النص المفهرس

صفحات 541-560

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٦٩) حدیث
لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَهَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَمَا عَلِمْتَ
أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟)» قَالَ: لَا .
الذي حرَّم شربها حرم بيعها، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن ابن وعلة نحوه،
لكن ليس فيه تعیین الوقت.
وأخرج أحمد من طريق نافع بن كيسان عن أبيه أنه كان يتجر في الخمر،
الحديث، وروى أحمد وأبو يعلى من حديث تميم الداري أنه كان يهدي
لرسول الله ﴿ كل عام راوية خمر، فلما كان عام حرمت جاء براوية، فقال:
أشعرت أنها حرمت بعدك؟ قال: أفلا أبيعها، وأنتفع بثمنها؟ فنهاه، ويستفاد
من حديث كيسان تسمية المبهم في حديث ابن عباس، انتهى.
(لرسول الله وَ ل* راوية خمر) أي مزادة خمر، وأصل الراوية البعير يحمل
الماء، والهاء فيه للمبالغة، ثم أطلقت على كل دابة يحمل عليها الماء، ثم على
المزادة، قال الباجي: هي الدابة التي تحمل الخمر أو الماء؛ لأنها هي التي
تروي غير أنه قد يسمى الظرف الذي يحمل فيه الماء أو الخمر راوية، بمعنى
تسمية الشيء باسم ما جاوره أو قاربه، وفي ((المحلى)) عن ((القاموس)): الراوية
المزادة فيها الماء، والبعير، والبغل، والحمار يستقى عليه، انتهى.
(فقال له) أي للذي أهدى (رسول الله وَلير: أما) بفتح الهمزة وخفة الميم،
ولابن وهب عند مسلم هل (علمت) بصيغة الخطاب (أن الله حرمها؟) أي الخمر
بقوله عز اسمه: ﴿إِنَّا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَاُلْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (قال) المهدي: (لا) أعلم ذلك، قال الباجي(١): قوله: أما
علمت على جهة التوبيخ له إن كان علم ذلك ثم أهداها، وإن كان جهل مثل
هذا من أمر الشريعة مع ظهوره، انتهى.
ولما كان لفظ مسلم ((هل علمت))؟ قال النووي: لعل السؤال كان ليعرف
(١) ((المنتقى)) (١٥٤/٣).
٥٤١

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٦٩) حدیث
فَسَارَّهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ. فَقَالَ لَّهُ بَّهِ: ((بِمَ سَارَرْتَهُ؟))
حاله، فإن كان عالماً بتحريمها أنكر عليه إمساكها وحملها، وعزره على ذلك،
فلما أخبره أنه كان جاهلاً بذلك عذره، والظاهر أن القضية كانت على قرب
تحريم الخمر قبل اشتهار ذلك، وفيه أن من ارتكب معصية جاهلاً بتحريمها لا
إثم عليه ولا تعزیر، انتهى.
(فساره إنسان) هكذا في جيمع النسخ الهندية بلفظ إنسان، وفي المصرية
بلفظ رجل، والأول أوجه لموافقة رواية مسلم، ثم جميع النسخ الهندية
والمصرية متفقة بذكر رجل أو إنسان بحالة الرفع، ولفظ مسلم ((فسارّ إنساناً))
أي بالنصب، قال الزرقاني(١): وفي رواية أحمد عن ابن عباس: فأقبل الرجل
على غلامه فقال: بعها. وقال النووي: المسارر الذي خاطبه النبي ◌َّ هو
الذي أهدى الراوية، كذا جاء مبيناً في غير هذه الرواية، وأنه رجل من دوس،
قال القاضي: وغلط بعض الشارحين فظنّ أنه رجل آخر، انتهى.
قلت: ظاهر سياق ((الموطأ)) أنه رجل آخر، وسياق مسلم ظاهر في أن
المسارر هو المهدي، ويؤيده لفظ أحمد: فأقبل على غلامه، وفي ((الإكمال)):
قال عياض: المسؤول والآمر بالبيع هو المهدي، كما جاء مفسراً في رواية ابن
غسان خلافاً لمن زعم أنه رجل أجنبي، انتهى.
(إلى جنبه) أي كان إلى جنب المهدي، (فقال له رسول الله وَلقر بم) بكسر
الموحدة وفتح الميم أي بأي شيء (ساررته؟) أي ما قلته خفية، قال الباجي(٢):
لما قال المهدي: لا، إظهاراً لعذره، سارّه إنسان إلى جانبه، بما ظن أنه
يرشده به إلى منفعته، فلما رأى النبي ◌َّ ذلك من مسارته، ولم يثق بعلمه،
وتوقع أن يأمره بمثل ما أظهره بعد ذلك سأله عما سارّه به، فإن كان صواباً
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٧٢/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٥٣/٣).
٥٤٢

