النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٣) حديث عبد الله بن مسعود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: ((كان يقطع اليد على عهد رسول الله (صل﴿ في عشرة دراهم))، وفي رواية إنما كان القطع في عشرة دراهم(١)، قال ((شارح المسند))(٢): وبهذا يظهر الرد على الترمذي حيث قال: ما روي عن ابن مسعود هو مرسل، رواه القاسم عن ابن مسعود، والقاسم لم يسمع من ابن مسعود، انتهى. قلت: أخرج الحاكم(٣) بسنده عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن في عهد رسول الله وٌَّ يُقَوَّم على عشرة دراهم، قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وشاهده حديث أيمن، وأقرّه عليه الذهبي. وقال السرخسي في ((المبسوط)): وعلماؤنا استدلّوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله وَ له قال: ((لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم))، وعن ابن مسعود نحوه موقوفاً ومرفوعاً، وفي الحديث المعروف، ((لا مهر أقل من عشرة، ولا قطع في أقل من عشرة دراهم)). وعن أيمن بن أبي أيمن وابن عباس وابن عمر أن المجن الذي قطعت اليد فيه على عهد رسول الله 18 كان يساوي عشرة دراهم، والرجوع إلى قولهم أولى، لأنهم من جِلَّةِ الغزاة، فكانوا أعرف بقيمة السلاح من غيرهم إلى آخر ما بسطه . قال الباجي(٤): قوله: ((في مجن ثمنه ثلاثة دراهم)) يتضمن القطع في العروض، وبه قال جماعة العلماء، وإن اختلفوا في بعض أنواعها، فقال (١) انظر: ((مسند الإمام مع تنسيق النظام))، (ص١٥٧). (٢) هو الشيخ علي القاري المتوفى ١٠١٤ هـ. (٣) ((المستدرك)) (٣٧٨/٤). (٤) ((المنتقى)) (١٥٦/٧). ٤٠١ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٤) حدیث ٢/١٥٤٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنِ الْمَكِّ؛ مالك: يقطع في جميع المنقولات التي يجوز بيعها، وأخذ العوض عليها، كان أصلها مباحاً كالماء والصيد والتراب، أو محظوراً كالثياب والعقار، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ما كان أصلها مباحاً فلا قطع على من سرقه، ويقطع عندنا من سرق المصحف خلافاً لأبي حنيفة. وقوله: ثمنه ثلاثة دراهم، يحتمل أن ذلك قيمته، ويحتمل أنه بيع بثلاثة دراهم، ونسبته بقيمته دليل على أن القطع متعلق بقدر معلوم، وإلا فلا فائدة لذكره . وعُلِمَ منه أن للورق مدخلاً في نصاب القطع خلافاً للشافعي في قوله: لا تعلق للنصاب بالورق، ودليلنا حديث الباب فإنه يفيد الاعتبار بالورق، وإذا ثبت ذلك فإن العروض تُقَوَّمُ بالدراهم دون الذهب، قال في ((الموازية)): سواء كان ذلك حيث يجري الذهب أو لم يكن، هذا المشهور من المذهب. وكان الشيخ أبو بكر يقول: هذا إذا كان الغالب على نقد البلد الورق، وإذا كان تعاملهم بالذهب، فإنها تُقَوَّمُ بالذهب، وجه الأول أن الدراهم هي التي جرى العرف بالتعامل بها في هذا القدر، فكان الاعتبار بها في قيمته، وأما الزكاة فإن نصابها مما جرت العادة أن يتعامل بها بالدنانير في بلد الذهب. ووجه القول الثاني: أن الاعتبار في قيمة العروض بما تباع به غالباً في بلد التقويم، كقيم المتلفات، والاعتبار بقيمة السرقة حين إخراجها من الحرز خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن الاعتبار يوم القطع، انتهى مختصراً. ٢/١٥٤٤ - (مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين) بن الحارث بن عامر بن نوفل (المكي) النوفلي ثقة، عالم بالمناسك، كذا في ((التقريب))، ورقم عليه للستة، تابعي صغير، قال ابن عبد البر(١): لم تختلف (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٤/٢٤) و((التمهيد)» (٣١٣/١٣). ٤٠٢ (١٥٤٤) حديث ٤٤ - كتاب السرقة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ قَالَ: ((لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ. (١) باب رواة ((الموطأ)) في إرساله، ويتصل معناه من حديث عبد الله بن عمرو وغيره، انتهى، وفي ((المحلى)): مرسل في ((الموطأ)) ومسند عند الترمذي(١) والنسائي(٢) بإسنادهما، عن ابن أبي حسين عن عمرو بن أبي شعيب عن جده بمعناه، انتھی. قال الحافظ في ((الدراية)): حديث عبد الله بن عمرو أن النبي وَّ سئل عن الثمر المعلق، فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذٍ خُبْنَةً، فلا شيء عليه، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع، أخرجه الأربعة إلا الترمذي فاختصره وأخرجه الحاكم وابن شيبة، لكنه وقفه، وله شاهد مرسل، أخرجه مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسین، انتھی. (أن رسول الله وَّير قال: لا قطع) وما في بعض النسخ الهندية من تكرار ((لا قطع)) تحريف من الناسخ، ليس التكرار في النسخ المصرية، ولا في النسخ القديمة الهندية. (في ثمر) بفتح المثلثة والميم (معلق) بالشجر قبل أن يُجَذّ ويُحرزَ . قال الباجي(٣): يريد - والله أعلم - الثمر في أشجارها إذا كان في الحوائط وشبهها، أما من سرق من ثمر نخلة، في دار رجل قبل أن تُجَدَّ. ففي (الموازية)): يقطع إذا بلغت قيمته على الرجاء والخوف ربع دينار، ولو كان ذلك في البساتين لم يقطع، لأن البستان ليس بمسكن، ولا حرز للنخل، ولا ما كان متصلاً بها اتصال خلقة، وفي ((العتبية)): إذا كانت النخلة في الدار، (١) ((سنن الترمذي)) (٥٧٥/٣) ح (١٢٨٩). (٢) أخرجه النسائي ح(٤٩٥٨). (٣) ((المنتقى)) (١٥٨/٧). ٤٠٣ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٤) حديث وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ)) فالدار مسكن وحرز لما كان فيها من شجرة، أو ثمرها المتصل بها، انتهى. قال الموفق(١): الثمرُ في البستان قبل إدخاله الحرز، لا قطع فيه عند أكثر الفقهاء، وكذلك الكَثَرُ المأخوذ من النخل، وهو الجُمّارُ، روي هذا عن ابن عمر - رضي الله عنه - وبه قال مالك والشافعي والثوري وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور: إن كان من ثمر أو بستان مُحْرَزٍ ففيه القطع، وبه قال ابن المنذر إن لم يصح خَبَرُ رافع، قال: ولا أحسبه ثابتاً، واحتجًا بظاهر الآية وبقياسه على سائر المحرزات. ولنا ماروى رافع بن خديج عن النبي والقر أنه قال: ((لا قطع في ثمر ولا كَثَر))، أخرجه أبو داود (٢) وابن ماجه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله وَر أنه سُئل عن الثمر المعلق، فقال: ((من أصاب بفيه))، الحديث، وهذا يخص عموم الآية، ولأن البستان ليس بحرز بغير الثمر، فلا يكون حرزاً له كما لو لم يكن محوطاً، فأما إن كانت نخلة أو شجرة في دار محرزة، فسرق منها نصاباً ففيه القطع، لأنه سرق من حرز، انتهى. قلت، وسيأتي حديث رافع في ما لا قطع فيه