النص المفهرس

صفحات 581-600

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٦) حديث
٤/١٥٧٦ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ أَعْرَابِياً بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه عَلَى الْإِسْلَامِ ...
٤/١٥٧٦ - (مالك عن محمد بن المنكدر) التيمي (عن جابر بن عبد الله)
الصحابي ابن الصحابي، وفي كتاب الأحكام للبخاري بطريق آخر عن ابن
المنكدر سمعت جابراً (أن أعرابياً) قال الحافظ في ((الفتح))(١): لم أقف على
اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في ((ربيع الأبرار)» أنه قيس بن أبي حازم، وهو
مشكل؛ لأنه تابعي كبير مشهور، وصرحوا بأنه هاجر، فوجد النبي وَّ قد مات،
فإن كان محفوظاً فلعله آخر، وافق اسمه واسم أبيه، وفي ((الذيل)) لأبي موسى:
في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري، فيحتمل أن يكون هو هذا، اهـ.
كذا في نسخة ((الفتح)) التي بأيدينا، وحكى الزرقاني عنه، وفي ((الذيل))
لأبي موسى المديني: في الصحابة قيس بن حازم المنقري، فيحتمل أن يكون
هو هذا أي زيد في اسم أبيه أداة الكنية سهواً أو غلطاً، اهـ.
وترجم في القسم الأول من ((الإصابة))(٢) قيس بن أبي حازم بلا نسبة،
وذكر فيه قول الزمخشري المذكور، ثم قال: إن كان قول الزمخشري ثابتاً، فهو
غير قيس بن أبي حازم التابعي المشهور، وترجم بعد ذلك قيس بن حازم(٣)،
قال أبو موسى: ذكره البخاري فيما قبل، اهـ. ولم يزد على ذلك شيئاً، ثم
ترجم في القسم الثالث: قيس بن أبي حازم البجلي ثم الأحمسي أبو عبد الله،
لأبي حازم صحبةٌ، وأسلم قيس في عهد النبي ◌َّه، وهاجر إلى المدينة، فقُبِض
النبي وَير قبل أن يلقاه، ثم بسط في ترجمته.
(بايع رسول الله وسلّ على الإسلام)، قال الحافظ: هذا ظاهر في أن طلبه
الإقالة كان فيما يتعلق بنفس الإسلام، ويحتمل أن يكون في شيء من عوارضه
(١) ((فتح الباري)) (٤/ ٩٧).
(٢) (٢٤٩/٥/٣).
(٣) كذا في الأصل بدون لفظ أبي، اهـ. ((ش)).
٥٨١

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٦) حدیث
فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَه .
كالهجرة، وكانت في ذلك الوقت واجبة، ووقع الوعيد على من رجع أعرابياً
بعد هجرته (فأصاب الأعرابي) المذكور (وعكّ) بفتح الواو وسكون العين
المهملة وقد تفتح بعدها كاف: الحُمَّى، وقيل: ألَمُها، وقيل: إرعادها، وقال
الأصمعي: أصله شدة الحر، فأطلق على حر الحمى وشدتها ((فتح))(١)
(بالمدينة) ولعله استوخم المدينة لما وعك بها، وكانت المدينة إذ ذاك ذات
وباء، كما سيأتي مفصلاً قريباً.
(فأتى رسول الله)، وفي الهندية: فأتى النبي (مَل#) وفي رواية الثوري عن
ابن المنكدر عند البخاري. ((فجاء الغد محموماً)) (فقال يا رسول الله: أقلني
بيعتي) على الإسلام، قاله عياض، وقال غيره: إنما استقاله من الهجرة، ولم
يرد الارتدادَ عن الإسلام، قال ابن بطال: بدليل أنه لم يرد حلّ ما عقده إلا
بموافقة النبي ◌ّ على ذلك ولو أراد الرِدَّة، ووقع فيها، لقتله إذ ذاك، وحمله
بعضهم على الإقالة من المقام بالمدينة (فأبى) أي امتنع (رسول الله) وفي
الهندية، فأبى النبي (و38َ) أن يقيله بيعته.
قال الباجي(٢): يحتمل أنه كان من حكم الإسلام حينئذٍ الهجرة إلى
المدينة على المقام بها مع النبي وَ لغيره، وأن ذلك تضمنته بيعته للنبي وَّيقول، ولذلك
كان سأله أن يقيله بيعته، ويؤيد ذلك أنه نقض ذلك بالخروج، وهو الذي نقل
إلينا من حاله، ويحتمل أنه كان بعد انقضاء أمد فرض الهجرة، وإنما بايعه وَّلة
على الإسلام، ثم جاء يسأله أن يقيله في ذلك لما استجاز الكفر، ولم يستجز
نقض العهد، واعتقد أنه تسوّغ إقالته فيه، فلم يقله النبي ◌َّ، لأن إقالته تتضمن
إباحة الكفر، والله عز وجل يعصم نبيه من ذلك، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٢٠٠/١٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٨٩/٧).
٥٨٢

