النص المفهرس
صفحات 601-620
٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٨٠) حديث
الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٢٩ - كتاب فضائل المدينة، ٥ - باب من رغب عن
المدينة. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٩١ - باب في المدينة حين يتركها أهلها،
حديث ٤٩٩.
(الطير والسباع) بالجر بدل أو عطف بيان للعوافي، قال النووي(١): أما
العوافي فقد فسرها في الحديث بالسباع والطير، وهو صحيح في اللغة مأخوذ
من عفوته إذا أتيته تطلب معروفه، وأما معنى الحديث فالظاهر المختار أن هذا
الترك للمدينة يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة، وتوضحه قصة الراعِيين،
فإنهما يَخِرّانِ على وجوههما حين تدركهما الساعة، وهما آخر من يُخْشر كما
ثبت في ((صحيح البخاري))، فهذا هو الظاهر المختار.
وقال القاضي عياض: هذا مما جرى في العصر الأول، وانقضى، قال:
وهذا من معجزاته وَ ل#، فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت حين انتقلت
الخلافة عنها إلى الشام والعراق، وذلك الوقت أحسن ما كانت للدين والدنيا .
أما الدين فلكثرة العلماء وكمالهم، وأما الدنيا فلعمارتها وغرسها واتساع حال
أهلها .
قال: وذكر الأخباريون في الفتن التي جرت بالمدينة، وخاف أهلها أنه
رحل عنها أكثر الناس، وبقيت ثمارها أو أكثرها للعوافي وخلت مدة، ثم
تراجع الناس إليها، قال: وحالها اليوم قريب من هذا، وقد خربت أطرافها،
هذا كلام القاضي عياض، اهـ.
وحكى الزرقاني(٢) قول النووي والقاضي عياض مختصراً، وزاد في كلام
القاضي: وحكى كثير من الناس أنهم رأوا في خلائها ذلك ما أنذر به والي من
تغذية الكلاب على سواري المسجد، ثم قال: قال الأبي: تأمل هذا الكلام
(١) ((شرح صحيح مسلم)) اللنووي (١٦٠/٩).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٥/٤).
٦٠١
٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٨٠) حدیث
فإنه يعطي أن خلاءها حتى غذت الكلاب على سواري المسجد، كان قريباً من
زمن تناهي حالها وانتقال الخلافة عنها، وهذا لم يقع ولو وقع لتواتر، بل
الظاهر أنه لم يقع بعد، ودليل المعجزة يوجب القطع بوقوعه في المستقبل
لصحة الحديث، وأن الظاهر كونه بين يدي نفخة الصعق، كما يدل عليه موت
الراعيين، والمراد بخير ما كانت المصالح الدينية المتقدمة، وإلى هذا كان
يذهب شيخنا أبو عبد الله يعني ابن عرفة، اهـ.
قال الزرقاني: وفي نفيه وقوعه نظر مع نقل عياض عن كثير أنهم رأوا
ذلك، ولا يشترط التواتر في مثل ذلك، اهـ.
وقال الحافظ(١): قال القرطبي تبعاً لعياض: قد وجد ذلك حيث صارت
معدن الخلافة ومقصد الناس وملجأهم، وحُملت إليها خَيراتُ الأرض،
وصارت من أعمر البلاد، فلما انتقلت الخلافة عنها إلى الشام، ثم إلى
العراق، وتغلَّبت عليها الأعرابُ تعاورتها الفتنُ، وخلت من أهلها، فقصدتها
عوافي الطير والسباع، وقال النووي: المختار أن هذا الترك يكون في آخر
الزمان عند قيام الساعة، ويؤيده قصة الراعيين، قال الحافظ: ويؤيده ما روى
مالك عن ابن حماس، فذكر حديث الباب.
ثم قال: ويشهد له أيضاً ما روى أحمد والحاكم وغيرهما(٢) من حديث
مِحْجن بن الأدرع الأسلمي قال: بعثني النبي وَلّ لحاجة، ثم لقيني وأنا خارج
من بعض طرق المدينة، فأخذ بيدي حتى أتينا أحداً، ثم أقبل على المدينة
فقال: ((ويل أمها قرية يوم يدعها أهلها كأينع ما يكون)) قلت: يا رسول الله من
يأكل ثمرها؟ قال: ((العافية الطير والسباع)).
(١) ((فتح الباري)) (٩٠/٤).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٣٢/٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٢٧/٤)، والطبراني في
((الكبير)) (٢٣٠/١٨) وعزاه الهيثمي (٣٥٩/٩).
٦٠٢
٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٨٠) حدیث
وروى عمر بن شبّة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك، قال: دخل
رسول الله ﴿ المسجد ثم نظر إلينا، فقال: ((أما والله ليدعنها أهلها مذللة
أربعين عاماً للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع)).
قال الحافظ: وهذا لم يقع قطعاً، وقال المهلب: في هذا الحديث، أن
المدينة تسكن إلى يوم القيامة وإن خلت في بعض الأوقات لقصد الراعيين
بغنمهما إلى المدينة، وقال الحافظ في قوله في حديث البخاري: وآخر من
يحشر راعيان: هذا يحتمل أن يكون حديثاً آخر مستقلاً، لا تعلق له بالذي
قبله، ويحتمل أن يكون من تتمة الحديث الذي قبله، وعلى هذين الاحتمالين
يترتب الاختلاف الذي حكيته عن القرطبي والنووي، والثاني أظهر كما قال
النووي، اهـ.
