النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٢) حدیث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَسْرِقُ مِراراً ثُمَّ يُستَعْدَى عَلَيْهِ، قليلاً حتى جاء قد قطعت يده، فلما رآه أبو بكر فاضت عيناه قال: ما شأنك؟ قال: ما زدت على أنه كان يوليني شيئاً من عمله، فخنته فريضة واحدة، فقطع يدي، فقال أبو بكر: تجدون الذي قطع هذا يخون عشرين فريضة، إن كنت صادقاً لأفتدينك منه(١). ثم أدناه فكان الرجل يقوم الليل، فيقرأ فإذا سمع أبو بكر صوته قال: تالله لرجل قطع هذا لقد اجترأ على الله، فلم يعبر إلا قليلاً حتى فقد آل أبي بكر حلياً لهم ومتاعاً، فقام الأقطع، فاستقبل القبلة، ورفع يده الصحيحة، والأخرى التي قطعت فقال: اللَّهم أظهر على من سرقهم، وكان معمر ربما قال: اللَّهم أظهر على من سرق أهل هذا البيت الصالحين، فما انتصف النهار حتى عثروا على المتاع عنده، فقال أبو بكر: ويلك إنك لقليل العلم بالله، فأمر به فقطعت رجله، وقال ابن أبي شيبة عن الأوزاعي عن الزهري قال: انتهى أبو بكر في قطع السارق إلى اليد والرجل، انتهى. قلت: هكذا ذكر ابن التركماني تبعاً (للاستذكار))، رواية عبد الرزاق عن معمر بخلاف ما تقدم قريباً عن الحافظ ابن حجر تبعاً للزيلعي، والصواب ما في ((الاستذكار)) فإن القصة في أصل ((مسند عبد الرزاق)) (٢) التي بأيدينا توافق رواية ((الاستذكار)) من أنه قطعت يده أولاً، وقطع أبو بكر - رضي الله عنه . رجله آخراً . (قال مالك: الأمر) المحقق (عندنا) بالمدينة المنورة (في) الرجل (الذي يسرق مراراً) قبل إقامة الحد عليه (ثم يستعدى عليه) ببناء المجهول يقال: استعديت الأمير على فلان، فأعداني، أي استعنت عليه فأعانني، والاسم منه (١) كذا في الأصل، والظاهر لأقيدنك منه. ((ش)). (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٨٧٧٤). ٤٤١ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٢) حديث إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ. لِجَمِيعِ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ. إذَا لَمْ يَكُنْ أَقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. فَإِنْ كَانَ قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَبْلَ ذُلِكَ، ثُمَّ سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، قُطِعَ أَيْضاً. العدوى، وهي المعونة، كذا في ((مختار الصحاح)) (إنه) الضمير للشأن (ليس عليه) أي على السارق المذكور (إلا أن تقطع) ببناء المجهول (يده) الواحدة (بجميع) بالموحدة في النسخ الهندية واللام في المصرية (من سرق منه) أي لجميع سرقاته؛ لأن حد القطع الله تعالى، لا لمن سرق منهم، وإلا لجاز عفوهم إذا بلغ الإمام، قاله الزرقاني. وهذا أي القطع الواحد (إذا لم يكن أقيم عليه الحد) قبل ذلك (فإن كان قد أقيم عليه الحد قبل ذلك) لسرقة (ثم سرق) بعد ذلك (ما يجب فيه القطع) مفعول سرق (قطع أيضاً) جزاء لقوله: فإن كان. قال الباجي(١): معناه أنه لا يقطع له إلا يد واحدة، وإن سرق مائة مرة، لواحد أو لجماعة قبل أن يقطع، فإن قطع يده يجزئ عن ذلك كله، وإن قطعت يده لسرقة شيء واحد أو أشياء كثيرة، ثم سرق بعد ذلك، فإنه يقطع أيضاً كشارب الخمر يشرب مائة مرة، فلا يجلد عليه إلا حد واحد، ثم إن جلد لشرب مرة أو مراراً فإنه يستأنف حدُّه، فيجلد كما جلد أول مرة، انتهى. كذا في الأصل، والمعنى يستأنف الحد إذا شرب بعد الجلد. قال الموفق(٢): إذا سرق مرات قبل القطع أجزأ قطع واحد عن جميعها، وتداخلت حدودها؛ لأنه حدٍّ من حدود الله، فإذا اجتمعت أسبابه تداخل كحد الزنا، وذكر القاضي فيما إذا سرق من جماعة، وجاءوا متفرقين، رواية أخرى، أنها لا تتداخل، ولعله يقيس ذلك على حد القذف، والصحيح أنها تتداخل، (١) ((المنتقى)) (١٦٨/٧). (٢) («المغني)) (١٢/ ٤٤٣). ٤٤٢ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث ١١/١٥٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَامِلاً لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ نَاساً في حِرَابَةٍ . لأن القطع خالص حق الله، فتتداخل كحد الزنا والشرب، وفارق حد القذف فإنه حق لآدمي، ولهذا يتوقف على المطالبة باستيفائه، ويسقط بالعفو عنه. فأما إن سرق فقطع ثم سرق ثانياً قطع ثانياً، سواء سرق من الذي سرق منه أو لا، أو من غيره، وسواء سرق تلك العين التي قطع بها أو غيرها، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا قطع بسرقة عينٍ مرةً، لم يقطع بسرقتها مرة ثانية، واحتجّ بأن هذا يتعلق استيفاؤه بمطالبة آدمي، فإذا تكرر سببه في العين الواحدة لم يتكرر كحد القذف، ولنا أنه حدٌّ يجب بفعلٍ في عينٍ فتكرُّرُه في عين واحد، کتكرره في الأعيان کالزنا، انتهى. قلت: وحكى ابن حزم في ((المحلى)) عن الظاهرية بخلاف الأئمة الأربعة