخلاف ما عدا البقعة التي ضمّت أعضاءه و83*، فهي أفضل إجماعاً من جميع بقاع الأرض والسموات، كما حكاه عياض وغيره، ويليها الكعبة، فهي أفضل من بقية المدينة، كما قال الشريف السمهودي، وإليه يومئ كلام عمر بن الخطاب، اهـ. وتقدم شيء من ذلك قريباً في ((باب ما جاء في سكنى المدينة)) وتقدم في (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٥/٤). ٦٦٦ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (٧) باب ما جاء في الطاعون كتاب الجهاد قوله وَّر: ((ما على الأرض بقعة هي أحبُّ إليّ أن يكون قبري بها منها))، أي المدينة، وتقدم هناك شيء من الكلام على التفصيل. (٧) ما جاء في الطاعون بسط الحافظ الكلام على ذلك في ((الفتح)) (١) أشد البسط، لا يسعه هذا المختصر، فإنه ذكر أولاً اختلاف أهل اللغة والأطباء في ذلك، فقال: هو على وزن فاعول من الطعن، عدلوا به عن أصله، ووضعوه دالاً على الموت العام كالوباء، ويقال: طعن فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون، هذا كلام الجوهري، وقال الخليل: الطاعون الوباء، وقال صاحب ((النهاية)): الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء، فتفسد به الأمزجة والأبدان. وقال ابن العربي(٢): الطاعون الوجع الغالب الذي يُطفىء الروح، كالذِّبحة، سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله، وقال الداودي: الطاعون حبة تخرج من الأرقاع، وفي كل طي من الجسد، والصحيح أنه الوباء، وقال عياض: أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسميت طاعوناً لشبهها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعوناً، وقال ابن عبد البر: الطاعون غدَّةٌ تخرج في المراق والإباط، وقد تخرج في الأيدي والأصابع، وحيث شاء الله، وقال النووي: قيل: هو انصباب الدم إلى عضو، وقال آخرون: هو هيجان الدم وانتفاخه، وقال جماعة من الأطباء، منهم أبو علي بن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورماً قتالا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة. (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٨٠/١٠). (٢) انظر: ((القبس)) (١٠٨٩/٣). ٦٦٧ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب قال: وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد، يستحيل إلى جوهر سَمِّيٍّ، يفسد العضو، ويغير ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان، وهو لردأته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قلّ من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبيئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء، وبالعكس، وأما الوباء: فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده، وذكر الحافظ أقوالاً غير ذلك. ثم قال: هذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة وأهل الفقه والأطباء في تعريفه، والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم أو انصباب الدم إلى عضو، فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعوناً مجازاً لاشراكهما في عموم المرض أو كثرة الموت. والدليل على أن الطاعون غير الوباء. ما في البخاري ((أن الطاعون لا يدخل المدينة))، وقد ورد في حديث عائشة - رضي الله عنها - قدمنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله، وقال بلال: أخرجونا إلى أرض الوباء، وغير ذلك من الروايات الدالة، على أن الوباء كان بالمدينة. وقد صرح في الحديث: ((أن الطاعون لا يدخل المدينة))، فدل على أن الوباء غير الطاعون، ومن أطلق على كل وباء طاعوناً، فبطريق المجاز، والذي يفترق به الطاعون من الوباء أصل الطاعون الذي لم يتعرض له الأطباء ولا أكثر من تكلم في تعريف الطاعون، وهو