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٦٩) حدیث
فَقَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ
شُرْبَهَا، حَرَّمَ بَيْعَهَا)) فَفَتَحَ الرَّجُلُ الْمَزَادَتَيْنِ.
أقرّه عليه وثبته فيه، وإن كان خطأ حذرّه منه، قال النووي: فيه دليل لجواز
سؤال الإنسان عن بعض أسرار الإنسان، فإن كان مما يجب كتمانه كتمه وإلا
فیذکره، انتھی.
وفي ((الإكمال))(١): فيه أن على العالم أن يكشف عما يظن أن باطنه
خلاف ظاهره إذا خاف أن يجري فيه ما لا يجوز، لأنه قام بباله أن مساررته
في شأنها، وقد سبق من جهله بالحكم ما سبق فاستكشف، فإذا الأمر كما
ظن، وليس هذا من التجسس والكشف عن الأسرار؛ لأن المذموم من هذا ما
هو فيما لا يختص بالإنسان ولا فيما لا يلزمه القيام به، وأما ما يختص
بالإنسان أو يلزمه القيام به والنظر فيه، فعليه البحث والكشف لئلا يجري من
ذلك ما يضره، انتهى.
(فقال) المسارر: (أمرته بأن يبيعها) لينتفع بثمنها (فقال له رسول الله وَتليفون :
إن) الله تبارك وتعالى (الذي حرم شربها حرم بيعها) لأنه قال: ﴿رِجْسُ﴾ أي
نجس، وتقدم من حديث كيسان أنها قد حرمت، وحرم ثمنها (ففتح الرجل)
المهدي (المزادتين) بفتح الميم والزاي تثنية مزادة، وهي القربة؛ لأنها يتزود
فيها الماء، وفي ((المحلى)) عن ((القاموس)): المزادة الراوية، ولا يكون إلا من
جلدین بینھما ثالث لیتسع، انتھی.
ولفظ مسلم: ففتح المزادة بصيغة الإفراد، قال النووي: وفي أول
الحديث أهدى راوية، وهي هي، قال أبو عبيد: هما بمعنى، وقال ابن
السكيت: إنما يقال لها مزادة، وأما الراوية، فاسم للبعير خاصة، والمختار
قول أبي عبيد، وهذا الحديث يؤيده، فإنه سماها راوية ومزادة، قالوا: سميت
(١) (٢٥٩/٤).
٥٤٣

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٦٩) حدیث
حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا .
أخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ١٢ - باب تحريم الخمر، حديث ٦٨.
راوية؛ لأنها تروي صاحبها، ومزادة؛ لأنها تزود فيها الماء في السفر وغيره،
وقيل: لأنه یزاد فيها جلد لتتسع، انتهى.
قلت: الأنسب لرواية ((الموطأ)) أن يراد في أول الحديث بالراوية الدابة
ليطابق بآخر الحديث بلفظ المزادتين، فإن البعير أقل ما يكون على ظهره
المزادتان، فتأمل.
(حتى ذهب) وسال (ما فيهما) بضمير التثنية في نسخ ((الموطأ)) وهو اللائق
بلفظ المزادتين، وفي مسلم بضمير الإفراد ما فيها لإفراد لفظ المزادة فيه، قال
الزرقاني(١): فيه وجوب إراقته لفعله ذلك بحضرته و ◌ّل﴾ وأقره عليه. قال
النووي(٢): في الحديث دليل لمذهب الشافعي والجمهور أن أواني الخمر لا
تكسر، ولا تشق، بل يراق ما فيه، وعن مالك روايتان؛ إحداهما كالجمهور،
والثانية: يكسر الإناء ويشق السقاء، وهذا ضعيف لا أصل له، وأما حديث أبي
طلحة أنهم كسروا الدنان، فإنه فعلوا ذلك بأنفسهم من غير أمر النبي وَل،
انتھی .
قال الباجي(٣): يحتمل أن يكون فتحهما فتحاً يبقى الانتفاع بهما، بأن
حل أفواههما، ويحتمل أن يكون فتحهما بشق أوساطهما، فأبطل ذلك الانتفاع
بهما، وقد حكى ابن عبد الحكم عن مالك أن من وجد عنده خمر من
المسلمين كسرت عليه، وشق ظروفها .
قال الشيخ أبو بكر: إنما تشق الظروف إذا كان لا يزول ما فيها من
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٧٢/٤).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٥/١١/٦).
(٣) ((المنتقى)) (١٥٤/٣).
٥٤٤

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧٠) حديث
١٣/١٥٧٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن
أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ
الْجَرَّاحِ، وَأَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ،
الخمر بالغسل، فإن كان يزول بالغسل غسلت، ولينتفع بها، وكذلك الأواني
تكسر إن كان لا يزول ما فيها، ويحتمل أن يكون مالك إنما أراد أن الظروف
تشق وتكسر الأواني وإن كان ما فيها يزول بالغسل عقوبة للمسلم على فعله
وإمساكه الخمر، انتهى.
قال الزرقاني(١): ثم احذر أن يخطر ببالك أن النبي وَّو شرب الخمر قبل
تحريمها، فلا يلزم من إهداء الراوية إليه كل عام قبل التحريم أن يشربها بل
يهديها أو يتصدق بها أو نحو ذلك، وقد صانه الله تبارك وتعالى من قبل النبوة
عما يخالف شرعه، وهو ثلا لم يشرب الخمر المحضر من الجنة ليلة المعراج،
انتھی.
١٣/١٥٧٠ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري
(عن أنس بن مالك) - رضي الله عنه -، أخرجه البخاري برواية إسماعيل بن
عبد الله عن مالك نحوه (أنه قال: كنت أسقي) قبل حرمته الخمر (أبا عبيدة)
عامر (بن الجراح) أحد العشرة المبشرة (وأبا طلحة) زيد بن سهل (الأنصاري)
زوج أم أنس (وأبي بن كعب) سيد القراء، وزاد في رواية للبخاري فيهم أبا
دجانة وسهيل بن بيضاء وسمى في رواية مسلم منهم أبا أيوب، ومعاذ بن جبل،
ولأحمد عن حميد عن أنس كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب وسهيل بن
بيضاء ونفرا من الصحابة، ولعبد الرزاق أن القوم كانوا أحد عشر رجلاً، كذا
في ((الفتح)) (٢).
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٧٣/٤).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٧/١٠).
٥٤٥