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٦) حديث
ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي. فَأَبَى. ثُمَّ جَاءَّهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي
فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَائِيُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ.
تَنْفِي خَبَثَهَا .
(ثم جاءه) مرة ثانية (فقال: أقلني بيعتي) كرر سؤاله (فأبى) رسول الله وَ الـ
(ثم جاءه) مرة ثالثة (فقال: أقلني بيعتي، فأبى) رسول الله وَّل، ولفظ البخاري
في ((فضائل المدينة)) فأبى ثلاث مرار، قال الزرقاني(١): أبى أن يقيله؛ لأنها إن
كانت بعد الفتح، فهي على الإسلام فلم يُقِلْه؛ لأنه لا يحل الرجوع إلى الكفر،
وإن كان قبله فهي على الهجرة، والمقام معه بالمدينة، ولا يحِلُّ للمهاجر أن
يرجع إلى وطنه، كذا قال عياض، وردّه الأبي، فقال: الأظهر أنها على الهجرة
لقوله: وعك، ولو كانت على الإسلام كانت ردة؛ لأن الرضا بالدوام على
الكفر كفر، اهـ.
(فخرج الأعرابي) من المدينة إلى البدو (فقال رسول الله) وفي الهندية
((النبي)) (8* إنما المدينة) المنورة - زادها الله شرفاً وكرامة - (كالكير) بكسر
الكاف وسكون التحتانية وفيه لغة أخرى، كور بضم الكاف، والمشهور بين
الناس أنه الزِقُّ الذي ينفخ فيه، لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير
حانوت الحداد والصائغ، قال ابن التين: وقيل: الكير هو الزق، والحانوت هو
الكور، كذا في ((الفتح))(٢).
(تنفي) بفتح الفوقية وسكون النون وبالفاء (خبثها) بفتح الخاء المعجمة
والموحدة والمثلثة ما تبرزه النار من وسخ، ويروى بضم الخاء وسكون
الموحدة، والأول أشبه لمناسبة الكير، قاله الزرقاني.
قال الحافظ: ونسبة التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢١/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٨٨/٤).
٥٨٣

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٦) حديث
وَيَنْصَعُ طِبُهَا)) .
أخرجه البخاريّ في: ٩٣ - كتاب الأحكام، ٤٧ - باب من بايع ثم استقال البيعة.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨٨ - باب المدينة تنفي شرارها، حديث ٤٨٩.
التي يقع التمييز بها (وينصع) بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد المهملة
من النصوع، وهو الخلوص أي يخلص (طيبها) بكسر الطاء وسكون التحتية
الخفيفة بالرفع على أنه فاعل ينصع، وفي رواية تنصع بالمثناة الفوقية، طيبها
بالنصب على المفعولية تخفيفاً أيضاً، وبه ضبطه القزاز، لكنه استشكله بأنه لم
ير النصوع في الطيب، وإنما الكلام يتضوع بضاد معجمة وزيادة واو، وقال
عياض: معنى ينصع يصفو ويخلص، يقال: طيب ناصع إذا خلصت رائحته،
وفي رواية: طيِّها بشد التحتية مكسورة، والرفع على الفاعلية، قال الأبي: هي
الرواية الصحيحة وهو أقوم معنى؛ لأنه ذكره في مقابلة الخبيث، قاله
الزرقاني(١).
وقال الحافظ(٢): تنصع بفتح أوله، وطيبها فضبطه الأكثر بالنصب على
المفعولية، وفي رواية بالتحتية في أوله، ورفع طيبها على الفاعلية، وطيّبها
للجميع بالتشديد، وضبطه القزاز بكسر أوله والتخفيف، ثم استشكله، فقال: لم
أر للنصوع في الطيب ذكراً، وإنما الكلام يتضوّع، قال: ويروى ((تنضخ))
بمعجمتين، وأغرب الزمخشري في ((الفائق)) فضبطه بموحدة وضاد معجمة وعين
مهملة وقال: هو من أبضعه بضاعة إذا دفعها إليه، يعني أن المدينة تعطي طيبها
لمن سكنها، وتعقبه الصغاني بأنه خالف جميع الرواة في ذلك، اهـ.
قال الباجي(٣): قوله بَي لما خرج الأعرابي يقتضي أنه خرج ناقضاً
للعهد، والمدينة لا يبقى على شدتها إلا من أخلص إيمانه، وأما من خبثت
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢١/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٩٧).
(٣) ((المنتقى)) (١٨٩/٧).
٥٨٤

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٦) حديث
سريرته فإنها تنفيه كما ينفي الكير خبث الحديد، فالمدينة تنفي من لم يخلص
إيمانه، ويبقى من خلص إيمانه، اهـ.
قال عياض: وكان هذا مختصاً بزمنه وَالر؛ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة
والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه، وقال النووي: ليس هذا بظاهر؛ لأن عند
مسلم ((لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرورها، كما ينفي الكير خبث
الحديد))، وهذا - والله أعلم - زمن الدجال.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد كلا الزمنين، وكان الأمر في
حياته 1 كذلك للسبب المذكور، ويؤيده قصة الأعرابي، فإنه وَّر ذكره معللاً
به خروج الأعرابي، وسؤاله الإقالة، ثم يكون ذلك أيضاً في آخر الزمان عندما
ينزل الدجال، فيترجف بأهلها، فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه، وأما ما
بين ذلك فلا، اهـ.
وقد أخرج البخاري من حديث زيد بن ثابت يقول: لما خرج رسول الله وَالّ
إلى أحد رجع ناس من أصحابه الحديث، وفيه قال النبي ◌ّ: ((إنها تنفي
الرجال كما تنفي النار خبث الحديد))، قال الحافظ: قوله: ((الرجال)) كذا
للأكثر، وفي رواية ((الدجال)) بالدال المهملة، وهو تصحيف، ووقع في باب
غزوة أحد تنفي الذنوب، وفي تفسير النساء تنفي الخبث، ثم قال بعد ترجيح
رواية الخبث: وما في رواية بلفظ ((تنفي الناس أو تنفي الرجال)) لا تنفي الرواية
بلفظ الخبث، بل هي مفسرة للرواية المشهورة بخلاف تنفي الذنوب، ويحتمل
أن يكون فيه حذف تقديره أهل الذنوب، فيلتئم مع باقي الروايات، اهـ.
وقال أيضاً في موضع آخر: استدل بهذا الحديث على أن المدينة أفضل
البلاد؛ لأنها تنفي الخبث، وأجيب عن ذلك بأن هذا إنما هو في خاص من
الناس، ومن الزمان، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ﴾(١)
(١) سورة التوبة: الآية ١٠١.
٥٨٥

