النص المفهرس

صفحات 641-660

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
أرسالا، ويضرب أعناقهم، وهم ستمائة إلى تسعمائة، أقوال، وكان علي
والزبير يضربان أعناقهم، وهو نَّر جالس هناك، ثم قسم أموالهم، اهـ.
وذكر في محرم سنة سبع غزوة خيبر، قال الحافظ(١): وكان سبب إجلاء
بني النضير ما ذكره موسى بن عقبة في المغازي أنهم كانوا قد دَسّوا إلى قريش،
وحَضّوهم على قتال رسول الله وَله، ودلّوهم على العورة، وأما قريظة
فبمظاهرتهم الأحزاب على النبي ◌َّلّ في غزوة الخندق، وظاهر هذا كله أن
المدينة المنورة طهرت من أرجاس اليهود في السنة الخامسة.
ويشكل على هذا كله ما أخرجه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة قال:
بينما نحن في المسجد خرج النبي وَالر فقال: ((انطلقوا إلى يهود))، فخرجنا حتى
جئنا بيت المدراس، فقال: ((أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله،
وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا
فاعلموا أن الأرض لله ورسوله)).
قال الحافظ(٢): لم أر من صرح بنسب اليهود المذكورين، والظاهر أنهم
بقايا من اليهود تأخروا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير، والفراغ
من أمرهم، لأنه كان قبل إسلام أبي هريرة، وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح
خيبر، وقد أقر النبي وَلّ يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض، واستمروا إلى
أن أجلاهم عمر - رضي الله عنه -.
ويحتمل - والله أعلم - أن يكون النبي وَليل بعد أن فتح ما بقي من خيبر،
هَمَّ بإجلاء من بقي ممن صالح من اليهود، ثم سألوه أن يبقيهم ليعملوا في
الأرض فبقاهم، أو كان قد بقي بالمدينة من اليهود المذكورين طائفة استمروا
(١) «فتح الباري)) (٧/ ٣٣٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٣١٧/١٢)، (٢٧١/٦).
٦٤١

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
فيها معتمدين على الرضا بإبقائهم للعمل في أرض خيبر، ثم منعهم النبي وَّه
من سكنی المدینة أصلاً .
وسياق كلام القرطبي في ((شرح مسلم)» يقتضي أنه فهم أن المراد بذلك
بنو النضير، ولا يصح ذلك لتقدمه على مجيء أبي هريرة، وأبو هريرة - رضي الله
عنه - يقول في هذا الحديث: إنه كان مع النبي ◌َّ، اهـ.
وقال أيضاً في كتاب الإكراه: تقدم الحديث في الجزية، وبينت فيه أن
اليهود المذكورين لم يسموا، ولم ينسبوا، وقد أورد مسلم حديث ابن عمر في
إجلاء بني النضير، ثم عقبه بحديث أبي هريرة، فأوهم أن اليهود المذكورين في
حديث أبي هريرة هم بنو النضير، وفيه نظر؛ لأن أبا هريرة إنما جاء بعد فتح
خيبر، وكان فتحها بعد إجلاء بني النضير، وبني القينقاع، وقتل بني قريظة،
وأخرج البخاري قصة بني النضير في المغازي قبل قصة بدر، وقال ابن
إسحاق: إنها كانت بعد بئر معونة، وعلى الحالين فهي قبل مجيء أبي هريرة،
وسياق إخراجهم مخالف لسياق هذه القصة، فإنهم لم يكونوا داخل المدينة ولا
جاءهم النبي ◌َّ إلا ليستعين بهم في دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية، فأرادوا
الغدر به، فرجع إلى المدينة، وأرسل إليهم يُخَيّرهم بين الإسلام وبين الخروج،
فأبوا فحاصرهم فرضوا بالجلاء، وفيهم نزل أول سورة الحشر.
فيحتمل أن يكون من ذكر في حديث أبي هريرة بقية منهم أو من بني
قريظة، كانوا سكاناً داخل المدينة، فاستمروا فيها على حكم أهل الذمة، حتى
أجلاهم بعد فتح خيبر، ويحتمل أن يكونوا من أهل خيبر، لأنها لما فتحت أقرّ
أهلها على أن يزرعوا فيها، ويعمل فيها ببعض ما يخرج منها، فاستمرُّوا بها
حتى أجلاهم عمر - رضي الله عنه - من خيبر، فيحتمل أن يكون هؤلاء طائفة
منهم كانوا يسكنون بالمدينة، فأخرجهم النبي ونَ﴾، وأوصى عند موته أن
يخرجوا المشركين من جزيرة العرب، ففعل ذلك عمر - رضي الله عنه -، اهـ.
٦٤٢