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧٠) حديث
شَرَاباً مِنْ فَضِيخِ وَتَمْرٍ. قَالَ فَجَاءَهُمْ آتٍ
وقال أيضاً: ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه في تفسيره عن أنس
أن أبا بكر وعمر كانا فيهم، وهو منكر مع نظافة سنده، وما أظنه إلا غلطاً،
وقد أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) في ترجمة شعبة عن عائشة، قالت: حرم أبو
بكر - رضي الله عنه - الخمر على نفسه فلم يشربها في جاهلية ولا إسلام،
ويحتمل إن كان محفوظاً أنهما زارا أبا طلحة في ذلك اليوم، ولم يشربا معهم،
ثم ذكر عن البزار ما يدل على أن أبا بكر هذا رجل آخر.
(شراباً من فضيخ) بفتح الفاء وكسر الضاد المعجمة وإسكان التحتية وخاء
معجمة، شراب يتخذ من البسر المفضوخ أي المشدوخ، وفي ((المحلى)) عن
النووي هو أن يفضخ البسر ويصب عليه الماء ويترك حتى يغلي (وتمر) بواو
وفوقية في السنخ المصرية، وبالمثلثة وإضافة الفضيخ إليه في الهندية.
ولفظ البخاري من حديث إسماعيل عن مالك بهذا السند من فضيخ زهو
وتمر، قال الحافظ(١): الفضيخ بفاء وضاد معجمتين وزن عظيم، اسم للبسر إذا
شدخ ونبذ، والزهو بفتح الزاي وسكون الهاء البسر الذي يحمر أو يصفر قبل
أن يترطب، وقد يطلق الفضيخ على خليط البسر والرطب كما يطلق على خليط
البسر والتمر، وكما يطلق على البسر وحده وعلى التمر وحده، وعند أحمد من
طريق قتادة عن أنس، وما خمرهم يومئذٍ إلا البسر والتمر مخلوطين، وعند
مسلم من طريق قتادة عن أنس أسقيهم من مزادة فيها خلط بسر وتمر، ولأحمد
عن حميد عن أنس حتى كاد الشراب يأخذ فيهم، ولابن أبي عاصم حتى مالت
رؤوسهم.
(قال) أنس (فجاءهم) أي النفر الذين أسقيهم (آت) اسم فاعل من
الإتيان، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ولابن أبي عاصم ((حتى مالت
(١) (فتح الباري)) (٣٨/١٠).
٥٤٦

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧٠) حدیث
فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ.
رؤوسهم فدخل داخل))، وفي المظالم في البخاري من طريق ثابت عن أنس
((فأمر رسول الله ﴿ منادياً فنادى))، ولمسلم (فإذا منادٍ يُنادي أن الخمر قد
حرمت، فقال أبو طلحة: اخرج، فانظر ما هذا الصوت؟)) وفي تفسير البخاري
عن أنس إذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت
الخمر، قال الحافظ(١): وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو المنادي، ويحتمل
أن يكون غيره، انتهى.
والظاهر عندي بالنظر على الروايات أنه غيره وهو الذي ذكره في رواية
الباب فأخبرهم هذا الداخل، فإذا سمعوا المنادي، فأرسل أبو طلحة أنساً
يقول: انظر ما هذا الصوت أو بالعكس؟
(فقال) الآتي: (إن الخمر قد حرمت) بنزول قوله تعالى: ﴿إِنََّ اْخَّرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ﴾ (٢) الآية، واختلف في وقت تحريمها، فقيل: سنة أربع،
وقيل: سنة ست، وقيل: سنة ثمان، قبل الفتح، قال الحافظ: وهو الظاهر
لرواية أحمد المذكورة قريباً أن الرجل المهدي راوية الخمر لقيه يوم الفتح،
وزعم مغلطاي أنها حرمت في شوال سنة ثلاث، والواقدي أنه عقب قول
حمزة: إنما أنتم عبيد لآبائي يعني سنة اثنين، ويدل عليه الحديث الصحيح عن
جابر ((اصطبح ناس الخمر يوم أحد فقتلوا من يومهم جميعاً شهداء))، الحديث.
قاله الزرقاني، وهذا الأخير بعيد جدا فإن أنساً - رضي الله عنه - كان ساقي
القوم يوم حرمت وأنه لما سمع المنادي بادر فأراقها، فكيف يمكن هذا في سنة
اثنتين، بل قال الحافظ: لو كان تحريمها سنة أربع، لكان أنس يصغر عن
ذلك.
(١) ((فتح الباري)) (٣٨/١٠).
(٢) سورة المائدة: الآية ٩٠.
٥٤٧

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧٠) حدیث
فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ. قَمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا. قَالَ:
فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسِ لَنَا. فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ.
أخرجه البخاريّ في: ٧٤ - كتاب الأشربة، ٣ - باب نزل تحريم الخمر وهي من
البسر والتمر. ومسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ١ - باب تحريم الخمر، حديث ٩.
(فقال أبو طلحة) لربيبه الساقي القوم (يا أنس قم إلى هذه الجرار) بكسر
الجيم وخفة الراء جمع جرة بفتح الجيم وشد الراء: إناء معروف من الفخار
(فاكسرها قال) أنس: (فقمت إلى مهراس لنا) بكسر الميم وسكون الهاء فراء
فألف فسين مهملة: حجر مستطيل ينقر، ويدق فيه ويتوضأ، وقد استعير للخشبة
التي يدق فيه الحب، فقيل لها: مهراس على التشبيه بالمهراس من الحجر، قاله
الزرقاني(١).
قلت: يقال له بالفارسية الجواز، وبالهندية ((أوكهلي))، قال الحافظ:
المهراس : - بكسر الميم - إناء يتخذ من صخر وينقر، وقد يكون كبيراً
كالحوض، وقد يكون صغيراً بحيث يتأتى الكسر به، وكأنه لم يحضره ما يكسر
به غيره، أو كسر بآلة المهراس التي يدق بها فيه كالهاون، فأطلق اسمه عليه
مجازاً، انتهى. قلت: أو باعتبار المعنى اللغوي، فإن الهرس لغةً الدق،
فالمهراس آلته.
(فضربتها) أي الجرار (بأسفله) أي بأسفل المهراس (حتى تكسرت)
الجرار، هكذا رواه مسلم برواية ابن وهب عن مالك بهذا السند، قال
النووي(٢): وهذا الكسر محمول على أنهم ظنوا أنه يجب كسرها وإتلافها كما
يجب إتلاف الخمر وإن لم يكن في نفس الأمر هذا واجباً، ولذا لم ينكر عليهم
النبي ﴿ وعذرهم لعدم معرفتهم الحكم وهو غسلها من غير كسر، وهذا الحكم
(١) (شرح الزرقاني)) (١٧٣/٤).
(٢) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٥١/١٣/٧).
٥٤٨

