النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٤ - كتاب السرقة (٢) باب (١٥٤٩) حدیث فَإِنْ بَلَغَتْ سَرِقَتُهُ رُبُعَ دِینَارِ نَكَلاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (جَ﴾ فَصَاعِداً، فَاقْطَعْ يَدَهُ. وحدّثني عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ فعله، وعن عبد الرحمن - رضي الله عنه - أن النبي ◌َّر قال: ((لا غرم على السارق بعد ما قطعت يده)) إلى أخر ما بسطه، والإمام أحمد يوافق الشافعي في ذلك كما في ((المغني)) (١)، وقال: قال الثوري وأبو حنيفة: لا يجتمع الغُرْم والقطع، فإن غرمها قبل القطع فلا يقطع، وإن قطع قبل الغرم سقط الغرم، وقال عطاء وابن سيرين والشعبي ومكحول: لا غرم على السارق إذا قطع، ووافقهم مالك في المعسر، ووافقنا في الموسر، انتهى. (﴿نَكَلًا﴾) عقوبة لهما (﴿مِّنَ اُللهِ﴾) عز اسمه (﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾) غالب على أمره (﴿حَكِيمُ﴾) في خَلْقه، ومن حكمته هذه الحدود المتضمنة للمصالح، قال القرطبي المُفَسِّر: أول من حكم بقطع السارق في الجاهلية الوليد بن المغيرة، وأمر الله تبارك وتعالى بقطعه في الإسلام، فكان أول سارق قطعه بَله من الرجال الجبار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء فاطمة المخزومية، كذا في ((الزرقاني))(٢). ثم كتب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - مستدلاً بعموم الآية المذكورة (فإن بلغت سرقته) أي الآبق المذكور في السؤال (ربع دينار) مفعول بلغت (فصاعدا) نصب على الحال المؤكدة، ولفظ البيهقي (٣) ((ربع دينار أو أكثر)) (فاقطع يده) أي ولا يمنعك كونه عبداً آبقاً . (مالك أنه بلغه أن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق (وسالم بن (١) (١٢/ ٤٥٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ١٥٧). (٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٦٨٨)، و((معرفة السنن والآثار)) (١٧١٧٧/١٢). ٤٢١ ٤٤ - كتاب السرقة (٢) باب (١٥٤٩) حدیث عَبْدِ اللَّهِ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا سَرَقَ الْعَبْدُ الآبِقُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، قُطِعَ. قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، أَنَّ الْعَبْدَ الآَبِقَ إِذَا سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، قُطِعَ . عبد الله) بن عمر - رضي الله عنه - (وعروة بن الزبير) والثلاثة من فقهاء المدينة المعروفين (كانوا يقولون: إذا سرق العبد الآبق) وقوله: (ما يجب فيه القطع) مفعول سرق أي إذا سرق مقدار النصاب (قطع) ببناء المجهول جزاء إذا . وأخرج البيهقي(١) أثر رزيق المذكور برواية الشافعي عن مالك نحو ذلك، ثم قال الشيخ: وهذا قول قاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعروة بن الزبير وغيرهم، وكان ابن عباس - رضي الله عنه - يذهب إلى أن ليس على الآبق المملوك قطع إذا سرق، وقد تركنا عليه قوله إلى قول غيره من الصحابة، لأنه أشبه بكتاب الله، قال الشافعي: ولا تزيده معصية الله بالإباق خيراً، قال الشيخ: وقد رفعه بعض الضعفاء عن ابن عباس، وليس بشيء، انتهى. (قال مالك: وذلك) أي قطع يد الآبق السارق (الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا) بالمدينة، ثم ذكر المشار إليه بقوله (أن العبد الآبق إذا سرق ما يجب فيه القطع قطع)(٢) وهذا الباب كله خال من شرح الباجي، وكتب فيه بعد ذكر الآثار المذكورة في هذا الباب: وهذا الباب لم نعثر على شرح له في نسخ الشارح التي بأيدينا، انتهى. (١) ((السنن الكبرى)) (٢٦٩/٨). (٢) قال أبو عمر: على هذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وجمهور أهل العلم اليوم بالأمصار، وإنما وقع الاختلاف فيه قديماً ثم انعقد الإجماع على ذلك بعد ذلك «الاستذكار)) (٢٤/ ١٧٢). ٤٢٢ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥٠) حديث (٣) باب ترك الشفاعة للسارق إذا بلغ السلطان ٨/١٥٥٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ صَفْوَانَ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ (٣) ترك الشفاعة للسارق إذا بلغ السلطان وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان))، وبسط الحافظ في ((الفتح))(١) في الروايات الدالة على مذهب الستر ما لم يبلغ السلطان، والمنع عن الشفاعة بعد ما بلغ السلطان، منها حديث عائشة مرفوعاً : ((أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم إلا في الحدود))، وأخرجه أبو داود. قال الحافظ: ويستفاد منه جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير، وقد نقل ابن عبد البر وغيره الاتفاق فيه، ويدخل فيه سائر الأحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم، وهي محمولة على ما لم يبلغ الإمام، انتهى. وسيأتي كلام ابن عبد البر والنووي في آخر الباب. ٨/١٥٥٠ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن صفوان بن عبد الله بن صفوان) بن أمية صاحب القصة الآتية، قال ابن عبد البر: هكذا رواه جمهور أصحاب مالك مرسلاً، ورواه أبو عاصم النبيل عن مالك عن الزهري عن صفوان بن عبد الله عن جده، ولم يقل عن جده أحدٌ غير أبي عاصم، ورواه شبابة بن سوار عن مالك عن الزهري عن عبد الله بن صفوان عن أبيه، كذا في ((التنوير))(٢). وبسط ابن حزم في تخريج طرق هذا الحديث في ((المحلى))(٣) ثم قال: حديث صفوان لا يصحُّ فيه شيءٌ أصلاً؛ لأنها كلها منقطعة؛ لأنها عن عطاء (١) ((فتح الباري)) (٨٧/١٢). (٢) ((تنوير الحوالك)) (ص ٦١٠). (٣) (٥٧/١٢). ٤٢٣ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥٠) حديث أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قِيلَ لَهُ: إِنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ. وعكرمة وعمرو بن دينار وابن شهاب، وليس أحد منهم أدرك صفوان، انتهى. وفي ((المحلى)): منقطع في ((الموطأ)) وأخرجه النسائي وابن ماجه موصولاً بإسنادهما عن عبد الله بن صفوان عن أبيه، انتهى. قلت: أخرجه ابن ماجه (١) برواية شبابة عن مالك عن الزهري عن عبد الله بن صفوان عن أبيه، وهكذا أحمد في ((مسنده)) برواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري، وأخرج أيضاً بطرق أخر موصولة عن صفوان. (أن صفوان بن أمية) بن خلف القرشي المكي صحابي من المؤلفة مات أيام قتل عثمان، وقيل سنة إحدى أو اثنين وأربعين، قال صاحب ((المحلى)): كان ابن عمة رسول الله وَل﴿ قُتِل أبوه يوم بدر كافراً، وأسلم هو بعد فتح مكة. قلت: هو الذي استعار منه رسول الله ولم أدرعاً، فقال: أغصباً يا محمد، الحديث، قال صفوان: أعطاني رسول الله وَل ﴿ يوم حنين، وأنه لأبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى صار أحبّ الناس إليّ، رواه أحمد في «مسنده)) . (قيل له) أي لصفوان: (إنه من لم يهاجر هلك) قال الزرقاني: وكأن قائل ذلك لم يسمع قوله ◌ّل: ((لا هجرة بعد الفتح))، وفي رواية أخرجها أبو عمر أنه قيل له: لا دخل الجنة إلا من قد هاجر، فقال: لا أنزل منزلي حتى آتي النبي ێ .. وقال الباجي(٢): يحتمل أن يكون قال له ذلك من علم وجوب الهجرة قبل الفتح، فاعتقد بقاء حكمها لمن أسلم بعد الفتح، والهجرة من مكة إنما (١) ((سنن ابن ماجه)) (٢٥٩٥). (٢) (١٦٣/٧). ٤٢٤ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥٠) حدیث فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ المَدِينَةَ، فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ . كانت قبل الفتح؛ لأنها كانت دار كفر، فكان المهاجر يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، وكان يهاجر ليقوم بنصرة النبي وَّر، وذلك لا يكون إلا بالمقام معه فلما افتتحت مكة، وأسلم أهلها وكثر الإسلام، وصارت مكة دار إسلام، فلم تلزم المهاجرة منها، واستغنى النبي ◌ُّه بمن معه من المسلمين، انتهى. (فقدم صفوان بن أمية المدينة) مؤدياً لما سمع من وجوب الهجرة أو مستفتيا لذلك. (فنام في المسجد) قال الزرقاني: أي في المسجد النبوي، انتهى. وهو ظاهر سياق الروايات الواردة في ذلك، وفي ((التعليق الممجد))(١): قال القاري: أي في مسجد المدينة أو مسجد مكة. والحديث رواه أبو داود(٢) والنسائي وابن ماجه وأحمد في ((سننه))، من غير وجه عن صفوان أنه طاف بالبيت، وصلى، ثم لفّ رداءه، فوضعه تحت رأسه، فأخذه، فأتى رسول الله وَل﴿، فقال: إن هذا سرق ردائي، الحديث. قال الشيخ عبد الحي: قد راجعت السنن، فليس في سنن أبي داود وابن ماجه ذكر لما ذكره، بل فيهما نام في المسجد من غير ذكر طواف، وكذا في روايات متعددة. للنسائي، بل في بعضها تصريح بمسجد النبي، وما ذكره إنما هو رواية واحدة للنسائي، انتهى. قلت: والتصريح بمسجد النبي أيضاً في رواية واحدة للنسائي، لكن الظاهر من سياق جميع الروايات في هذه القصة كونها في المدينة المنورة فالظاهر المسجد النبوي. وفي رواية للبيهقي(٣) عن عطاء قال: بينما صفوان مضطجع بالبطحاء إذ (١) (٥٧/٣). (٢) رواه أبو داود في ((السنن)) (١٣٨/٤)، وابن ماجه (٢٥٩٥) (٨٦٥/٢)، وأحمد في «المسند» (٤٠١/٣). (٣) ((السنن الكبرى)) (٢٦٥/٨). ٤٢٥ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥٠) حدیث وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، جاء إنسان فأخذ بردة من تحت رأسه، وفي أخرى له عن مجاهد كان صفوان رجلاً من الطلقاء، فأتى النبي وَلّ فأناخ راحلته، ووضع رداءه عليها، ثم تنحّى يقضي الحاجة، فجاء رجل فسرق رداءه، الحديث. وهذا يخالف جميع الروايات الواردة في القصة. (وتوسّد رداءه) أي جعله وسادة تحت رأسه. قال الباجي(١): هذا يقتضي مع ما رُوي أنه عليه السلام، أمر بقطع السارق أنه أخذه من حرزه، فيحتمل أنه وجب فيه القطع، لأن صاحبه كان معه وحارساً له، فكان ذلك بمعنى الحِرْز، وقد قال ابن القاسم فيمن سرق من بسط المسجد التي تطرح فيه في رمضان: إن كان عنده صاحبه قطع وإلا لا، وكذلك قال مالك في محارس الإسكندرية، يعلق فيها الناس السيوف والمتاع، فَتسرق: إن كان صاحبه معه قطع سارقه، لأن صفوان لم یقم عن ردائه ولا ترکه. ويحتمل أن السارق دخل ليلاً من غير الباب فسرقه، وقد قال مالك في محارس الإسكندرية يعلق فيها الناس السيوف والمتاع، فينقب سارق، ولا يدخل من مدخل الناس: إنه يقطع، وإن لم يكن عنده حارس، ويحتمل أيضاً أن يكون في المسجد بيت نزل فيه صفون بن أمية، انتهى (٢). وترجم النسائي والبيهقي على هذ الحديث (ما يكون حرزاً وما لا يَكُون))، وترجم عليه أبو داود: (باب فيمن سرق من حرز))، وقال الموفق(٣): إذا كان لابساً للثوب، أو متوسّداً له، نائماً، أو مستيقظاً، أو مفترشاً له، أو متكئاً عليه في أي موضع كان من البلد، أو بَرِّيّةٍ، فهو محرزٌ بدليل أن رداء صفوان سُرِقَ، وهو متوسِّدٌ له، وإن تدحرج عن الثوب زال الحرز إن كان نائماً، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٦٣/٧). (٢) (٣٨٠/٤). (٣) («المغني)) (٤٢٧/١٢). ٤٢٦ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥٠) حديث فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ. فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ، قال الباجي: وفي ((الموازية)) فيمن سرق رداءه في المسجد، ولم يكن تحت رأسه وكان قريباً منه: يقطع إن كان متنهباً، فقيل له: قُطع في رداء صفوان وهو نائم، قال: كان ذلك تحت رأسه، ففرق بين النائم وغيره فيما لا يكون تحت رأسه، فما كان تحت رأسه يقطع في النائم أو اليقظان، لأنه إذا أخذ من تحت رأسه يستيقظ به، وما كان بين يديه فلا يحرسه إلا اليقظان، انتهى. مختصراً. وفي ((الهداية)) (١): وقد يكون الحرز بالحافظ كمن جلس في الطريق أو في المسجد وعنده متاعه، فهو محرز به، وقد قطع رسول الله وَ القر من سرق رادء صفوان من تحت رأسه، وهو نائم، ثم قال: ولا فرق بين أن يكون الحافظ مستيظقاً، أو نائماً، والمتاع تحته أو عنده هو الصحيح؛ لأنه يُعَدُّ النائم عند متاعه حافظاً له في العادة، انتهى. (فجاء سارق فأخذ رداءه) أي رداء صفوان، وفي رواية حميد عن صفوان عند النسائي: كنتُ نائماً في المسجد على خميصةٍ لي، ثمنها ثلاثون درهماً، فجاء رجل فاختلسها مني، الحديث، وهكذا أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢) (فأخذ صفوان السارق) قال الباجي(٣): يحتمل أن يكون أخذه في المسجد، وروي عن ابن القاسم في زكاة الفطر توضع في المسجد: من سرق منها لا يقطع إلا أن يكون معها حارس، فيقطع وإن لم يخرج من المسجد كما قطع سارق رداء صفوان، وقد أخذ في المسجد، انتهى. قلت: وظاهر الروايات أنه أخرجه من المسجد ففي رواية للنسائي عن (١) (٣٦٧/١). (٢) (٤/ ٣٨٠). (٣) ((المنتقى)) (١٦٤/٧). ٤٢٧ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥٠) حدیث فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَسَرَقْتَ رِدَاءَ هُذَا؟)) قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ أَنْ تُقْطَعَ يَدَهُ. فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هُذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. فَقَالَ رُسُولُ اللَّهِ بَهِ «فَهَلَا ابن عباس كان صفوان نائماً في المسجد، ورداؤه تحته، فسرِقَ، فقام، وقد ذهب الرجل فأدركه فأخذه، وفي أخرى له عن صفوان: جاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل فأتي به، الحديث وهكذا في رواية لأبي داود(١)، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل، وفي أخرى له: فاستلّه من تحت رأسه، فاستيقظ فصاح به فأخذ. (فجاء به إلى رسول الله وَل#) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (فقال له النبي ◌َّه: أسرقت رداء هذا؟ قال: نعم) وليس هذا في النسخ المصرية، لا في المتون، ولا في الشروح، ولا في ((موطأ محمد)» ولا في رواية البيهقي برواية الشافعي عن مالك بهذا السند، ولا في ابن ماجه في رواية شبابة عن مالك، فالظاهر أنه ليس بموجود في رواية مالك. نعم يوجد هذا في رواية عكرمة عن صفوان عند النسائي بلفظ: ((فأخذه فأتي به النبي ◌ّل﴿ فقال: إن هذا سرق ردائي فقال له النبي والر: أسرقت رداء هذا؟ قال: نعم))، الحديث. (فأمر به) أي بالسارق (رسول الله وَل قر أن تقطع يده) ولفظ حميد عند النسائي ((فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهماً؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها)) (فقال له صفوان: إني لم أرد هذا) أي قطع يده (يا رسول الله) وإنما أردت تأديبه فقط (هو) أي الرداء (عليه صدقة) مني (فقال رسول الله وَ طاهر: فهلا) بتشديد اللام (١) (سنن أبي داود)) (٤٣٩٤). ٤٢٨ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥٠) حديث قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ». قلت: وقد وصله النسائيّ في: ٤٦ - كتاب قطع السارق، ٤ - باب الرجل لم يتجاوز للسارق عن سرقته بعد أن يأتي به الإمام ... و٥ - باب ما يكون حرزاً وما لا يكون. وابن ماجه في: ٢٠ - كتاب الحدود، ٢٨ - باب من سرق الحرز. أي هلّا تصدقت به (قبل أن تأتيني به) فإن الحدود إذا انتهت إلى الإمام لا تدرأ. قال الباجي(١): قول صفوان: لم أرد هذا، يريد أنه لم يرد أن يبلغ به القطع، وأنه قد وهبه الثوب ليبين بذلك أنه لم يرد به القطع. ويحتمل أنه يكون وهبه ذلك لما اعتقد أن ذلك يسقط عنه القطع، ويحتمل أن يكون اعتقد أن الحق من حقوقه، فتصدّق به عليه، بمعنى أنه أسقطه عنه، وذلك كله لا يسقط القطع عنه بعد وجوبه عليه، سواء وهبه إياه قبل الترافع أو بعده. وقال أبو حنيفة: يسقط ذلك القطع، وفرق قوم بين قبل الترافع وبعده، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية، وحديث صفوان هذا ومن جهة القياس أنه انتقال ملك بعد السرقة، فلم يؤثر في إسقاط القطع، انتھی . وقال الموفق(٢): السارق إذا ملك العين المسروقة بهبة، أو بيع، أو غيرهما من أسباب الملك، لم يخلُ بين أن يملكها قبل رفعه إلى الحاكم أو بعده، فإن ملكها قبل لم يجب القطع، لأن من شرطه المطالبة بالمسروق، وبعد ملكه له لا تصحّ المطالبة، وإن ملكها بعده، لم يسقط القطعُ، وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق. (١) ((المنتقى)) (١٦٤/٧). (٢) («المغني)) (١٢ / ٤٥١). ٤٢٩ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥٠) حدیث . وقال أصحاب الرأي: يسقط لأنها صارت ملكه، فلا يقطع في عين هي ملكه كما لو ملكها قبل المطالبة بها، ولأن المطالبة شرطٌ، والشرط يعتبر دوامها، ولم يبق لهذا العين مطالِبٌ. ولنا حديث صفوان هذا، وفيه قال رسول الله ويليه: فهلّا قبل أن تأتيني به! فهذا يدل على أنه لو وجد قبل رفعه إليه لدرأ القطع، وبعده لا يسقطه، انتھی . قلت: وما وقع من الاختلاف بين الباجي والموفق في نقل مذهب الإمام مالك مبنيٌّ على اختلاف المالكية في ذلك، ومختار متونهم هو الذي حكاه الباجي. قال الخليل وتبعه الدردير(١): إذا قالا: لا يقطع بسرقة ملكه من مرتهن ومستأجر، كملكه له قبل خروجه به من الحرز بإرث أو صدقة، ثم خرج به فلا يقطع، بخلاف ملكه به بعد خروجه به، قال الدسوقي: أي فإنه يقطع، فإذا سرق نصاباً، وأخرجه من حرز، ثم وهبه له صاحبه، فإن القطع لا يرتفع عنه، لكن قيد هذا بعضهم بما إذا وهبه له صاحبه بعد أن بلغ الإمام، وإلا فلا قطع كما وقع لصفوان، وقال له عليه السلام: هلّا كان ذلك قبل أن يأتينا، انتهى. وعُلمَ منه أن ما حكى الموفق من مذهب الإمام مالك مبنيٌّ على قول البعض المرجوح في المذهب، وما يظهر من صنيع الإمام محمد في ((موطئه))(٢) أيضاً التفريق بين قبل الترافع وبعده، فإنه ترجم على حديث الباب ((الرجل يسرق منه الشيء يجب فيه القطع، فيهبه السارق بعد ما يرفعه إلى الإمام)) وقال بعد ذكر هذا الحديث: قال محمد: إذا رفع السارق إلى الإمام أو القاذف، (١) ((الشرح الكبير)) (٣٣٦/٤). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٦/٣). ٤٣٠ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥٠) حديث فوهب صاحب الحد حدّه، لم ينبغ للإمام أن يعطل الحد، ولكنه يُمْضيه، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. ويخالف هذا ما في فروع الحنفية، وصاحب ((الهداية)) ذكر في المسألة خلاف أبي يوسف، لا محمد، بل ذكر صاحب ((البدائع)) اتفاق الإمامين أبي حنيفة ومحمد في ذلك إذ قال: إن وهبه قبل القضاء يسقط القطع بلا خلاف، وإن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء يسقط عندهما، وقال أبو يوسف: لا يسقط. وهو قول الشافعي، كذا في ((البذل))(١). وفي ((الهداية))(٢): إذا قضي على رجل بالقطع في سرقة فوهبت له لم يقطع، معناه إذا سلّمت إليه، وكذلك إذا باعها المالك إياه، وقال زفر والشافعي: يقطع، وهو رواية عن أبي يوسف، لأن السرقة قد تَمَّت انعقاداً وظهوراً، وبهذا العارض لم يتبين قيام الملك وقت السرقة فلا شبهة، ولنا أن الإمضاء من القضاء في هذا الباب، فيشترط قيام الخصومة عند الاستيفاء. وصار كما إذا ملكها منه قبل القضاء. قال ابن الهمام(٣): مستدلاً لهم بما في حديث صفوان من قوله: ((يا رسول الله لم أرد، هذا ردائي عليه صدقة، فقال عليه السلام: هلّا قبل أن تأتيني به))، ثم أجاب عنه عن الحنفية، بقوله: أما الحديث ففي رواية كما ذکر. وفي رواية الحاكم في ((المستدرك))، قال: ((أنا أبيعه وأنسئه ثمنه))، وسكت عليه، وفي كثير من الروايات لم يذكر ذلك بل قوله: ((ما كنت أريد (١) ((بذل المجهود)) (٣٤٤/١٧). (٢) (٣٧١/١). (٣) ((فتح القدير)) (١٦٤/٥). ٤٣١ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥٠) حدیث هذا))، وقوله: ((أيقطع رجل من العرب في ثلاثين درهماً))، ولم يثبت أنه سلمه إليه في الهبة(١) ثم الواقعة واحدة، فكان في هذه الزيادة اضطراب، والاضطراب موجب للضعف، ويحتمل كون قوله: ((هو صدقة عليه)) كان بعد الدفع إليه، وفي ذلك لا يكون ملكاً له قبل القبض، انتهى. وقال الشيخ في ((البذل))(٢) نقلاً عن ((البدائع)): أما الحديث فلا حجة فيه؛ لأن المرويّ قوله: ((هو عليه صدقة))، وقوله: ((هو)) يحتمل أنه أراد به المسروق، ويحتمل أنه أراد به القطع، وهبة القطع لا تُشْقط الحد، يدل عليه أنه روي في بعض الروايات: وهبتُ القطع، وكذا يحتمل أنه تصدق عليه بالمسروق أو وهبه منه، لكن لم يقبضه، والقطع يسقط بالهبة مع القطع، انتهى. قلت: قد اختلفت الروايات في قول صفوان في هذه القصة كما بسطها ابن حزم، ففي رواية طارق عن صفوان ((فأمر بقطعه فقال: يا رسول الله قد تجاوزت عنه، قال: فلولا كان هذا قبل أن تأتيني به)) وفي رواية عكرمة عن صفوان قال: ((ما كنت أريد أن تقطع يده في ردائي)). وفي رواية أخت صفوان عنه قال: ((تقطعه من أجل ثلاثين درهماً، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها))، وفي رواية عمرو بن دينار ((قال صفوان: قد عفوتُ عنه))، وفي رواية مالك: ((قال صفوان: لم أرده بهذا هو عليه صدقة)) ثم قال ابن حزم(٣): أما حديث صفوان فلا يصحّ فيه شيء أصلاً، لأنها كلها منقطعة؛ لأنها عن عطاء وعكرمة وعمر وابن دينار وابن شهاب ليس أحد منهم أدرك صفوان، وأما عطاء عن طارق، وهو مجهول، أو عن أسباط عن سماك عن حميد بن أخت صفوان، وهو ضعيف عن ضعيف مجهول، انتهى. (١) والهبة لا تتم إلا بالقبض، والرداء كان بيد صفوان كان قد سلبه من السارق قبل ذلك. ((ش)). (٢) ((بذل المجهود)) (٣٤٤/١٧). (٣) ((المحلّى)) (٥٧/١٢). ٤٣٢ ٤٤ - كتاب السرقة (٣) باب (١٥٥١) حدیث ٩/١٥٥١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أبي عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامَ لَقِيَ رَجُلاً قَدْ أَخَذَ سَارِقاً. وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ. فَشَفَعَ لَهُ الزُّبَيْرُ لِيُرْسِلَهُ. فَقَالَ: لَا. حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ السُّلْطَانَ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: إِذَا بَلَغْتَ بِهِ السُّلْطَانَ، فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ. ٩/١٥٥١ - (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي (أن الزبير بن العوام لقي رجلاً) لم يسم (قد أخذ) الرجل المذكور (سارقاً وهو) الرجل (يريد أن يذهب به) أي بالسارق (إلى السلطان) ليقيم عليه الحد (فشفع له الزبير ليرسله) أي يطلقه ولا يذهب به إلى السلطان. قال الباجي(١): هذا على ما تقدم من جواز الشفاعة لمن وجب عليه الحد قبل أن يبلغ الإمام الذي يقيم الحد، ويحتمل أن يكون السارق كان مع رجل أخذه دون حرس ولا شُرْطٍ، لأن الحرس والشرط نائبان عن الإمام، فلا تصح الشفاعة في حد ظهر إليهم، انتهى. (فقال) الرجل الآخذ: (لا) تشفع أو لا أتركه (حتى أبلغ به السلطان) وبعد ذلك إن شئت فاشفعه. (فقال الزبير: إذا بلغت به السلطان، فلعن الله الشافع) عنده (والمشفع) بكسر الفاء المشددة أي قابل الشفاعة، وهو السلطان إن شُفِع، وروى الدارقطني (٢) عن الزيبر مرفوعاً: ((اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل إلى الوالي فعفا، فلا عفا الله عنه))، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان، وأن عليه إذا بلغته إقامتها، كذا في ((الزرقاني))(٣). (١) ((المنتقى)) (١٦٥/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٥٩/٤). (٣) ((سنن الدارقطني)) (٢٠٥/٣). ٤٣٣ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٢) حديث (٤) باب جامع القطع ١٠/١٥٥٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ؛ وقال الموفق(١): قال الزبير في الشفاعة في الحدِّ: يفعل ذلك دون السلطان، فإذا بلغ الإمام، فلا أعفاه الله إن أعفاه (٢)، وممن رأى ذلك عمار، وابن عباس، والزهري، والأوزاعي، وقال مالك: إن لم يُعْرَفُ بِشَرِّ فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عُرِفَ بشَرِّ وفسادٍ، فلا أُحِبُّ أن يشفع له أحدٌ، ولكن يترك حتى يقام عليه الحد، وأجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة، لأن ذلك إسقاط حق وجب الله تعالى، وقد غضب النبي ◌َّر حين شفع أسامة في المرأة المخزومية. وقال ابن عمر - رضي الله عنه -: من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله، فقد ضادَّ الله في حكمه(٣)، انتهى. وفي ((المحلى)): قال النووي (٤): قد أجمع على تحريم الشفاعة بعد بلوغه إلى الإمام، فأما قبله، فأجازها الأكثر إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذىّ للناس، وأما ما لا حدَّ فيها، وواجبها التعزير، فيجوز الشفاعة فيها، وقبولها قبل البلوغ إلى الإمام وبعده، بل الشفاعة فيه مستحبةٌ إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى، انتهى. (٤) جامع القطع أي الروايات المتفرقة في باب القطع. ١٠/١٥٥٢ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) القاسم بن (١) ((المغني)) (١٢ / ٤٦٧). (٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣٣/٨). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٦٦/٩). (٤) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٨٦/١١/٦). ٤٣٤ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٢) حديث أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، قَدِمَ. فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ. فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ قَدْ ظَلَمَهُ. محمد بن أبي بكر الصديق، وهذا الأثر هكذا أخرجه محمد في ((موطئه)) عن مالك والبيهقي برواية الشافعي عن مالك (أن رجلاً) قال ابن جريج: اسمه جبر أو جبير كما سيأتي، موصوف صفته الأولى (من أهل اليمن)، وصفته الثانية (أقطع اليد) أي مقطوع اليد اليمنى (والرجل) اليسرى في السرقة (قدم) المدينة خبرأن (فنزل على أبي بكر الصديق) - رضي الله عنه - في زمان خلافته (فشكا إليه أن عامل اليمن) أي واليها من أبي بكر - رضي الله عنه - (قد ظلمه) إذ قطع يده ورجله بغير موجب لذلك. وأخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه))(١): أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قدم على أبي بكر رجلٌ أقطعُ، فشكا إليه أن يعلى بن أمية قطع يده ورجله في سرقة، وقال: والله ما زدت على أنه كان يوليني شيئاً من عمله، فخنته في فريضة واحدة، فقطع يدي ورجلي، فقال أبو بكر: إن كنت صادقاً، فلأقيدنك منه، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى فقد آلُ أبي بكر حلياً لهم، فاستقبل القبلة ورفع يديه، وقال: أَظْهِرْ من سرق أهل هذا البيت الصالح، قال: فما انتصف النهار حتى عثروا على المتاع عنده. فقال له أبو بكر: ويلك إنك لقليل العلم بالله، فقطع أبو بكر يده الثانية قال ابن جريج، وكان اسمه جبراً أو جبيراً، وكان أبو بكر يقول: لجرأته على الله أغيظ عندي من سرقته، كذا في ((نصب الراية))(٢)، وتبعه الحافظ في ((الدراية))، وقال: هذا على شرط الصحيح، والعجب أنهما ذكرا في ذلك أن يعلى قطع يده ورجله في سرقة، والصحيح أن يعلى قطع يده فقط، فقطع أبو بكر - رضي الله عنه - رجله كما سيأتي في آخر الحديث عن ((الاستذكار))(٣). (١) ((مصنف عبد الرزاق)) (١٨٨/١٠ - ١٨٩) رقم (١٨٧٧٤). (٢) (٣٧٤/٣). (٣) (١٨٨/٢٤). ٤٣٥ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٢) حديث فَكَانَ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلَ. فَيُقُولُ أَبُو بَكْرٍ: وَأَبِيك. مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ. ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا عِقْدَاً لِأَسْمَاءِ بِنْتِ عميسٍ. امْرَأَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَجَعَل الرَّجُلُ يَطُوفُ مَعَهُمْ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هُذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ. فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ (فكان) ذلك الأقطع (يصلي من الليل) أي يصلي النوافل في الليل كثيراً، (فيقول أبو بكر) متعجباً بصلاته (وأبيك) قسم على معنى ورب أبيك، قال الباجي(١): ويحتمل أن يقوله أبو بكر على عادة العرب في تخاطبها وتراجعها دون أن يقصد به القسم، لما روي عن النبي ◌َّلو أنه قال: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم))، انتهى. وهذا أحد الأقوال في قوله بَّي: ((أفلح وأبيه إن صدق دخل الجنة)) (ماليلك بليل سارق) بالإضافة وما نافية، قال الباجي: يريد أن ليل السارق إنما هو للنوم المتصل، أو للمشي والتسبب إلى السرقة، وأما الصلاة بالليل فليست من أفعال السارق. (ثم إنهم فقدوا) بفتح الفاء والقاف (عِقْداً) بكسر العين وسكون القاف قلادةً. (لأسماء بنت عميس) بضم العين آخره سين مهملتين مصغراً (امرأة أبي بكر الصديق) أم ابنه محمد صحابيةٌ شهيرةٌ (فجعل الرجل) الأقطع (يطوف) أي يدور (معهم) أي مع الذين كانوا يفتشون العقد (ويقول) أي يدعو مستقبل القبلة رافعاً يديه كما تقدم في رواية عبد الرزاق (اللَّهم عليك) أي خُذْ بالعقوبة (بمن بَيَّتَ) بفتح الموحدة وتشديد التحتية من التبيت، وهي الإغارة في الليل (أهل هذا البيت الصالح) يعني من أغار على بيت أبي بكر الصدیق . (فوجدوا) أي المُفَتِّشُون (الحلي) قال صاحب ((المحلى)): بفتح فسكون، (١) ((المنتقى)) (١٦٦/٧). ٤٣٦ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٢) حديث صَائِغ. زَعَمَ أَنَّ الْأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ، فَاعْتَرَفَ بِهِ الْأَقْطَعُ. أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ. فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ. فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهَ لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عِنْدِي عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ. والجمع حُلِيٍّ بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء أي العِقْدُ المذكور (عند صائغ زعم) وفي النسخ الهندية بزيادة الفاء بلفظ ((فزعم)) أي قال الصائغ (أن الأقطع) المذكور (جاءه به) أي أتى عند الصائغ بهذا الحلي فسألوه (فاعترف به الأقطع أو) شك من الراوي (شهد) ببناء المجهول من المجرد (عليه به) وهكذا بالشك في ((موطأ محمد))، والبيهقي، (فأمر به أبو بكر الصديق فقطعت) ببناء المجهول (يده اليسرى) لأنه كان مقطوع اليمنى من قبل. (وقال أبو بكر: والله لدعاؤه على نفسه) إذ دعا رافعاً يديه كما تقدم (أشدُ عندي عليه) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية إلا الزرقاني، فليس فيها لفظ ((عليه))، قال الزرقاني (١): ((أشدُّ عندي)) وفي نسخة: ((علي)) وفي أخرى ((عليه)) (من سرقته) لأن فيها حظاً للنفس في الجملة، بخلاف الدعاء عليها، لما في ذلك من عدم المبالاة بالكبائر، قاله الزرقاني. وقال محمد في ((موطئه))(٢) بعد ذكر هذا الأثر: قال محمد: قال ابن شهاب الزهري: يروى ذلك عن عائشة أنها قالت: إنما كان الذي سرق حلي أسماء أقطع اليد اليمنى، فقطع أبو بكر رجله اليسرى. وكانت تنكر أن يكون أقطع اليد والرجل، وكان ابن شهاب أعلم من غيره بهذا ونحوه من أهل بلاده، وقد بلغنا عن عمر وعلي أنهما لم يزيدا في القطع على قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، فإن أتي به بعد ذلك لم يقطعاه وضمناه، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٥٩/٤). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦٧/٣). ٤٣٧ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٢) حديث وتوضيح ذلك: أنهم اختلفوا في السارق يسرق مراراً، قال الموفق(١): لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى من مفصل الكف، وهو الكوع، وفي قراءة ابن مسعود ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير. وقد روي عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة، ولأن البطش بها أقوى، فكانت البداية بها أردع، وإذا سرق ثانياً قُطعت رجله اليسرى، وبذلك قال الجماعة إلا عطاء، حُكِي عنه تقطع يده اليسرى، لقوله تعالى: ﴿فَقْطَعُوْاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ ولأنهما آلة السرقة، وروي ذلك عن ربيعة وداود، وهذا شذوذ يخالف جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو قول أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - إلى آخر ما بسط في دلائل الجمهور. ثم قال(٢): فإن عاد، فسرق بعد قطع يده ورجله لم يقطع منه شيء آخر وحُبس، وبهذا قال