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حدیث
١٧/١٥٨٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي
حَكِيم؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ
رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّهِ أَنْ قَالَ: ((قَاتَلَ اللَّهُ
١٧/١٥٨٩ - (مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم) القرشي مولاهم، وفي
(المحلى)): مصغراً مولى عثمان، وقال ابن عبد البر: اختلف في ولائه، وأصح
ما قيل فيه: إنه مولى لبني أسد بن عبد العزى، وكان كاتباً لعمر بن عبد
العزيز، وهو من ساكني المدينة، وبها مات سنة ثلاثين ومائة، لمالك عنه أربعة
أحاديث، أحدها متصل مسند، والثلاثة منقطعة، كذا في ((التجريد))(١). ووقع
التحريف من الكاتب في الجزء الأول من هذا الشرح، إذ كتب وفاته سنة
١٠٣ هـ بدل سنة ١٣٠هـ.
ولا يذهب عليك أنه وقع في نسخة ((موطأ محمد)» إسماعيل بن حكيم،
بدون لفظ الكنية، قال محشيه (٢): هكذا في نسخة عليها شرح القاري وغيره،
والصواب ابن أبي حكيم كما في ((موطأ يحيى))، اهـ.
(أنه سمع عمر بن عبد العزيز) أمير المؤمنين (يقول) زاد محمد في
(موطئه)) بعد ذلك لفظ ((بلغني))، قال الزرقاني: مرسل، وهو موصول في
((الصحيحين)) وغيرهما من طرق عن عائشة وغيرها، اهـ.
(كان من) جملة (آخر ما تكلم به رسول الله وَّ) في مرض وصاله (أن
قال: قاتل الله) قيل: معناه لعن الله، لرواية البخاري(٣) بسنده إلى عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة أن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله وَل طفق يطرح
خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه، فقال - وهو كذلك -:
((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يُحذّر ما صنعوا.
(١) (ص١٣).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٨٠/٣).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٤٣٥، ٤٣٦).
٦٤٣

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حدیث
الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىُ. اتَّخَذُوا قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ،
قال الحافظ(١): كأنه ◌َّ علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن
يعظم قبره، كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى، إشارة إلى ذمّ من
يفعل فعلهم، وقال الزرقاني: قيل: معنى قاتلهم قتلهم؛ لأن فَاعَل يأتي بمعنى
فَعَلَ (اليهود والنصارى).
قال الحافظ: استشكل ذكر النصارى فيه؛ لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف
النصارى فليس بين عيسى وبين نبينا وَّل﴾ نبي غيره، وليس له قبر، والجواب
أنهم كانوا فيهم أنبياء أيضاً لكنهم غير مرسلين كالحواريين ومريم على قولٍ، أو
الجمع في قوله: ((أنبيائهم)) بإزاء المجموع من اليهود والنصارى، أو المراد
الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيده قوله في رواية مسلم:
((كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم))، ولذا لما أفرد النصارى في الحديث
الذي قبله قال: ((إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً))، ولما
أفرد اليهود في الحديث بعده قال: ((قبور أنبيائهم))، وهذان الحديثان أخرجهما
البخاري في ((صحيحه)).
ثم قال الحافظ: أو المراد بالاتخاذ أعمُّ من أن يكون ابتداعاً أو اتباعاً،
فاليهود ابتدعت والنصارى اتبعت، ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من
الأنبياء الذين تعظمهم اليهود، اهـ.
(اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)(٢) قال الحافظ: جملة مستأنفة على سبيل
البيان لموجب اللعن، كأنه قيل: ما سبب لعنهم؟ فأجيب بقوله: ((اتخذوا))
وقوله: ((يُحَذِّرُ ما صنعوا)) جملة أخرى مستأنفة من كلام الراوي، كأنه سُئل عن
حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت، فأجاب بذلك، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٥٣٢/١).
(٢) ((التمهيد)) (١٧/١).
٦٤٤

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حدیث
قال البيضاوي(١): لما كانت اليهود يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً
الشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثاناً
لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه، أما من اتخذ مسجداً
بجوار صالح أو صلّى في مقبرته، وقصد به الاستظهار بروحه ووصول أثر من
آثار عبادته إليه لا التعظيم له والتوجه، فلا حرج عليه.
ألا ترى أن قبر إسماعيل - عليه السلام - في مسجد الحرام عند الحطيم،
ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي بصلاته، والنهي عن الصلاة
في المقابر مختص بالمنبوشة، لما فيها من النجاسة، اهـ.
قال الزرقاني(٢): لكن خبر الشيخين كراهة بناء المسجد على القبور مطلقاً
أي قبور المسلمين خشية أن يعبد المقبور فيها بقرينة خبر: ((اللَّهم لا تجعل
قبري وثناً يعبد))، فيحمل كلام البيضاوي على ما إذا لم يخف ذلك، اهـ.
قال النووي(٣): قال العلماء: إنما نهى النبي وَّ عن اتخاذ قبره وقبر
غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى
الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة - رضوان الله
عليهم أجمعين - والتابعين - رحمهم الله - إلى الزيادة في مسجد رسول الله وَال
حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه
ومنها حجرة عائشة - رضي الله عنها - مدفن رسول الله وَلّ وصاحبيه أبي
بكرو عمر - رضي الله عنهما - بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله،
لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليها العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا
جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٢٥/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٣/٤).
(٣) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٣/٥).
٦٤٥