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٦) حديث
الآية، والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي ◌َّ معاذ وأبو
عبيدة وابن مسعود وطائفة، ثم علي، وطلحة، والزبير، وعمار وآخرون، وهم
من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس.
ووقت دون وقت، اهـ.
وقال ابن المنير: ظاهر الحديث ذُّ من خرج عن المدينة، وهو مشكل
فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة، وسكنوا غيرها من البلاد، وكذا من
بعدهم من الفضلاء، والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهة فيها، ورغبةً
عنها كما فعل الأعرابي المذكور، وأما المشار إليهم، فإنما خرجوا لمقاصد
صحيحة، كنشر العلم، وفتح بلاد الشرك، والمرابطة في الثغور، وهم مع ذلك
على اعتقاد فضل المدينة، وفضل سكناها، كذا في ((الفتح))(١).
وفيه أيضاً في موضع آخر(٢)، قال ابن بطال عن المهلب: فيه تفضيل
المدينة على غيرها بما خصّها الله تعالى من أنها تنفي الخبث، ورتب على ذلك
القول بحجية إجماع أهل المدينة، وتعقب بقول ابن عبد البر: إن الحديث دال
على فضل المدينة، لكن ليس الوصف المذكور لها عاماً في جميع الأزمنة، بل
هو خاص بزمن النبي ◌َّ؛ لأنه لم يكن يخرج منها رغبة عن الإقامة معه إلا
من لا خیر فیه.
وقال عياض نحوه، وأيده بحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم ((لا تقوم
الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الفضة)) قال: والنار إنما
تخرج الخبث والرديء، وقد خرج من المدينة بعد النبي ◌َّ جماعة من خيار
الصحابة، وقطنوا غيرها، وماتوا خارجها، فذكر المذكورين، وزاد فيهم أبا
(١) ((فتح الباري)) (٢٠٠/١٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٠٦/١٣).
٥٨٦

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٧) حديث
٥/١٥٧٧ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ
موسى وأبا ذر وحذيفة وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء وغيرهم، قال: فدل
على أن ذلك خاص بزمنه وال* بالقيد المذكور، ثم يقع تمام إخراج الرديء منها
في زمن الدجال، وورد فيه: فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فذلك
یوم الخلاص، اهـ.
وأجمل الكلام على هذا الحديث شيخ مشايخنا القطب الگنگوهي في
((الكوكب الدري))(١) فقال: قوله: أقلني بيعتي إنما كان ظناً منه أن البيعة كما
كانت انعقدت به وب لر، فكذلك انفساخها منوط بمشيئته، وإرادته، ولم يكن
الأمر كذلك، بل المدار في ذلك على عقيدة المسترشد وإرادته، إن ثبت على
عهده الذي عقد، فذاك وإلا ففسخ، وإنما أبى النبي ◌َّ عليه إقالته ذلك الذي
عهد؛ لأنه كان ارتداداً من الإسلام، فكيف لا ينكره النبي ◌َّ، اهـ.
وفي ((هامشه)): قوله: على عقيدة المسترشد كما هو معروف عند أهل
التصوف، حتى قال الأستاذ أبو على الدقاق يقول: بدء كل فرقة المخالفة يعني
به أن من خالف شيخه لم يبق على طريقته، وإن جمعتهما بقعة، فمن صحب
شيخاً من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه، فقد نقض عقد الصحبة؛ لأنه بذلك
ترك تقليد من لزمه تقليده، ووجبت عليه التوبة من ذلك، وقال الشيخ أبو سهل
الصعلوكي: من قال لأستاذه: لم، لا يفلح أبداً، كذا في ((القشيرية))، اهـ.
٥/١٥٧٧ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: سمعت أبا
الحباب) بضم الحاء المهملة وخفة الموحدة (سعيد) بفتح السين وكسر العين
المهملتين (ابن يسار) بفتح التحتية وخفة سين مهملة (يقول: سمعت أبا هريرة)
- رضي الله عنه - (يقول: سمعت)، وفي النسخ الهندية بدون لفظ سمعت
(١) ((الكوكب الدري)) (٤٥٨/٤).
٥٨٧