والحاصل أن القرطبي اختار قول القاضي عياض، وإليه يظهر ميل العلامة
الزرقاني، ورجح الأبي قول النووي، وهو اختيار أبي عبد الله بن عرفة، وإليه
يظهر ميل الحافظ ابن حجر، وفي ((الإشاعة)) للسيد محمد البرزنجي الشافعي
المدني المتوفي سنة ١١٠٣ هـ بعد ذكر الْحَرَّة وغيرها: ومنها خراب المدينة بعد
الحرَّة، أخرج ابن شبّة(١) عن أبي هريرة «ليخرجن أهل المدينة من المدينة أعمر
ما كانت نصفاً زهواً ونصفاً رطباً، قيل: من يخرجهم؟ قال: أمراء السوء)).
وروى أحمد(٢) برجال الصحيح أن النبي وَلّ صعد أحداً، فأقبل على
المدينة فقال: ((ويل أمها، قرية يدعها أهلها كأينع ما تكون)) وروى ابن شبّة(٣)
عن شريح بن عبيد أنه قرأ كتاباً لكعب: ليغشين أهل المدينة أمرٌ يُفزْعهم حتى
(١) ((تاريخ المدينة)) (٢٧٧/١) وانظر: ((التمهيد)) (١٢١/٢٤) و((وفاء الوفاء)) (١٢٠/١).
(٢) ((مسند أحمد)) (٣٢/٥).
(٣) انظر: ((وفاء الوفاء)) (٢٧٦/١).
٦٠٣
٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٨٠) حديث
يتركوها وهي مُذللةٌ، وتبول السنانير على قطائف الخَزِّ، ما يروعها شيءٌ، وحتى
تخرقُ الثعالبُ في أسواقها ما يروعها شيءٍ.
وفي ((الموطأ)): لتتركن المدينة. الحديث، فذكر حديث الباب، قال:
ورواه ابن شبة (١) ولفظه ((فيغذي على سواري المسجد))، قال القاضي عياض:
إن هذا جرى في العصر الأول، وإنها تركت أحسن ما كانت من حيث الدين
والدنيا، أما الدين فلكثرة العلماء بها، وأما الدنيا فلعمارتها واتساع حال
أهلها، وذكر الأخباريون أنه رحل عنها أكثر أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي،
وخلت مدة ثم تراجعوا، قال: وقد حكى قوم كثيرون أنهم رأوا ما أنذر به وَّيه
من تغذية الكلاب على سواري المسجد، وقال النووي: الظاهر المختار أن
الترك يكون في آخر الزمان.
قال السيد السمهودي في تاريخها في ((وفاء الوفاء)) (٢): أنه ورد ما يقتضي
أن الترك لها يكون متعددة، فقد روى ابن شبة: ((ليخرجن أهل المدينة منها، ثم
ليعودن إليها، ثم ليخرجن منها، ثم لا يعودون إليها)) وروى أيضاً عن عمر
- رضي الله عنه - مرفوعاً: ((يخرج أهل المدينة منها، ثم يعودون إليها
فيعمرونها، ثم تمتلىء وتُبْنَى، ثم يخرجون منها ولا يعودون إليها أبداً))، قال:
فالظاهر أن ما ذكره القاضي عياض هو الترك الأول، وسببه كائنة الحرة كما في
حديث أبي هريرة: ((يخرجهم أمراء السوء»، وأنه بقي الترك الذي يكون في آخر
الزمان، اهـ.
قال البرزنجي: ويؤيده ما في رواية شريح: ((ليغشين أهل المدينة أمر
يفزعهم حتى يتركوها))، فإن خروجهم عنها آخر الزمان يكون للهجرة إلى بيت
(١) «تاريخ المدينة» (٢٧٦/١).
(٢) ((وفاء الوفاء)) (١٢٣/١).
٦٠٤
٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٨٠) حديث
المقدس طلباً للجهاد لا للفزع، نعم يمكن أن يقال: إن ذلك يقع في زمن
السفياني أيضاً، وهو من أمراء السوء، وهو في آخر الزمان، لكن إذا ثبت
التعدد سهل الأمر بأن يقال: يخرجون منها ثلاث مرات، وإنما ذكر في
الحديث مرتين إيجازاً واختصاراً، وبالجملة فقد وقع ذلك في زمان يزيد، وهو
من جملة قبائحه الشديدة، ولا بد من وقوعها مرة أخرى في آخر الزمان، كما
صرحت به الأحاديث الصحيحة، اهـ.
ثم قال في أحوال المهدي الموعود: وأما مهاجره فإنه يهاجر إلى بيت
المقدس، وأن المدينة تخرب بعد هجرته، وتصير مأوى للوحوش، فقد ورد:
((عمران بيت المقدس خراب يثرب))، الحديث. ثم قال: ومن الأشراط القريبة
خراب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة، وخروج أهلها منها، فقد أخرج
أبو داود(١) عن معاذ مرفوعاً: ((عُمْران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب
يثرب خروج الملحمة)) الحديث.
وروى الطبراني(٢): («سيبلغ البناء سِلعاً، ثم يأتي على المدينة زمان يمر
السفر على بعض أقطارها، فيقول: قد كانت هذه مرّةً عامرةً من طول الزمان
وعَفْوِ الأثر))، وروى أحمد نحوه بإسناد حسن، وفي الصحيحين: (لتتركن
المدينة على خير ما كانت)) الحديث، وفيه ((آخر من يحشر منها راعيان من
مزينة)) الحديث.