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حدیث
لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٣ - كتاب الجنائز، ٦٢ - باب ما يكره من اتخاذ
المساجد على القبور. ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣ - باب
النهي عن بناء المساجد على القبور حديث ١٩.
من استقبال القبر، ولذا قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن
يتخذ مسجدا، اهـ.
وقال الشيخ في ((البذل))(١): قال القاري: اختلفوا في أن النهي بالصلاة
في المقبرة هل هو للتنزيه أو للتحريم؟ قال ابن حجر: ومذهبنا الأول ومذهب
أحمد التحريم، بل وعدم انعقاد الصلاة، لأن النهي عنده في الأمكنة يفيد
التحريم والبطلان كالأزمنة، وقال شارح ((المنية)): وفي ((الفتاوي)): لا بأس في
الصلاة في المقبرة إذا كان موضع أعِدَّ للصلاة، وليس فيها قبر، اهـ.
قال ابن عابدين(٢): اختلف في علته أي علة كراهة الصلاة في المقبرة،
فقيل: لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس، وفيه نظر، وقيل: لأن أصل
عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد، وقيل: لأنه تَشَبُّهُ باليهود، وعليه
مشى في ((الخانية)) ولا بأس في الصلاة فيها إذا كان فيها موضع أُعِدَّ للصلاة،
وليس فيه قبر ولا نجاسة، كما في ((الخانية))، ولا قبلته إلى قبر. (حلية))، اهـ.
(ألا) كذا في النسخ الهندية وليس هذا اللفظ في النسخ المصرية(٣)، وهو
بفتح الهمزة وخِفّة اللام حرف تنبيه (لا يبقين) بنون التأكيد على بناء الفاعل من
المجرد على ما أعرب عليه في النسخ المصرية، ويحتمل ببناء المجهول من
الإبقاء، كما يشير إليه قوله وَ له: ((أخرجوا)) (دينان) أي الإسلام والكفر (بأرض
العرب) أي جزيرة العرب، كما في الحديث الآتي.
(١) ((بذل المجهود)) (٣٤٠/٣).
(٢) ((رد المحتار)) (٥٢/٢).
(٣) انظر: ((التمهيد)) (١٦٩/١).
٦٤٦

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حديث
قال الباجي(١): يريد - والله أعلم - الأرض التي كانت مختصة بسكنى
العرب وتقلبهم عليها في الجاهلية، يريد لا يبقى فيها دين غير الإسلام وأن
يخرج منها كل من يتدين بغير دين الإسلام، قال مالك: يخرج من هذه البلدان
كل يهودي أو نصراني أو ذمي كان على غير ملة الإسلام، ولا منع ذلك
دخولهم إياها مسافرين، فقد كان في زمن عمر بن الخطاب يجلب النصارى من
الشام إلى المدينة الحنطة والزيت، فيأخذ منهم عمر العُشْرَ، أو نصف العشر،
قال مالك في اليهود والنصارى والمجوس إذا قدموا المدينة أيضرب لهم أجل؟
قال: نعم، يضرب لهم أجل ثلاث ليال، يستقون، وينظرون في حوائجهم،
وقد ضرب ذلك عمر بن الخطاب، اهـ.
وفي ((الهداية)): لا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام، وإن
انهدمت القديمة أعادوها، وهذا في الأمصار دون القرى، لأن الأمصار هي
التي تقام فيها الشعائر، وقيل: في ديارنا يمنعون في القرى أيضاً، وفي أرض
العرب يمنعون من ذلك في أمصارها وقراها لقوله وَلخير: ((لا يجتمع دينان في
جزيرة العرب)).
قال ابن الهمام(٢): فلا يحدث فيها كنيسة، ولا تُقَرُّ لأنهم لا يمكنون من
السكنى بها، فلا فائدة في إقرارها، ويمنعون من أن يتخذوا أرض العرب
مسكناً ووطناً، بخلاف أمصار المسلمين التي ليست في جزيرة العرب، يمكنون
من سكناها، ولا خلاف في ذلك لقوله {وَليقول: ((لا يجتمع دينان في جزيرة
العرب)) ثم بسط الكلام على طرق هذا الحديث.
قال النووي(٣): أخذ بهذا الحديث مالك والشافعي وغيرهما من العلماء،
(١) ((المنتقى)) (١٩٥/٧).
(٢) ((فتح القدير)) (٣٠١/٥).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٩٣/١١).
٦٤٧

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حديث
فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من
سكناها، ولكن الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب، وهو الحجاز،
وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها، دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة
العرب، بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه.
قال العلماء: فلا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز، ولا
يمكنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام، قال الشافعي وموافقوه: إلا مكة
وحرمها، فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخله في خُفْيةٍ وجب
إخراجه، فإن مات ودفن فيه نُبش، وأخرج ما لم يتغير، هذا مذهب الشافعي
وجمهور العلماء، وجوّز أبو حنيفة دخولهم الحرم، وحجة الجمهور قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية، اهـ
وفي ((المحلى)): وحجة أبي حنيفة أنه وَلّ أنزل وفد ثقيف في المسجد،
وهم كفار، رواه أبو داود (١)، وروى أحمد في ((مسنده)) عن جابر: لا يدخل
مسجدنا هذا مشرك إلا أهل العهد، والآية محمولة على منع الدخول على وجه
الاستيلاء عليه، والقيام بعمارة المسجد، كما قبل الفتح أو عن الطواف
عرياناً، اهـ.
وقال الحافظ(٢): أضيفت الجزيرة إلى العرب؛ لأنها كانت بأيديهم قبل
الإسلام، وبها أوطانهم ومنازلهم، لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها
الحجاز خاصة، وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها، لا فيما سوى ذلك
مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها
مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور، وعن الحنفية يجوز
(١) ((سنن أبي داود)) (٤٨٧): (٤٨٧): ((باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد)).
(٢) ((فتح الباري)) (١٧١/٤).
٦٤٨