عليٍّ، والحسن، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وعن أحمد: أنه تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة، يُعَزر، ويُحْبَس، وروي عن أبي بكر وعمر أنهما قطعا يد أقطع اليد والرجل، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر، وروي عن عثمان وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز نحو ذلك، قالوا: ويقتل في الخامسة لرواية جابر جيء إلى النبي ◌ُّله﴿ بسارق، فقال: ((اقتلوه))، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، فقال: ((اقطعوه))، الحديث: وفي آخره ثم أتي به في الخامسة، قال: ((اقتلوه))، فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في البئر، رواه (١) («المغني)) (٤٤٠/١٢). (٢) («المغني)) (٤٤٦/١٢). ٤٣٨ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٢) حديث أبو داود(١)، وعن أبي هريرة مرفوعاً: ((إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق، فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله. ولنا ما روى سعيد بسنده إلى سعيد المقبري عن أبيه قال: حضرت علياً، أُتِيَ برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق فقال لأصحابه: ما ترون في هذا؟ قالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين، قال: قتلته إذاً، وما عليه القتل، بأي شيء يأكل؟ وبأي شيء يتوضأ للصلاة؟ وبأي شيء يغتسل للجنابة؟ فردّه إلى السجن أياماً، ثم أخرجه، فاستشار أصحابه، فقالوا مثل قولهم الأول، وقال لهم مثل ما قال أول مرة، فجلده جلداً شديداً ثم أرسله(٢)، وروي عنه أنه قال: إني لأستحي من الله أن لا أدع له يداً يبطش بها ولا رجلاً يمشي عليها. وأما حديث جابر، ففي حق شخص استحق القتل بدليل أن النبي ◌َلقّ أمر به في أول مرة وفي كل مرة، ورواه النسائي، وقال: منكر، وأما الحديث الآخر وفعل أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فقد عارضه قول علي، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه رجع إلى قول عليّ، فروى سعيد بسنده إلى عبد الرحمن بن عابد، قال: أُتِيَ عمر برجل أقطع اليد والرجل قد سرق، فأمر به عمر أن تقطع يده، فقال علي - رضي الله عنه -: إنما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوَأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾(٣) الآية، وقد قطعت يد هذا ورجله، فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها، وإما أن تعزره وإما أن تستودعه السجن، فاستودعه السجن، انتهى. وفي ((المحلى)): ما رُوِي أنه وَ لّ قتله في الخامسة فمنسوخ، أو مؤول (١) أخرجه أبو داود (٤٤١٠). (٢) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٢٧٤/٨)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٥١٢/٩)، وابن عبد الرزاق (١٨٦/١٠). (٣) سورة المائدة: الآية ٣٣. ٤٣٩ ٤٤ - كتاب السرقة (٤) باب (١٥٥٢) حديث بقتله لاستحلاله، وعمل بظاهره أبو مصعب المالكي ونقله عن مالك وعمر بن عبد العزيز وغيرهما، وقال إمامنا أبو حنيفة: لا يقطع في الثالثة، بل يُعَزَّرُ، ثم نقل قول محمد في ((موطئه))(١) المذكور من أن عائشة تنكر أن يكون هذا أقطع اليد والرجل. وقال أبو يوسف في ((كتاب الخراج)): إن عمر - رضي الله عنه - استشار في سارق فأجمعوا على أنه إن سرق قطعت يده، فإن عاد قطعت رجله، فإن عاد استودع السجن، قال: وحدثنا حجّاج عن عمرو بن دينار أنه كتب إلى ابن عباس سأله عن السارق، فكتب إليه بمثل قول علي، انتهى. وفي ((الجوهر النقي)) (٢): قال أبو عمر: حديث القتل منكر، لا أصل له، وقد ثبت عنه عليه السلام ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث))، ولم يذكر فيها السارق، ثم ذكر حديث أبي بكر المذكور في ((الموطأ))، وقال: القاسم لم يسمع أبا بكر، وقد روي عنه وعن غيره من الصحابة خلاف هذا. قال صاحب ((الاستذكار))(٣): اختلف في هذا الحديث، فروي أنه إنما قطع رجله، وكان مقطوع اليد اليمنى فقط، ذكر عبد الرزاق بسنده عن الزهري عن سالم وغيره قال: إنما قطع أبو بكر رِجْلَ الأقطع، وكان مقطوع اليد اليمنى فقط، وعن نافع عن ابن عمر قال: إنما قطع أبو بكر رِجْلَ الذي قطعه يعلى بن أمية، كان مقطوع اليد قبل ذلك، وذكر عبد الرزاق، ثنا معمر عن الزهري عن عائشة قالت: كان رجل أسود يأتي أبا بكر فيدنيه، ويقرئه القرآن حتى بعث ساعياً، فقال: أرسلني معه، فأرسله معه، واستوصى به خيراً، فلم يعبر منه إلا (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦٨/٣). (٢) ((الجوهر النقي)) على هامش ((السنن الكبرى)) (٢٧٢/٨). (٣) ((الاستذكار)) (١٨٥/٢٤). ٤٤٠