وروى ابن زبالة وتبعه ابن النجار: ((لا تقوم الساعة حتى يغلب على
مسجدي هذا الكلاب والذئاب والضباع، فيمر الرجل ببابه فيريد أن يصلي فيه
فما يقدر عليه)) وروى ابن شبَّة بسند صحيح حديث ((أما والله لتدعنها مذللة
(١) ((سنن أبي داود)) (٩٢/٤) (٤٢٩٤).
(٢) ((المعجم الكبير)) للطبراني (٨٨/٦) (٥٥٩٧).
٦٠٥
٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٨١) حديث
٩/١٥٨١ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ
حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَبَكَى. ثُمَّ قَالَ: يَا مُزَاحِمُ.
أربعين عاماً للعوافي))، وروى الديلمي في ((مسند الفردوس)) عن عوف بن مالك
قال: تخرب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة، وروي عن أبي هريرة: لا
تقوم الساعة حتى يجيء الثعلب فيربض على منبر رسول الله وَلّر فلا ينهضه
أحد، ثم قال: قد مَرّ في القسم الأول الترك الأول، وهذا هو الترك الثاني،
وسبب خرابها - والله أعلم - أنهم يخرجون مع المهدي إلى الجهاد، ثم ترجف
المدينة بمنافقيها وترميهم إلى الدجال، ومن بقي من المؤمنين المخلصين تقبض
الريح الطيبة أرواحَهم، فتبقى المدينة خاوية، اهـ مختصراً.
قلت: وقد وقع خراب المدينة في عصرنا أيضاً في أثناء الحرب العمومي
في السنين التي بين الثلاثين والأربعين بعد ثلاث مائة وألف، وأخرج منها
السادات والأشراف بأمر الأمراء السوء - وقاها الله تعالى عن كل سوء، وزادها
شرفاً وكرامةً -.
٩/١٥٨١ - (مالك أنه بلغه أن) أمير المدينة (عمر بن عبد العزيز حين
خرج من المدينة) يريد الشام، وكان قد أقام بها مدة، قال السيوطي في ((تاريخ
الخلفاء))(١): بعثه أبوه إلى المدينة يتأدب، فلما توفي أبوه طالبه عبد الملك إلى
دمشق، وزوجه ابنته فاطمة، فلما ولي الوليد الخلافة أمّره على المدينة، فوليها
من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين وعزل، فقدم الشام، اهـ. فلعله
- رضي الله عنه - قاله ذلك حينئذٍ (التفت إليها) أي إلى المدينة المنورة (فبكى)
على فراقها (ثم قال: يا مزاحم) قال صاحب ((المحلى)): بضم الميم والزاي
المعجمة والحاء المهملة اسم مولى لعمر بن عبد العزيز، اهـ.
وقال الزرقاني(٢): هو ابن أبي مزاحم المكي مولى عمر بن عبد العزيز،
(١) (ص٢٦٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٦/٤).
٦٠٦
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
أَتَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ نَفَتِ الْمَدِينَةُ؟
(٣) باب ما جاء في تحريم المدينة
ويقال: مولى طلحة، ثقة، روى له مسلم والنسائي وغيرهما، اهـ. قلت: فرق
الحافظ في ((تهذيبه))(١) بين مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز وبين مزاحم الذي
روى له مسلم، وقال: هو غيره قطعاً .
(أتخشى) أي تخاف (أن نكون) بالنون في جميع النسخ الهندية والمصرية
غير الزرقاني قال: بفوقية، ويحتمل أن يكون بالنون أي أنا وأنت، اهـ. قلت:
وعليه النسخ كلها وهو الأوفق بالسياق. (ممن نفت) أي من الذين نفتهم
(المدينة) فإنها تنفي الخبث كما تقدم.
قال الباجي(٢): خاف أن يكون ممن نفته المدينة لكونه من الخبث
لمخالفة سنة أو ضلال عن هدىً، ومثله من أهل الفضل والدين يخاف على
نفسه، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي بَّر كلهم يخاف
النفاق على نفسه، وقال الحسن: ما خافه إلا مؤمن ولا آمنه إلا منافق، وقال
إبراهيم التميمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً،
فعلى هذا أهل الدين والعلم والفضل من الخوف على أنفسهم والاتهام لها، اهـ.
(٣) ما جاء في تحريم المدينة
قال الموفق(٣): يحرُمُ صيد المدينة وشجرها وحشيشُها، وبهذا قال مالك
والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يحرم؛ لأنه لو كان محرماً لبينه النبي وَلقول بياناً
عاماً، ولوجب فيه الجزاء كصيد الحرم.
(١) ((تهذيب التهذيب)) (١٠٠/١٠).
(٢) ((المنتقى)) (١٩٢/٤).
(٣) («المغني)) (١٩٠/٥).
٦٠٧
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
ولنا، ما روى علي - رضي الله عنه - أن النبي ◌َّ قال: ((المدينة حرمٌ ما
بين ثور إلى عير)) متفق عليه (١)، وروى تحريم المدينة أبو هريرة ورافع
وعبد الله بن زيد، متفق على أحاديثهم، ورواه مسلم عن سعد وجابر وأنس،
وهذا يدل على تعميم البيان، وليس هو في الدرجة دون أخبار تحريم الحرم،
وقد قبلوه، وأثبتوا أحكامه.
وحرم المدينة ما بين لابتيها، واللابة: الحرة فيها أحجار سودٌ، قال
أحمد: ما بين لابتيها حرام، بريد في بريد، كذا فسره مالك بن أنس، وروى
أبو هريرة أن رسول الله وَ لّ جعل حول المدينة اثني عشر ميلا حِمَّى، رواه
مسلم .