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حديث
مطلقاً إلا المسجد، وعن مالك: يجوز دخولهم الحرم للتجارة، وقال الشافعي:
لا يدخلون الحرم أصلاً إلا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين خاصة، اهـ.
قلت: ههنا مسألتان مستقلتان تلتبسان على كثير من نقلة المذاهب،
إحداهما: إخراجهم من جزيرة العرب وعدم استيطانهم، والثانية: جواز
دخولهم الحرم والمساجد.
قال الموفق(١): لا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز، وبهذا قال مالك
والشافعي، إلا أن مالكاً قال: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها؛ لأن
رسول الله وقدر قال: ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) وروى أبو داود(٢)
بإسناده عن عمر أنه سمع رسول الله وسلم يقول: ((لأخرجن اليهود والنصارى من
جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلماً))، قال الترمذي: هذا حديث حسن
صحيح، وعن ابن عباس قال: أوصى رسول الله وَل # بثلاثة أشياء قال:
((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)) الحديث، رواه أبو داود.
وجزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن، قاله سعيد بن عبد العزيز،
وقال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها، يعني أن الممنوع من سكنى
الكفار المدينة وما والاها، وهو مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومَخَالِيْفُها
وما والاها، وهذا قول الشافعي؛ لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن، وقد
روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: آخر ما تكلم به النبي وَلقر أنه قال:
((أخرجوا اليهود من الحجاز)).
فأما إخراج أهل نجران منه، فلأن النبي ولي﴿ صالحهم على ترك الربا
فنقضوا عهده، فكأنّ جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، ولا
(١) ((المغني)) (٢٤٢/١٣ - ٢٤٧).
(٢) أخرج أبو داود في «سننه» (١٤٧/٢) من كتاب الإمارة.
٦٤٩

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حديث
يمنعون أيضاً من أطراف الحجاز كتيماء وفَيْد (١) ونحوهما؛ لأن عمر - رضي الله
عنه - لم يمنعهم من ذلك، ويجوز لهم دخول الحجاز للتجارة؛ لأن النصارى
كانوا يتّجرون إلى المدينة في زمن عمر - رضي الله عنه -، ولا يأذن لهم في
الإقامة أكثر من ثلاثة أيام على ما رُوي عن عمر - رضي الله عنه - ثم ينتقل
عنه. وقال القاضي: يُقيم أربعة أيام حدَّ ما يُتِمُّ المسافر الصلاة، وإذا مرض
بالحجاز جازت له الإقامة، لأنه يشق الانتقال على المريض، وتجوز الإقامة
لمن يُمرِّضه؛ لأنه لا يستغني عنه.
وإن دعت الحاجة إلى الإقامة ليبيع بضاعته احتمل أن يجوز؛ لأن في
تكليفه تركها أو حملها معه ضياع ماله، وذلك مما يمنع من الدخول بالبضائع
إلى الحجاز، فتفوت مصلحتهم، وتلحقهم المضرة بانقطاع الجلب عنهم،
ويحتمل أن يمنع من الإقامة؛ لأن له من الإقامة بداً، فإن أراد الانتقال إلى
مكان آخر من الحجاز جاز، ويقيم فيه أيضاً ثلاثة أيام أو أربعة على الخلاف
فيه، وكذلك إذا انتقل منه إلى مكان آخر جاز، ولو حصلت الإقامة في الجميع
شهراً، وإذا مات بالحجاز دفن فيه؛ لأنه يشق نقله، وإذا جازت الإقامة
للمريض، فدفن الميت أولى.
فأما الحرم فليس لهم دخوله بحال، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو
حنيفة: لهم دخوله كالحجاز كله، ولا يستوطنون به، ولهم دخول الكعبة،
والمنع من الاستيطان لا يمنع الدخول كالحجاز، ولنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾(٢) الآية، والمراد به الحرم بدليل قوله تعالى: ﴿وَ إِنْ خِفْتُمْ
عَيْلَةً﴾ يريد ضرراً بتأخير الجلب عن الحرم دون المسجد، ويجوز تسمية الحرم
المسجد الحرام بدليل قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ
(١) فَيدٌ: بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة ((معجم البلدان)) (٩٢٧/٣).
(٢) سورة التوبة: الآية ٢٨.
٦٥٠