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧٠) حدیث
اليوم في أواني الخمر وجميع ظروفه، فكلها تطهر بالغسل، ولا يجوز كسرها،
انتھی .
ولفظ البخاري من راوية اسماعيل عن مالك في هذا الحديث ((قم يا أنس
فهرقها فهرقتها))، قال الحافظ(١): بفتح الهاء وكسر الراء أصلها أرقها، ووقع
في التفسير بلفظ فأرقها. وهو محمول على أن المخاطب له بذلك أبو طلحة
ورضي الباقون بذلك فنسب الإراقة إليهم جميعاً، ووقع في ((باب إجازة خبر
الواحد)) من رواية أخرى عن مالك بلفظ، فاكسرها مثل رواية الباب، وهذا لا
ينافي الروايات الأخرى، بل يجمع أنه أراقها وكسر أوانيها، أو أراق بعضاً،
وكسر بعضاً .
وذكر ابن عبد البر أن إسحاق بن أبي طلحة تفرد عن أنس بذكر الكسر،
وأن ثابتاً وعبد العزيز، وعدّ جماعة من الثقات رووا الحديث بتمامه عن أنس،
منهم من طوّله ومنهم من اختصر، فلم يذكروا إلا إراقتها، ووقع في رواية
حميد عن أنس عند أحمد ((فوالله ما قالوا حتى ننظر ونسأل))، وفي أخرى:
((فوالله ما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل))، ووقع في أخرى ((فجرت
في سكك المدينة)) أي طرقها .
وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى
جرت في الأزقة من كثرتها، قال القرطبي: قد تمسك بهذه الزيادة من قال: إن
الخمر المتخذة من غير العنب ليست بنجسة؛ لأنه 8# نهى عن التخلي في
الطرق، فلو كانت نجسة ما أقرهم على إراقتها في الطرقات حتى تجري.
والجواب أن القصد بالإراقة كان لإشاعة تحريمها، فإذا اشتهر ذلك كان
أبلغ، فيحتمل أخف المفسدتين لحصول المصلحة العظيمة، ويحتمل أنها
(١) «فتح الباري)) (٣٩/١٠).
٥٤٩

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧١) حدیث
١٤/١٥٧١ - وحدثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْخُصَيْنِ، عَنْ
وَاقِدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ
الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ، شَكَا إِلَيْهِ أَهْلُ
الشَّام وَبَاءَ الْأَرْضِ وَثِقَلَهَا. وَقَالُوا: لَا يُصْلِحُنَا إِلَّا هُذَا الشَّرابُ.
أريقت في الطرق المنحدرة بحيث تنصب إلى الأسرية أو الأودية فتستهلك
فيها، ويؤيده ما أخرجه ابن مردويه من حديث جابر بسند جيد في قصة صب
الخمر قال: ((فانصبت حتى استنقعت في بطن الوادي)) والتمسك بعموم الأمر
باجتنابها كاف فى القول بنجاستها، انتهى.
١٤/١٥٧١ - (مالك، عن داود بن الحصين) بالمهملتين مصغراً (عن واقد)
بالقاف (ابن عمرو) بفتح العين والواو في آخره في جميع النسخ المصرية، فما
في النسخ الهندية بحذف الواو كأنه بضم العين تحريف من الناسخ (ابن سعد)
بسكون العين (ابن معاذ) الأنصاري (أنه أخبره) أي أخبر واقد داود (عن
محمود بن لبيد) بفتح اللام على وزن عظيم (الأنصاري) الصحابي الصغير (أن)
أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (حين قدم الشام) في خلافته
في السنة الثامن عشر من الهجرة، كذا في ((المحلى)).
قال الباجي(١): وكان قدومه على حسب ما يلزم الإمام من مراعاة أنظاره
وتطلعها بنفسه لا سيما وهو موضع رباط وهو أهم المواضع عند الإمام (شكا
إليه أهل الشام وباء الأرض) أي مرض أرضهم العام، والوباء كل مرض عام من
طاعون وغيره (وثقلها) بكسر المثلثة وفتح القاف ضد الخفة أي ثقل مائها يريد
أنهم شكوا إليه من ذلك ما أحوجهم إلى شرب الشراب يزيل عنهم وباء
الأرض، ويبعد عنه ثقلها .
(وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب) يعنون الخمر، قال الباجي: يريد
(١) ((المنتقى)) (١٥٦/٣).
٥٥٠