وسيأتي هناك أن الأمة تلقته بالقبول. (ولا في حريسة جبل) قال ابن الأثير: أي ليس فيم يحرس بالجبل، إذا سرق قطع لأنه ليس بحرز، وحريسة فعيلة بمعنى مفعولة، أي أن لها من يحرسها، ويحفظها، ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها أي ليس فيما يسرق من الماشية بالجبل قطع، انتهى. (١) ((المغني)) (١٢/ ٤٣٧). (٢) أخرجه أبو داود (٤٤٩/٢) من كتاب الحدود. والنسائي (٧٨/٨، ٧٩). وابن ماجه (٢/ ٨٦٥). ٤٠٤ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٤) حدیث فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ أَوْ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْمِجَنِّ. وفي ((المحلى)): قوله: حريسة جبل أي فيما يحرس بالجبل، في ((المشارق)): هي ما في المراعي من المواشي، فحريسة بمعنى محروسة أي أنها وإن أُحْرِسَتْ بالجبل، فلا قطع فيها، وقال أبو عبيد: وبعضهم يجعله السرقة نفسها، يقال حرس حرساً إذا سرق، وقال: هي التي تُحْرَسُ أي تُسْرَق، قال يعقوب: المحترس الذي يسرق الإبل والغنم ويأكلها، انتهى. قال الباجي(١): قوله: حريسة جبل، يريد - والله أعلم - الماشية التي تحرس في الجبل راعية، وقال ابن القاسم في ((العتبية)): حريسة الجبل كل شيء يسرح للمرعى من بعير أو بقرة أو غير ذلك من الدواب، لا قطع على من سرق منها، وإن كان أصحابها عندها، ووجه ذلك قوله وَلير: ((ولا في حريسة جبل)). ومن جهة المعنى أن ذلك ليس بحرز لها، وإنما هو موضع مشيها ورعيها، والموضع مشترك، وأما إذا آوى الماشية المراحُ، ففيها القطع، وإن كان في غير دور، ولا تحظير، ولا غلق، وأهلها في مدنهم، قاله مالك وابن القاسم، ووجه ذلك أنه جعل ذلك الموضع حِرْزاً لها، ومستقراً في بيتها، انتھی . (فإذا آواه المراح) بضم الميم وحاء مهملة موضع مبيت الغنم (أو الجرين) بفتح الجيم وكسر الراء الموضع الذي يُجَفَّفُ فيه الثمارُ، وفيه لف ونشر غير مرتب، قال الباجي: يريد إذا آوى إلى المراح الماشيةَ، والجرين الثمر، فعلق بها القطع، لأن ذلك حرزٌ، ومستقر لكل واحد منهما (فالقطع فيما بلغ ثمن المجن) أي مقدار النصاب على الاختلاف بينهم في قيمة المجن، ومقدار النصاب كما تقدم قريباً . قال الزرقاني(٢): بَيَّن ◌َّهَ الحالة التي يجب فيها القطعُ، وهي حالة كون (١) ((المنتقى)) (١٥٩/٧). (٢) (شرح الزرقاني)) (١٩٤/٤). ٤٠٥ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٤) حدیث المال في حرزه، فلا قطع على من سرق من غير حرزٍ إجماعاً إلا شذّ به الحسنُ والظاهرية، وقال ابن العربي: اتفقت الأمة على أن شرط القطع أن يكون المسروق محرزاً بحرز مثله، خلافاً لقول الظاهرية: لا قطع في كل فاكهة رطبة ولو بحرزها، وقاسوا على ذلك الأطعمة الرطبة التي لا تُدَّخَرُ، وليس مقصود الحديث ما ذهبوا إليه بدليل قوله: ((فإذا آواه الجرين)) فبين أن العلة كونه في غیر حرز له، انتهى. والحديث هكذا أخرجه محمد في ((موطئه)) (١) ثم قال: قال محمد: وبهذا نأخذ من سرق ثمراً في رأس النخل أو شاة في المرعى فلا قطع عليه، فإذا أتي بالثمر الجرينَ أو البيتَ، وأتي بالغنم المراحَ، وكان لها من يحفظها، فجاء سارق سرق من ذلك شيئاً يساوي ثمن المجن، ففيه القطع، والمجن كان يساوي يومئذٍ عشرة دراهم، ولا يُقْطَع في أقل من