كونه من طعن الجن، ولا يخالف ذلك ما قاله الأطباء من كون الطاعون ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه، لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة، فتحدث منها المادة السَّميّة، ويهيج الدم بسببها، وإنما لم يتعرض الأطباء، لكونه من طعن الجن؛ لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما يعرف من الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم. ٦٦٨ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب وقال الكلاباذي في ((معاني الأخبار)): يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين: قسم: يحصل من غلبة بعض الأخلاط من دم أو صفراء محترقة أو غير ذلك، وقسم: يكون من وخز الجن، كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن، ومما يؤيد أن الطاعون يكون من طعن الجن وقوعه غالباً في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواءً وأطيبها ماءً، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض، لأن الهواء يفسد تارة ويصحّ أخرى، وهذا يذهب أحياناً ويجيء أحياناً على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم، ومما هو في مثل مزاجهم، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه من طعن الجن. كما ثبت في الأحاديث الورادة في ذلك، منها: حديث أبي موسى رفعه(١): ((فناء أمتي بالطعن والطاعون))، قيل: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفنا، فما الطاعون؟ قال: ((وخزٌ أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة))، أخرجه أحمد من رواية زياد بن علاقة عن رجل عن أبي موسى، وبسط الحافظ تخريجه، وسمي المبهم في روايةٍ أسامة بن شريك، وفي أخرى غيره، ثم قال: رجاله رجال الصحيحين إلا المبهم، وأسامة بن شريك صحابي مشهور، فالحديث صحيح بهذا الاعتبار، وقد صححه ابن خزيمة والحاكم، وأخرجاه وأحمد والطبراني من وجه آخر عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، قال: سألت عنه رسول الله وَّل، فقال: ((هو وخز أعدائكم من الجن))، ثم ذكر له شاهداً . ثم قال: قال العلماء أراد ◌َ﴿ أن يحصل لأمته أرفع أنواع الشهادة، وهو (١) انظر: ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (٤٧/٣) ج(٣٨٥٨). ٦٦٩ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم، إما من الإنس، وإما من الجن، وقوله: وخزٌ بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها زاي، هو الطعن إذا كان غير نافذ، ووصف طعن الجن بأنه وخز، لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر، فيؤثر في الباطن أولاً، ثم يؤثر في الظاهر، وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الإنس، فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن، فيؤثر في الظاهر أولاً، ثم يؤثر في الباطن، وقد لا ينفذ. قال الحافظ(١): يقع في الألسنة، وهو في ((النهاية)) لابن الأثير بلفظ: وَخْزُ إخوانكم من الجن، ولم أره بلفظ إخوانكم، بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسندة، لا في الكتب المشهورة ولا الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم ((لمسند أحمد)) و((الطبراني)) و((كتاب الطواعين)) لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد منها، والله أعلم، اهـ مختصراً. قلت: ويؤيد كون الطاعون طعناً من الجن ما ورد في روايات عديدة من استواء شهيد الطاعون وشهيد المعركة في القيامة، فقد أخرج أحمد بسند حسن عن عتبة بن عبد السلمي رفعه: ((يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا فإن كان جراحهم كجراح الشهداء تسيل دماً وريحاً كريح المسك، فهم شهداء، فيجدونهم كذلك)». قال الحافظ: وله