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧١) حدیث
فَقَالَ عُمَر: اشْرَبُوا هُذَا الْعَسَلَ، قَالُوا: لا يُصْلِحُنَا الْعَسَلُ. فَقَالَ
رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ: هَلْ لَكَ أَنْ نَجْعَلَ لَكَ مِنْ هُذَا الشَّرَابِ شَيْئاً
لَا يُسْكِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَطَبَخُوهُ
أنهم قد اعتادوا أن يغتذوا لها بشراب، وأخبروا عمر أن أبدانهم لا تألف غيره
(فقال) لهم (عمر) - رضي الله عنه -: (اشربوا هذا) ليس في النسخ الهندية لفظ
هذا (العسل) فإن فيه شفاء بمنطوق القرآن، قال الباجي: أمرهم عمر - رضي الله
عنه - بشربه على الوجه المباح منه من أن لا ينتهي إلى الحد المحرم من
السكر، وذلك أنه لم يكن علم أنه يتخذ من العصير ما يبقى ويسلم من الشدة
المطربة، وعلم أن العسل يبقى المدة الطويلة فعدل بهم إليه ليقتنوه ويدخروه
فمتى أرادوا شربه خلطوه بالماء.
(فقالوا) أي أهل الشام: إنه (لا يصلحنا العسل) أي لا يوافق أمزجتنا،
قال الباجي: يعني أنه لا يزيل عنهم وباء الأرض ولا وخامتها ولا يدفع ما
يحدث من أمراضها، وهذا كله يقتضي أنه - رضي الله عنه - لم يبح لهم شرب
ذاك الشراب المسكر للتداوي وغيره، انتهى.
(فقال رجل من أهل الأرض) أي من أهل الشام يعني لما توقف عمر عن
إجابتهم إلى ما أرادوه من شرب العنب لاعتقاده أنه لا يمكن ادّخاره، قال له
رجل ممن نشأ بالشام (هل لك) رغبة في (أن نجعل لك من هذا الشراب)
العنبي (شيئاً لا يسكر؟) بضم أوله أي لا يوجد فيه الإسكار (قال) عمر
- رضي الله عنه -: (نعم) قال الباجي(١): قال له عمر - رضي الله عنه -: نعم
إجابة إلى اختبار ما ادعاه من صحة ادخاره العصير دون أن يسكر، أو يتغير،
فإنه إنما منعهم منه لما تعذر عنده من بقائه دون أن يفسد، فلما ادعى هذا
الرجل بحضرته أنه يمكنه أن يصنع منه ما يسلم من الفساد أجابه إلى أن يصنع
ذلك ليختبر قوله، فطبخوه حتى ذهب (فطبخوا) وفي النسخ المصرية فطبخوه
(١) ((المنتقى)) (١٥٦/٣).
٥٥١

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧١) حديث
حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلْثَانِ وَبَقِي الثُّلُثُ. فَأَتَوْا بِهِ عُمَرَ. فَأَدْخَلَ فِيهِ عُمَرُ
إِصْبَعَهُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ. فَتَبِعَهَا يَتَمَطَّطُ. فَقَالَ: هَذَا الطِّلَاءُ. هُذَا مِثْلُ
طِلَاءِ الْإِبِلِ. فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَشْرَبُوهُ.
(حتى ذهب) بالطبخ (منه الثلثان وبقي الثلث) بضم المثلثة الأولى واللام، قال
الباجي: ومعنى ذلك أنه ذهبت منه المائية التي تحدث إفساده، ويسرع بها
تغيره، وبقيت عسيلته خالصة، وإنما خص ذلك بذهاب الثلثين، وبقاء الثلث؛
لأن هذه كانت صفة عصير ذلك العنب في ذلك البلد، وقد روى ابن المواز في
طبخ: لا أحدُّ ذهابَ ثلثيه، وإنما أنظر إلى السكر، وليس ذهاب الثلثين في كل
بلد ولا من كل عصير.
قال ابن حبيب: إذا لم يسكر فسواء ذهب ثلثه أو ربعه أو أكثر أو أقل،
اللَّهم إلا أن يعلم أنه لا يوجد بلد يذهب منه أقل من الثلثين، ويسلم من
الفساد، فيراعى ذهاب الثلثين في البلاد التي يسلم فيها من الفساد ذهاب
الثلثين، وإذا اعتبر السلامة من السكر استغنى عن سائر الأوصاف، وجعل أبو
حنيفة ذهاب الثلثين حداً في جواز شرب ما يبقى وإن كان يسكر من كثيره،
والدليل على ما نقوله أن فيه شدة مطربة، فوجب أن يكون قليله حراماً، انتهى
مختصراً .
(فأتوا به) إلى (عمر) - رضي الله عنه - بعد الطبخ ليعرضوه عليه (فأدخل
فيه عمر) - رضي الله عنه - (أصبعه) ليختبر رقته (ثم رفع يده) أي أصبعه وهو
يرفع برفع اليد (فتبعها) أي تبع هذا المطبوخ أصبعه (يتمطَّط) أي يتمدَّد (فقال)
عمر - رضي الله عنه -: (هذا الطلاء) بكسر الطاء المهملة والمد سماه طلاء
على معنى التشبيه، ولذا قال (هذا مثل طلاء الإبل) أي القطران الذي يطلى به
البعير، لإزالة جربها، وتقدم في أول حد الخمر البسط في تفسير الطلاء.
(فأمرهم عمر) - رضي الله عنه - (أن يشربوه) قال الباجي: يحتمل أن يريد
أمرهم على معنى أنه ندبهم إلى ذلك على معنى استيفاء صحة أجسامهم وصلاح
٥٥٢