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٧) حدیث
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَىُ.
(رسول الله ( 18 يقول) في شأن الهجرة (أمرت) ببناء المجهول أي أمرني ربي
(بقرية) أي بالنزول والمقام في قرية (تأكل القرى) بضم القاف جمع قرية،
والمعنى تغلبهم، وكنى بالأكل عن الغلبة؛ لأن الأكل غالب على المأكول.
ووقع في ((موطأ ابن وهب)): قلت لمالك: ما تأكل القرى؟ قال: تفتح
القرى، وبسطه ابن بطال، فقال: معناه يفتح أهلها القرى، فيأكلون أموالهم،
ويسبون ذراريهم، قال: وهذا من فصيح الكلام، تقول العرب: أكلنا بلد كذا،
إذا ظهروا عليها، وسبقه الخطابي إلى معنى ذلك أيضاً.
وقال النووي: ذكروا في معناه وجهين: أحدهما هذا، والآخر أن أكلها
وميرتها تكون من القرى المفتتحة، وإليها تساق غنائمها، وقال ابن المنير في
((الحاشية)): يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها،
ومعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدماً.
قال الحافظ: والذي ذكره احتمالاً ذكره القاضي عبد الوهاب، فقال: لا
معنى لقوله: تأكل القرى إلا رجوح فضلها عليها، وزيادتها على غيرها، ثم قال
ابن المنير: وقد سميت مكة أم القرى، والمذكور للمدينة أبلغ منه؛ لأن
الأمومة لا تنمحي إذا وجدت ما هي له أم، لكن يكون حق الأم أظهر وفضلها
أكثر، اهـ (١).
وفي ((المحلى)): تأكل القرى أي تفنيهم، فإن أكل الشيء الإفناء، ثم
استعير لافتتاح البلاد ونهب الأموال، فكأنه قال: يأكل أهله القرى، وأضاف
الأكل إليها؛ لأن أموال البلاد تفني إليها، اهـ.
قال الباجي(٢): قال ابن القاسم عن مالك في ((العتبية)): معناه في رأيي
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٤/ ٨٧).
(٢) ((المنتقى)) (١٩٠/٧).
٥٨٨

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٧) حديث
يَقُولُونَ: يَثْرِبُ. وَهِيَ الْمَدِينَةُ،
تفتح القرى، قال الباجي: ومعناه على هذا الوجه أنه منها يغلب على سائر
القرى، ويفتح جميعها، ويأخذ أهل المدينة أكثر أموالها، وينتقل حكمهم إلى
أمير ساكن المدينة.
قال الحافظ(١): واستدل بالحديث على أن المدينة أفضل البلاد، قال
المهلب: لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام،
فصار الجميع في صحائف أهلها، وأجيب بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة
معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل
إحدى البقعتين، اهـ.
(يقولون) أي يسمونها (يثرب) بفتح التحتية وسكون المثلثة وكسر الراء
المهملة، أي بعض الناس من المنافقين وغيرهم يسميها يثرب، ذكر أبو إسحاق
الزّجاج في ((مختصره)) والبكري في ((معجم ما استعجم)) أنها سميت يثرب باسم
يثرب بن قانية من ولد أرم بن سام بن نوح، وقيل: هو اسم كان لموضع منها
سميت به كلها، وقيل: سميت باسم واحد من العمالقة نزلها، قاله الزرقاني(٢)،
(وهي المدينة) يعني اسمها الذي يليق بها المدينة، وفهم بعض العلماء من هذا
كراهة تسمية المدينة يثرب، وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول
غير المؤمنين، وروى أحمد من حديث البراء رفعه ((من سمى المدينة يثرب،
فليستغفر الله هي طابة هي طابة)).
وروى عمر بن شبّة من حديث أبي أيوب أن رسول الله وَلّ نهى أن يقال
للمدينة يثرب، ولذا قال عيسى بن دينار من المالكية: من سمى المدينة يثرب
كتبت عليه خطيئة، قال: وسبب هذه الكراهة أن يثرب إما من التثريب الذي هو
(١) ((فتح الباري)) (٨٨/٤).
(٢) (٢٢٢/٤).
٥٨٩

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٨) حديث
تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)).
أخرجه البخاري في: ٢٩ - كتاب فضائل المدينة، ٢ - باب فضل المدينة
وأنها تنفي الناس. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨٨ - باب المدينة تنفي شرارها،
حدیث ٤٨٨.
٦/١٥٧٨ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ ..
التوبيخ والملامة، أو من الثرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبح، وكان ◌َّ
يحب الاسم الحسن، ويكره الاسم القبيح، كذا في (الفتح))(١).
قال النووي: وأما تسميتها في القرآن يثرب فإنما هو حكاية عن قول
المنافقين والذين في قلوبهم مرض، اهـ. وبذلك جزم الباجي بأنه حكاية قول
المنافقين، وحكي عن عيسى بن دينار أنه قال: إنما القرآن على ما يعرف
الناس، اهـ.
قال الزرقاني: وأجيب عن حديث ((الصحيحين)) ((فإذا هي يثرب)). وفي
رواية ((لا أراها إلا يثرب))، بأنه كان قبل النهي، اهـ. أو يقال: إنه وَ الر ذكرها
بالاسم المعروف ليعرفها الناس، وفي البخاري قال أبو موسى: عن النبي (وَل
((رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلى إلى أنها
اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب))، قال الحافظ: وكان ذلك قبل أن
يسميها ◌َل طيبة، اهـ. وهذا وقعة ابتداء الهجرة، ووقع تغيير الأسماء بعد ذلك
بکثیر .
(تنفي) بكسر الفاء (الناس) أي الخبيث الرديء (كما ينفي الكير) بكسر
الكاف وسكون التحتية (خبث) بفتح الخاء المعجمة والموحدة آخره مثلثة
والنصب على المفعولية (الحديد) أي وسخه، تقدم شرحه في الحديث السابق.
٦/١٥٧٨ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير أحد
(١) ((فتح الباري)) (٨٧/٤).
٥٩٠