فمن فعل مما حرم عليه شيئاً ففيه روايتان؛ إحداهما: لا جزاء فيه، وهذا
قول أكثر أهل العلم، وهو قول مالك والشافعي؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير
إحرام، فلم يجب فيه جزاء كصَيْدٍ وَجٍ (٢)، والثانية: يجب فيه الجزاء، وروي
ذلك عن ابن أبي ذئب، وهو قول الشافعي في القديم وابن المنذر؛ لأن
رسول الله وَ﴾ قال: ((إني أحرم المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة)) ونهى أن
يعضد شجرها، ويؤخذ طيرها، فوجب في هذا الحرم الجزاء، كما وجب في
ذلك، إذ لم يظهر بينهما فرقٌ.
وجزاؤه إباحة سلب القاتل(٣) لمن أخذه لما روى مسلم بإسناده عن
عامر بن سعد أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً، أو
يَخْبِطُه فسَلَبَه، فلما رجع سعد جاء أهل العبد فكلموه أن يَرُدَّ على غُلَامهم أو
(١) أخرجه البخاري (٢٦/٣، و١٢٤/٤، ١٢٥) ومسلم (٩٩٤/٢، ٩٩٥).
(٢) وَجٌّ: هو وادٍ بالطائف.
(٣) كذا في الأصل، وكذا في ((الشرح الكبير)) والصواب عندي بدله القاطع أي قاطع الشجر
ويحتمل أن يراد به قاتل الصيد. ((ش)).
٦٠٨
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
عليهم، فقال : - معاذ الله - أن أرد شيئاً نَفْلَنيه رسول الله وََّ، فأبى أن يَرُدَّ
عليهم، وعن سعد أن رسول الله وَ ل﴿ه قال: ((من أخذ أحداً يصيْدُ فيه فليسلُبْه))،
رواه أبو داود(١).
فعلى هذا يباح لمن وجد آخذ الصيد أو قاتله أو قاطع الشجر سَلبُه، وهو
أخذُ ثيابه حتى سراويله، فإن كان على دابة لم يملك أخذها؛ لأن الدابة ليست
من السَّلب، وإنما أخذها قاتلُ الكافر في الجهاد، ولأنه يستعان بها على
الحرب، بخلاف مسألتنا، فإن لم يسلبه أحد فلا شيء عليه، أي على القاطع،
سوى الاستغفار والتوبة.
ويفارقُ حَرَمُ المدينة حَرَمَ مكة في شيئين: أحدهما: أنه يجوز أن يؤخذ
من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمَساندِ والوسائد والرَّحْل، ومن
حشيشها ما تدعوا الحاجة إليه للعلف؛ لما روى أحمد عن جابر أن النبي وَل
لماحرم المدينة قالوا: يا رسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا
نستطيع أرضاً غير أرضنا فَرَخِّصْ لنا، فقال: ((القائمتان والوسادة والعارضة
والمسند، فأما غير ذلك فلا يُعْضد، ولا يُخْبَطُ منها شيء))، قال خارجة:
المسند مِرْوَدُ البَكَرةِ، فاستثنى ذلك، وجعله مباحاً، كاستثناء الإذخر بمكة.
وعن علي - رضي الله عنه - عن النبي وَلو: قال: ((المدينة حرام))
الحديث، فيه ((إلا أن يعلِفَ رجلٌ بعيره))، وعن جابر أن رسول الله وَلّه قال:
((لا يخْبَطُ، ولا يُعْضَدُ حِمَى رسولِ اللهِ وَّهِ، ولكن يُهَشُّ هشّاً رفيقاً)) رواهما أبو
داود، ولأن المدينة يقرب منها شجر وزرع فلو منعنا من احتشاشها مع الحاجة
أفضى إلى الضرر بخلاف مكة.
والثاني: أن من صاد صيداً خارج المدينة، ثم أدخله إليها لم يلزمه
(١) سنن أبي داود (٢٠٣٧).
٦٠٩
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
إرساله، نص عليه أحمد؛ لأن النبي ◌ّلو كان يقول: ((يا أبا عمير ما فعل
النغير(١)؟)) فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة إذ لم ينكر ذلك، وحرم مكة
أعظم من حرمة المدينة بدليل أنه لا يدخلها إلا محرم، اهـ.
وذكر الشيخ في ((البذل)) (٢) قال الثوري وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرٌ كما كان لمكة، فلا يُمْنَعُ أحد من أخذ
صيدها وقطع شجرها، وأجابوا عن الحديث بأنه ولّ﴿ إنما قال ذلك، لا لأنه
لما ذكروه من تحريم صيد المدينة وشجرها، بل إنما أراد بذلك بقاء زينة
المدينة ليستطيبوها ويألفوها، وذاك كمنعه وَ ل من هدم آطام المدينة، وقال:
إنها زينة المدينة، على ما رواه الطحاوي بسنده عن ابن عمر قال: ((نهى
رسول الله ◌َر عن آطام المدينة أن تهدم))، وفي رواية: ((لا تهدم الآطام، فإنها
زينة المدينة)) وهذا إسناد صحيح.
ثم ذكر الطحاوي دليلاً على ذلك من حديث أنس في قوله {وَلفيه: ((يا أبا
عمير ما فعل النغير؟))، قال الطحاوي: فهذا كان بالمدينة، ولو كان حكم
صيدها كحكم صيد مكة إذاً لما أطلق له رسول الله وَ ل حبس النغير، ولا
اللعب به، كما لا يطلق ذلك بمكة، وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل.