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧١) حديث
فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: أَحْلَلْتَهَا وَاللَّهِ. فَقَالَ عُمَرُ: كَلَّا وَاللَّهِ.
اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ شَيْئاً حَرَّمْتَهُ عَلَيْهِمْ. وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ شَيْئاً
أَحْلَلْتَهُ لَهُمْ.
أحوالهم، ويحتمل أن يريد بذلك إباحته لهم، فإن القاضي أبا الفرج من
أصحابنا قال: إن الإباحة أمر، انتهى.
(فقال له عبادة بن الصامت) أحد فضلاء الصحابة (أحللتها) بصيغة
الخطاب أي أحللت لهم الخمر (والله) بإذنك يشرب هذا الطلاء، قال الباجي:
يريد عبادة أن ما أباحه لهم من هذا الطلاء الذي يؤمن معه الفساد يتسبّب به
إلى شرب ما لم يبلغ ذلك المبلغ،، وقد تبع عبادة على هذا الإنكار ابن عمر
وعمرُ بن عبد العزيز، انتهى.
(فقال عمر) - رضي الله عنه -: (كلّ) حرفُ ردع وزجر (والله) لم أُحِلَّ
لهم الخمر، وهذا لم يبق خمراً (اللَّهم إني لا أُحِلُّ لهم شيئاً حرمته) بصيغة
الخطاب (عليهم ولا أحرم عليهم شيئاً أحللته لهم) قال الباجي: قاله إنكاراً على
عبادة بإظهار النية، وصحيح معتقده من أنه لا يحل حراماً، وهو ما يسرع إليه
الفساد والتغير من الأشربة، ولا يحرم حلالاً منها، وهو ما بلغ المبلغ الذي
صنعه الرجل مثل طلاء الإبل، فلا يسرع إليه الفساد.
قال العلامة الزرقاني(١): وكان عمر - رضي الله عنه - اجتهد في ذلك
تلك المرة، ثم رجع عنه فحدَّ ابنه في شرب الطلاء كما مر، انتهى. قلت:
ليس كذلك بل أثر الباب عند الأئمة الثلاثة والجمهور غير الشيخين من الحنفية
محمولٌ على أنه لم يكن مسكراً، كما ادّعى الرجل الشامي في قوله: ((نجعل
لك منه شيئاً لا يسكر)) وما تقدم من حدّه ــ رضي الله عنه - ابنه، فيه تصريح
بقوله: ((وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر جلدتُه)) ولذا حمل الباجي (٢) الأثر
(١) (شرح الزرقاني)) (١٧٤/٤).
(٢) انظر: ((المنتقى)) (١٥٧/٣).
٥٥٣

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧١) حديث
السابق على المسكر، وحمل أثر الباب على أنه لم يبق مسكراً، وحكى فيه
خلاف أبي حنيفة.
وعليه حمله الإمام محمد إذ قال في ((موطئه))(١) بعد أثر الباب: وبهذا
نأخذ، لا بأس بشرب الطلاء الذي قد ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه وهو لا يُسكر،
فأما كل مُعتَّق يُسْكر فلا خير فيه، انتهى.
وعليه حمله الموفق(٢) إذ قال: وما طبخ من العصير والنبيذ قبل غليانه
حتى صار غير مسكر، كالدِّبس ورب الخَرَّوب وغيرهما من المُرَبَّيَاتِ والسُّكَّر،
فهو مباح؛ لأن التحريم إنما ثبت في المسكر ففيما عداه يبقى على أصل
الإباحة، وما أسكر كثيره فقليله حرام، سواء ذهب منه الثلثان أو أقل أو أكثر،
قال أبو داود: سألت أحمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه؟ قال:
لا بأس به، قيل لأحمد: إنهم يقولون: إنه يُسْكِرُ؟ قال: لا يُسْكِرُ، ولو كان
يُسْكِرُ ما أحلَّه عمر - رضي الله عنه -، انتهى.
وفي ((المحلى)): في أثر الباب حل المثلث العنبي؛ لأنه في تلك الحالة
لا يُسكر غالباً، فإن كان يُسْكر حرم، وعلى ذلك يحمل الطلاء الذي حدَّ عمر
- رضي الله عنه - شاربه كما مر، وهذا قول الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة
- رضي الله عنه -: يحل ذلك مطلقاً، والحرام هو القدر المسكر، وهو المراد
في الأثر الذي ذكر فيه أن عمر - رضي الله عنه - حدَّ ابنه أو الذي ذهب أقل
من ثلثیه، انتهى.
وتقدم في أول كتاب الأشربة أن الطلاء وهو المثلث يَحِلُّ عند أبي حنيفة
وأبي يوسف مطلقاً، ولو كان مسكراً ما لم يبلغ الشارب حدَّ المسكر، وهو
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٢٣/٣).
(٢) ((المغني)) (٥١٤/١٢).
٥٥٤

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧١) حديث
القدح الأخير منه، ويحرم عند محمد كالجمهور إن كان مسكراً، وفي
((الهداية))(١): عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه حلال، وإن اشتد
عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد ومالك والشافعي: حرام، وهذا
الخلاف فيما إذا قصد به التَقَوِّي.
أما إذا قصد به التَلَهِّي لا يحل بالاتفاق، لهم قوله بَّ: ((كل مسكر
خمر)) ولهما قوله ◌َله: ((حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل
شراب)) خصَّ السكر بالتحريم في غير الخمر إذ العطف للمغايرة، ولأن المفسد
هو القدح المسكر، وهو حرام عندنا، والحديث الأول غير ثابت على ما بيناه،
ثم هو محمول على القدح الأخير إذ هو المسكر حقيقة، انتهى.
وقال البخاري في ((صحيحه)): رأى عمر وأبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء
على الثلث، قال الحافظ (٢): أي رأوا جواز شرب الطلاء إذا طُبِخَ، فصار على
الثلث، ونقص منه الثلثان، وذلك بَيِّن من سياق ألفاظ هذه الآثار، فأما أثر
عمر - رضي الله عنه -، فأخرجه مالك فذكر أثر الباب، ثم قال: وأخرج
سعيد بن منصور عن عامر بن عبد الله قال: كتب عمر - رضي الله عنه - إلى
عمار، أما بعد: فإنه جاءني عِيرٌ تحمل شراباً أسود، كأنه طلاء الإبل، فذكروا
أنهم يطبخونه حتى يذهب ثلثاه الأخبثان: ثلثٌ بريحه، وثلث ببغيه، فَمُرْ منْ
قِبَلَك أن يشربوه، ومن طريق ابن المسيب أن عمر - رضي الله عنه - أحلَّ من
الشراب ما طُبِخَ فذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، وأخرج النسائي من طريق عبد الله بن
يزيد الخطمي قال: كتب عمر - رضي الله عنه - ((اطبخوا شرابكم حتى يذهب
نصيب الشيطان منه، فإن للشيطان اثنين ولكم واحد)) وهذه أسانيد صحيحة،
وقد أفصح بعضها بأن المحذور منه السكر، فمتى أسكر لم يحل.
(١) (٣٩٧/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٣/١٠).
٥٥٥