أنه يجب عليه الحد مستأنفاً لكل سرقة، ورجح هو بنفسه، بخلاف أصحابه أنه إن بلغ الإمام أو أميره مع قدرته على إقامة الحد، ثم سرق يستأنف الحد، ولا يجزئ عنه حد تقدم وجوبه، وإن لم يعلم الإمام بذلك، فيتداخل كل سرقة قبل ذلك وإن سرق ألف مرة، فإن علم الإمام بذلك استقَرَّ عليه الحد، ولا يتداخل ذلك بما سرق بعده وإن كان قبل إقامة الحد. ١١/١٥٥٣ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (أنه أخبره) وفي النسخ المصرية: مالك أن أبا الزناد أخبره أي مالكاً (أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز) لم يسم (أخذ ناساً في حرابة) بالحاء المهملة في جميع النسخ التي بأيدي من المتون والشروح، وضبطه في ((المحلى)) بكسر الحاء المهملة أي المحاربة وقطع الطريق. وقال الزرقاني(١): بكسر الحاء المهملة أي مقاتلة، وبخاء معجمة مكسورة (١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٠/٤). 1 ٤٤٣ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث أيضاً ضبط بهما بالقلم في نسخة صحيحة، ويقال: خرب بالمعجمة يخرب من باب قتل، خرابة بالكسر إذا سرق، لكن يؤيد الأول قوله: ((ولم يقتلوا)) إلخ لأن التخيير في القطع والقتل والصلب والنفي إنما هو في الحرابة بالإهمال، لا في الخرابة بالإعجام بمعنی السرقة، إذ لا قتل فيها ولا غيره سوى القطع، انتهى. وعلى الحرابة بالمهملة بنى الباجي شرحه والأصل في ذلك قوله عز اسمه: ﴿إِنَّمَا جَزَّاوُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنْفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الذُّنْيَا وَلَهُمْ فِ اُلَآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ (٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ واختلف أهل العلم فيما (٣٤) يتعلق بالآية، والأحكام المرتبة عليها في مسائل: الأولى: في أن الآية نزلت في الكفار أو في المسلمين، وترجم البخاري في (صحيحه)) ((كتاب المحاربين من أهل الكفر والرِدّة، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ الآية)). قال الحافظ(٢): قال ابن بطال: ذهب البخاري إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والرِدَّة، وممن قال ذلك الحسن وعطاء والضحاك والزهري، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يسعى في الأرض بالفساد، ويقطع الطريق، وهو قول مالك والشافعي والكوفيين، قال: وظاهر القرآن وما مضى عليه عمل المسلمين يدل على أن الحدود المذكورة في هذه الآية نزلت في المسلمين، وأما الكفار فقد نزل فيهم ﴿فَإِذَا لَقِئُهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِقَابِ﴾ الآية. وقال الموفق(٣): هذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت (١) سورة المائدة: الآية ٣٣. (٢) (فتح الباري)) (١٠٩/١٢). (٣) ((المغني)) (١٢/ ٤٧٣). ٤٤٤ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث في قُطَاع الطريق من المسلمين، وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحُكِي عن ابن عمر أنها نزلت في المرتدين، وحُكِي ذلك عن الحسن وغيره؛ لأن سبب نزولها قصة العرنيين، وكانوا ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الرعاة، قال أنس: فأنزل الله في ذلك الآية، أخرجه أبو داود(١)، والنسائي، ولأن محاربة الله ورسوله إنما تكون من الكفار، لا من المسلمين. ولنا قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها، ويسقط عنهم القتل والقطع في كل حال، والمحاربة قد تكون من المسلمين بدليل قوله تعالى في آية الربا: ﴿فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾ . والمسألة الثانية: أن جمهور العلماء بعد اتفاقهم على أن المراد منه اللص المحارب من المسلمين اختلفوا في تعريفه والشرائط الملحوظة فيه. وحكى الشيخ في ((البذل))(٢) عن ابن جرير: اختلف أهل العلم في المستحق باسم المحارب الذي يلحقه حكم هذه الآية، فقال بعضهم: هو اللص الذي يقطع الطريق وهو عطاء الخراساني وقتادة، وقال آخرون: هو اللص المجاهر بلصوصيته، المكابر في المصر وغيره، وممن قال ذلك الأوزاعي. وقال مالك: من حمل السلاح على المسلمين في مصر أو خلاء وكان ذلك منه على غير ثائرة كانت بينهم، ولا دخلٌ ولا عداوةٌ قاطعاً للسبيل والديار، وقال الوليد: سألت الليث وابن لهيعة، قلت: تكون المحاربة في دور المصر والمدائن والقرى؟ فقالا: نعم إذا هم دخلوا عليهم بالسيوف علانية أو ليلاً بالنيران، وهو قول الشافعي. (١) أخرجه أبو داود (٤٣٦٦)، والنسائي (٤٠٣٧). (٢) ((بذل المجهود)» (٣٨٨/١٧). ٤٤٥ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث وقال آخرون: المحارب قاطع الطريق، أما المكابر في الأمصار، فليس بالمحارب الذي له حكم المحاربين، وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه، انتھی . وفي ((المغنى))(١): الجملة أن المحاربين الذين تثبت لهم أحكام المحاربة تُعْتَبَرُ لهم شروطٌ ثلاثة، أحدها: أن يكون ذلك في الصحراء، فإن كان ذلك منهم في القرى والأمصار، فقد توقّف أحمد فيهم، وظاهر كلام الخرقي أنهم غير محاربين، وبه قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق؛ لأن الواجب يسمى حد قُطّاعِ الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء، ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالباً، فذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين، وقال كثير من أصحابنا: هو قاطع حيث كان، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور؛ لتناول الآية بعمومها كل محارب، ولأن ذلك إذا وجد في المصر كان أعظم خوفاً وأكثر ضرراً . والشرط الثاني: أن يكون معهم سلاح، فإن لم يكن معهم سلاح فهم غير محاربين، لأنهم لا يمتنعون ممن يقصدهم ولا نعلم في هذا خلافاً، فإن عرضوا بالعِصِيِّ والحجارة، فهم محاربون، وبه قال الشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: ليسوا محاربين لأنهم لا سلاح معهم، ولنا أن ذاك من جملة السلاح الذي يأتي على النفس والطرف، فأشبه الحديد. الشرط الثالث: أن يأتوا مجاهرةً، ويأخذوا المال قهراً، فأما إن أخذوه مختفين فهم سُرَّاقٌ، وإن اختطفوه، وهربوا فهم منتهبون، لا قطع عليهم، وكذلك إن خرج الواحد أو الاثنان على قافلة، فاستلبوا منها شيئاً فليسوا بمحاربين، لأنهم لا يرجعون إلى مَنَعَةٍ وقُوَّةٍ، وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم، فهم قطاع الطريق، انتهى. (١) «المغني)) (١٢ /٤٧٤). ٤٤٦ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث وقال النووي(١): تثبت أحكام المحاربة في الصحراء، وهل تثبت في الأمصار؟ فيه خلاف، قال أبو حنيفة: لا يثبت، وقال مالك والشافعي: يثبت، انتھی . وقال الدردير(٢): المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك أي لأجل عدم الانتفاع بالمرور فيها ولو لم يقصد أخذ مال السالكين، والمراد بالقطع الإخافة، لا المنع، وسواء كانت الطريق خارجة عن العمران أو داخلة كالأزقة، أو آخذ مال مسلم أو غيره ذمي ومعاهد على وجه يتعذّر معه الغوث، فإن كان شأنه عدم تعذره، فغير محارب بل غاصب. قال الدسوقي: قوله: لمنع سلوك خرج قطعها لطلب إمرةٍ أو لعداوةٍ بينهم كما يقع في بعض عسكر مصر مع بعضهم فليس بمحارب. وقوله: المراد بالقطع الإخافة أي من أخاف الناس في الطريق لأجل أن يمنعهم من السلوك فيها، وإن لم يقصد أخذ المال، بل قصد مجرد منع الانتفاع بالمرور فيها، سواء كان الممنوع فيها خاصاً كفُلانٍ أو كل مصري أو عاماً كما إذا منع كل أحد يمرّ فيها . وقوله: أو آخذ مال مسلم، والبضع أحرى من المال، فمن خرج لإخافة السبيل قصداً للغلبة على الفروج، فهو محارب أقبح ممن خرج لإخافة السبيل لأخذ المال، وصرح في ((المدونة)) بأنه إذا خرج بدون سلاح، بل خرج متلصصاً، لكنه أخذه مكابرة يكون محارباً، انتهى مختصراً. وفي ((البدائع))(٣): أما ركنه فهو الخروج على المارة لأخذ المال على (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١١/٦/ ١٥٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٣٤٨/٤). (٣) ((بدائع الصنائع)) (٦ /٤٧). ٤٤٧ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث سبيل المغالبة على وجه يمتنع المارّة عن المرور، وينقطع الطريق، سواء كان القطع من جماعة أو من واحد، بعد أن يكون له قوة القطع، وسواء كان القطع بسلاح أو غيره من العصا والحجر ونحوها، لأن انقطاع الطريق يحصل بكل من ذلك. ثم قال: وأن يكون في غير مصر، فإن كان في مصر لا يجب الحد، سواء كان القطع نهاراً أو ليلاً، وسواء كان بسلاح أو غيره، وهذا استحسان، وهو قولهما، والقياس أن يجب، وهو قول أبي يوسف، انتهى. والمسألة الثالثة: أنهم اختفلوا في الأحكام الأربعة في الآية هل هي على التخيير للإمام أو التنويع بأنواع قطع الطريق؟ قال الموفق(١): ذهبت طائفة إلى أن الإمام مُخَيَّر بين القتل والصلب والقطع والنفي، لأن ((أو)) يقتضي التخيير، وهذا قول ابن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن والنخعي وأبي ثور وداود، انتھی . قلت: والتخيير للإمام هو مذهب الإمام مالك وخلط كلام نقلة المذاهب في ذلك، والمحقق من مذاهب الأئمة الأربعة هو الذي نوردها عليك، وهو الصواب، إن شاء الله تعالى. فأما الإمام مالك فمذهبه في ذلك التخيير، قال الباجي(٢): إذا أخذوا قبل التوبة لزمهم الحد، وهو المذكور في الآية، قال ابن المواز وابن سحنون عن مالك: إن ذاك على التخيير، وقال أبو حنيفة والشافعي: على الترتيب، والدليل على ما نقوله الآية المذكورة، ولفظة ((أو)) ظاهرها التخيير، وإذا ثبت أنه تخيير، فإنه تخيير