قلت: لا تقوم الحجة بالاحتمال الذي لا ينشئ عن دليل، ورُدَّ أيضاً بأن
صيد الحل إذا دخل يجب عليه إرساله، فلا يرد علينا، وهذا الجواب لا يتمشى
على أصل الشافعي، فإن عنده إذا أخذ الرجل صيد الحل، ثم أدخله في الحرم
لا يجب عليه إرساله، سواء كان في يده أو في قفصه، نعم يتمشى على أصلنا،
وروى الطحاوي أيضاً من حديث سلمة بن الأكوع أنه كان يصيد، ويأتي
(١) أخرجه البخاري (٣٧/٨، ٥٥) وأبو داود (٥٨٩/٢).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٨٣/٩).
٦١٠
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
النبي ول# من صيده، فأبطأ عليه فجاء، فقال رسول الله وَله: ((ما الذي
حبسك؟)) فقال: يا رسول الله انتفى عنا الصيد، الحديث، أخرجه الطحاوي
بثلاث طرق.
ثم قال: ففي هذا الحديث ما يدل على إباحة صيد المدينة، ألا ترى
رسول الله ﴿ قد دل سلمة وهو بها على موضع الصيد، وذلك لا يحل بمكة،
فثبت أن حكم صيد المدينة خلاف حكم صيد مكة، اهـ ما في ((البذل)).
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): احتجّ الطحاوي بحديث أنس في قصة أبي
عمير ما فعل النغير، وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل، قال أحمد:
من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله لحديث أبي عمير، وهذا
قول الجمهور، لكن لا يرِدُ ذلك على الحنفية؛ لأن صيد الحل عندهم إذا دخل
الحرم كان له حكم الحرم، ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير قبل التحريم،
واحتجَّ بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد.
وتُعُقِّبَ بأن ذلك كان في أول الهجرة، وحديث تحريم المدينة كان بعد
رجوعه ويق لل من خيبر كما في حديث عمرو بن أبي عمرو عن أنس في الجهاد،
وفي غزوة أحد من المغازي واضحاً، اهـ.
قلت: والحديث الذي أشار إليه الحافظ هو ما أخرجه البخاري(٢) في
(باب من غزا بصبي للخدمة)) بسنده إلى عمر، وعن أنس أن النبي وَّ قال لأبي
طلحة: ((التمس لي غلاماً من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر، فخرج
بي أبو طلحة مُرْدِفِي))، الحديث بطوله، وفيه اصطفاؤه وَلّر بصفية والبناء بها،
وفي آخره: فسِرْنا حتى إذا أشرفنا على المدينة نظر إلى أُحُدٍ، فقال: ((هذا جبل
(١) ((فتح الباري)) (٨٣/٤).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢٨٩٣).
٦١١
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٢) حدیث
١٠/١٥٨٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى
الْمُطَلِبِ،
يُحِبُّنَا ونحبه))، ثم نظر إلى المدينة فقال: ((اللَّهم إني أحرم ما بين لابتيها بمثل
ما حرم إبراهيم مكة)).
ثم قال الحافظ(١) تبعاً لابن قدامة: من فعل مما حرم عليه فيه شيئاً إثم،
ولا جزاء عليه في رواية لأحمد، وهو قول مالك والشافعي في الجديد، وأكثر
أهل العلم، وفي رواية لأحمد وهو قول الشافعي في القديم وابن أبي ذئب،
واختاره ابن المنذر وابن نافع من أصحاب مالك، وقال القاضي عبد الوهاب:
هو الأَقيس، واختاره جماعة بعدهم فيه الجزاء وهو كما في حرم مكة، وقيل:
الجزاء في حرم المدينة أخذ السلب، لحديث صححه مسلم عن سعد بن أبي
وقاص، قال القاضي عياض: لم يقل بهذا بعد الصحابة إلا الشافعي في
القديم، قال الحافظ: واختاره جماعة معه وبعده لصحة الخبر فيه، ولمن قال
به اختلاف في کیفیته ومصرفه، والذي دل عليه صنيع سعد عند مسلم وغيره أنه
كسلب القتيل، وأنه للسالب لكنه لا يُخَمَّسُ، اهـ.
قال الباجي(٢): ومن عصی فاستحلّ، فقد استحلّ ما قد نهى عنه وليس
عليه فيه جزاء، وقال القاضي أبو محمد: إن مقتضى تفضيل مالك المدينة على
مكة أن عليه الجزاء فيما أصاب من الصيد في حرم المدينة، وهو مذهب ابن
أبي ذئب، اهـ.
وقال الحافظ: نقل ابن خزيمة الاتفاق على أن لا جزاء في صيد المدينة
بخلاف صید مکة، اهـ.
١٠/١٥٨٢ - (مالك عن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ابن أبي عمرو،
واسمه ميسرة المدني (مولى المطلب) بن عبد الله بن حنطب القرشي
(١) ((فتح الباري)) (٤/ ٨٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٩٣/٧).
٦١٢
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٢) حدیث
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ. فَقَالَ: ((هُدَا
جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ.
المخزومي، قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): عمرو لا بأس به، له حديث
واحد مسند، يكنى أبا عثمان، اهـ. والمراد أن له هذا الواحد في ((الموطأ))
وإلا فهو من رواة الستة.