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧٢) حدیث
١٥/١٥٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ؛ أَنَّ رِجالاً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ.
ثم قال: وأما أثر أبي عبيدة ومعاذ، فأخرجه أبو مسلم الكجي، وسعيد بن
منصور، وابن أبي شيبة عن أنس أن أبا عبيدة ومعاذ بن جبل وأبا طلحة كانوا
يشربون من الطلاء ما طبخ على الثلث، وذهب ثلثاه، والطلاء بكسر المهملة
هو الدبس، فإذا طبخ عصير العنب حتى تمدد أشبه طلاء الإبل، وهو في تلك
الحالة غالباً لا يسكر، وقد وافق عمر - رضي الله عنه - ومن ذكر معه على
الحكم المذكور أبو موسى وأبو الدرداء، وأخرجه النسائي عنهما، وعلي وأبو
أمامة وخالد بن الولد وغيرهم، أخرجها ابن أبي شيبة وغيره، ومن التابعين ابن
المسيب والحسن وعكرمة، ومن الفقهاء الثوري والليث ومالك وأحمد
والجمهور، وشرط تناوله عندهم ما لم يسكر، وكرهه طائفة تورعا، انتهى.
وفي ((الجوهر النقي)) (١): قال صاحب ((الاستذكار))(٢): لا أعلم خلافاً بين
الفقهاء في جواز شرب العصير إذا طبخ، فذهب ثلثاه وبقي ثلثه، وبسط البيهقي
وابن التركماني في الآثار الدالة على جواز المثلث، فالجمهور حملوا تلك الآثار
كلها على الذي لا يسكر كثيره أيضاً، والحنفية قالوا بإطلاقها، وأجازوها مطلقاً،
وإن كان كثيره مسكراً لم يشرب قدر المسكر منه، فقد روي عن عمر - رضي الله
عنه - أنه كان يشرب النبيذ الشديد، وكان يقول: إنا نشرب من هذا النبيذ شرابا
يقطع لحوم الإبل في بطوننا، ومع ذلك حَدَّ من سكر منه، ولما اعتذر الشارب أني
شربت من سطيحتك، فقال عمر: إنما أضربك على السكر، أخرجه الطحاوي،
وبسط الكلام على أن المراد القدر المسكر من هذه الأشربة غير الخمر.
١٥/١٥٧٢ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أن
رجالاً من أهل العراق) الإقليم المعروف، يُذَگُّ ويؤنث (قالوا له: يا أبا عبد الرحمن)
(١) (الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٣٠١/٨).
(٢) (٣٢٣/٢٤).
٥٥٦

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧٢) حديث
إِنَّا نَبْتَاعُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ، فَتَعْصِرُهُ خَمْراً فَنَبِيعُها. فَقَالَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتَهُ وَمَنْ سَمِعَ مِنَ
الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، أَنِّي لَا آمُرُكُمْ أَنْ تَبِيعُوهَا، وَلَا تَبْتَاعُوهَا، وَلَا
تَعْصِرُوهَا، وَلَا تَشْرَبُوهَا. وَلَا تَسْقُوهَا، فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلٍ
الشَّيْطَانِ .
كنية ابن عمر - رضي الله عنهما - (إنا نبتاع) أي نشتري (من ثمر) بالمثلثة
(النخل والعنب) زاد محمد في ((موطئه))(١): والقصب (فنعصره) بفتح النون
وكسر الصاد (خمراً) أي نجعل العصير منهما خمراً (فنبيعها) فهل يجوز ذلك
البيع أم لا؟ ولعلهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، فلم يبلغهم تحريم الخمر، أو
بلغهم إلا أنهم ظنوا أن المحرم الشرب فقط دون البيع.
قال الباجي: (٢) تصريح بعصر الخمر وبيعه فمنع ذلك عبد الله بن عمر
- رضي الله عنهما -، ولا خلاف نعلمه في منعه، والأصل في ذلك الحديث
المتقدم أنه ◌َّ قال للذي أهدى إليه راوية خمر: ((إن الذي حرم شربها حرم
بيعها))، انتهى.
(فقال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -: (إني أَشْهِدُ) بضم الهمزة
وكسر الهاء (الله) عز وجل (عليكم و) أشهد (ملائكته) أيضاً (و) أُشْهِدُ (من
سمع) كلامي (من الجن والإنس) أتى بذلك لزيادة الزجر والتهويل والإشهاد
المذكور على قوله: (أني لا آمركم) قط (أن تبيعوها ولا تبتاعوها) أي لا
تشتروها (ولا تَعْصِرُوها) بفتح الفوقية وكسر الصاد أي لا تصنعوا منها شراباً
(ولا تشربوها) بأنفسكم (ولا تسقوها) بفتح الفوقية أي غيركم، فأمنعكم عن كل
تصرف مقصود فيها (فإنها رِجْسٌ) بكسر الراء وسكون الجيم أي خبث (من عمل
الشيطان) كما نطق به القرآن.
(١) («موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١١٣/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٥٨/٣).
٥٥٧