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٨) حدیث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّهِ قَالَ: «لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا
أَبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْراً مِنْهُ)).
الفقهاء المشهورين، قال أبو عمر بن عبد البر: وصله معن عن مالك فقال: عن
عائشة، ولم يسنده غيره في ((الموطأ)) كذا في ((التنوير)) زاد في ((التجريد)): وقد
أسنده جماعة من أصحاب هشام على ما هو مذكور في ((التمهيد))(١) (أن
رسول الله ◌َ﴿ قال: لا يخرج أحد من المدينة) ممن استوطنها (رغبة عنها) قال
المازري: أي كراهة عنها من رغبتُ عن الشيء كرهتُه.
قال الباجي (٢): يحتمل أن يريدون 8* رغبة عن ثواب الساكن فيها، وأما
من خرج لضرورة شدة زمان أو فتنة فليس ممن يخرج رغبة عنها، قال الباجي:
والظاهر عندي أنه إنما أراد به الخروج عن استيطانها إلى استيطان غيرها، وأما
من كان مستوطناً غيرها فقدم عليها طالباً للقربة بإتيانها أو مسافراً فخرج عنها
راجعاً إلى وطنه أو غيره من أسفاره، فليس بخارج منها رغبة عنها، اهـ. وفي
((المحلى)): قيل: هو مختص بزمنه وَلير، والأصح أنه عام، حكاه النووي عن
عیاض، اهـ.
(إلا أبدلها) أي المدينة (الله خيراً منه) قال الباجي: يحتمل أن يريد به
أبدلها الله مستوطناً بها خيراً منه، إما بمنتقل ينتقل إليها أو بمولود يولد
فيها، اهـ.
قال ابن عبد البر: هذا في حياته وَلّر، وذلك مثل الأعرابي القائل: أقلني
بيعتي، ومعلوم أن من رغب عن جواره وص له أبدله الله خيراً منه، وأما بعد وفاته
فقد خرج منها جماعة من أصحابه، ولم تعوض المدينة خيراً منهم، قال
الزرقاني(٣): يعني كأبي موسى وابن مسعود وعلي وطلحة والزبير وبلال وغيرهم
(١) ((التمهيد)) (٢٧٩/٢٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٩٠/٧).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٣/٤).
٥٩١

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٩) حدیث
٧/١٥٧٩ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُمَّيْرٍ؛
قطنوا غيرها، وماتوا خارجاً عنها، ولم تعوض المدينة مثلهم فضلاً عن خير
منهم، فدل ذلك على التخصيص بزمنه وَالله .
وقال الأبي: الأظهر أن ذلك ليس خاصاً بزمن النبي ◌َّ، ومن خرج من
الصحابة لم يخرج رغبةً عنها، بل إنما خرج لمصلحة دينية من تعليم أو جهاد
أو غير ذلك.
قال الزرقاني: لا يقال: لانزاع في أن خروجهم لما ذكر، وإنما هو في
تعويضها بخير منهم، وهذا لم يقع، فالأظهر التخصيص؛ لأنا نقول: الإبدال
مقيد بالخروج رغبة عنها، فلا يرد أن الخارج لمصلحة دينية لم تعوض مثلهم،
اهـ. قلت: وهذا هو الظاهر، فإن التعويض لما كان مقيداً بالخروج رغبة عنها،
فلا مانع من التعميم.
٧/١٥٧٩ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير التابعي
الشهير (عن) أخيه (عبد الله بن الزبير) الصحابي ابن الصحابي (عن سفيان بن
أبي زهير) بضم الزاي المعجمة وفتح الهاء، مصغراً، الأزدي، من أزدشنوءة،
صحابي نزل المدينة، قال ابن المديني: اسم أبيه القرد - بفتح القاف وكسر
الراء ودال مهملة - ولذا يقال له: ابن القرد، وقيل: اسم أبيه نمير بن عبد الله بن
مالك، ويقال فيه النمري؛ لأنه من ولد النمر بن عثمان، رقم عليه الحافظ في
((التهذيب)) (١) للشيخين والنسائي وابن ماجه، وقال: له عندهم حديثان؛ أحدهما
في اقتناء الكلب، والثاني في فضل المدينة، قال الحافظ: في الإسناد صحابي
عن صحابي، وتابعي عن تابعي، قلت: وحديثه في اقتناء الكلب سيأتي في
بابه .
(١) (١١٠/٤).
٥٩٢

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٩) حدیث
أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((تُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ
يَبِسُّونَ.
(أنه قال: سمعت رسول الله وَّل38) رواه البخاري برواية عبد الله بن يوسف
عن مالك، قال الحافظ في ((الفتح)) (١): كذا للأكثر، ورواه حماد بن سلمة عن
هشام كذلك، وقال في آخره: قال عروة: ثم لقيت سفيان بن أبي زهير عند
موته فأخبرني بهذا الحديث، وذكر علي بن المديني أنه اختلف فيه على هشام
اختلافاً آخر، وبسطه (يقول: تفتح) بضم الفوقية وسكون الفاء ببناء المجهول،
(اليمن) نائب الفاعل، سمي بذلك؛ لأنه عن يمين القبلة، أو عن يمين
الشمس، أو بيمين من قحطان، قاله الزرقاني.
قال ابن عبد البر: افتتحت اليمن في أيام النبي وَّر، وفي أيام أبي بكر،
وافتتحت الشام بعدها والعراق بعدها، ففيه عَلَمٌ من أعلام النبوة، فقد وقع على
وفق ما أخبر به النبي ◌ّله وعلى ترتيبه، ووقع تفرق الناس في البلاد لما فيها
من السعة والرخاء، ولو صبروا على الإقامة بالمدينة لكان خيراً لهم، وفي هذا
الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة، وهو أمر مجمع عليه، وفيه دليل
على أن بعض البقاع أفضل من بعض، ولم يختلف العلماء في أن للمدينة فضلاً
على غيرها، وإنما اختلفوا في الأفضلية بينها وبين مكة، كذا في (الفتح)).
(فيأتي قوم) من أهل المدينة (يبسون) بفتح التحتية وكسر الموحدة من
الثلاثي هكذا رواه يحيى، ولا يصح عند غيره، وكذا رواه ابن بكير، وقال:
معناه يسيرون من قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًا ﴾﴾ أي سارت، وذكر
حبيب هذا التفسير عن مالك، وكذا رواه ابن نافع وغيره عنه، فإنكار
عبد الملك بن حبيب رواية يحيى ليس بشيء؛ لأنه لم ينفرد بها، بل تابعه ابن
بكير وابن نافع وابن حبيب وغيرهم عن مالك، ورواه ابن القاسم بفتح التحتية
(١) ((فتح الباري)) (٩٢/٤).
٥٩٣