قال الحافظ في ((تهذيبه)): كثير الحديث، صاحب مراسيل، وذكر جماعة
ضَعّفُوه لحديثه عن عكرمة عن ابن عباس: ((من أتى البهيمة فاقتلوه)) قال العجلي:
ثقة ينكر عليه حديث البهيمة، قال الآجري: سألت عنه أبا داود؟ فقال: ليس هو
بذاك، حدّث عنه مالك بحديثين، وقال ابن عدي: لا بأس به؛ لأن مالكاً يروي
عنه ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة، أَرَّخ ابنُ قانع وفاته سنة ٤٤هـ. وفي
((التقريب)): مات بعد خمسين، يعني وفاته، قال الزرقاني(٢): وقد علم أن مالكاً لم
يخرج عنه عن عكرمة شيئاً، وإنما أخرج له هذا الحديث فقط.
(عن أنس بن مالك أن رسول الله (وَ لي طلع) بفتح الطاء واللام مخففاً أي
ظهر (له أحد) قال الزرقاني: حين رجع من خيبر، لرواية محمد بن جعفر عن
عمرو عن أنس قال: خرجت مع النبي ◌َلّ إلى خيبر أخدمه، فلما قدم وَليت
راجعاً، وبدا له أحد قال: ((هذا جبل يحبنا)) الحديث، تقدم قريباً عن البخاري
في ((باب من غزا بصبي للخدمة)) وقال الحافظ(٣): ظهر من رواية للبخاري
أنه ا سل* قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من الحج، وقد وقع في رواية أبي
حميد أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف على المدينة، قال: ((هذه
طابة))، فلما رأى أحداً قال: ((هذا جبل يحبنا ونحبه))، وكأنه وَلّ تكرر منه ذلك
القول (فقال) وَله: (هذا) إشارة إلى جبل أحد (جبل يحبنا ونحبه) قال
(١) ((التجريد)) (ص١١١).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٢٦/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٧٨/٧).
٦١٣
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٢) حديث
الحافظ(٣): للعلماء في معنى ذلك أقوال: أحدها، أنه على حذف مضاف،
والتقدير أهل أحد، والمراد بهم الأنصار؛ لأنهم جيرانه، ثانيها، أنه قال ذلك
للمسرة بلسان الحال إذا قدم من سفر لقربه من أهله ولُقْياهم، وذلك فعل من
يحب بمن يحب.
ثالثها، أن الحب من الجانبين على حقيقته، وظاهره لكون أحد من جبال
الجنة كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعاً: ((جبل أحد يحبنا ونحبه
وهو من جبال الجنة))، أخرجه أحمد، ولا مانع في جانب البلد من إمكان
المحبة منه، كما جاز التسبيح منها، وقد خاطبه رير مخاطبة من يعقل فقال لما
اضطرب: ((اسكن أحد))، الحديث.
وقال السهيلي: كان ◌َل* يحب الفأل الحسن، والاسم الحسن، ولا اسم
أحسن من اسم مشتق من الأحدية، ومع كونه مشتقاً من الأحدية فحركات
حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب من النبي وَ طير
به لفظاً ومعنى، فخص من بين الجبال بذلك، وقال في موضع آخر: قيل: هو
على الحقيقة، ولا مانع من وقوع مثل ذلك بأن يخلق الله المحبة في بعض
الجمادات، وقيل: هو على المجاز على حد قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ اُلْفَرْيَةَ﴾،
وقال الشاعر:
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارًا اهـ
وقال الزرقاني(١): قوله: يحبنا حقيقة كما رجحه جماعة، وقد خاطبه وَاخيه
مخاطبة من يعقل، فقال لما اضطرب: (اسكن))، فوضع الله الحب فيه، كما
وضع التسبيح في الجبال مع داود، والخشية في الحجارة التي قال فيها: ﴿وَإِنَّ
مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهُ﴾، وكما حنّ الجذع لفراقه حتى سمع الناس حنينه،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٦/٤) انظر: ((الاستذكار)) (٣٥/٢٦).
٦١٤
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٢) حديث
اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ.
فلا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء، وقد سلّم عليه الحجر والشجر، وسَبَّحَتِ
الحصباتُ في يده، وكَلّمَته الذراعُ، وأَمَّنَتْ حوائطُ البيت، وأسكفةُ البابِ على
دعائه وَ لّ إشارةً إلى مزيد حبِّ الله إياه، وحتى أسكن حُبَّه في الجماد، وغرس
محبته في الحجر، مع فضل يبسه، وقوة صلابته.
((ونُحِبُّهَ)) حقيقة أيضاً؛ لأن جزاء من يحبُّ أن يُحَبَّ، ولأنه من جبال
الجنة، كما رواه أحمد عن أبي عبس بن جبر كما تقدم، وللبزار والطبراني(١):
((أُحُدٌ هذا جبل يحبنا ونحبه، على باب من أبواب الجنة))، أي من داخلها، فلا
ينافي رواية الطبراني أيضاً ((أحدٌ ركن من أركان الجنة)) لأنه ركن داخل الباب،
بدليل رواية ابن سلام في تفسيره أنه ركن من الجنة، وقيل: هو على حذف
المضاف، أي يحبنا أهله، وهم الأنصار؛ لأنهم جيرانه، وكانوا يحبونه وَلايه
ويحبهم، وقيل: لأنه كان يبشره بلسان الحال إذا قدم من سفر بقُرْبِه من أهله
ولقائهم، فكان يفرح إذا طلع له استبشاراً بالأوبة من السفر، والقرب من
الأهل.
وضُعِّفَ بما في رواية الطبراني عن أنس: ((فإذا جئتموه فكلوا من شجره
ولو من عِضَاهه)) بكسر المهملة وضاد معجمة: كل شجرة عظيمة ذات شوك،
وأُخِذ من هذا الحديث أنه أفضل الجبال، وقيل: عرفة، وقيل: أبو قبيس،
وقيل: الذي كلّم الله عليه موسى، وقيل: قاف، قيل: وفيه قبر هارون أخي
موسی عليهما السلام، ولا يصح، اهـ.
