النص المفهرس
صفحات 521-540
٤٥ - كتاب الأشربة (٢) باب (١٥٦٣) حديث وفي هامشه عن ((الكفاية)): قوله: على حالة الشدة أي العسرة حيث كره للأغنياء الجمع بين النعمتين، بل يستحب أن يأكل أحدهما، ويؤثر بالآخر على جاره حتى لا يشبع وجاره جائع، وما رويناه من الإباحة محمول على حالة السعة بين الناس حيث أباح الجمع بين النعمتين، كذا روي عن إبراهيم النخعي، انتھی. قال الزيلعي في ((نصب الراية))(١): روى محمد في ((كتاب الآثار)) أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: لا بأس بنبيذ خليط التمر والزبيب، وإنما كرها لشدة العيش في الزمن الأول، كما كره السمن واللحم، وكما كره الإقران، فأما إذا وسَّع الله على المسلمين، فلا بأس به. وأخرج ابن عدي في ((الكامل)) عن أم سليم وأبي طلحة أنهما كانا يشربان نبيذ الزبيب والبسر يخلطانه، فقيل له: يا أبا طلحة إن رسول الله وَليل نهى عن هذا؟ قال: إنما نهى عن العوز في ذلك الزمان، كما نهى عن الإقران، وأعلّه بعمر بن ردیح، انتھی. وفي ((هامش الزيلعي))، عن ((اللسان))(٢) عن عمر بن رديح ضعفه أبو حاتم، وقال ابن معين: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) انتهى. وأفاد شيخ مشايخنا القطب الكنكوهي في ((الكوكب الدري))(٣): أن النهي فيها كالنهي عن الانتباذ في الظروف كان في أول الأمر؛ لما فيه من بعد الخلط من قوة، فيسرع الاشتداد، ثم صار الأمر واسعاً غير أن المسكر حرام أيّاً ما کان، انتھی. (١) ((نصب الراية)) (٣٠١/٤). (٢) (لسان الميزان)) (٣٠٦/٤). (٣) (٣٥/٣). ٥٢١ ٤٥ - كتاب الأشربة (٢) باب (١٥٦٣) حديث قلت: ويؤيد ذلك جمعها في سياق واحد، فقد أخرج النسائي بطرق عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ◌َ له عن الدُّاء والحنتم والمزفت والمقير، وأن يخلط البلح والزهو، وفي رواية: وأن يخلط التمر بالزبيب والزهو بالتمر، وترجم البخاري في ((صحيحه)) (١) على هذه الأحاديث بقوله: ((باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكراً وأن لا يجعل إدامين في إدام))، انتهى. وظاهره أنه - رضي الله عنه - مال في هذه الأحاديث إلى أحد الوجهين، إما أن يكون النهي إذا بلغ حد الإسكار، أو يكون النهي عن الجمع بين الإدامين، يعني حالة الشدة أو على السرف، كما قالته الحنفية. وقال محمد في ((موطئه))(٢): ولا ينبغي أن يشرب من البسر والزبيب والتمر جميعاً، وهو قول أبي حنيفة إذا كان شديداً يسكر، انتهى. وعُلم من ذلك كله أن أهل العلم اختلفوا في المراد بهذه الأحاديث التي وردت في النهي عن الخليطين على ستة أقوال: الأول: قول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المالكي إذ حمل النهي على عمومه في الأشربة كلها، فيلزمه منع خلط العسل باللبن، ونسبوا هذا القول إلى الإفراط والغرابة. والثاني: قول الداودي إذا حمل خلط أحد النبيذين بالآخر، ولا بأس إذا نبذا معاً. والثالث والرابع: قول جمهور العلماء من المحدثين أن العلة خوف الشدة والإسكار، واختلف هؤلاء على قولين؛ أحدهما: أن النهي على التحريم، حكاه النووي عن بعض المالكية، وعياض عن أحمد وإسحاق وأكثر الشافعية، (١) ((صحيح البخاري)) مع ((فتح الباري)) (١٠/ ٦٧). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١١٧/٣). ٥٢٢ ٤٥ - كتاب الأشربة (٢) باب (١٥٦٣) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . أَنَّهُ يُكْرَه ذُلِكَ لِنَهْي رَسُولِ اللَّهِ وَ لَه عَنْهُ. والخطابي عن مالك وأحمد وإسحاق وظاهر مذهب الشافعي والقرطبي عن جمهور الفقهاء، والحافظ عن نصِّ الشافعي، و((المغني)) عن نص أحمد إلا أنه حكى عن القاضي أن مراد أحمد عنه إذا بلغ حد الإسكار. وثانيهما: أن الكراهة للتنزيه، حكاه النووي عن الجمهور، والقرطبي عن مالك، وقال صاحب ((المغني)): هذا هو الصحيح إن شاء الله يعني في مذهب الإمام أحمد. والخامس: قول ابن حزم: إن النهي يختص بخلط واحد من الأشياء الخمسة في أحدها أو غيرها، فمن شرب واحداً منها المخلوط بغيره، فهو كمن شرب الدم والبول. والسادس: قول الحنفية: إنه لا بأس بذلك، والنهي محمول على الابتداء لشدة الأحوال أو للإيثار أو كالانتباذ في الأوعية على الاحتياط، وسيأتي قريباً من كلام الباجي أنه مباح قولاً واحداً. وتقدم عن ((التعليق الممجد)): أنه قول للشافعي، وقد أخرج أبو داود عن عائشة أن رسول الله #8# كان ينبذ له زبيب فيلقى فيه تمر، أو تمر فيلقى فيه زبيب، وأخرج عن صفية بنت عطية قالت: دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة، فسألناها عن التمر والزبيب؟ فقالت: كنت آخذ قبضة من تمر، وقبضة من زبيب، فألقيه في إناء، فأمرسه، ثم أسقيه النبي وَّر، وأخرج محمد في ((الآثار))(١): أبو حنيفة عن نافع عن ابن عمر أنه كان ينبذ له نبيذ الزبيب، فلم يكن يستمرئه، فقال للجارية: اطرحي فيه تمرات، وتقدم قريباً عن ((الهداية)) و((الزيلعي)) الآثار في ذلك. (قال مالك: وهو الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا أنه يكره ذلك) أي النبيذ المخلوط (لنهي رسول الله وَّ ر عنه) كما تقدم في الأحاديث المتقدمة، (١) (ص١٨٣). ٥٢٣ ٤٥ - كتاب الأشربة (٢) باب (١٥٦٣) حديث (٣) باب ما ينهى أن يُنْبَذَ فيه قال الباجي(١): قال القاضي أبو محمد: إذا بلغ حد المسكر فلا خلاف في تحريمه، وأما ما لم يسكر فممنوع، واختلف أصحابنا في تأويل منع مالك منه، فقال قوم: هو منع تحريم، وقال قوم: منع كراهية، ووجه التحريم نهيه ◌َلآ، والنهي يقتضي التحريم، ومن جهة المعنى أنه معنى يعجل إحداث الشدة المطربة في الشراب، فوجب أن يكون محرماً، ولم يبلغ ذلك، أصله الانتباذ في الحنتم والمزفت، ووجه القول بمنع التحريم قوله وَ لول: «كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا وكل مسكر حرام))، ومن جهة المعنى أنه شراب لم تحدث فيه شدة مطربة فلم يحرم بها . ثم قال: إذا ثبت ذلك فمن نبذ الخليطين فقد أساء، فإن حدثت الشدة المطربة حرم، وإن لم تحدث فقد قال القاضي أبو محمد: يجوز شربه ما لم يسكر، ولم يذكر غير هذا الوجه، فاقتضى هذا مع ما تقدم من قوله في الانتباذ أن في تحريم الانتباذ قولاً (٢) واحداً، وإن شرب ما قد نبذ من ذلك ولم يبلغ أن يسكر مباحٌ قولاً واحداً، انتهى. وكذا ذكر الدسوقي قولين الكراهة والحرمة، ورجح قول الكراهة، وقال: هو المعتمد، وتقدم في أول الباب من كلام الدسوقي اختلافهم في أن النهي هذا معلل بخوف الإسكار أو تعبدٍّ. (٣) ما ینهى عنه أن ينتبذ ببناء المجهول من الانتباذ في النسخ الهندية، وينبذ ببناء المجهول من النبذ أي المجرد في النسخ المصرية. فیه من الأواني أي بيان الأواني التي نهى النبي ◌ّهو أن يصنع فيها النبيذ. (١) ((المنتقى)) (١٤٩/٣). (٢) كذا في الأصل، والصواب عندي على الظاهر قولين فتأمل ((ش)). ٥٢٤ ٤٥ - كتاب الأشربة (٣) باب (١٥٦٤) حديث ٧/١٥٦٤ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ خَطِبَ النَّاسَ فِيّ بَعْضٍ مَغَازِيهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ، فَانْصَرَفَ قَبْل أَنْ أَبْلُغَهُ. فَسَأَلْتُ مَاذَا قَالَ؟ فَقِيلَ لِي: نَهى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ ٧/١٥٦٤ - (مالك عن نافع) كذا في جميع النسخ المصرية، وكذا في ((المحلى))، وذكره صاحب ((التجريد)) في الروايات التي أخرجها مالك عن نافع عن ابن عمر، فما في النسخ الهندية من حذف نافع عن السند سقوط من الناسخ (عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أن رسول الله وَ ل خطب الناس في بعض مغازيه)، قال الباجي(١): على حسب ما كان يفعل من إلقاء الأحكام إليهم، وتعليم ما يجب عليهم في المغازي، وعلى حسب ما يرى من الحاجة إلى ذلك، انتهى. وفي (كتاب الآثار)) عن علي بن حسين بمعنى هذا الحديث في غزوة تبوك (قال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - لما سمعت أنه وَل يخطب (فأقبلت نحوه) لأسمع خطبته (فانصرف) رسول الله وَلافر من الخطبة (قبل أن أبلغه) أي أصل إليه (فسألت) عمن حضر الخطبة (ماذا قال) بَطّ في خطبته (فقيل لي) أي قال لي من سمعها. قال الباجي: لم يحتج ابن عمر - رضي الله عنهما - أن يذكر من أخبره بذلك لما قد علم أن مثله لا يأخذ إلا عمن يثق به على نقل الدين إليه مع أنه لا خلاف في عدالة جميع الصحابة، ولا خلاف في جواز الأخذ بمراسيلها، وكذلك يجب أن يكون من علم من حاله من الأئمة أنه لا يرسله إلا عمن يحتج بحديثه، انتهى. قلت: وقد سمعه ابن عمر بنفسه عن النبي نَّل في موضع آخر، كما سيأتي. (نهى) رسول الله وَل (أن ينبذ) ببناء المجهول من النبذ (في الدباء) بضم (١) ((المنتقى)) (١٤٨/٣). ٥٢٥ ٤٥ - كتاب الأشربة (٣) باب (١٥٦٤) حديث وَالْمُزَقَّتِ. أخرجه مسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة ٦ - باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء، حديث ٤٨. الدال المهملة وشد الموحدة والمد: قرع. (والمزفت) بالزاي المعجمة وتشديد الفاء المفتوحتين أي المطليّ بالزفت، وهو القار، قال الزرقاني(١): والحديث رواه مسلم عن يحيى عن مالك به، وتابعه الليث وأيوب وعبيد الله، ويحيى بن سعيد والضحاك بن عثمان وأسامة كل هؤلاء عن نافع عن ابن عمر بمثل حديث مالك، ولم يذكر بعض مغازيه إلا مالك وأسامة، انتهى. قلت: روى مسلم(٢) أحاديث هؤلاء كلهم عن نافع بمثل حديث مالك، ثم أخرج من طريق شعبة عن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول: نهى رسول الله وَ﴿ عن الحنتم والدباء والمزفت، قال: سمعته غير مرة، وأخرج عن زاذان، قلت لابن عمر - رضي الله عنهما -: حدثني بما نهى عنه النبي ◌َّ من الأشربة بلغتك، وفَسِّره بلغتنا، فإن لكم لغة سوى لغتنا، فقال: نهى رسول الله وَله عن الحنتم، وهي الجرّة، وعن الدباء، وهي القرعة، وعن المزفت، وهو المقير، وعن النقير وهي النخلة، تنسح نسحاً، وتنقر نقراً، وأمر أن ينتبذ في الأسقية. وأخرج عن سعيد بن المسيب يقول: سمعت عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يقول عند هذا المنبر، وأشار إلى منبر رسول الله رَطاهر: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ◌َ*، فسألوه عن الأشربة، فنهاهم عن الدباء والنقير، الحديث، وعن أبي الزبير عن ابن عمر يقول: سمعت رسول الله وَله ينهى عن الجر والدباء والمزفت وغير ذلك من الروايات، فَعُلِمَ منها أن ما في ((الموطأ)) من الإرسال في هذه الوقعة خاصة، وإلا فقد سمع ابن عمر - رضي الله عنهما - النهي عن ذلك بنفسه. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٨/٤). (٢) انظر: ((صحيح مسلم)) (١٥٨١/٣ - ١٥٨٣). ٥٢٦ ٤٥ - كتاب الأشربة (٣) باب (١٥٦٥) حديث ٨/١٥٦٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَجَ نَهى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَاءِ وَالْمُزَقَّتِ . أخرجه مسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ٦ - باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء، حديث ٣١، ٣٢. ٨/١٥٦٥ - (مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب) الحرقى بضم الحاء المهملة وفتح الراء فبقاف (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني مولى الحرقة بضم ففتح وقاف (عن أبي هريرة أن رسول الله (وَلل نهى) على الكراهة أو التحريم قولان للعلماء (أن ينبذ) ببناء المجهول من المجرد في النسخ المصرية والانتباذ في الهندية (في الدباء والمزفت) تقدم تفسيرهما، قال الباجي(١): قال ابن حبيب: قال أهل العلم: إنما نهي عنه لئلا يعجل تغيير ما ينبذ فيها، قال ابن حبيب: فأخذ مالك بكراهية نبيذ الدباء والمزفت، لنهيه اَليات، والنهي يقتضي التحريم أو الكراهة. وذهب ابن حبيب إلى أنه منسوخ لحديث بريدة الأسلمي أن رسول الله وجل اله قال: ((كنت نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا واتقوا كل مسكر))، فإذا قلنا بالمنع من الانتباذ فيها، فمن اجترأ على ذلك جاز أن يشرب النبيذ ما لم يسكر، كتخليل الخمر، من اجترأ عليها، وخللها لم يحرم عليه شربها، وأما الجرار فقد روى أشهب عن مالك أنه أجاز نبيذ الجرار، وأما الحنتم فقد روى ابن حبيب عن مالك أنه أرخص فيه، وقد روى القاضي أبو محمد المنع منه على التحريم، انتهى مختصراً. وفي ((مختصر خليل)): من المكروه نبذٌ بكدباء، قال الدردير: أدخلت الكاف الحنتم والنقير والمقير، قال الدسوقي: تبع الشارح في ذلك تت، (١) ((المنتقى)) (١٤٨/٣). ٥٢٧ ٤٥ - كتاب الأشربة (٣) باب (١٥٦٥) حدیث واعترضه طفي قائلاً: الصواب قصر الكاف على إدخال المزفت فقط، وعدم إدخال الحنتم والنقير ليوافق مذهب ((المدونة)) و((الموطأ))، وإدخالهما يوجب إجراء كلام المصنف على غير المعتمد؛ لأنهما لا تعرف كراهتهما إلا من رواية ابن(١) حبيب فقط، وفي ((المواق)) عن ((المدونة)): لا ينبذ في الدباء والمزفت، ولا أكره غير ذلك من الفخار وغيره من الظروف، انتهى. وعلم من ذلك أن المعروف في مذهب الإمام مالك الكراهة على الدباء والمزفت فقط، ولذا أورد الروايتين فيهما دون غيرهما من الظروف. قال ابن رشد (٢): إنهم أجمعوا على جواز الانتباذ في الأسقية، واختلفوا فيما