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٩) حديث
وضم الموحدة ثلاثياً أيضاً من باب نصر أي يسرعون السير، وقيل: يزجرون
دوابهم، وقيل: يسألون عن البلدان وأخبارهم ليتحملوا إليها، وهذا لا يكاد
يعرف لغة.
ورواه ابن وهب يُبِسُّون بضم التحتية وكسر الموحدة رباعي من أَبَسّ،
وقال: معناه يزينون الخروج من المدينة أي يزينون البلد الذي جاؤا منه،
ويحببونه إليهم، وصوَّبه ابن حبيب، قاله أبو عمر ملخصاً، كذا في
((الزرقاني))(١).
قال الحافظ، يبسون بفتح أوله وضم الموحدة وكسرها من بسّ ييسّ، قال
أبو عبيد: معناه يسوقون دوابهم، وَالْبَسُ سَوْقُ الإبل، وقال الداودي: يزجرون
دوابهم فيبسّون ما يطئونه من الأرض من شدة السير فيصير غباراً، قال تعالى:
﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًا ﴾﴾(٢) أي سالت سيلا، وقيل: معناه سارت سيراً، وقال
ابن القاسم: البس المبالغة في الفت، ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن
بسيس، وأنكر ذلك النووي، وقال: إنه ضعيف أو باطل، قال ابن عبد البر:
وقيل: معنى يبسون يسألون عن البلاد، ويستقرؤون أخبارها ليسيروا إليها،
قال: وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة.
وقيل: معناه يزينون لأهلهم البلاد التي تفتح، ويدعونهم إلى سكناها،
فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها، ويشهد لهذا المعنى حديث أبي
هريرة عند مسلم(٣): ((يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه، وقريبه هلّم
إلى الرخاء، والمدينة خير لهم)) وعلى هذا، فالذين يتحملون غير الذين يَبِسُوْن،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٤/٤)، و((الاستذكار)) (٢٧/٢٦).
(٢) سورة الواقعة: الآية ٥.
(٣) أخرج مسلم (١٠٠٥/٢) ح (١٣٨١).
٥٩٤

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٩) حديث
فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ .
كأن الذي حضر الفتح أعجبه حسن البلد وذخائرها، فدعا قريبه إلى المجيء إليها
لذلك، فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه، قال ابن عبد البر: وروي يبسون بضم أوله
من أبس إبساساً، ومعناه يزينون لأهلهم البلد التي يقصدونها، وإلى هذا ذهب ابن
وهب، وكذا رواه ابن وهب عن مطرف عن مالك، وأنكر الأول غاية الإنكار.
وقال النووي(١): الصواب في معناه الإخبار عمن خرج من المدينة
متحملاً بأهله، باسّاً في سيره، مسرعاً إلى الرخاء، قال الحافظ(٢): ويؤيده
رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام في هذا الحديث بلفظ ((تفتح
الشام فيخرج الناس من المدينة إليها يَبسُّون، والمدينة خير لهم))، اهـ.
(فيتحملون) من المدينة (بأهليهم ومن أطاعهم) من الناس، قال الباجي(٣): يريد
من يختص بهم من الأهل الذين يرحلون برحيله ومن أطاعه ممن لا يرحل
برحيله، (والمدينة خير لهم) لأنها لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وقيل: لأن
الفتن فيها دونها في غيرها، وقيل: لفضل مسجدها والصلاة فيه ومجاورة القبر
الشريف، وهذا الأخير يفضل على كل الخير، فإن قربه وَلو لا يوازيه خير.
(لو كانوا يعلمون) بما فيها من الفضائل والخيرات والفوائد الدينية
والدنيوية لما فارقوها، ولما اختاروا عليها غيرها من البلاد، وقال صاحب
((المحلى)): أو المعنى لو كانوا علماء يعلمون أن إقامتهم بالمدينة أولى، فعلى
الأول مفعول العلم محذوف، وعلى الثاني هو منزل منزلة اللازم، قال
الحافظ: ويحتمل أن يكون لو بمعنى ليت فلا يحتاج إلى تقدير، وعلى الوجهين
ففيه تجهيل لمن فارقها وآثر غيرها .
(١) ((شرح النووي على الصحيح)) لمسلم (١٥٩/٩).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٩٢).
(٣) ((المنتقى)) (١٩١/٧).
٥٩٥