شاهد من حديث العرباض بن سارية، أخرجه أحمد والنسائي بسند حسن ((يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا في الذين ماتوا بالطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قتلوا كما قتلنا))، الحديث. قال (١) ((فتح الباري)) (١٠/ ١٨٢). ٦٧٠ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (١٥٩٤) حديث ٢٢/١٥٩٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، الزرقاني(١): فإن قيل: إذا كان الطعن من الجن، فكيف يقع في رمضان، والشياطين تُصَفَّدُ فيه وتُسَلْسَلُ، أجيب باحتمال أنهم يطعنون قبل دخول رمضان، ولا يظهر التأثير إلا بعد دخوله، وقيل غير ذلك، اهـ. قلت: والأوجه عندي أن تصفيد الشياطين لا يستلزم تصفيد الجان كلها . ٢٢/١٥٩٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بهذا السند، قال الحافظ(٢): وافق مالكاً على روايته عن ابن شهاب هكذا معمر وغيره، وخالفهم يونس فقال: عن ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث، أخرجه مسلم، ولم يسق لفظه، وساقه ابن خزيمة، وقال: قول مالك ومن تابعه أصحُّ، وبسط في الاختلاف في ذلك، ورجح رواية مالك هذا . (عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب)(٣) العدوي (عن عبد الله بن عبد الله) بفتح العين فيهما (ابن الحارث بن نوفل) بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي أبو يحيى المدني كما في ((التقريب)) و((التهذيب))، فما في الزرقاني بدله المكي لعله سهو من الكاتب، قال الحافظ في ((الفتح)): عبد الحميد بتقديم الحاء المهملة على الميم وروايته عن شيخه من رواية الأقران، وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق، وصحابيان في نسق، وكلهم مدنیون، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٦/١٠). (٢) ((فتح الباري)) (١/ ١٨٤). (٣) انظر: ((التقريب)) (٤٦٨/١). ٦٧١ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (١٥٩٤) حديث .... عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ. قال أبو حاتم: ويقال: عبيد الله، وعبد الله أصح، قتلته السمومُ بالأبواء، وهو مع سليمان بن عبد الله سنة تسع وتسعين، له عند البخاري وأبي داود في رجوع عمر - رضي الله عنه -، لما وقع الوباء بالشام، قال ابن سعد: ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، كذا في ((التهذيب))(١)، يلقب أبوه بيبة بموحدتين مفتوحتين الثانية ثقيلة، ومعناه الممتلىء البدن من النعمة، كذا في ((الفتح))(٢). (عن عبد الله بن عباس) - رضي الله عنه - بشد الموحدة والسين المهملة الصحابي الشهير، ابن عم رسول الله بَّر، كما في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح و((التجريد))، ونسخة ((المحلى)) من الهندية، وفي غيرها من النسخ الهندية ابن عيّاش بشد التحتانية والشين المعجمة، وهو تحريف من الناسخ، فإن البخاري رواه هكذا عن ابن عباس، وبسط الحافظ في اختلاف الرواة في ذلك، لكن لم يذكر أحداً رواه عن ابن عياش. (أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام) ذكر سيف بن عمر في ((الفتوح)) أن ذلك كان في ربيع الآخر سنة ثماني عشرة، وأن الطاعون كان وقع أولاً في المحرم، وفي صفر، ثم ارتفع، فكتبوا إلى عمر - رضي الله عنه -، فخرج حتى إذا كان قريباً من الشام بلغه أنه أشدّ ما كان، فذكر القصة، وذكر خليفة بن خياط أن خروج عمر إلى سرغ كان في سنة سبع عشرة، فالله أعلم. وهذا الطاعون الذي وقع بالشام حينئذٍ هو الذي يسمى طاعون عمواس، بفتح المهملة والميم، وحكي تسكينها وآخره مهملة، قيل: سمي بذلك؛ لأنه عم وواسى، كذا في ((الفتح))(٣) وفي ((الزرقاني)) بدله عم وأساء، قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)): في