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حديث
اُلْحَرَامِ﴾(١) الآية، وإنما أسري به من بيت أم هانئ من خارج المسجد،
ويخالف الحجاز؛ لأن الله تعالى منع منه مع إذنه في الحجاز، فإن الآية نزلت
واليهود بخيبر والمدينة وغيرهما من الحجاز، ولم يمنعوا من الإقامة به، وأول
من أجلاهم عمر - رضي الله عنه - ولأن الحرم أشرف لتعلق النسك به، ويحرم
شجره وصيده، فلا يقاس عليه غيره، فإن أراد كافر الدخول إليه مُنِعٍ منه، فإن
كانت معه ميرة أو تجارة، خرج إليه من يشتري منه، ولم يترك هو يدخل، وإن
كان رسولاً إلى الإمام بالحرم، خرج إليه من يسمع رسالته ويبلغها إياه، فإن
قال: لا بُدَّ لي من لقاء الإمام، وكانت المصلحة في ذلك خرج إليه الإمام،
ولم يأذن له في الدخول بالحرم، فإن مرض بالحرم أو مات أخرج، ولم يدفن
به؛ لأن حرمة الحرم أعظم.
ويفارق الحجاز من وجهين؛ أحدهما: أن دخوله إلى الحرم حرام،
وإقامته به حرام بخلاف الحجاز، والثاني: أن خروجه من الحرم سهل ممكن
لقرب الحل منه، وخروجه من الحجاز في مرضه صعب ممتنع، وإن دفن نبش
وأخرج، إلا أن يصعب إخراجه لنتنه وتقطعه، وإن صالحهم الإمام على دخول
الحرم بعوض، فالصلح باطل.
فأما مساجد الحل فليس لهم دخولها بغير إذن المسلمين؛ لأن علياً
- رضي الله عنه - بَصُرَ بمجوسيٍّ وهو على المنبر، وقد دخل المسجد، فنزل
وضربه، وأخرجه من أبواب كندة، فإن أذن لهم في دخولها جاز في الصحيح
من المذهب، لأن النبي و 98 قدم عليه وفد أهل الطائف، فأنزلهم في المسجد
قبل إسلامهم، وقال سعيد بن المسيب: قد كان أبو سفيان يدخل مسجد
المدينة، وهو على شركه، وقدم عمير بن وهب فدخل المسجد والنبي وَّ فيه
ليفتك به، فرزقه الله الإسلام.
(١) سورة الإسراء: الآية ١.
٦٥١

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حديث
وفيه رواية أخرى، ليس لهم دخوله بحال؛ لأن أبا موسى دخل على عمر
- رضي الله عنه - ومعه كتاب قد كتب فيه حساب عمله، فقال له عمر - رضي الله
عنه -: ادع الذي كتبه ليقرأه، قال: إنه لا يدخل المسجد، قال: ولم؟ قال:
إنه نصراني، وفيه دليل على شهرة ذلك بينهم، وتقَرُّرِه عندهم، ولأن حدث
الجنابة والحيض يمنع المقام في المسجد، فحدث الشرك أولى، اهـ.
وفي ((الدر المختار)): ويمنعون من استيطان مكة والمدينة؛ لأنهما من
أرض العرب، وقال عليه السلام: ((لا يجتمع في أرض العرب دينان)) ولو دخل
لتجارة جاز، ولا يطيل، وأما دخوله المسجد الحرام، فذكر في ((السير الكبير))
المنع، وفي ((الجامع الصغير)) عدمه، ((والسير الكبير)) آخر تصنيف محمد -
رحمه الله - فالظاهر أنه أورد فيه ما استقر عليه الحال، اهـ.
قال ابن عابدين: قوله: لأنهما من أرض العرب أفاد أن الحكم غير
مقصور على مكة والمدينة، بل جزيرة العرب كلها، كذلك كما عَبِّر به في
((الفتح)) وغيره، وقوله: لا يطيل، فيمنع أن يطيل فيهما المكث حتى يتخذ فيهما
مسكناً، وظاهره أن حدَّ الطول سنة، فتأمل، وقوله: فالظاهر أنه ما استقر عليه
الحال، أي فيكون المنع هو المعتمد في المذهب، لكن الذي ذكره أصحاب
المتون في كتاب الحظر والإباحة أن الذميّ لا يمنع من دخول المسجد الحرام
وغيره، وذكر الشارح هناك أن قول محمد والشافعي وأحمد المنع من المسجد
الحرام.
فالظاهر أن ما في ((السير الكبير)) هو قول محمد وحده دون الإمام، وأن
أصحاب المتون على قول الإمام، ومعلوم أن المتون موضوعة لنقل ما هو
المذهب، فلا يعدل عما فيها على أن السرخي ذكر في ((شرح السير الكبير)) أن
أبا سفيان جاء إلى المدينة، ودخل المسجد، ولذلك قصة، قال: فهذا دليل
على مالك - رحمه الله - بمنعه المشرك من أن يدخل شيئاً من المساجد، ثم
٦٥٢