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٩) حديث
وَتُفْتَحُ الشَّامُ: فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ. فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ.
وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قوم
يَبِسُّونَ. فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ.
(وتفتح) ببناء المجهول (الشام) سُمّي بذلك؛ لأنه عن شمال الكعبة، وفي
رواية ابن جريج عن هشام: ثم تفتح الشام فيأتي قوم، الحديث بلفظ ثم،
وأنكر الياقوت الحموي(١) تسميتها بأنها شامة القبلة، قال: هذا فاسد؛ لأن
القبلة لا يمين لها ولا شامة، وقال: الشأم بفتح أوله وسكون همزته ويفتح
همزته مثل نَهْر ونَهَر لغتان، ولغة ثالثة، وهي الشام بغير همز تُذَكَّرُ وتُؤَنَّث،
وقال أبو بكر الأنباري: في اشتقاقه وجهان؛ يجوز أن يكون مأخوذاً من اليد
الشؤمى، وهي اليسرى، ويجوز أن يكون فَعْلَى من الشوم، وقال أبو القاسم:
قال جماعة من أهل اللغة: يجوز أن لا يهمز فيكون جمع شامة، سُمِّيتْ بذلك
لكثرة قُراها، وتدانِي بعضها من بعض، فشبهت بالشامات. وذكر أقوالاً أخر
في وجه تسميتها .
(فيأتي قوم يبسون) تقدم أن رواية يحيى بفتح فكسر لا غير، (فيتحملون
بأهليهم ومن أطاعهم) من الناس (والمدينة خير لهم) ولكل مسلم، فإنها مهبط
البركات (لو كانوا يعلمون) ذلك (وتفتح العراق)، وفي رواية ابن جريج: ثم
تفتح العراق، قال ابن الأعرابي: سُمّي بذلك؛ لأنه سفل عن نجد، ودنا من
البحر، أخذ من عراق القربة، وهو الخرز الذي في أسفلها، وقال الخليل:
العراق شاطىء البحر، سمي بذلك؛ لأنه على شاطىء دجلة والفرات مداً حتى
يتصل بالبحر على طوله، قال: وهو مشبّه بعراق القربة، كذا في ((معجم
البلدان»(٢).
(فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم) من الناس راحلين إلى
(١) («معجم البلدان)) (٣١١/٣).
(٢) (٩٣/٤).
٥٩٦

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٨٠) حدیث
وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْمَلُونَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٩ - كتاب فضائل المدينة، ٥ - باب من رغب عن
المدينة. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٩٠ - باب الترغيب في المدينة عند فتح
الأمصار، حديث ٤٩٧.
٨/١٥٨٠ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ حِمَاسٍ، ....
العراق مسرعين (والمدينة خير لهم) منه (لو كانوا يعلمون)، وهذا من أعلام
النبوة، حيث أخبر بفتح هذه الأقاليم، وأن الناس يتحملون بأهليهم ويفارقون
المدينة، فكان ما قاله على ترتيب ما قال، لكن في رواية لمسلم وغيره ((تفتح
الشام ثم اليمن ثم العراق)) والظاهر أن اليمن قبل الشام للاتفاق على أنه لم
يفتح شيء من الشام في الزمن النبوي، فرواية تقديم الشام على اليمن معناها
أن استيفاء فتح اليمن إنما كان بعد الشام، قاله الزرقاني(١) .
وتقدم في أول هذا الحديث ما قال ابن عبد البر: افتتحت اليمن في أيام
النبي ◌ّ﴾ وفي أيام أبي بكر، وافتتحت الشام بعدها والعراق بعدها.
٨/١٥٨٠ - (مالك عن ابن حماس) بكسر الحاء المهملة وخفة ميم فألف
فسين، كذا رواه يحيى ولم يسمه، وهو يوسف بن يونس بن حماس، وقال
معن: عن مالك عن يونس بن يوسف فقلبه، وقال التنيسي وأبو مصعب: عن
مالك عن يوسف بن سنان، أبدلا يونس فسمياه سناناً، قال البخاري: والأول
أصح، كذا في ((الزرقاني)) تبعاً للحافظ في ((تعجيل المنفعة))(٢) زاد الحافظ في
أوله اختلف على مالك في سند حديثه، فقال القعنبي: عن مالك أنه بلغه عن
أبي هريرة فذكره معضلاً، اهـ.
وتقدمت ترجمته في باب الحكرة، وفيه روى عنه الإمام مالك بلفظ
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٥/٤).
(٢) ح (١٢٠٩).
٥٩٧

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٨٠) حديث
عَنْ عَمِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ قَالَ:
يونس بن يوسف، وفي يونس ذكره الحافظ في (تهذيبه)) و((تقريبه)) وحكى فيه
عن ابن حبان: هو يوسف بن يونس، ووهم من قلبه، اهـ.
وفي ((التجريد))(١) لابن عبد البر في ترجمة مالك عن ابن حماس قال: له
حديثان، واختلف في اسمه فقيل: يونس بن يوسف، وقيل: يوسف بن يونس،
واضطرب في اسمه رواة ((الموطأ)) اضطراباً كثيراً، وأظن ذلك من مالك، ثم
ذكر حديث الباب بلفظ مالك عن ابن حماس عن عمه عن أبي هريرة، ثم قال:
هكذا قال يحيى في هذا الحديث عن مالك، ولم يسم ابن حماس بشيء.
وقال أبو المصعب: مالك عن يونس بن يوسف بن حماس عن عمه عن
أبي هريرة، وكذلك قال معن بن عيسى وعبد الله بن يوسف التنيسي: يونس بن
يوسف، وقال ابن القاسم: حدثني مالك عن يوسف بن يونس عن عمه عن أبي
هريرة، وكذلك قال ابن بكير وسعيد بن أبي مريم ومطرف وابن نافع وعبد الله بن
وهب وسعيد بن عفير ومحمد بن المبارك وسليمان بن برد ومصعب الزبيري
كلهم قال: يوسف بن يونس، وروي عن سعيد بن أبي مريم في هذا الحديث:
يونس بن يوسف، ثم ذكر الحديث الآتي قريباً في ما جاء في تحريم المدينة
بلفظ: مالك عن يونس بن يوسف عن عطاء بن يسار.
ثم قال: لم يختلف الرواة عن مالك في اسم شيخه في هذا الحديث
كلهم فيما علمت قال فيه: يونس بن يوسف، وقد قيل: إنه غير ابن حماس
وليس بشىء وهذا من اتفاقهم في هذا الحديث يقضي بصحة رواية أبي
المصعب ومعن والتنِيسي في الحديث قبله، اهـ.
(عن عمه) لم يسم، ولم أجد ترجمته في كتب الرجال ولم يذكره الحافظ
في مبهمات ((التعجيل)) وغيره، (عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ظله- قال) أخرجه
(١) (ص٢٣٦)، و((التمهيد)) (١٢١/٢٤، ١٢٢).
٥٩٨