سواها، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كره الانتباذ في الدباء والمزفت، ولم يكره غير ذلك، وكره الثوري الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس في جميع الظروف والأواني، وسبب اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب، وذلك أنه ورد من طريق ابن عباس النهي عن الانتباذ في الأربع التي كرهها الثوري، وهو حديث ثابت، وروى مالك عن ابن عمر - رضي الله عنهما - في ((الموطأ)) النهي في الدباء والمزفت، وجاء في حديث جابر عن النبي وَ ج ◌ّر ((كنت نهيتكم أن تنبذوا في الدباء والحتم والنقير والمزفت، فانتبذوا ولا أُحِلُّ مسكراً)). وفي الباب عن أبي سعيد الخدري في ((الموطأ)) فمن رأى أن النهي المتقدم الذي نسخ، إنما كان نهياً عن هذه الأواني، إذ لم يعلم ههنا نهي متقدم غير ذلك قال: يحوز الانتباذ في كل شيء، ومن قال: إن النهي المتقدم الذي نسخ إنما كان نهياً عن الانتباذ مطلقاً قال بالنهي عن الانتباذ في هذه الأواني، (١) هذا يخالف ما تقدم في كلام الباجي من رواية ابن حبيب، فتأمل، ((ش)). (٢) ((بداية المجتهد)) (١ /٤٧٤). ٥٢٨ ٤٥ - كتاب الأشربة (٣) باب (١٥٦٥) حديث فمن اعتمد في ذلك، حديث ابن عمر قال بالآنيتين، ومن اعتمد حديث ابن عباس قال بالأربع، انتھی. وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب ترخيص النبي ◌ّير في الأوعية والظروف بعد النهي))، قال الحافظ(١): ذكر البخاري في الباب خمسة أحاديث؛ الأول حديث جابر، وهو عام في الرخصة، والثاني حديث عبد الله بن عمرو، وفيه استثناء المزفت، ولفظه: لما نهى النبي وَلّ عن الأسقية قيل للنبي وَلّى: ليس كل الناس يجد سقاء، فرخص لهم في الجر غير المزفت، والثالث حديث علي - رضي الله عنه - في النهي عن الدباء، والمزفت، والرابع حديث عائشة مثله، والخامس حديث عبد الله بن أبي أوفى في النهي عن الجر الأصغر. وظاهر صنيع البخاري أنه يرى أن عموم الرخصة مخصوص بما ذكر في الأحاديث الأخرى، وهي مسألة خلاف، فذهب مالك إلى ما دل عليه صنيع البخاري، وقال الشافعي والثوري وابن حبيب من المالكية: يكره ذلك ولا يحرم، وقال سائر الكوفيين: يباح. وعن أحمد روايتان، وقال الخطابي: ذهب الجمهور إلى أن النهي إنما كان أولاً ثم نسخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن هذه الأوعية باقٍ، منهم ابن عمر وابن عباس وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، كذا أطلق، والأول أصح، انتهى. وقال الموفق(٢): يجوز الانتباذ [في الأوعية] كلها وعن أحمد أنه كره الانتباذ في الأربعة؛ لأن النبي وَلـ نهى عن الانتباذ فيها، والصحيح الأول؛ لما روى بريدة أن رسول الله و 8* قال: ((كنت نهيتكم عن الأشربة أن لا تشربوا إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكراً))، رواه مسلم. وهذا دليل على نسخ النهي ولا حكم للمنسوخ، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٥٨/١٠). (٢) ((المغني)) (٥١٤/١٢). ٥٢٩ ٤٥ - كتاب الأشربة (٤) باب (٤) باب تحريم الخمر (٤) ما جاء في تحريم الخمر وقد تقدم في أول كتاب الأشربة أن الأئمة الثلاثة وجمهور المحدثين قالوا: إن كل مسكر خمر، لما ورد في بعض الروايات مثل ذلك، وقالت الحنفية: إن لفظ الخمر يختص بالنيّ من ماء العنب، قال الحافظ في ((الفتح))(١): وقد ذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين في دعواهم، أن اسم الخمر خاص بما يتخذ من العنب مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم. قال الرافعي: ذهب أكثر الشافعية إلى أن الخمر حقيقة فيما يتخذ من العنب مجاز في غيره، وخالفه ابن الرفعة، فنقل عن المزني وأكثر الأصحاب أن الجميع يسمى خمراً حقيقة، وأشار ابن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعي إلى الأكثر لم يجد نقله عن الأكثر إلا في كلام الرافعي، ولم يتعقبه النووي في ((الروضة))، لكن كلامه في ((شرح مسلم)) يوافقه، وفي ((تهذيب الأسماء)» يخالفه، وقد نقل ابن المنذر عن الشافعي ما يوافق ما نقل عن المزني، فقال: قال إن الخمر من العنب ومن غير العنب عمر وعلي وابن عمر وغيرهم، ومن التابعين ابن المسيب والحسن وآخرون، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث. ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المتخذ من العنب حقيقة، أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى، أراد الحقيقة اللغوية، وقد أجاب بهذا ابن عبد البر، وقال: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي، انتهى. قال الباجي: مذهب مالك والشافعي أن اسم الخمر يقع على كل شراب (١) ((فتح الباري)) (٤٩/١٠). ٥٣٠ ٤٥ - كتاب الأشربة (٤) باب (١٥٦٦) حديث ٩/١٥٦٦ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه عَنِ الْبِشْعِ؟ مسكر من عنب كان أو غيره، وقال أبو حنيفة: إنما الخمر اسم المسكر من عصير العنب ما لم يطبخ الطبخ المذكور، انتهى. ٩/١٥٦٦ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن عائشة) أم المؤمنين (زوج النبي ◌َّلير أنها قالت: سئل) ببناء المجهول (رسول الله وَ﴿) قال الحافظ في ((الفتح))(١): لم أقف على اسم السائل في حديث عائشة صريحاً، لكني أظنه أبا موسى الأشعري، ففي مغازي البخاري عن أبي موسى أن النبي ◌َّر بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: ((ما هي؟)) قال: البتع والمزر، فقال: ((كل مسكر حرام))، انتھی . (عن البتع) بكسر الموحدة وتفتح، وسكون المثناة الفوقية وقد تفتح، وعين مهملة، هو شراب العسل، وكان أهل اليمن يشربونه كما في رواية شعيب عن الزهري عند البخاري، قال أبو عمر: بلا خلاف عند أهل الفقه واللغة أعلمه في ذلك. وترجم البخاري في ((صحيحه))، (باب الخمر من العسل وهو البتع)) وذكر فيه حديث شعيب المذكور، قال الحافظ (٢): ظاهره أن التفسير من كلام عائشة، ويحتمل أن يكون من كلام دونها، وفي رواية لأبي داود التصريح بأن تفسير البتع مرفوعٌ إلى النبيِ وَ س 1، ولفظه سألت رسول الله وَّل عن شراب من العسل، فقال: ((ذلك البتع))، الحديث. (١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٤٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٠/ ٤٢). ٥٣١ ٤٥ - كتاب الأشربة (٤) باب (١٥٦٦) حديث قال الباجي(١): سئل رسول الله وَ له عن البتع حسب ما كانوا يسألونه عما يشكون من تحريم أو تحليل أو وجوب أو غير ذلك، وذلك أنه نزل تحريم الخمر، وعلموا تحريمها بنص الكتاب، فسألوا عما يقع عليه هذا الاسم ليعلموا أن الذي ورد من ذلك محمول على عمومه أو مخصوص ببعض ما يتناوله اللفظ، فإن قيل: لو كان اسم الخمر يقع على البتع وغيره من الأشربة لما سألت العرب عن البتع، لأن البتع هو الخمر؟ فالجواب عنه من وجهين(٢): أحدهما: لأنه يحتمل أن يسأل عن ذلك من لم يبلغه تحريم الخمر، وإن بلغه تحريم النبيذ، أو بلغه تحريم الخمر باسم خاص مثل أن بلغه تحريم خمر العنب أو تحريم خمر التمر. والوجه الثاني: أن يكون نوع من الخمر غالباً على بلد من البلاد، فيكون خمر التمر غالباً على بلدٍ ما، وخمر الذرة أغلب في بلد آخر، فإذا أطلق لفظ الخمر في ذلك البلد كان أظهر فيما هو الأغلب عندهم لكثرة استعمالهم فيه دون غيره، فيسأل أهل كل بلد عن غير ما هو الأغلب عندهم لتجويز أن يكون الحكم مقصوراً على ما هو الأغلب عندهم. والوجه الثالث: أن الحكم ورد أولاً على سبب، فظن السائل أن يكون الحكم مقصوراً على سببه. والوجه الرابع: أن يسأل عن ذلك من سمع تحريم الخمر فجوز عليه التخصيص، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٥١/٣). (٢) كذا في الأصل وذكر في التفسير أربعة ((ش)). ٥٣٢ ٤٥ - كتاب الأشربة (٤) باب (١٥٦٦) حديث فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابِ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)). أخرجه البخاريّ في: ٧٤ - كتاب الأشربة، ٤ - باب الخمر من العسل وهو البتع. ومسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ٧ - باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام حديث ٦٧ و٦٨. (فقال) وَلّ على طريق جوامع الكلم (كل شراب أسكر فهو حرام) قال في ((الفتح)) (١): يؤخذ من لفظ السؤال أنه وقع عن حكم جنس البتع، لا عن القدر المسكر منه؛ لأن السائل لو أراد ذلك لقال: أخبرني عما يحلُّ منه، وما يحرم، وهذا هو المعهود من لسان العرب إذا سألوا عن الجنس، قالوا: هل هذا نافع أو ضارٌّ؟ مثلاً، وإذا سألوا عن القدر، قالوا: كم يؤخذ منه؟ انتهى. قال الباجي(٢): فيه دليل على أنه أجاب عن الجنس لا عن القدر من وجهين: أحدهما: أنه سئل عن البتع، ولم يسأل عن مقدار منه، فلما جاوب عن السؤال اقتضى ذلك جوابه عنه، والوجه الثاني: أنه إنما سئل عن جنس شراب هل هو حرام أو حلال؟ ولو سئل عن أبعاضه ومقاديره لقال: ما يحل منه وما يحرم، فلما كان السؤال عن جنسه كان جوابه وم 18 ((كل شراب أسكر)) يقتضي الجواب عن أجناس الشراب ليكون مقابلاً للسؤال، ولو أراد الإخبار عن المقدار، لقال: كل مقدار أسكر فهو حرام، انتهى مختصراً. وأنت خبير بأنه قوله وَالر: ((ما أسكر)) يحتمل الجنس والقدر معاً، بل هو في الثاني أوضح، فلو أراد الأول لقال لمن سأله عن البتع ((هو حرام))، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ﴾(٣) الآية، ولما كان في البتع علة النهي السكر علّق الحكم عليه، فقال: ((ما أسكر فهو حرام)). (١) ((فتح الباري)) (٤٢/١٠). (٢) ((المنتقى)) (١٥١/٣). (٣) سورة البقرة: الآية ٢١٩. ٥٣٣ ٤٥ - كتاب الأشربة (٤) باب (١٥٦٧) حديث ١٠/١٥٦٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارَ؛ وذكر الطحاوي قوله وقال: ((كل مسكر حرام)) بعدة روايات. ثم قال(١): ذهب قوم إلى أن حرموا قليل النبيذ وكثيره، واحتجُوا بهذه الآثار، وخالفهم آخرون فأباحوا من ذلك ما لا يسكر، وحرموا الكثير الذي يسكر، وكان من الحجة لهم أن هذه الآثار قد رويت عن جماعة من الصحابة، لكن تأويلها يحتمل أن يكون كما ذهب إليه من حرم قليل النبيذ وكثيره، ويحتمل أن يكون على المدار الذي يسكر منه شاربه خاصة، فلما احتملت هذه الآثار كل واحد من هذين التأويلين نظرنا فيما سواهما ليعلم به أيّ المعنيين أريد بما ذكرنا فيها، فوجدنا عمر بن الخطاب وهو أحد النفر الذين رووا عن رسول الله عمر أنه قال: ((كل مسكر حرام))، قد روي عنه في إباحة القليل من النبيذ الشديد. ثم ذكر الآثار الدالة على ذلك عن عمر وابن عمر وأبي مسعود وغيرهم؛ فارجع إليه لو شئت، ويؤيد ذلك ما رواه النسائي وغيره برجال ثقات عن ابن عباس مرفوعاً ((حرمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب))، وما أوردوا عليه من أن الصواب فيه المسكر لا يضر من احتجّ به، فإن تفريقه وَل بين الخمر وغيره من المسكرات دليل واضح على اختلاف حكمهما، وإلا فأيُّ وجهٍ فَرَّقَ به النبيُّ نَّهِ بينهما. ١٠/١٥٦٧ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) مرسلاً، قال ابن عبد البر: ذكر ابن شعبان أن ابن القاسم أسنده عن مالك، فقال: عن ابن عباس، والذي عندنا في ((موطأ ابن القاسم)) مرسلا كالجماعة، وإنما أسنده ابن وهب وحده عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس، قاله الزرقاني(٢)، (١) ((شرح معاني الآثار)) (٣٢٦/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧٠/٤). ٥٣٤ ٤٥ - كتاب الأشربة (٤) باب (١٥٦٧) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ سُئِلَ عَنِ الْغُبَيْرَاءِ؟ فَقَالَ: ((لَا خَيْرَ فِيهَا)) وَنَهى عَنْهَا . قَالَ مَالِكٌ: فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ: مَا الْغُبَيْرَاءُ؟ فَقَالَ: هِيَ الْأُسْكَرْكَةُ. وفي ((التنوير)) (١) عن ابن عبد البر قال: ما علمت أحداً أسنده عن مالك إلا ابن وهب، انتهى. (أن رسول الله وَهُ سُئِل) ببناء المجهول (عن الغبيراء؟) بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية فراء فألف ممدودة، نبيذ الذرة، وقيل: نبيذ الأرز، وبه جزم أبو عمر، قاله الزرقاني، وقال أيضاً: وفي الحديث: ((إياكم والغبيراء، فإنها خمر الأعاجم)) قال أبو عبيد: هي ضرب من الشراب يتخذه الحبشة من الذرة يسكر، ويقال لها: السكركة، انتهى. وفي ((المحلى)) سميت الغبيراء لما فيه من الغبرة، انتهى، (فقال) رسول الله وَليقول (لا خير فيها) لأنها مسكرة (ونهى عنها) قال الزرقاني: تحريماً، انتهى. وقد عرفت فيما سبق اختلافهم في ذلك. (قال مالك: فسألت) شيخي (زيد بن أسلم) الراوي (ما الغبيراء؟ فقال) زيد (هي السكركة) قال الباجي(٢): وفي جواب زيد بن أسلم لمالك دليل على أن الأسْگرْکُ کانت معلومة عندهم، انتھی. قلت: واختلفت نسخ ((الموطأ)) في هذه اللفظة، واختلف شراحه في ضبطها، ففي جميع النسخ الهندية: السُكُرْكَةُ، قال صاحب ((المحلى)): بضم السين والكاف الأولى وسكون الراء: نوع من الخمور يتخذ من الذرة، كذا في ((النهاية)). وقال الجوهري: هي خمر الحبش، وقد عُرِّبَتْ، وقيل: هي نبيذ الأرز، انتهى. (١) ((تنوير الحوالك)) (ص٦١٥). (٢) ((المنتقى)) (١٥٢/٣). ٥٣٥ ٤٥ - كتاب الأشربة (٤) باب (١٥٦٨) حديث ١١/١٥٦٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَلهِ قَالَ: ((مَنْ شَرِبَ الْخَمَّرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمَّ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ». أخرجه البخاريّ في: ٧٤ - كتاب الأشربة، ١ - باب قول الله تعالى: ﴿إِنََّا اَْتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ﴾، ومسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ٨ - باب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها. حديث ٧٦. وفي جميع النسخ المصرية الأشْكَركة بزيادة الألف في أوله، قال الزرقاني(١): بضم الهمزة وإسكان المهملة وكافين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وآخره هاء، وفي نسخة: السكركة بفتح السين وسكون الكاف الأولى وفتح الراء والكاف الثانية وبالهاء، انتهى. قال البيهقي في ((سننه))(٢): قال أبو عبيد، ومنها السكركة، وقد روي عن الأشعري التفسير فقال: إنه من الذرة، ثم أخرج عن أبي عبيد بسنده إلى صفوان بن محرز قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب، فقال: خمر المدينة من البسر والتمر، وخمر أهل فارس من العنب، وخمر أهل اليمن البتع، وخمر الحبش السكركة، انتهى. ١١/١٥٦٨ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله(وكالات) وبهذا السند أخرجه البخاري في ((صحيحه)) برواية عبد الله بن يوسف عن مالك (قال: من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها) أي عن شربها حتى مات، وفي لفظ ((ثم)) إشعار بأن تراخي التوبة لا يمنع قبولها ما لم يغرغر، وليست المبادرة إلى التوبة شرطاً في قبولها، كذا في ((الفتح))(٣). (حرمها) بضم الحاء المهملة وكسر الراء الخفيفة من الحرمان (في الآخرة) (١) ((شرح الزرقاني)) (١٧١/٤). (٢) ((السنن الكبرى)) (٢٩٥/٨). (٣) (فتح الباري)) (٣٣/١٠). ٥٣٦ ٤٥ - كتاب الأشربة (٤) باب (١٥٦٨) حديث زاد مسلم عن القعنبي عن مالك في آخره ((لم يسقها))، وله من طريق أيوب عن نافع بلفظ: ((فمات وهو مُدْمِنُها، لم يشربها في الآخرة)). قال الخطابي والبغوي في ((شرح السنة)): معنى الحديث لا يدخل الجنة؛ لأن الخمر شراب أهل الجنة، فإذا حرم شربها دلّ على أنه لا يدخلها، قال ابن عبد البر: هذا وعيدٌ شديدٌ يدل على حرمان دخول الجنة؛ لأنه تعالى أخبر أن في الجنة أنهار الخمر، لذةً للشاربين، فلو دخلها وقد علم أن فيها خمراً، وأنه حرمها عقوبة، لزم وقوع الهم والحزن في الجنة، ولا هم فيها ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودها في الجنة، ولا أنه حرمها عقوبةً له، لم يكن عليه في فقدها ألم، فلذا قال بعض من تقدم: إنه لا يدخل الجنة أصلاً، قال: وهو مذهب غير مرضي، فيحمل الحديث عند أهل السنة على أنه لا يدخلها إلا إن عفا الله عنه، كما في بقية الكبائر. فعلى هذا معنى الحديث جزاؤه في الآخرة أن يحرمها لحرمانه دخول الجنة إلا إن عفا الله عنه، قال: وجائز أن يدخل الجنة بالعفو، ثم لا يشرب فيها خمراً، ولا تشتهيها نفسه، وإن علم بوجودها فيها، ويؤيده حديث أبي مسعود مرفوعاً: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو)) أخرجه الطيالسي، وصححه ابن حبان. وزاد عياض احتمالاً آخر، وهو أن المراد بحرمانه أنه يحبس عن الجنة مدة أراد الله عقوبته. قال: ومن قال: لا يشربها في الجنة بأن ينساها أو لا يشتهيها يقول: ليس عليه في ذلك حسرة، ولا يكون ترك شهوته إياها عقوبة في حقه، بل هو نقص نعيم بالنسبة إلى من هو أتم منه نعيماً كما تختلف درجاتهم، وقال ابن العربي: ظاهر الحديثين أنه لا يشرب الخمر في الجنة ولا يلبس الحرير، وذلك لأنه استعجل ما أمر بتأخيره، كالوارث إذا قتل مورثه، فإنه يحرم ميراثه ٥٣٧ ٤٥ - كتاب الأشربة (٥) باب (١٥٦٩) حديث (٥) باب جامع تحريم الخمر ١٢/١٥٦٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ؛ لاستعجاله، وبهذا قال نفر من الصحابة والعلماء، وهو موضع احتمال، وموقف إشكال، كذا في ((الفتح))(١) . قال الزرقاني(٢): قال الحافظ: وأعدل الأقوال أن الفعل المذكور يقتضي العقوبة المذكورة، وقد يتخلف ذلك لمانع كالتوبة، والحسنات التي توزن، والمصائب التي تكفر، وكدعاء الولد، وكذا شفاعة من يؤذن له في الشفاعة، وأعمُّ من ذلك کله عفو أرحم الراحمین، انتھی. وأفاد شيخ مشايخنا الكنگوهي - قدس سره - في ((الكوكب))(٣): إنما هو إذا استحلَّها؛ لأنه إذا أدمنها