متعلق باجتهاد الإمام ومصروف إلى نظره، ومشورة الفقهاء بما يراه أتم للمصلحة وأذبُّ عن الفساد، قاله مالك في ((الموازية))، انتهى. (١) ((المغني)) (٤٧٦/١٢). (٢) ((المنتقى)) (١٧١/٧). ٤٤٨ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث قال الدردير(١): ندب للإمام النظر بالمصلحة، ولا يتعين عليه شيء بخصوصه، لأن ((أو)) في الآية للتخيير، فالأولى لذي التدبير من المحاربين القتل، ولذي البطش إذا لم يقتل أحداً القطع من خلاف، ولغيرهما ولمن وقعت منه الحرابة فلتة بلا قتل أحد النفي والضر بالاجتهاد، انتهى. وأما مسلك الإمام أحمد فالتنويع لا غير، قال الخرقي: فمن قتل منهم وأخذ المال قُتِل وإن عفا صاحب المال، وصلب حتى يشتهر، ومن قتل منهم ولم يأخذ المال قُتِلَ ولم يُصْلَبْ، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد، ثم حسمتا، وخُلِّي. وبسط الموفق (٢) في شرح هذا الكلام، ثم قال: وإذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً، فإنهم ينفون من الأرض، ويُروى عن ابن عباس أن النفي يكون في هذه الحالة، وهو قول قتادة والنخعي وغيرهما، ثم قال: فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم حدود الله تعالى، وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يُعْفى لهم عنها، ولا نعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾، فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح وغرام المال والدية لما لا قصاص فيه، انتهى. وهكذا مذهب الإمام الشافعي، وقال النووي(٣): قال الشافعي وآخرون: هي على التقسيم، فإن قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا، وإن قتلوا وأخذوا المال، (١) ((الشرح الكبير) (٣٥٠/٤). (٢) («المغني)) (١٢ / ٤٨٢). (٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٥٣/١١). ٤٤٩ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حدیث وَلَمْ يَقْتُلُوا أَحَداً. فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ أَوْ يَقْتُلَ. فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ أَخَذْتَ قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإن أخافوا السبيل، ولم يأخذوا شيئاً ولم يقتلوا، طُلِبُوا حتى يُعَزَّرَوا، وهو المراد بالنفي عندنا، قال أصحابنا: لأن ضرر هذه الأفعال مختلف، فكانت عقوباتها مختلفة، ولم یکن التخییر، انتهى. وأما عندنا الحنفية، ففي ((الهداية)) (١): إذا خرج جماعة ممتنعين أو واحد يقدر على الامتناع، فقصدوا قطع الطريق، فأخذوا قبل أن يأخذوا مالاً، ويقتلوا نفساً، حبسهم الإمام حتى يحدثوا توبة، وإن أخذوا مال مسلم أو ذميّ قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا قتلهم الإمام حدّاً، والأصل فيه الآية المذكورة، والمراد التوزيع على الأحوال وهي أربعة، هذه الثلاثة المذكورة، والرابعة إذا قتلوا وأخذوا المال، فالإمام بالخيار إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم أو صلبهم، وإن شاء قتلهم بلا صلب وقطع، وإن شاء صلبهم أحياء، ثم قتلهم، انتهى بزيادة من ((فتح القدير))(٢). قال صاحب ((العناية)): حاصله أن الإمام بالخيار في جمع العقوبتين بين قطع الأيدي والأرجل مع القتل أو الصلب، وبين القتل أو الصلب ابتداء من غير قطع الأيدي والأرجل، وكذلك للإمام الخيار عند اختيار ترك قطع الأيدي والأرجل بين القتل والصلب، وكان الخيار للإمام في موضعين، انتهى. (ولم يقتلوا) أي المحاربون المذكورون (أحداً فأراد) العامل المذكور (أن يقطع أيديهم أو يقتلهم) ولعله رأى التخيير في ذلك كمسلك الإمام مالك، ولذا أورده الإمام في ((الموطأ)) (فكتب) العامل (إلى عمر بن عبد العزيز) أمير المؤمنين (في ذلك) الأمر يستشيره أو يأخذ الإذن منه (فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: لو أخذت) بصيغة (١) (٣٧٥/١). (٢) انظر: ((فتح القدير)) (١٧٦/٥). ٤٥٠ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث بِأَيْسَرِ ذُلِكَ. قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَسْرِقُ أَمْتِعَةَ النَّاسِ. الَّتِي تَكُونُ مَوْضُوعَةً بِالْأَسْوَاقِ مُحْرَزَةً، قَدْ أَحْرَزَهَا أَهْلُهَا فِي أَوْعِيَتِهِمْ. وَضَمُّوا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ: الخطاب (بأيسر من ذلك) وفي النسخ المصرية بالإضافة بأيسر ذلك أي أهونه وهو النفي، لكان أحسن، فحذف جواب لو، أو هي للتمني، فلا فاقة إلى الجواب لها . قال الباجي(١): هذا يقتضي أن العامل رأى قتلهم أو قطع أيديهم، ولا يعلم ما بلغت حرابتهم، وكتب إليه عمر بن عبد العزيز لو أخذت بأيسر من ذلك على سبيل الحض والندب، لا على سبيل الإنكار، ويحتمل أن يكون عمر بن عبد العزيز قال ذلك، وقد علم أنهم أخذوا بأثر خروجهم قبل أن