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٨٩) حديث
قال: إن الشافعي قال: يُمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة للآية، فأما
عندنا لا يُمنْعون، كما لا يُمنْعون عن دخول سائر المساجد، ويستوي في ذلك
الحربي والذمي، اهـ.
وفي الحظر والإباحة من ((الدر المختار)) (١): جاز دخول الذمي مسجداً
مطلقاً، وكرهه مالك مطلقاً، وكرهه محمد والشافعي وأحمد في المسجد
الحرام، قلنا: النهي تكويني لا تكليفي، وحينئذٍ، فمعنى لا يقربوا لا يحجوا
ولا يعتمروا عُراةً، بعد حج عامهم هذا، عام تسع، حين أمر الصديق، ونادى
علي - رضي الله عنه - بهذه السورة، قال: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك،
ولا يطوف عريان، رواه الشيخان وغيرهما .
قال ابن عابدين: قوله: جاز دخول الذمي مسجداً، أي ولو جنباً كما في
((الأشباه))، وقوله: تكويني نسبة إلى التكوين الذي هو صفة قديمة ترجع إليها
صفات الأفعال عند الماتريدية، فمعنى لا يقربوا لا يخلق الله فيهم القربان،
وحاصله أنه خبر منفيٍّ في صورة النهي.
وقوله: لا تكليفي بناءً على أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع، وقوله:
فمعنى لا يقربوا، تفريع على قوله: تكويني، وهو ظاهر، فإنه لم ينقل أنهم بعد
ذلك اليوم حجوا واعتمروا عراة، كما كانوا يفعلون في الجاهلية.
قال في ((الهداية)): ولنا ما روي أنه عليه السلام أنزل وَقْدَ ثقيف في
مسجده، وهم كفار، ولأن الخبث في اعتقادهم، فلا يؤدي إلى تلويث
المسجد، والآية محمولة على الحضور استيلاءً واستعلاءً، أو طائفين عراة،
كما كانت عادتهم في الجاهلية، أي فليس الممنوع نفس الدخول يدل عليه ما
في البخاري بإسناده إلى أبي هريرة أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - بعثه
(١) (٩/ ٦٣٧).
٦٥٣

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٩٠) حدیث
١٨/١٥٩٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ)).
في الحجة التي أمره فيها النبي وَلّ قبل حجة الوداع، في رهط يؤذن في
الناس، ((ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان))، اهـ.
١٨/١٥٩٠ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري، قال الزرقاني(١): مرسل،
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن ابن المسيب مرسلاً أيضاً، وهو
موصول بنحوه من طرق في الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس وعمر
وغيرهما، اهـ.
قال ابن الهمام(٢): أخرج إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) أخبرنا النضر بن
شميل ثنا صالح بن أبي الأحوص، ثنا الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي
هريرة أن النبي ◌َّر قال في مرضه الذي مات فيه: ((لا يجتمع دينان في جزيرة
العرب))، ورواه عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال:
قال رسول الله وَله: ((لا يجتمع بأرض العرب، أو قال بأرض الحجاز دينان))،
ورواه في الزكاة، وزاد فيه، فقال عمر لليهود: من كان منكم عنده عهد من
رسول الله ﴿ فليأت به، وإلا فإني مُجلِيكم، قال: فأجلاهم عمر إلى آخر ما
بسطه .
(أن رسول الله ◌َّه قال: لا يجتمع) قال الزرقاني: خبر بمعنى النهي
للرواية قبله ((لا يبقين))، اهـ. وهكذا قال غير واحد من الشراح (دينان في جزيرة
العرب) قال الزرقاني (٣): هي مكة والمدينة واليمامة، كما روي عن مالك، أي
وقراها، وسميت جزيرة لإحاطة البحر بها، وقال ابن حبيب: جزيرة العرب من
(١) (شرح الزرقاني)) (١١١/٤).
(٢) ((فتح القدير)) (٣٠١/٥).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٣/٤).
٦٥٤

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٩٠) حديث
أقصى عدن وما والاها من أقصى اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول، وأما
في العرض فمن جدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ومصر في
المغرب، وفي المشرق ما بين المدينة إلى منقطع السماوة، اهـ.
وأخرج البخاري في ((صحيحه)) من حديث ابن عباس أنه وَّ أوصى عند
موته بثلاث ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب))، الحديث، ثم قال: قال
يعقوب بن محمد سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب؟ فقال: مكة
والمدينة واليمامة واليمن، قال يعقوب: والعرج أول تهامة. قال الحافظ(١):
قوله: قال يعقوب بن محمد أي ابن عيسى الزهري، وأخرجه يعقوب بن شبة
عنه عن مالك بن أنس مثله، وقال الزبير بن بكار في ((أخبار المدينة)): أخبرت
عن مالك عن ابن شهاب الزهري قال: جزيرة العرب المدينة، وقال الزبير:
وقال غيره: جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضرموت، قال الزبير: وهذا
أشبه، وحضرموت آخر اليمن، وقال الخليل بن أحمد: سميت جزيرة العرب؛
لأن بحر فارس وبحر الحبشة وفرات ودجلة أحاطت بها، وهي أرض العرب
ومعدنها، وقال الأصمعي: هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن إلى
أطراف الشام، وقال أبو عبيد: من أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن
جدة وما والاها من الساحل إلى أطراف الشام عرضاً.
وقوله: العرج أول تهامة هو بسكون الراء موضع بين مكة والمدينة، وهو
غير العرج بفتح الراء الذي من الطائف، وقال الأصمعي: جزيرة العرب ما بين
أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها إلى أطراف
الشام عرضاً، وسميت جزيرة العرب لإحاطة البحار بها يعني بحر الهند وبحر
القلزم وبحر فارس وبحر الحبشة، وأضيفت إلى العرب؛ لأنها كانت بأيديهم
قبل الإسلام، وبها أوطانهم ومنازلهم.
(١) ((فتح الباري)) (١٧١/٦).
٦٥٥