فكثيراً ما لا يبقى في قلبه حرمتها، أو النفي غير مؤبد أي لم يشربها إلى حين انقضاء أيام الجزاء الذي قدر له، إلى آخر ما بسطه . (٥) جامع تحريم الخمر هكذا في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، وليست هذه الترجمة في النسخ الهندية، ولافاقة إلى هذه الترجمة ولا مانع عن وجودها، فالمعنى على وجودها الروايات المتفرقة بالخمر. ١٥٦٩/ ١٢ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن ابن وعلة) بفتح الواو وسكون العين المهملة، اسمه عبد الرحمن (المصري) وفي رواية ابن وهب عن (١) ((فتح الباري)) (٣٢/١٠). (٢) (شرح الزرقاني)) (١٧١/٤). (٣) ((الكوكب الدري)) (٣١/٢). ٥٣٨ ٤٥ - كتاب الأشربة (٥) باب (١٥٦٩) حديث أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟ مالك عن زيد عن عبد الرحمن بن وعلة السبائي من أهل مصر، أخرجها مسلم في ((صحيحه))، والبيهقي في ((سننه)) (أنه سأل عبد الله بن عباس عما) أي عن بيع ما (يعصر) ببناء المجهول (من العنب) وهي الخمر. قال الباجي(١): سؤاله عما يعصر يحتمل معنيين: أحدهما: أن يسأل عن جميع أنواع العصير من حين يعصر إلى أن ينتهي في آخر أحواله، وذلك أن للعصير أربعة أحوال: أحدها: حين يعصر قبل أن ينش، والثانية: إذا نش قبل أن يسكر، والثالثة: إذا أسكر، والرابعة: إذا صار خلاً، أما الأولى: وهي حال حلاوته قبل أن ينش، فإنه حلال، لا خلاف فيه إلا أن يدخل عليه ما يغير حكمه، فقد قال ابن حبيب: نهي عن شرب العصير الذي عصر في المعاصر التي تردد العصر فيها، وإن كان ساعة عصر لما يبقى في أسفلها خوفاً أن يكون قد اختمر، ولا شك أن بقايا ثفلها في أسفلها تختمر، فتصير خمراً، ثم يلقى عليه عصير، فيختلط به فيفسد جميعه؛ لأن قليل الخمر يخالط كثيراً مما یشرب، فیحرم کله. أما إذا نش، فإن مالكاً - رضي الله عنه - لا يراه حراماً حتى يسكر، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا نش فقد حرم، ولنا قوله وَلّ: ((كل شراب أسكر فهو حرام))، فعلق اسم التحريم بالإسكار دون الغليان، وأيضاً جعل الإسكار علة للتحريم، ومحال أن يكون الغليان علة له، فيترك التعليل به، ويعلل بغيره، وإذا أسكر فلا خلاف في تحريمه قليله وكثيره. وإن صارت خلاً، فلا تخلوا أن تصير خلاً بمعالجة أو بنفسها، وفي الأول روايتان عن مالك: الإباحة والمنع، ولا خلاف في إباحة الثاني، انتهى. مختصراً. ولم يذكر المعنى الثاني من المعنيين الذين ذكرهما في أول كلامه، (١) ((المنتقى)) (١٥٣/٣). ٥٣٩ ٤٥ - كتاب الأشربة (٥) باب (١٥٦٩) حديث فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَهْدَى رَجُلٌ والظاهر أن المعنى الثاني عند الباجي السؤال عن نوع خاص عنه، وهو النوع الثالث عند المالكية من الأنواع التي ذكرها الباجي، والأوجه عندي أن السؤال كان عن بيع الخمر خاصة، كما سيأتي قريباً من رواية أحمد. (فقال ابن عباس: أهدى رجل) هو كيسان الثقفي كما رواه أحمد من حديثه، قاله الزرقاني(١)، قلت: وقد أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) (٢) بسنده إلى نافع بن كيسان أن أباه أخبره أنه كان يتّجر بالخمر في زمن النبي بَّ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى رسول الله وَله فقال: يا رسول الله إني جئتك بشراب جيد، فقال رسول الله وَله: يا كيسان إنها قد حرمت بعدك، قال: أفأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله وَله: إنها قد حرمت وحرم ثمنها، فانطلق كيسان إلى الزقاق، فأخذ بأرجلها ثم أهراقها . قال الحافظ في ((الإصابة))(٣): كيسان بن عبد الله بن طارق نسبه البخاري ومن تبعه، قال ابن السكن: سكن الطائف روى عنه ابنه نافع، روى أحمد والبغوي والروياني من طريق ابن لهيعة عن سليمان عن نافع بن كيسان الدمشقي أن أباه كيسان أخبره فذكر بنحو ما تقدم عن المسند، ثم ذكر له متابعات. وقال الحافظ في ((الفتح)) (٤): روى أحمد من طريق عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر فقال: كان لرسول الله وَل#ل صديق من ثقيف أو دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمرٍ يهديها إليه، فقال: يا فلان أما علمت أن الله قد حرمها، فأقبل الرجل على غلامه، فقال: بعها، فقال: إن (١) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ١٧٢). (٢) (٣٣٥/٤). (٣) (٣١٦/٥/٣). (٤) ((فتح الباري)) (٢٧٩/٨). ٥٤٠