يخيفوا سبيلاً أو يقتلوا أحداً أو يأخذوا مالاً، وقد روى ابن المواز عن مالك فيمن هذه صفته لو أخذ بالأيسر، قال ابن القاسم: وهو الجلد، والنفي، انتھی . (قال مالك: الأمر عندنا) بالمدينة المنورة (في الذي يسرق أمتعة الناس التي تكون موضوعة بالأسواق) وإن لم تكن في الدكاكين (محرزة) بالنصب أي تكون محرزة بحرز مثلها، وأوضحه بقوله: (قد أحرزها أهلها) أي أصحاب الأمتعة (في أوعيتهم) التي كانت تحرز هذا المتاع في مثلها (وضموا بعضها) أي بعض الأمتعة (إلى بعض). قال الباجي(٢): يعني أنها وضعت في السوق على وجه الإحراز لها على ما يفعله من يقصد السوق، فينزل فيه من غير حانوت، فيضع متاعه في موضع، (١) ((المنتقى)) (١٧١/٧). (٢) ((المنتقى)) (١٧٥/٧). ٤٥١ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حدیث إِنَّهُ مَنْ سَرَقَ مِنْ ذُلِكَ شَيْئاً مِنْ حِرْزِهِ. فَبَلَغَ قِيمَتُهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ. فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ. كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ عِنْدَ مَتَاعِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. لَيْلاً ذُلِكَ أَوْ نَهَاراً . يتخذه لنفسه موضعاً وحرزاً لمتاعه يضعه فيه للبيع، وقد قال مالك في ((الموازية)): ما وضع في السوق للبيع من متاع، وإن كان على قارعة الطريق من غير حانوت ولا تحصين، فإنه يقطع من سرق منه، ووجه ذلك أن هذا موضع أحرز فيه متاعه کالحانوت، انتهى. (إنه من سرق من ذلك) المتاع المذكور (شيئاً من حرزه) الذي ذكر حاله (فبلغ قيمته) أي قيمة المسروق مقدار (ما يجب فيه القطع) وهو ثلاثة دراهم عند المالكية (فإن عليه) أي على السارق (القطع) إذ ذاك، وسواء (كان صاحب المتاع عند متاعه) إذ ذاك (أو لم يكن) عنده، وسواء في ذلك (ليلاً كان ذلك) الأمر (أو نهاراً) إذ لا فرق في السرقة عن الحرز بين كون المالك عنده أو كونه غائباً عنه، وكذلك لا فرق في السرقة في الليل والنهار. وتقدم في أول كتاب السرقة أن الأخذ من الحِرْزِ شرطُ القطع عند الجمهور، والحرز ما عُدَّ حرزاً للأشياء في العرف، وهو يختلف، ويتفاوت بأنواع الأشياء، وقد يقع فيه الاختلاف أيضاً، وتقدم قريباً عن ((الموازية)) أن ما وضع في السوق يُعَدُّ محرزاً عند مالك كما حكاه الباجي. وقال الموفق(١): إن كان الثوب بين يديه أو غيره من المتاع كبَزِّ البزازِين، وقماش الباعة، وخبز الخبّازين، بحيث يشاهده، ويَنْظُرُ إليه، فهو مُحْرَزٌ، وإن نام، أو كان غائباً عن موضع مشاهدته، فليس بمحرزٍ، وإن جعل المتاع في الغرائر، وعَلَّمَ عليها، ومعها حافظٌ يشاهدها، فهي محرزة وإلا فلا، انتھی. (١) ((المغني)) (٤٢٨/١٢). ٤٥٢ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الَّذِي يَسْرِقُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ. ثُمَّ يُوجَدُ مَعَهُ مَا سَرَقَ فَيُرَدُّ إِلَى صَاحِبِهِ: إِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ. قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تُقْطَعُ يَدُهُ، وَقَدْ أُخِذَ الْمَتَاعُ مِنْهُ، وَدُفِعَ إِلَى صَاحِبِهِ؟ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّارِبِ يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ، وَلَيْسَ بِهِ سُكْرٌ، فَيُجْلَدِ الْحَدَّ. وفي ((الهداية))(١): الحرز على نوعين: حرز لمعنى فيه كالبيوت والدور، وحرز بالحافظ كمن جلس في الطريق أو المسجد وعنده متاعه فهو محرز به، وفي المحرز بالمكان لا يعتبر الإحراز بالحافظ، لأنه محرزٌ بدونه وهو البيت، وإن لم يكن له باب أو كان وهو مفتوح، لأن البناء لقصد الإحراز، قال: ولا فرق بين أن يكون الحافظ مستيقظاً أو نائماً والمتاع تحته أو عنده، انتهى. (قال مالك في الذي يسرق) شيئاً يصل قيمته إلى النصاب أي مقدار (ما يجب عليه فيه القطع) وهو ثلاثة دراهم عند الإمام مالك (ثم يوجد) ببناء المجهول (معه ما سرق) أي يوجد المال المسروق عند السارق (فيرد) ببناء المجهول أي المال المذكور (إلى صاحبه) أي مالكه، فقال مالك: (إنه تقطع يده) أي يد السارق حينئذٍ أيضاً، ولا يسقط القطع عنه برد المال إلى المالك. (فإن قال قائل) أي أورد معترض (كيف تقطع يده و)الحال أنه (قد أخذ) ببناء المجهول (المتاع منه ودفع إلى صاحبه) أي مالكه، فلما بلغ المال إلى مالكه ينبغي أن يسقط ذلك الحد عن السارق، فأجاب الإمام عن الإيراد المذكور بقوله: (فإنما هو) أي السارق (بمنزلة الشارب) للخمر (يوجد منه ريخ الشراب المُسْكِر) الذي يُحَدُّ بشربه (وليس به) أي بالشارب (سکر) حينئذٍ لاعتياده ذلك مثلاً، فلا يسكره (فيجلد الحد) بشربه لكونه موجباً للحد، وإن لم يسكره لاعتياده. (١) (٣٦٧/١). ٤٥٣ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث قَالَ: وَإِنَّمَا يُجْلَدُ الحَدَّ فِي الْمُسْكِرِ إِذَا شَرِبَهُ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْهُ. وذُلكَ أَنَّهُ إِنَّمَا شَرِبَهُ لِيُسْكِرَهُ. فَكَذْلِكَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي السَّرِقَةِ الَّتي أُخِذَتْ مِنْهُ. وَلَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا. وَرَجَعَتْ إلَى صَاحِبِهَا. وَإِنَّما سَرَقَهَا حِينَ سَرَقَهَا لِيَذْهَبَ بِهَا. ثم شرع في توضيح جوابه بقوله (قال) مالك، وفي ((المحلى)): شرع من ههنا جواب القائل، وليس كذلك عندي، بل أجاب عنه عندي بقوله: فإنما هو بمنزلة السارق. ومن ههنا شرع في توضيح الجواب المذكور (وإنما يجلد الحد في المسكر) الذي وجب الحد (إذا شربه وإن لم يسكره) لعارض الاعتياد (وذلك) أي وجه إقامة الحد عليه مع عدم سكره (أنه إنما شربه ليسكره) وعدم تمتعه بالسكر لا يدفع عنه الحدَّ. (فكذلك تقطع يد السارق في السرقة) الموجبة للحد (التي أخذت منه ولم ينتفع) السارق (بها) زاد في النسخ المصرية لفظ (لو)) قبل قوله: لم ينتفع، والأوجه عندي حذفها؛ لأنه بيان لقوله: ((أخذت منه))، وعلى وجودها فهو وصلية (وإن رجعت) كذا في الهندية، وليس في المصرية لفظ ((إن)) وعلى وجودها فهي وصلية، أي وإن رجعت السرقة (إلى صاحبها و)وجه إيجاب الحد عليه أنه (إنما سرقها حين سرقها ليذهب بها). قال الزرقاني(١): فحاصل جوابه أنه لا يشترط في قطع السرقة الانتفاع بالفعل، بل مجرد القصد والخروج من الحرز كاف، كما أنه لا يشترط في حد الشرب السكر بالفعل بل تعاطيه، وإن لم يسكر، انتهى. وهذا كله على مسلك الإمام مالك - رضي الله عنه -، والمسألة خلافية عند الأئمة، قال صاحب ((الهداية))(٢): من سرق سرقة فردّها على المالك قبل (١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٠/٤). (٢) (٣٧١/١). ٤٥٤ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الْقَوْمِ يَأْتُونَ إِلَى الْبَيْتِ، فَيَسْرِقُونَ مِنْهُ جَمِيعاً. فَيَخْرُجُونَ بِالْعِدْلِ يَحْمِلُونَهُ جَمِيعاً. أَوِ الصُّنْدُوقِ أَوِ الْخَشَبَةِ أَوِ بِالْمِكْتَلِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ. مِمَّا يَحْمِلُهُ الْقَوْمُ جَمِيعاً: إِنَّهُمْ إِذَا أَخْرَجُوا ذُلِكَ مِنْ حِرْزِهِ وَهُمْ يَحْمِلُونَهُ جَمِيعاً. فَبَلَغَ ثَمَنُ مَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ذُلِكَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ. وَذُلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَصَاعِداً. فَعَلَيْهِمُ الْقَطْعُ جَمِيعاً. الارتفاع إلى الحاكم لم يقطع، وعن أبي يوسف يقطع اعتباراً بما إذا ردّه بعد المرافعة، وجه الظاهر - أي ظاهر الرواية وهي الأولى -، أن الخصومة شرط لظهور السرقة، وقد انقطعت بخلاف ما بعد المرافعة لانتهاء الخصومة لحصول مقصودها، انتهى. (قال مالك في القوم) أي في جماعة (يأتون إلى البيت) وغيره من الحرز (فيسرقون منه) أي من البيت (جميعاً) أي مجتمعين (فيخرجون بالعدل) بكسر العين وسكون الدال المهملتين، الحمل من الأمتعة وغيرها (يحملونه جميعاً أو) يخرجون (الصندوق) بضم الصاد وتفتح والزندوق والسندوق لغاتٌ، جمعه صناديق (أو) يخرجون جميعاً (الخشبة) الثقيلة التي يحتاج لحملها الجماعة. وتكون مما يجب القطع بسرقتها كالساج والآبنوس (أو المكتل) بكسر ميم وسكون كاف وفتح المثناة الفوقية، الزنبيل، وهو ما يُعْمَل من الخوص، يحمل فيه التمر وغيره (أو ما يشبه ذلك) الذي ذكر من الأشياء (مما يحمله القوم جميعاً) أي مجتمعة، فقال مالك في الصورة المذكورة: (إنهم) بكسر الهمزة (إذا أخرجوا ذلك) أي الشيء المسروق (من حرزه وهم) أي الجماعة (يحملونه جميعاً) أي مجتمعة (فبلغ ثمن ما خرجوا به من ذلك) وثمن فاعل بلغ، ومفعوله (ما يجب فيه القطع) وفسره بقوله: (وذلك ثلاثة دراهم فصاعداً) أي زائداً من الثلاثة، فإن العبرة في الثمن عند الإمام مالك لثلاثة دراهم كما تقدم في محله (فعليهم) أي القوم المذكورين (القطع جميعاً) ٤٥٥ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث قَالَ: وَإِنْ خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَتَاعٍ عَلَى حِدَتِهِ، فَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ بِمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِداً، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ بِمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ. أي يقطع يد كل واحد منهم لأنهم كلهم اشتركوا في إخراجه من الحرز. (قال) مالك: (وإن خرج) ببناء المجرد في جيمع النسخ (كل واحد منهم بمتاع) يتعلق بخرج (على حدته) بكسر المثناة أي منفرداً (فمن خرج منهم بما) أي بمقدار ما (تبلغ قيمته ثلاثة