ذلك، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. وقوله: وكان لها من يحفظها، هكذا في النسخة التي بأيدينا، وفي هامشها: قال القاري: هكذا في الأصل، والظاهر أو كان لها من يحفظها، انتھی. وتقدم في أول الباب في شروط القطع ((الشرط الرابع)) كون المسروقة في حِرزٍ عند جمهور العلماء خلافاً لداود الظاهري، إذ لا يعتبر الحرزَ. ثم قال الموفق(٢): إذا ثبت اعتبار الحرز، والحرز ما عُدَّ حرزاً في العرف، فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه عُلِمَ أنه رَدَّ ذلك إلى أهل العرف، ثم بسط في أنواع الحرز للذهب والفضة والأمتعة والمواشي وغيرها . (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٠/٣). (٢) («المغني)) (٤٢٧/١٢). ٤٠٦ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٥) حديث ١٥٤٥/ ٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ سَارِقاً سَرَقَ فِي زَمَانٍ وهكذا قال ابن الهمام: إن الإخراج من الحرز شرطٌ عند عامة أهل العلم، وعن عائشة والحسن والنخعي أن من جمع المال في الحرز قطع، وإن لم يُخْرِجْ به، وعن الحسن مثل قول الجماعة، وعن داود لا يعتبر الحرز أصلاً، وهذه الأقوال غير ثابتة عمن نقلت عنه، ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرنا، فهو كالإجماع. قاله ابن المنذر، والحرز ما عُدَّ عرفاً حرزاً للأشياء لأن اعتباره ثبت شرعاً من غير تنصيص على بيانه، فيعلم به أنه رَدّ إلى عرف الناس فيه، والعرف يتفاوت، وقد يتحقق فيه اختلاف لذلك، وهو في اللغة الموضع الذي يحرز فيه الشيء، وكذا هو في الشرع إلا أنه بقيد المالية أي المكان الذي يحرز فيه المال كالدار والحانوت والشخص نفسه، والمحرز ما لا يَعُدُّ صاحبُه مُضَيِّعاً، انتهى. وفي ((الهداية)) (١): الحرز على نوعين: حرز لمعنى فيه كالبيوت والدور، وحرز بالحافظ، قال العبد الضعيف: الحرز لا بد منه؛ لأن الاستسرار لا يتحقق دونه، ثم هو قد يكون بالمكان، وهو المكان المُعَدُّ لإحراز الأمتعة، كالدور والبيوت والصندوق والحانوت، وقد يكون بالحافظ كمن جلس في الطريق أو في المسجد، وعنده متاعه، فهو مُحْرَزٌ به، وقد قطع رسول الله وَّل من سرق رداء صفوان من تحت رأسه، وهو نائم في المسجد، وفي المحرز بالمكان لا يعتبر الإحراز بالحافظ، هو الصحيح، انتھی. ٣/١٥٤٥ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم (عن أبيه) أبي بكر، لا يعرف له اسم سواه (عن عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية (أن سارقاً) لم يُسَمَّ (سرق في زمان) أي خلافة (١) (٣٦٧/١). ٤٠٧ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٥) حديث عُثْمَانَ أُتْرُجَّةً. فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنْ تَقُوَّمَ، فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَماً بِدِينَارٍ . (عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - (أُتْرَنْجَةً) قال الزرقاني(١): واحد ترنج في لغة ضعيفة، واللغة الصحيحة أَتْرُجٌّ بضم الهمزة وشد الجيم، الواحدة أُتْرُجَّةٌ، وهي التي تكلم بها الفصحاء، وارتضاه النحويون، قاله الأزهري، والأثر أخرجه البيهقي برواية الشافعي، وبموضع براوية ابن بكير كلاهما عن مالك بهذا السند والمتن، زاد في رواية الشافعي قال مالك: هي الأترجة التي يأكلها الناس، انتھی. قال