(اللّهم إن إبراهيم) عليه السلام (حرم مكة) قال الباجي(٢): وقد روى ابن
(١) ((مجمع الزوائد)) (٦٨٧/٣) (٥٩١٢) ثم قال: وعن أبي عبس بن جبر أن رسول الله والاقت.
قال لأحد: هذا جبل يحبنا ونحبه على باب من أبواب الجنة، رواه البزار والطبراني في
((الكبير)) و((الأوسط)) وفيه عبد المجيد بن أبي عبس، بيّنه أبو حاتم، وفيه من لا أعرفه.
(٢) ((المنتقى)) (١٩٢/٧).
٦١٥
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٢) حديث
وَأَنَا أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)) .
أخرجه البخاري في: ٦٠ - كتاب الأنبياء، ١٠ - باب حدثنا موسى بن
إسماعيل. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨٥ - باب فضل المدينة ودعاء النبي وَل
فيها بالبركة، حديث ٤٦٢.
شريح العدوي أن رسول الله صل* قال: ((إن مكة حَرَّمها الله ولم يحرمها الناس))
ووجه ذلك عندي أن قوله: ((إبراهيم حرمها)) يحتمل أن يكون معناه أنه دعا في
تحريمها، وأن الباري تعالى أجاب دعاءه وحرمها، ويحتمل أن يراد به أن
إبراهيم كلف أن يحكم باجتهاده وأنه أداه اجتهاده إلى تحريمها فأضيف ذلك
إلى تحريم الله عز وجل؛ لأنّه بأمره حرمت، ويضاف تحريمها إلى إبراهيم عليه
السلام، لأنه الذي حکم بذلك، اهـ.
(وإني أُحرِّمُ) بصيغة المتكلم من التحريم، والاحتمالان اللذان ذكرهما
الباجي في تحريم إبراهيم - عليه السلام - يجريان في هذا أيضاً لرواية البخاري
عن أبي هريرة أن النبي ◌ُّ قال: ((حرم ما بين لابتي المدينة على لساني))، قال
الحافظ(١): كذا للأكثر على البناء لما لم يسم فاعله، ورواه أحمد بلفظ:
((إن الله عز وجل حرم على لساني ما بين لابتي المدينة))، اهـ.
(ما بين لابتيها) بخفة الموحدة تثنية لابة، قال الباجي(٢): يريد حَرَّتَيْها،
واللابة الحرّة، قاله ابن نافع، قال: فالحرتان إحداهما التي ينزل بها الحاج،
والأخرى تقابلها من ناحية شرقي المدينة، وهو أيضاً في أقصى العمران
خارجة عنه، قال: وحرتان أخريان أيضاً من ناحية القبلة، والجوف من المدينة
وهما أيضاً في طرف العمران من جانبي المدينة جميعاً على مثل الآخرين،
قال ابن نافع: فما بين هذه الحرَّات في(٣) الدور كله محرم أن يُصَادَ فيه
(١) ((فتح الباري)) (٣٧٧/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٩٣/٧).
(٣) كذا في الأصل. ((ش)).
٦١٦
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٢) حديث
صَيْدٌ، وحرم قطع الشجر منها على بريد من كل شق حولها كلها، اهـ.
قال الزرقاني(١): قال ابن حبيب: اللابة أرض ذات حجارة سود يعني
الحرتين الشرقية والغربية وهي حِرار (٢) أربع، لكن القبلية والجنوبية متصلتان،
وتحريمه وٍَّ﴾ ما بين لابتيها إنما يعني في الصيد، وأما الشجر فبريدٌ في بريد في
دورها كلها، كذلك أخبرني مطرف عن مالك وعمر بن عبدالعزيز، وكذا قاله
ابن وهب، قال النووي: اللابتان داخلتان أيضاً، قال الأبي: ولعلها بدليل
آخر، وإلا فلفظ بين لا يشملهما، اهـ.
وفي البخاري من حديث عاصم الأحول عن أنس مرفوعاً: ((المدينة حرم
من كذا إلى كذا))، قال الحافظ(٣): هكذا جاء مبهماً، وفي حديث علي في
البخاري: ((ما بين عائر إلى كذا)) فعين الأول، وذكر في رواية الجزية بلفظ
عير، وهو جبل بالمدينة، واتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني،
ووقع عند مسلم إلى ثور، فقيل: إن البخاري أبهمه عمداً لما وقع عنده أنه
وهم.
ثم قال بعدما بسط الكلام على الجبلين المذكورين: ومما يدل على أن
المراد بقوله في حديث أنس: كذا وكذا جبلان، ما وقع عند مسلم من حديث
عمرو بن أبي عمرو عن أنس مرفوعاً: ((اللَّهم إني أحرم ما بين جبليها)) لكن في
البخاري من طرق عن عمرو: ((ما بين لابتيها)) وكذا في حديث أبي هريرة
ورافع بن خديج وأبي سعيد وسعد وجابر كلها عند مسلم، وكذا عند أحمد من
حديث عبادة الزرقي، والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن عوف، والطبراني
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٧/٤).
(٢) بالکسر جمع حرة. اهـ. ز.
(٣) ((فتح الباري)) (٤/ ٨٢).
٦١٧
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٢) حديث
من حديث أبي اليسر وأبي حسين وكعب بن مالك، كلهم بلفظ ((ما بين
لا بتيها)).
وادّعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب؛ لأنه وقع في رواية ((ما بين
جبليها))، وفي أخرى ((ما بين لابتيها)) وفي رواية: ((مأزميها)).
وتُعقّب بأن الجمع بينها واضح، وبمثل هذا لا تردّ الأحاديث الصحيحة،
فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح، ولا شكّ أن رواية ((ما بين لابتيها)) أرجح
لتوارد الرواة عليها، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال أبو يوسف: حدثنا مالك أنه بلغه عن النبي وَلقر أنه
حرم عِضَاه المدينة، وما حولها اثني عشر ميلاً، وحرم الصيد أربعة أميال
حولها، قال أبو يوسف: وقال بعضهم: إن تفسير هذا إنما هو لاستبقاء
العضاه، والعضاه شجرة أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، جمع عضة؛
لأنها مرعى المواشي من الإبل والغنم، وإنما كان قوْتُ القوم اللبن، وكانت
حاجتهم إلى القوت أفضل من حاجتهم إلى الحطب، اهـ.
قلت: ويؤيده ما في أبي داود من حديث علي عن النبي ◌َّر: ((ولا يصلح
أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره))، وفي ((البذل))(١): قال الحافظ:
يجوز أخذ العلف لحديث أبي سعيد في مسلم: ((ولا يخبط فيها شجر إلا
لعلف)) ولأبي داود عن علي نحوه، اهـ.
قال الزرقاني(٢): زاد في رواية ((الصحيحين)): كما حرّم إبراهيم مكة،
والتشبيه في الحرمة فقط لا الجزاء؛ لأنه كما قال ابن عبد البر عن العلماء: لم
يكن في شريعة إبراهيم - عليه السلام - جزاء الصيد، وإنما هو شيء ابتلى الله
(١) ((بذل المجهود)) (٣٨٩/٩).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٢٢٧).
٦١٨
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٣) حديث
١١/١٥٨٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظُّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ
تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلَهَ: «مَا بَيْنَ لَا بَتَيْهَا
به هذه الأمة، قال تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾(١) الآية، ولم يكن قبل
ذلك، اهـ.
١١/١٥٨٣ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب عن
أبي هريرة) - رضي الله عنه -، رواه البخاري (٢) بهذا السند برواية عبد الله بن
يوسف عن مالك (أنه كان يقول: لو رأيت) بصيغة المتكلم (الظباء) بكسر الظاء
المعجمة والموحدة الخفيفة والمد جمع ظبي (بالمدينة ترتع) كذا في المصرية،
وفي الهندية (ترتع بالمدينة)) أي تسعى أو ترعى، كذا في ((الفتح))(٣).
(ما ذعرتها) بذال معجمة وعين مهملة أي ما أفزعتها، ونفرتها، قال
الحافظ: أي ما قصدت أخذها، فأخفتها بذلك، وكنى بذلك عن عدم
صيدها .
وقال الباجي(٤): قوله: ((ما ذعرتها)) يريد ما نفرتها، وقد روى عكرمة عن
ابن عباس عن النبي وَلو قال: ((إن الله حرم مكة لا يختلى خلاها، ولا ينفر
صيدها)) قال عكرمة: معنى ينفر صيدها أن ينحيه من الظل، فيقيل مكانه، فهذا
معنى الذعر الذي ذكره أبو هريرة، اهـ.
واستدل أبو هريرة على ذلك بقوله: (قال رسول الله وَليقول: ما بين لابتيها)
(١) سورة المائدة: الآية ٩٤.
(٢) ((صحيح البخاري)) في فضائل المدينة (١٨٧٣) باب لابتي المدينة.
(٣) ((فتح الباري)) (٨٩/٤).
(٤) ((المنتقى)) (١٩٣/٧).
٦١٩
٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٤) حديث
حَرَامٌ)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٩ - كتاب فضائل المدينة، ٤ - باب لابتي المدينة.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨٥ - باب فضل المدينة ودعاء النبي وَّ فيها
بالبرکة، حدیث ٤٧١.
١٥٨٤/ ١٢ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ،
أي المدينة (حرام) قال الحافظ(١): استدل به؛ لأن المراد بذلك المدينة؛ لأنها
بين لابتين شرقية وغربية، ولها لابتان أيضاً من الجانبين الآخرين، إلا أنهما
يرجعان إلى الأولين لاتصالهما بهما، والحاصل أن جميع دورها كلها داخل في
ذلك، اهـ.
قال الباجي: قول أبي هريرة هذا يقتضي أن ذعر الصيد مما يتناوله تحريم
النبي ◌ِّ﴾، اهـ
والحديث أخرجه مسلم (٢) برواية معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن
أبي هريرة قال: حرم رسول الله وَ لّ ما بين لابتي المدينة، قال أبو هريرة: فلو
وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة
حمّی.
١٥٨٤/ ١٢ - (مالك عن يونس بن يوسف) بن حماس، وتقدم في الباب
السابق ما قال ابن عبد البر في ((التجريد)) (٣): إن الرواة عن مالك كلهم قالوا
في هذا الحديث يونس بن يوسف، ولم يختلفوا في ذلك، كما اختلفوا في
الحديث السابق، قال: وقيل: إنه غير ابن حماس، وليس بشيء، وقال ابن
حبان: هو يوسف بن يونس، ووهم مَنْ قلبه.
(١) ((فتح الباري)) (٨٩/٤).
(٢) أخرجه مسلم في الحج (١٣٧٣) باب فضل المدينة.
(٣) (ص٢٣٧).
٦٢٠