دراهم فصاعداً فعليه القطع) لبلاغ سرقته حد النصاب (ومن لم يخرج بما تبلغ قيمته ثلاثة دراهم فلا قطع عليه) لنقص سرقته عن حد النصاب. والحاصل أنهم إذا أخرجوا الشيء مجتمعة، وبلغ قيمته حد النصاب فالقطع عليهم جميعاً، وإن أخرجوه متفرقين، فالقطع على من بلغ قيمة سرقته حد النصاب دون من لم يبلغ قيمة سرقته النصاب. والمسألة خلافية عند الأئمة، قال الموفق(١): إذا اشترك الجماعة في سرقة قيمتها ثلاثة دراهم قطعوا، وبهذا قال مالك وأبو ثور، وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق: لا قطع عليهم إلى أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصاباً، لأن كل واحد لم يسرق نصاباً، وهذا القول أحبُّ إليّ، لأن القطع ههنا لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص، والمجمع عليه، فلا يجب، والاحتياط بإسقاطه أولى من الاحتياط بإيجابه؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات. واحتجّ أصحابنا بأن النصاب أحد شرطي القطع، فإذا اشترك الجماعة فيه كانوا كالواحد قياساً على هتك الحرز، ولأن سرقة النصاب فعل يوجب القطع، فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص، ولم يفرق أصحابنا بين كون المسروق ثقيلاً يشترك الجماعة في حمله، وبين أن يخرج كل واحد منهم (١) ((المغني)) (٤٦٨/١٢). ٤٥٦ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حدیث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ دَارُ رَجُلٍ مُغْلَقَةً عَلَيْهِ، لَيْسَ مَعَهُ فِيهَا غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ، عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهَا شَيْئاً الْقَطْعُ، حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنَ الدَّارِ كُلِّهَا. وَذُلِكَ أَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا هِيَ حِرْزُهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الدَّارِ سَاكِنٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ كُلُّ إِنسَانٍ مِنْهُمْ يُغْلِقُ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَكَانَتْ حِرْزاً لَهُمْ جَمِيعاً، جزءاً، نص عليه أحمد، وقال مالك: إن انفرد كل واحد بجزء منه لم يقطع واحد منهم، انتهى. وفي ((الهداية))(١): إذا اشترك جماعة في السرقة، فأصاب كل واحد منهم عشرة دراهم قطع، وإن أصابه أقل لا يقطع، لأن الموجب سرقة النصاب، ويجب على كل واحد منهم بجنايته فيعتبر كمال النصاب في حقه، انتهى. (قال مالك: الأمر عندنا) بالمدينة المنورة (أنه إذا كانت دار رجل) أي أحدٍ رجلاً كان أو امرأة (مغلقة) مقفلة (عليه)، وفسره بقوله (ليس معه فيها غيره) يعني يسكن في الدار منفرداً (فإنه لا يجب على من سرق منها) أي من الدار (شيئاً القطع) فاعل لا يجب (حتى يخرج به) أي بالمسروق (من الدار كلها) أي ذهب خارج الدار. (وذلك) أي سبب كون الإخراج من الدار شرطاً (أن الدار كلها هي حرزه) فإذا لم يخرج المتاع من الدار كله لم يخرجه من الحرز، والإخراج من الحرز شرط لوجوب القطع. (فإن كان معه) أي مع الرجل المذكور (في الدار ساكن غيره) أيضاً، وكان الدار مشتركة بين الرجال بحيث ينفرد كل واحد منهم ببيت من الدار على حدةٍ، وإليه أشار بقوله: (وكان كل إنسان منهم) أي من ساكني الدار (يغلق) بكسر اللام (عليه بابه) أي باب بيت من الدار (وكانت الدار حرزاً لهم جميعاً) بالاشتراك، لكن لكل واحد منهم حرز على حدة، وهو بيته في تلك الدار. (١) (٣٦٣/١). ٤٥٧ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث فَمَنْ سَرَقَ مِنْ بُيُوتِ تِلْكَ الدَّارِ شَيْئاً يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَخَرَجَ بِهِ إِلَى الدَّارِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ إِلَى غَيْرِ حِرْزِهِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ. (فمن سرق من بيوت تلك الدار) المشتركة (شيئاً) موصوف صفته (يجب فيه القطع) أي يصل مقدار النصاب (فخرج به) أي بالمسروق من البيت (إلى الدار) المشتركة (فقد أخرجه) السارق (من حرزه) أي حزر صاحب البيت (إلى غير حرزه، ووجب) عطف على قوله: فقد أخرجه (عليه) أي على السارق (فيه القطع) . قال الباجي(١): معنى هذه المسألة تحقيق معنى الحرز، فمن أحرز متاعه في بيت من داره، فلا يخلو أن تكون الدار غير مباحة أو مباحة، فإن كانت الدار غير مباحة فساكن الدار واحد، أو سكنها جماعة سكنى مشاعاً، فإن جميع الدار حرزٌ واحدٌ، لا يقطع إلا من أخرج السرقة عن جميعها، وإن كان سَكَنَ الدارَ جماعةٌ، كل واحد منهم ينفرد بسكناه، ويغلقه عن الآخر، فإن كل مسكن منها حرزٌ قائمٌ بنفسه، فمن سرق من مسكن منها، فإنه يقطع إذا أخرج السرقة منه وإن وجد في الدار، انتهى. وبذلك قالت الحنفية، قال صاحب ((الهداية))(٢): ومن سرق سرقة فلم يخرجها من الدار لم يقطع، لأن الدار كلها حرز واحدٌ، فلا بد من الإخراج منها، فإن كانت دار فيها مقاصير، فأخرجها من المقصورة إلى صحن الدار قُطع، لأن كل مقصورة باعتبار ساكنها حرزٌ على حدة، قال ابن الهمام: هذا كلام محمد، وأوّل بما إذا كانت الدار عظيمة فيها بيوت، كل بيت يسكنه أهل بيت على حدتهم إلى آخر ما قاله. (١) ((المنتقى)) (١٧٨/٧). (٢) (٣٦٨/١). ٤٥٨ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَيْسَ مِن خَدَمِهِ وَلَا مِمَّنْ يَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ سِرًّا فَسَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَكَذْلِكَ الْأَمَةُ، إِذَا سَرَقَّتْ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهَا، لَا قَطْعَ عَلَيْهَا . وَقَالَ، فِي الْعَبْدِ لَا يَكُونُ مِنْ خَدَمِهِ وَلَا مِمَّنْ يَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهِ، فَدَخَلَ سِرًّا فَسَرَقَ مِنْ مَتَاعِ امْرَأَةِ سَيِّدِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ: إِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ. (قال مالك: الأمر عندنا) اختلطت نسخ ((الموطأ)) في هذه الفروع الآتية المتعلقة بسرقة العبد والمرأة لا سيما النسخ المصرية وقع فيها تكرار لبعض الفروع، واقتفينا في ذلك النسخ الهندية لقلة التكرار فيها، والمسألة كانت واضحة إلا أنها أشكلت لتفريع، وقد يؤدي التفصيل إلى الإشكال (في العبد يسرق من متاع سيده أنه) أي العبد (إن كان) كذا في النسخ المصرية والهندية بدون الواو، وفي نسخة الباجي بالواو الوصلية، ومآل النسختين واحد، ونسخة الباجي أوضح (ليس من خدمه) أي خدم السيد (ولا ممن يأمن) السيد، وفي النسخ المصرية ببناء المجهول، فالضمير إلى العبد أي لا يأمن السيد في دخوله (على بيته) أي ليس من المعتمدين عند السيد. (ثم دخل) العبد المذكور في بيت السيد (سراً) مختفياً (فسرق من متاع سيده ما يجب) أي القدر الذي يجب (فيه القطع فلا قطع عليه) وإذا كان ذلك في العبد الذي لم يؤمن عليه، ولا هو من الخدم، فإذا كان العبد من الخدم والمعتمدين، فبالطريق الأولى لا قطع عليه. (وقال) مالك (في العبد) الذي (لا يكون من خَدَمِه ولا ممن بأمن على بيته) كما في الصورة المتقدمة (فدخل سراً) في البيت (فسرق من متاع امرأة سيده) أي من متاع زوجته (ما يجب) أي القدر الذي يجب (فيه القطع: إنه يقطع) يده في هذه الصورة. ٤٥٩ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٣) حديث قَالَ: وَكَذْلِكَ أَمَةُ الْمَرْأَةِ. إِذَا كَانَتْ لَيْسَتْ بِخَادِمٍ لَهَا وَلَا لِزَوْجِهَا. وَلَا مِمَّنْ تَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهَا، فَدَخَلَتْ سِرًّا، فَسَرَقَتُ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدَتِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ. فَلَا قَطْعَ عَلَيْهَا . قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ أَمَةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ مِنْ خَدَمِهَا. وَلَا مِمَّنْ تَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهَا. فَدَخَلَتْ سِرًّا. فَسَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ زَوْجِ سَيِّدَتِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ: أَنَّهَا تُقْطَعُ يَدُهَا . ففرق الإمام مالك في متاع سيده ومتاع زوجة سيده إذ لم يوجب القطع في الأول، وإن لم يكن العبد من خدمه، فكأنه لم يوجب القطع على العبد في مال سيده مطلقاً، وأوجب القطع في مال زوجة سيده بشرط أن لا يكون من خدمه ولا ممن يأمن دخوله في بيته. أما إن كان من خدمه، وممن أذن له في الدخول على بيته، فلا قطع عليه أيضاً كما حمل عليه(١) الباجي أثر السائب الآتي في الباب الآتي. (قال) مالك: (وكذلك) أي مثل حكم العبد حكم (أمة المرأة إذا كانت ليست بخادم لها) أي للمرأة (ولا لزوجها) أي ليست خادمة له أيضاً (ولا ممن تأمن) المرأة في دخولها (على بيتها، ثم دخلت) البيت (سراً) مختفياً (فسرقت من متاع سيدتها ما يجب فيه القطع، فلا قطع عليها) فإن كانت خادمة لها أو لزوجها، أو كانت مأمونة في الدخول في البيت، فلا قطع عليها بالطريق الأولى. (قال) مالك: (وكذلك) أي مثل العبد (أمة المرأة التي لا تكون من خدمها ولا ممن تأمن) المرأة في دخولها (على بيتها، فدخلت) البيت (سراً فسرقت من متاع زوج سيدتها ما) أي القدر الذي (يجب فيه القطع أنها تقطع يدها) لأن متاع (١) قال أبو عمر في ((الاستذكار)) (٢١٦/٢٤): أجمعوا على أن العبد لا يقطع في ما سرق من مال سيِّده وسيّدته، وكذلك الأمة لا قطع عليها في ما سرقت من مال سيدها وسيدتها، مما يؤتمن عليه، ومما لا يؤمنون عليه. ٤٦٠