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٩٠) حديث
لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة، وهو مكة
والمدينة واليمامة وما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة
العرب لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جزيرة
العرب، اهـ.
قلت: ما حكى الحافظ - رحمه الله - من اتفاق الجميع فمشكل، فقد
تقدم في أول كلام الموفق أن الإمامين الشافعي وأحمد متفقان في ذلك، وعن
الإمام مالك أنه قال: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها، وتقدم في كلام
ابن عابدين أن الحكم غير مقصور على مكة والمدينة، بل جزيرة العرب كلها
كذلك.
وقال ابن الهمام(١): ويُمْنعون من أن يتخذوا أرض العرب مسكناً ووطناً
بخلاف أمصار المسلمين التي ليست في جزيرة العرب يُمَكَّنُون من سكناها،
وقال صاحب ((المحلى)) بعد حديث الباب: فلا يمكن الكافر مشركاً كان أو
يهودياً أو نصرانياً من السُّكْنى في أرض العرب، ويجب إخراجهم منه، وبه أخذ
أبو حنيفة ومالك، وهو قول الشافعي غير أنه خص المنع بالحجاز خاصة، ثم
قال: قال في ((الهداية)) وشرحه: إنهم لا يمكنون من السكنى في أرض اليمن،
ويمنعون أن يتخذوا أرض العرب مسكناً ووطناً بخلاف سائر الأمصار، اهـ.
وقال محمد في ((موطئه))(٢): إن مكة والمدينة وما حولهما من جزيرة
العرب، وقد بلغنا عن النبي ◌َ ﴿ أنه قال: ((لا يبقى دينان في جزيرة العرب))،
ثم أخرج أثر إسماعيل عن عمر بن عبد العزيز المذكور سابقاً، ثم قال: قال
محمد: ففعل ذلك عمر بن الخطاب فأخرج اليهود والنصارى من جزيرة
العرب، اهـ.
(١) ((فتح القدير)) (٣١١/٥).
(٢) («مؤطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٧٩/٣).
٦٥٦

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٩٠) حديث
قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابِ: فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ حَتَّى أَنَاهُ الثَّلْجُ وَالْيَقِينُ،
وهكذا تقدم من كلام النووي أن الشافعي - رحمه الله - خصه ببعض
الحجاز إذ قال: حكى الهروي عن مالك أن جزيرة العرب هي المدينة،
والصحيح المعروف عن مالك أنها مكة والمدينة واليمن واليمامة، أخذ به مالك
والشافعي وغيرهما من العلماء، فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، لكن
الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز، وهو عنده مكة
والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب، بدليل
آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه، اهـ.
قال الباجي(١): وروي عن مالك: جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن،
وروى ابن حبيب: جزيرة العرب من أقصى عدن أبين وما والاها من أرض
اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من
ساحل البحر إلى أطوار الشام، ومصر في الغرب، وفي الشرق ما بين يثرب
إلى منقطع السماوة، اهـ.
وعلم من هذا كله أن ما حكى الحافظ رحمه الله من الإجماع في اليمن
ليس على وجهه، بل هو مذهب الإمامين الشافعي وأحمد بخلاف الإمامين
مالك وأبي حنيفة.
(قال مالك: قال ابن شهاب) الزهري: (ففحص) بفتح الحاء المهملة
الخفيفة من المجرد في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية فتفحص من
التفعل، وهما بمعنى أي استقصى في الكشف (عن ذلك) الذي بلغه من
قوله ◌َّير: ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) (عمر بن الخطاب) في زمان
خلافته (حتى أتاه الثلج) بفتح المثلثة وسكون اللام آخره جيم اليقين الذي لا
شك فيه (واليقين) عطف تفسير .
(١) ((المنتقى)) (١٩٥/٧).
٦٥٧

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٩٠) حدیث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِّ قَالَ: ((لَا يَجْتَمِعُ دِيْنَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ)) فَأَجْلَى
يَهُودَ خَيْبَرَ.
أخرجه البخاريّ في: ٥٨ - كتاب الجزية والموادعة، ٦ - باب إخراج اليهود
من جزيرة العرب. ومسلم في: ٢٥ - كتاب الوصية، ٥ - باب ترك الوصية لمن ليس
له شيء یوصي فیه، حدیث ٢٠.
قال الباجي: قال مالك: معناه كشف عن هذا القول هل يصح عن
النبي ◌َّل، وقوله: حتى جاءه الثلج، قال: معناه اليقين الذي لا شك فيه، یرید
أن النبي قال# قال ذلك، فأجلی عمر - رضي الله عنه - يهود خيبر، اهـ.
(أن رسول الله وَير قال: لا يجتمع دينان) الإسلام والكفر، فإن الكفر كله
ملة واحدة (في جزيرة العرب)، وفي ((الصحيح)) (١) عن ابن عباس أنه وَالخيل
أوصى عنده موته بثلاث، قال: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا
الوفود بنحو ما كنت أجيزهم»، ونسيت الثالثة، (فأجلى) عمر - رضي الله عنه -
لما اطمأنّ نفسه بذلك الخبر (يهود خيبر) قال صاحب ((المحلى)): روى ذلك
ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وزاد: فقال عمر: ((من
كان له من أهل الكتابين عهد فليأت به، أنفذه إليه وإلا فإني مجليكم
فأجلاهم».
وفيه أن سبب إجلائهم كان بلوغ الحديث إلى عمر - رضي الله عنه -،
ولا ينافيه ما في البخاري أنه لما كان زمان عمر - رضي الله عنه - غشوا يعني
اليهود وألقوا ابن عمر - رضي الله عنه - من فوق بيت، ففدعوا به، فأجلاهم
عمر - رضي الله عنه -، وما رواه عمرو بن شيبة لما كثر العمَّال في أيدي
المسلمين، وقووا على العمل في الأرض أجلاهم عمر - رضي الله عنه -؛ لأنه
يحتمل كل هذه الأمور سبباً لإجلائهم، ويمكن أنه - رضي الله عنه - بعد فدعهم
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١١/٦) و(٨١/٧) ((باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة
العرب)).
٦٥٨