٤٥ - كتاب الأشربة
(٥) باب
(١٥٧٢) حديث
ثم تقدم عن كلام الباجي قريباً أن لا خلاف نعلمه في منعه، وهكذا
حكى الإجماع على ذلك غير واحد من نقلة المذاهب، ولا يذهب عليك أن
هذا الإجماع على منع البيع للخمر خاصة، والأئمة الثلاثة وجمهور العلماء لما
حكموا على كل مسكر بالخمر عَمَّموا هذا الحكم في كل مسكر، والحنفية لما
فرقوا في أنواع المسكر فرقوا في أحكامه أيضاً، وعَدُّوا حرمة البيع في خواص
الخمر، كما تقدم في أول كتاب الأشربة.
وفي ((الدر المختار)): صح بيع غير الخمر مما مر يعني من الأشربة
السبعة. قال ابن عابدين: هذا عنده خلافاً لهما في البيع والضمان، لكن
الفتوى على قوله في البيع، وعلى قولهما في الضمان إن قصد المتلف الحسبة،
وذلك يُعْرف بالقرائن، وإلا فعلى قوله، والبيع وإن صح، لكنه يكره، كما في
((الغاية))، انتهى.
۔
٥٥٨

٤٦ - كتاب الجامع
بسم الله الرحمن الرحيم
٤٦ - كتاب الجامع
(٤٦) كتاب الجامع
هكذا في النسخ الهندية في ذكر هذا الكتاب بعد الأشربة، واقتفينا ترتيبها
لاتفاقها على نسق واحد من ذكر الكتب، والنسخ المصرية في ذلك النسق
مختلفة جداً، إلا أنها كلها متفقة في ذكر الكتاب في آخر جميع الكتب.
قال ابن العربي في ((القبس))(١): هذا كتاب اخترعه مالك - رضي الله عنه -
في التصنيف لفائدتين: إحداهما: أنه خارج عن رسم التكليف المتعلق
بالأحكام التي صنفها أبواباً ورتبها أنواعاً، الثانية: أنه لما لحظ الشريعة
وأنواعها ورآها منقسمة إلى أمر ونهي، وإلى عبادة ومعاملة، وإلى جنايات
وعادات، نظمها أسلاكاً، وربط كل نوع بجنسه وشذّت عنه من الشريعة معانٍ
مفردة لم يتفق نظمها في سلك واحد، لأنها متغايرة المعاني، ولا أمكن أن
يجعل لكل واحد منها باباً لصغرها ولا أراد هو أن يطيل القول فيما يمكن
إطالة القول فيها، فجعلها أشتاتاً، وسمى نظامها ((كتاب الجامع)) فطرق
للمؤلفين ما لم يكونوا قبل ذلك به عالمين في هذه الأبواب كلها، ثم بدأ في
هذا الكتاب بالقول في المدينة، لأنها أصل الإيمان ومعدن الدين ومستقر
النبوة، اهـ.
والأوجه عندي أن الأبواب السابقة من أول الكتاب إلى ههنا كانت تتعلق
بالأبواب الفقهية المعروفة عند أهل الفن بالسنن، قَدّمها أولاً لشدة اهتمامها،
وذكر من هاهنا إلى آخر الكتاب ما يتعلق بالفضائل ونحوها المعروفة عندهم
بالجامع، وما ذكر في الموضعين، بخلاف ذلك مثل ذكر الفضائل في مواضع
كان تبعاً .
(١) انظر: ((كتاب القبس)) (١٠٨٢/٣) و((شرح الزرقاني)) (٢١٧/٤).
٥٥٩

٤٦ - كتاب الجامع
(١) باب
(١٥٧٣) حديث
(١) باب الدعاء للمدينة وأهلها
١/١٥٧٣ - وحدّثني يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية من ذكر التسمية بعد الكتاب غير
نسخة الباجي ففيها التسمية قبل الكتاب.
(١) الدعاء للمدينة وأهلها
المدينة في الأصل: المصر الجامع، ثم صارت علماً بالغلبة على دار
هجرته وَ ل*، ووزنها فعيلة؛ لأنها من مدن، وقيل مفعلة بفتح الميم؛ لأنها من
دان، والجمع مدن ومدائن بالهمز على القول بأصالة الميم على وزن فعائل،
وبغير همز على القول بزيادة الميم على وزن مفاعل، وفي ((المحلى)): المدينة
مشتقة من دان بمعنى أطاع، والدين الطاعة، أو من مدن بالمكان أي أقام، اهـ.
وفي ((مناسك النووي))(١): لمدينة رسول الله صل خمسة أسماء: المدينة،
وطابة، وطيبة، والدار، ويثرب، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ الآية،
وفي ((مسلم)) عن جابر مرفوعاً: ((إن الله تعالى سمى المدينة طابة)) قال: سميت
طابة وطيبة لخلوصها من الشرك وطهارتها منه، وقيل: لطيب ساكنها، وأما
تسميتها الدار فللاستقرار بها لأمنها، وأما المدينة فقال كثير من أهل اللغة: هي
من دان أي أطاع، سميت بها لأنه يطاع الله تعالى فيها، قال ابن حجر في
(شرحه)): اقتصر على هذه الأسماء مع أن أسماءها تقارب الألف كما بينها
بعض المتأخرين، لأنها أشهرها، اهـ.
١/١٥٧٣ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري) قيل:
(١) (ص٤٤٦).
٥٦٠