سنة ثمانية عشرة كان طاعون عمواس، اهـ. (١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٨٤/٥). (٢) ((فتح الباري)) (١٨٤/١٠). (٣) ((فتح الباري)) (١٠/ ١٨٤). ٦٧٢ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (١٥٩٤) حديث قال الباجي(١): خروج عمر - رضي الله عنه - يحتمل أن يقصدها ليطالع أحوالها، فإنها كانت ثغر المسلمين، وعلى الإمام إذا بعد عهده بالثغور أن يتطلعها بالمشاهدة، إن علم أنه يحتاج إلى ذلك. وقال النووي(٢) في فوائد الحديث: ومنها خروج الإمام بنفسه في ولايته في بعض الأوقات ليشاهد أحوال رعيته ويزيل ظلم المظلوم، ويكشف كُرب المكروب، ويسدّ خُلَّة المحتاج، ويقمحُ أهلَ الفساد، ويخافه أهل البطالة والأذى والولاة، ويحذروا تجسسه عليهم، ووصول قبائحهم إليه، فينكفُوا، ويقيم في رعيته شعائر الإسلام، ويؤدب من رآهم مُخِلَّيْن بذلك، ولغير ذلك من المصالح، اهـ. قال الزرقاني(٣): واستخلف على المدينة زيد بن ثابت، واستخلفه مرات في خروجه إلى الحج، وما أظنه استخلف غيره قط، إلا ما حكي عن أبي المليح أن عمر - رضي الله عنه - استخلف مرة على المدينة خالاً له، يقال له: عبد الله، اهـ. وقال أيضاً في موضع آخر: خرج عمر - رضي الله عنه - سنة سبع عشرة بعد فتح بيت المقدس، وخرج إليها قبل ذلك، لما حاصر أبو عبيدة بيت المقدس، وسأله أهله أن يكون صلحهم على يد عمر - رضي الله عنه -، فقدم، وصالحهم، ورجع سنة عشر، قاله في ((المفهم))، وفي ((التمهيد)): خرج عمر - رضي الله عنه - إلى الشام مرتين في قول بعضهم، وقيل: لم يخرج لها إلا مرة واحدة، وهي هذه، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٩٨/٧). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤/٧/ ٢١٢). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٤١/٤). ٦٧٣ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (١٥٩٤) حدیث حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ. أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاح وَأَصْحَابُهُ. (حتى إذا كان) عمر - رضي الله عنه - (بسرغ) بفتح السين وسكون الراء المهملتين بعدها غين معجمة، وحكى ابن وَضَّاح تحريك الراء، وخَطَّأه بعضُهم، مدينة افتتحها أبو عبيدة، وهي واليرموك والجابية متصلات بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة، وقال ابن عبد البر: قيل: إنها وادٍ بتبوك، وقيل: بقرب تبوك، وقال الحازمي: هي أول الحجاز، وهو من منازل حاج الشام، كذا في ((الفتح))(١). وقال الزرقاني: هي بسكون الراء على المشهور، يجوز فيها الصرف وعدمه، وقال في موضع آخر: قال عياض: رويناه بسكون الراء وفتحها، وصوب ابن مكي السكون، وقال مالك وابن حبيب: هي قرية بوادي تبوك، وهي آخر عمل الحجاز، وقيل: مدينة بالشام، اهـ. (لقيه) أي عمر - رضي الله عنه - (أمراء) جمع أمير (الأجناد) بالفتح جمع جند بضم الجيم (أبو عبيدة بن الجراح) أحد العشرة المبشرة (وأصحابه) قال الحافظ: هو خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - قد قسم البلاد بينهم، وجعل أمر القتال إلى خالد، ثم رَدَّه عمر - رضي الله عنه - إلى أبي عبيدة، وكان عمر - رضي الله عنه - قسم الشام أجناداً: الأردن جند، وحمص جند، ودمشق جند، وفلسطين جند، وقنسرين جند، وجعل على كل جند أميراً، ومنهم من قال: كانت قنسرين مع حمص، فكانت أربعة، ثم أفردت قنسرين في أيام يزيد بن معاوية، اهـ. وقال النووي(٢): المراد بالأجناد هاهنا مدن الشام الخمس، وهي (١) ((فتح الباري)) (١٨٤/١٠). (٢) ((شرح صصحيح مسلم)) للنووي (٢٠٨/١٤). ٦٧٤ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (١٥٩٤) حديث فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَأَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ. فلسطين