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٩١) حديث
١٩/١٥٩١ - قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ
نَجْرَانَ وَفَدَكَ،
ابنه تردد في الإجلاء من أجل كونهم من أهل العهد، وصار باحثاً عن الحديث
في حقهم، فلما وصل إليه الجزم بالحديث أجلاهم، اهـ.
قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) (١) في سنة عشرين من الهجرة: أجلى
عمر - رضي الله عنه - اليهود عن خيبر ونجران وقسم خيبر ووادي القرى، اهـ.
١٩/١٥٩١ - (قال مالك: وقد أجلى) بسكون الجيم أي أخرج (عمر بن
الخطاب) سنة عشرين كما تقدم (يهود نجران) بفتح النون وسكون الجيم، بلدة
من بلاد همدان باليمن، قال البكري: سميت باسم بانيها نجران بن زيد بن
سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وفي ((معجم البلدان)): نجران في عدة
مواضع، منها نجران في مخاليف اليمن من ناحية مكة، سُمِّي بنجران بن
زيدان بن سبأ؛ لأنه كان أول من عمَّرها، كذا في ((كتاب الكلبي)) بخطٍ صحيح
زيدان بن سبأ، وفي كتاب غيره زيد، وفتح نجران في زمن النبي ◌َّر في سنة
عشر صلحاً على الفيء، قال: وإنما أجاز عمر - رضي الله عنه - إخراج أهل
نجران وهم أهل صلح بحديث روي عن النبي وَّر فيهم خاصة عن أبي عبيدة بن
الجراح عن النبي ◌ّلم أنه كان آخر ما تكلم به أنه قال: ((أخرجوا اليهود من
الحجاز، وأخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب)).
(وفدك) بفتح الفاء والدال المهملة بلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها
وبين خيبر دون مرحلة، قاله الزرقاني(٢) وفي ((المعجم)) (٣): فدك بالتحريك آخره
كاف، قرية بالحجاز، بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاثة، أفاءها الله على
(١) (ص١٥١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٤/٤).
(٣) معجم البلدان (٢٣٨/٤).
٦٥٩

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(١٥٩١) حديث
فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ
شَيْءٌ، وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ، لِأَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ،
رسوله ◌ّ في سنة سبع صلحاً، وذلك أن النبي وَ لّ لما نزل خيبر، وفتح
حصونها، ولم يبق إلا ثلاث، واشتدّ بهم الحصار، راسلوا رسول الله وَله
يسألونه أن ينزلهم على الجلاء، وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك، فأرسلوا إلى
رسول الله ﴿ أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم، فأجابهم إلى
ذلك فهي مما لم يوجف عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، فكانت خالصة لرسول الله وَخلاله.
(فأما يهود خيبر فخرجوا منها) أي من خيبر بعد إجلاء عمر - رضي الله
عنه - والحال أنهم (ليس لهم من الثمر ولا من الأرض شيء) أي لم يعطهم
عمر - رضي الله عنه - في قيمة الثمر ولا في قيمة الأرض شيئاً، وذلك لأنه وَله
لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها؛ لأنهم نزلوا على الجلاء، فسألته
أن يقرّهم بها على أن يكفوه العمل، ولهم نصف الثمر، فكان إبقاؤهم على
نصف الثمر فقط بحذاء عملهم.
(وأما يهود فدك فكان لهم) حين أجلاهم عمر - رضي الله عنه - (نصف
الثمر ونصف الأرض) معاً، (لأن رسول الله وَ ل قد كان صالحهم) أي أهل فدك
حين أراد إجلاءهم في بدء الأمر (على نصف الثمر ونصف الأرض) بطلبهم
ذلك، قال ابن إسحاق: فكانت له خالصة؛ لأنه لم يوجف عليها بخيلٍ ولا
ركابٍ، وقيل: صالحوه على حقن دمائهم والجلاء، ويخلوا بينه وبين الأموال
ففعل، قال الواقدي: والأول أثبت القولين، قاله الزرقاني.
وفي ((المعجم)): في فدك اختلاف كثير في أمره بعد النبي ◌َليل، وأصح
ما ورد عندي في ذلك ما ذكره أحمد بن جابر البلاذري في ((كتاب الفتوح)) له،
فإنه قال: بعث رسول الله وَلجر بعد منصرفه من خيبر إلى أرض فدك محيصة بن
مسعود، ورئيس فدك يومئذٍ يوشع بن نون اليهودي، يدعوهم إلى الإسلام،
٦٦٠