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٨٠) حدیث
(لَمُتْرَكَنَّ الْمَدِينَةُ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ. حَتَّى يَدْخُلَ الْكَلْبُ أَوِ الذِّئْبُ
الشيخان بطرق عن ابن المسيب عن أبي هريرة بنحو حديث الباب وبزيادة فيه،
ولفظ البخاري: ((تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العواف يريد
عوافي السباع والطير، وآخر من يحشر راعيان من مزينة، يريدان المدينة ينعقان
بغنمهما، فيجدانها وحوشاً، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خَرًّا على وجوههما)).
وذكر الحافظ(١) في قوله: وآخر من يحشر، الحديث، هذا يحتمل أن
يكون حديثاً آخر مستقلاً، لا تعلق له بالذي قبله، ويحتمل أن يكون من تتمة
الحديث الذي قبله.
(لتتركن) بفتح اللام وضم الفوقية الأولى ببناء المجهول بالنون الثقيلة
على ما ضبطه الزرقاني، وقال: (المدينة) نائب الفاعل، وهكذا ضبطه صاحب
((المحلى)) بزنة المجهول، ويحتمل عندي بصيغة الجمع على بناء المعروف
لرواية البخاري ((تتركون المدينة)) قال الحافظ: كذا للأكثر بتاء الخطاب،
والمراد بذلك غير المخاطبين، لكنهم من أهل البلد، أو من نسل المخاطبين أو
من نوعهم، وروي يتركون بتحتانية، ورجحه القرطبي، اهـ.
(على أحسن ما) أي على أحسن حال (كانت) عليه من العمارة، وكثرة
الأثمار وحسنها، وفي رواية ((الصحيحين)) ((على خير ما كانت))، وفي ((أخبار
المدينة)) لعمر بن شبّة: أن ابن عمر أنكر على أبي هريرة قوله: ((خير ما كانت))
وقال: إنما قال وَل﴾: ((أعمر ما كانت)) وقال: لو قال: خير ما كانت لكان
ذلك، وهي حيٍّ وأصحابه، فقال أبو هريرة: صدقت والذي نفسي بيده، كذا
في ((الفتح))(٢).
(حتى يدخل الكلب أو الذئب) للتنويع ويحتمل الشك من الراوي على
(١) ((فتح الباري)) (٩٠/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٩١/٤).
٥٩٩

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٨٠) حديث
فَيُغَذِّي عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ)) فَقَالُوا: يَا
...
رَسُولَ اللَّهِ. فَلِمَنْ تَكُونُ الثَّمَارُ ذُلِكَ الزَّمَانَ؟ قَالَ: (لِلَعَوَافِي.
النسخ المصرية بلفظ أو، وفي النسخ الهندية بالواو (فيغذي) بضم التحتية وفتح
الغين وكسر الذال الثقيلة المعجمتين، أي يبول دفعة بعد دفعة، قاله
الزرقاني(١). وفي ((المنتقى))(٢): قال ابن بكير: معناه يبول، وعندي أن حقيقة
هذا اللفظ أنه يقطع بوله دفعة دفعة، اهـ. وفي ((المجمع)): من غذّى ببوله
تغذية: إذا رماه منقطعاً، اهـ.
(على بعض سواري) جمع سارية أي على بعض أعمدة (المسجد أو على
المنبر) تنويع أو شك، ويؤيد الأول ما سيأتي من رواية ابن شبّة بلفظ المسجد
والمنبر بالواو، قال الباجي: يقتضي إخلاءها جملة حتى لا يكون بها من
سكانها من لا(٣) يمنع هذا، اهـ.
(فقالوا: يا رسول الله فلمن) بكسر اللام وفتح الميم وسكون النون (تكون
الثمار) أي ثمار المدينة (ذلك الزمان؟) أي خلو المدينة عن السكان ولعل منشأ
السؤال الاستفهام عن الترك هل يكون الترك باعتبار أكثر الأفراد، أو يكون
انقطاع الناس عنها بالكلية؟ فأشار وهالر بالجواب إلى الثاني.
(قال) وَّلير: (للعوافي) جمع عافية، قال الحافظ: وهي التي تطلب
أقواتها، ويقال للذكر عافٍ، قال ابن الجوزي: اجتمع في العوافي شیئان،
أحدهما أنها طالبة لأقواتها من قولك: عفوت فلاناً أعفوه، أي أتيت أطلب
معروفه، والثاني من العفاء، وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به، فإن الطير
والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٥/٤).
(٢) (١٩١/٧).
(٣) كذا في الأصل، والظاهر أن لا غلط.
٦٠٠