والأردن ودمشق وحمص وقنسرين، هكذا فسروه، واتفقوا عليه، اهـ. قال الزرقاني(١): ثم لم يمت عمر - رضي الله عنه - حتى جمع الشام لمعاوية، قال الباجي(٢): لقيه الأمراء، إما لأنهم كانوا مقبلين إلى جهة، فلقوه هناك، أو لأنهم خرجوا من الوباء، واعتقدوا أن ذلك يجوز لهم، أو لأنهم خرجوا يتلقَّونه من قرب منهم من طريقه بموضعه ذلك، اهـ. (فأخبروه) أي عمر - رضي الله عنه - (أن الوباء) مهموز، وقصره أفصح من مدّه، والمراد هاهنا الطاعون، قال الحافظ: وفي رواية ((الوجع)) بدل ((الوباء)) وفي أخرى ((أن عمر - رضي الله عنه ــ لما خرج إلى الشام سمع بالطاعون)) ولا مخالفة بينها، فإن كل طاعون وباء ووجع من غير عكس، (قد وقع بأرض الشام) وتقدم قريباً في رواية سيف في ((الفتوح)) حتى إذا كان قريباً من الشام بلغه أنه أشد ما كان. (قال ابن عباس) - رضي الله عنه - بشد الموحدة والسين المهملة (فقال) لي (عمر بن الخطاب: ادع لي) بصيغة الأمر من دعا يدعو (المهاجرين الأولين) قال القاضي: المراد بهم من صلى القبلتين، فأما من أسلم بعد تحويل القبلة، فلا يعد فيهم، كذا في ((النووي)). قال: فدعاهم ثم دعا الأنصاري، ثم مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، إنما رتبهم هكذا على حسب فضائلهم، اهـ ما نقله النووي عن القاضي، نقله الباجي عن ابن المسيب إذ قال: وروي عن سعيد بن المسيب أن المهاجرين الأولين من صلى إلى القبلتين، ومن لم يسلم إلا بعد تحويل القبلة الكعبة فليس من المهاجرين الأولين، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٦/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٩٨/٧). ٦٧٥ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (١٥٩٤) حدیث فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ. وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَأَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ. فَاخْتَلَفُوا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرِ؛ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهِ. وَلَا نَرَىْ أَنْ تُقَدِمَهُمْ عَلَى هُذَا الْوَبَإِ، (فدعاهم) ابن عباس - رضي الله عنه - (فاستشارهم) عمر - رضي الله عنه - في القدوم أو الرجوع (وأخبرهم) عمر - رضي الله عنه - (أن الوباء قد وقع بالشام) أشدّ ما كان فما رأيكم في ذلك؟ (فاختلفوا في ذلك). ثم ذكر تفصيل اختلافهم (فقال بعضُهُم: قد خَرَجْتَ) بصيغة الخطاب (لأمر) أَهمّ، وهو تفقد أحوال الرعية وغيره، مما ذكر في كلام الباجي (ولا نرى أن ترجع عنه) حتى تتم أمرك، قال الباجي: يريدون توكلا على الله عز وجل وتيقناً أنه لا يصيبهم إلا ما كتب الله لهم. (وقال بعضهم: معك بقية الناس) أي بقية خيارهم، وقال الحافظ (١): قوله: بقية الناس أي الصحابة أطلق عليهم ذلك تعظيماً لهم أي ليس الناس إلا هم، وعطف الصحابة عطف تفسير، ويحتمل أن يكون المراد ببقية الناس الصحابة عموماً، والمراد بالصحابة الذين لازموه وقاتلوا معه، اهـ (وأصحاب رسول الله ◌َل﴿ ولا نرى أن تقدمهم) ضبطه صاحب ((المحلى)) بضم النون وكسر الدال، أي لا نرى أن نجعلهم قادمين على هذا الوباء، اهـ. وفي جميع النسخ الهندية والمصرية بلفظ الفوقية بصيغة الخطاب، وبه ضبطه الزرقاني، إذ قال: بضم الفوقية وسكون القاف وكسر الدال، أي تجعلهم قادمين (على هذا الوباء) أي الطاعون. قال الباجي(٢): قوله: بقية الناس يريدون فضلاء الناس يرون بذلك إظهار (١) ((فتح الباري)) (١٨٥/١٠) (٢) ((المنتقى)) (١٩٨/٧). ٦٧٦ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (١٥٩٤) حدیث فَقَالَ عُمَرُ: ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ. فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ. فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ. وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ. فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةٍ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ. فضلهم ليحضوه بذلك على الإشفاق عليهم ويعظم حال التغرير بهم وإقدامهم على الوباء الذي يخاف استئصالهم، اهـ. قال النووي(١): وحجة الطائفتين واضحة، وهما مستمدان من أصلين في الشرع، أحدهما التوكل والتسليم للقضاء، والثاني الاحتياط والحذر ومجانبة أسباب الإلقاء باليد إلى التهلكة، اهـ. فلما اختلفوا في ذلك ولم يتفقوا على أمر (فقال) لهم (عمر) - رضي الله عنه -: (ارتفعوا عني) وفي رواية، فأمرهم فخرجوا عنه (ثم قال) عمر - رضي الله عنه - لابن عباس: (ادع) بصيغة الأمر (لي الأنصار) قال ابن عباس: (فدعوتهم) فحضروا عنده - رضي الله عنه - (فاستشارهم) في ذلك (فسلكوا) أي الأنصار (سبيل المهاجرين) الأولين في ذلك (واختلفوا كاختلافهم) في كلامهم (فقال) لهم أيضاً: (ارتفعوا عني، ثم قال) لي عمر: (ادع لي من كان ههنا من مشيخة) بفتح الميم وكسر الشين، جمع شيخ، وهو من استبانت فيه السن، أو من خمسين، أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره، أو إلى ثمانين قاله المجد، كذا في ((المحلى))، وقال الحافظ: ضبط بفتح الميم والتحتانية بينهما معجمة ساكنة، وبفتح الميم وكسر المعجمة وسكون التحتانية جمع شيخ، ويجمع أيضاً على شيوخ وأشياخ وغيرها فذكر فيه عشرة لغات (قريش) اسم لأولاد النضر بن كنانة، أو لفهر بن مالك (من مهاجرة الفتح) بضم الميم وكسر الجيم. قال النووي: أما مهاجرة الفتح فقيل: هم الذين أسلموا قبيل الفتح، (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٩/١٤). ٦٧٧ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (١٥٩٤) حديث فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمُ اثْنَانٍ. فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَإٍ. فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ .... فحصل لهم فضل بالهجرة قبل الفتح إذ لا هجرة بعد الفتح، وقيل: هم مسلمة الفتح الذين هاجروا بعده فحصل لهم اسم دون الفضيلة، قال القاضي: هذا أظهر؛ لأنهم الذين ينطلق عليهم مشيخة قريش. قال الحافظ (١): وأطلق ذلك احترازاً عن غيرهم من مشيخة قريش ممن أقام بمكة ولم يهاجر أصلاً، وهذا يشعر بأن لمن هاجر فضلاً في الجملة على من لم يهاجر، وإن كانت الهجرة الفاضلة في الأصل إنما هي لمن هاجر قبل الفتح؛ لقوله ◌َّير: ((لا هجرة بعد الفتح))، وإنما كان كذلك؛ لأن مكة بعد الفتح صارت دار إسلام فالذي يهاجر منها إلى المدينة إنما يهاجر لطلب العلم أو الجهاد لا للفرار بدينه بخلاف ما قبل الفتح، اهـ. قال النووي(٢): وكان رجوع عمر - رضي الله عنه - لرجحان طرف الرجوع لكثرة القائلين به، وإنه أحوط، ولم يكن مجرد تقليد لمسلمة الفتح؛ لأن بعض المهاجرين الأولين، وبعض الأنصار أشاروا بالرجوع، وانضم إليهم رأي مشيخة قريش، فكثر القائلون به مع ما لهم من السن والخبرة، وكثرة التجارب وسداد الرأي، اهـ. (فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان) اثنان أيضاً في ذلك (فقالوا) قولاً واحداً وهو أن (نرى أن ترجع بالناس) إلى المدينة المنورة (ولا تقدمهم) بصيغة الخطاب من الإقدام (على هذا الوباء) أي الطاعون (فنادى عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (في الناس) حين استقرّ رأيه على رأي المشيخة (إني مُضْبِخْ) بضم الميم وسكون الصاد وكسر الموحدة من الإصباح، قال صاحب (١) ((فتح الباري)) (١٨٥/١٠). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٩/١٤). ٦٧٨ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (١٥٩٤) حديث عَلَى ظَهْرٍ. فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ الله؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ. نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ. ((المحلى)): وضبطه بعضهم بكسر الموحدة من التصبيح أي مسافر في الصباح راكباً (على ظهر) أي على ظهر راحلته راجعاً إلى المدينة. قال الباجي(١): وصفه بذلك لأن المسافر ومتاعه يصير على ظهر الخيل والإبل والدواب، ويحتمل أن يريد به على ظهر طريق، ولا بد أن يكون قرن بذلك ما يقتضي الرجوع عن الشام أو يكون ذلك موضع إقامته بالشام، والأول أظهر؛ لأنه لم يكن بلغ بعد موضع الوباء، فلو كان موضعه يريد أن يقيم به ولا وباء لما احتاج إلى الرجوع. (فأصبحوا عليه) أي على ظهر الراحلة أو ظهر الطريق (فقال أبو عبيدة) بن الجراح وهو إذا ذاك أمير الشام خطاباً لعمر - رضي الله عنه - (أ) ترجع بهمزة الاستفهام وحذف الفعل (فراراً من قدر الله؟) قال الباجي: قاله على معنى الإنكار لانصرافه، والمعنى أنه لا ينجو منه إلا من قدر الله أن لا يصيبه، ومن قدر له أن يصيبه الوباء، فلا ينجو منه الفرار (قال عمر) - رضي الله عنه -: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟) لعاقبته، أو لكان أولى منك بذلك، أو لم أتعجب منه، ولكني أتعجب منك مع علمك وفضلك كيف تقول؟ أو هي للتمني، فلا يحتاج إلى جواب، والمعنى أن غيرك ممن لا فهم له إذا قال ذلك يُعْذَرُ، وقد بَيَّن سبب ذلك بقوله، وكان عمر - رضي الله عنه - يكره خلافه أي مخالفته، كذا في ((الفتح)) (٢). (نعم نَفِرُ من قدر الله إلى قدر الله) وفي رواية: إن تقدمنا فبقدر الله، وإن (١) ((المنتقى)) (١٩٨/٧). (٢) ((فتح الباري)) (١٨٥/١٠). ٦٧٩ ٤٦ - كتاب الجامع (٧) باب (١٥٩٤) حديث أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِلٌ فَهَبَطْتَ وَادِيَاً لَهُ عُدْوَتَانِ. تأخرنا فبقدر الله، وأطلق عليه فراراً لشبهه به في الصورة وإن كان ليس فراراً شرعياً، والمراد أن هجوم المرء على ما يهلكه منهيٌّ عنه، ولو فعل لكان من قدر الله وتجنبه ما يؤذيه مشروع وقد يقدر الله وقوعه فيما فر منه فلو فعله أو تركه لكان من قدر الله، فهما مقامان مقام التو كل ومقام تمسك الأسباب. ومحصل قول عمر - رضي الله عنه -: ((نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله)) أنه أراد أنه لم يفرّ من قدر الله حقيقة، وذلك أن الذي فَرَّمنه أمرٌ خاف على نفسه منه، فلم يهجم عليه، والذي إليه أمر لا يخاف على نفسه منه إلا الأمر الذي لا بد من وقوعه، سواء كان ظاعناً أو مقيماً، كذا في ((الفتح)). ولا يذهب عليك أن الراغب حكى في ((لغات القرآن)» قول عمر - رضي الله عنه - هذا بلفظ أفِرُّ من قضاء الله إلى قدر الله، وفَرَّق بين القضاء والقدر، كما سيأتي في أول النهي عن القول بالقدر. قال الباجي(١): يريد عمر - رضي الله عنه - أنه لا يعتقد أنه بالفرار ينجو مما قدر عليه، وإنما يعتقد أنه يرجع عما يخاف أن يكون قد قدر عليه من الوباء إن وصل إلى ما يرجو أن يكون قدر له من السلامة إن رجع، ولذلك يجوز للإنسان أن يتخذ الدرع والمجن، ويفر من العدو الذي يجوز الفرار منه، ويجتنب المخاوف، ولا يكون ذلك فراراً من قدر الله، ولا يجوز أن ينجو به مما قدر الله تعالى بل أكثره مأمور به، وقد مثل ذلك عمر - رضي الله عنه - تمثيلاً صحيحاً بما سلمه أبو عبيدة. فقال: (أرأيت) أي أخبرني (لو كان) بتذكير كان في المصرية، وتأنيثه في الهندية (لك إبل) مثلاً (فهبطت) بصيغة الخطاب أي نزلت بها (وادياً له عدوتان) بضم العين المهملة وكسرها أيضاً وسكون الدال المهملة تثنية عدوة، وهو (١) ((المنتقى)) (١٩٩/٧). ٦٨٠