في ((المدونة))(٢): كانت تلك الأترجة تؤكل، وروى عنه أشهب: ولو كانت من ذهب لما قَوَّمها عثمان، لأن الذهب لا يقوّم، وإنما يعتبر وزنه؛ لأنه أصل الأثمان، وقيم المتلفات، انتهى. وقال الباجي(٣) في ((المزنية)): من رواية ابن القاسم عن مالك كانت أُتْرُنْجَةٌ تؤكل، وروى ابن وهب عن ابن سمعان أنها كانت من ذهب كالحمصة، قال مالك: والدليل على ذلك أنها قومت، ولو كانت من ذهب لم تقوم، انتهى وفي ((المحلى)): قال مالك: الأترجة التي يأكلها الناس، وقال ابن كنانة: كانت أترجة من ذهب قدر الحمصة يجعل فيها الطيب، وروى ابن المسيب أن سارقاً سرق أترجةً، ثمنها ثلاثة دراهم، فقطع عثمان يده، قال: والأترجة خرزة من ذهب تكون في عنق الصبي، انتهى. (فأمر بها) أي بالأترجة (عثمان) - رضي الله عنه - (أن تقوم) ببناء المجهول من التقويم (فقومت) ببناء المجهول (بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهماً بدينار) يعني أن الدينار يوازي باثني عشر درهماً، فكأنها قُوِّمَتْ بربع (١) (شرح الزرقاني)) (١٥٤/٤). (٢) (٤١٨/٤). (٣) ((المنتقى)) (١٥٩/٧). ٤٠٨ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٦) حدیث فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَه . ٤/١٥٤٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وََّ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا طَالَ عَلَيَّ وَمَا نَسِيتُ ((الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً)). أخرجه البخاريّ في: ٨٦ - كتاب الحدود، ١٣ - باب قول الله تعالى : - والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما -. ومسلم في: ٢٩ - كتاب الحدود، ١ - باب حد السرقة ونصابها، حديث ١ - ٤. دينار، ولذا ذكره الحافظ في ((الفتح)) (١) في مستدلات الشافعية في العبرة بربع دينار (فقطع عثمان) - رضي الله عنه - (يده) أي أمر بقطعه. ولعل الروايات عن عثمان - رضي الله عنه - في ذلك مختلفة، فقد تقدم قريبا أن الإمام محمد - رحمه الله - عَدّ عمر وعثمان - رضي الله عنهما - فيمن قالوا: لا تقطع في أقل من عشرة دراهم. وتقدم أيضاً من كلام الحافظ في ((الدراية)) عن ابن أبي شيبة أُتي عمر - رضي الله عنه - برجل سرق ثوباً، فقال لعثمان: قَوِّمْه، فَقَوَّمه ثمانية دراهم، فلم يقطعه، قال السرخسي في ((المبسوط)): روي عن عمر - ضي الله عن - أَتِي بسارق سرق ثوباً فأمر بقطع يده، قال عثمان - رضي الله عنه -: إن سرقته لا يساوي عشر دراهم، فأمر بتقويمه، فقوم بثمانية دراهم، فدرأ الحد، فدل أنه كان ظاهراً معروفاً فيما بينهم أن النصاب يتقدَّرُ بعشرة دراهم، انتهى. ٤/١٥٤٦ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة) بفتح فسكون (بنت عبد الرحمن) المدنية (عن عائشة زوج النبي وَلّ أنها قالت: ما طال علي) بشد الياء أي لم يمض زمان طويل لعهد النبي وَالر (وما نسيت) كذا في النسخ، قال الزرقاني(٢): وفي نسخة ((ولا نسيت)) أي حكم ما يُقُطع فيه السارق، وهو (القطع في ربع دينار فصاعداً) قال صاحب ((المحكم)): هذا (١) ((فتح الباري)) (١٠٧/١٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٥٥/٤). ٤٠٩ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٧) حديث ٥/١٥٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ؛ يختص بالفاء، ولا يجوز بدلها الواو، وقال ابن جِنِّي: هو منصوب على الحال المؤكدة، أي ولو زاد، ومن المعلوم أنه إذا زاد لم يكن إلا صاعداً، كذا في (المحلی)). قال الزرقاني: هذا الحديث وإن كان ظاهره الوقف، لكنه مُشْعِر بالرفع، وقد أخرجه الشيخان من طرق عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة عن النبي وَلة قال: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً، انتهى. وبسط الطحاوي في الإيراد على رواية عائشة - رضي الله عنه - في ربع دينار، وأجاب عن الحافظ في ((الفتح)) (١) مفصلاً لا يسعها هذا ((الأوجز)) الأخصر، وقال ابن حزم في ((المحلى)): أما القطع في ربع دينار، فلم يرو إلا عن عائشة - رضي الله عنها -، وروي عنها على ثلاثة أضرب، ثم بسطها . وقال السرخسي في ((المبسوط)): وحديث عائشة - رضي الله عنها - اضطرب أهل الحديث فيه، وأكثرهم على أنه غير مرفوع إلى رسول الله وَالد حتى كان القاسم بن عبد الرحمن إذا سمع من يرويه مرفوعاً رماه بالحجارة، انتھی . ٥/١٥٤٧ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد (بن عمرو بن حزم) بمهملة وزاي (عن عمرة بنت عبد الرحمن) هكذا في جيمع النسخ، وتقدم قريباً رواية عبد الله عن أبيه عن عمرة، ولا ضير في ذلك، فإن عبد الله يروي عن أبيه وخالة أبيه عمرة معاً كما في ((التهذيب))(٢) وأثر الباب أخرجه البيهقي(٣) برواية ابن بكير عن مالك مثل رواية يحيى. (١) ((فتح الباري)) (١٠٢/١٢). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (١٦٤/٥). (٣) أخرجه البيهقي (٢٧٦/٨). ٤١٠ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٧) حدیث أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ وَلَّهِ إِلَى مَكَّةَ. وَمَعَهَا مَوْلَاتَانِ لَهَا، وَمَعَهَا غُلَامٌ لِبَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ فَبَعَثَتْ مَعَ الْمَوْلَاتَيْنِ بِبُرْدٍ مُرَجَّلٍ. قَدْ خِيطَ عَلَيْهِ خِرْقَةٌ خَضْرَاءُ. (أنها قالت: خرجت) بسكون الفوقية (عائشة) أم المؤمنين (زوج النبي ◌َّ- إلى مكة) في نُسك (ومعها) أي مع عائشة (مولاتان لها) أي لعائشة، قال الباجي(١): تريد مُعْتَقان، ولا يسمى من فيه بقية رقٍ مولى حتى يعتق، انتهى. (ومعها غلام) أيضاً، قال الزرقاني: لم أقف على اسم أحد من الثلاثة البني عبد الله بن أبي بكر الصديق) صفة لغلام (فبعثت) عائشة - رضي الله عنها - (مع المولاتين) المذكورتين (ببردِ مراجل) بصيغة الجمع في النسخ الهندية، وأكثر المصرية، وكذا في ((موطأ محمد))، وفي هامشه(٢) عن القاري: بُرد مراجِل بكسر الجيم وفتح الميم نوعُ بردٍ من اليمن، انتهى. وفي ((المحلى)): بُرد مراجِل ضربٌ من برد اليمن، كذا في ((جامع الأصول)»، انتهى. وفي بعض النسخ المصرية ((ببرد مرجل)) بالإفراد، قال الزرقاني(٣): بالجيم والحاء أي عليه تصاوير الرجال أو الرحال، كما أفاده أبو عبيد الهروي، ومنع تصوير الحيوان إنما هو إذا تمَّ تصويره، وكان له ظلُّ دائمٌ، وهذا مجرد وشي في البرد، لا ظل له، وليس بتام، انتهى. وفي ((المجمع)) (٤): عليه مرطٌ مرحل أي نقش فيه تصاوير الرحال بحاء مهملة، وروي بجيم أي صور الرجال، والصواب الأول، ومنه وعليه هذه المرحلات يعني المروط المرحلة، وتجمع على المراحل، انتهى. (قد خيط عليه) أي على البرد، ولفظ محمد ((خيطت عليه)) (خرقة خضراء) (١) ((المنتقى)) (١٦٠/٧). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٦٠/٣). (٣) ((شرح الزرقاني)) (١٥٥/٤). (٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٠٤/٢). ٤١١ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٧) حديث قَالَتْ: فَأَخَذَ الْغُلَامُ الْبُرْدَ. فَفَتَقَ عَنْهُ فَاسْتَخْرَجَهُ. وَجَعَلَ مَكَانَهُ لِبْداً أَوْ فَرْوَةً. وَخَاطَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَوْلَاتَانِ الْمَدِينَةَ دَفَعَتَا ذُلِكَ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا فَتَقُوا عَنْهُ وَجَدُوا فِيهِ اللِّبْدَ. وَلَمْ يَجِدُوا الْبُرْدَ. فَكَلَّمُوا الْمَرْأَتَيْنِ، فَكَلَّمَتَا عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِّ ◌َلَِّ، كاللفافة له، وجعل البرد مخفيّاً فيها (قالت) عمرة: (فأخذ الغلام البرد) المخيط. (ففتق عنه) أي شقّ عنه خياطةَ الخرقة التي عليها (فاستخرجه) أي شقّ خياطة الخرقة، واستخرج منها البرد (وجعل مكانه لِبْداً) بكسر اللام وسكون الموحدة ما يتلَبَّدُ من شعرٍ أو صوف، قاله الزرقاني، وفي ((المحلى)) عن ((القاموس)): اللِبِدُ الجوالِقُ، والمخلاة، وبساط معروف، وما تحت السرج، انتهى. (أو فَرْوَة) بفتح الفاء وبالهاء في آخره وبحذفها: ما يُلْبَسُ من جلد الغنم ونحوها. و((أو)) للشك من الراوي، قاله الزرقاني (وخاط عليه) أي خاط الخرقة علی ما وضع فيها . (فلما قدمت) بصيغة الواحد المؤنث الغائب من الماضي في جيمع النسخ الهندية والمصرية، إلا الزرقاني ففيها ((قدمتا)) قال: بالألف على لغية، انتهى. وهكذا بصيغة التثنية في رواية البيهقي (المولاتان المدينة) مفعول قدمت (دفعتا) بصيغة التثنية في جميع النسخ، والضمير إلى المولاتين. (ذلك) البرد (إلى أهله) ولفظ محمد في ((موطئه)) (١): فلما قدمنا المدينة دفعنا ذلك البرد إلى أهله، وفي هامشه: قدمنا بصيغة المتكلم مع الغير، وكذا دفعنا على ما في بعض النسخ، وهي التي شرح عليها القاري، وفي بعضها الأولى بصيغة المتكلم مع الغير، والثانية دفعتا بصيغة الماضي بإرجاع الضمير إلى المولاتين. (فلما فتقوا عنه وجدوا فيه الِلْبدَ ولم يجدوا) فيه (البرد فكلموا المرأتين) أي المولاتين المذكورتين (فكلمتا) أي المولاتان (عائشة زوج النبي (وَ ل) في ذلك (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦١/٣). ٤١٢ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٧) حدیث أَوْ كَتَبَتَا إِلَيْهَا، وَاتَّهَمَتَا الْعَبْدَ. فَسُئِلَ الْعَبُدُ عَنْ ذُلِكَ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ وَّةِ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً. الأمر (أو كتبتا إليها) إلى عائشة شكٌّ من الراوي (واتهمتا) هكذا سياق الصيغ الثلاثة في المصرية كلها بصيغة المثناة من تأنيث الغائب، وهو أوضح مما في النسخ الهندية من صيغة جمع المتكلم في الأخيرين وكَلَّمَتْنا بصيغة الغائب وضمير المفعول (العبد) المذكور الذي كان معهن (فسئل) ببناء المجهول (العبد عن ذلك) الأمر (فاعترف) العبد بأنه سرق (فأمرت به عائشة زوج النبي و ◌َل فقطعت) ببناء المجهول (يده). قال الباجي(١): يحتمل أن يريد أنه حمل إلى الأمير، فثبت اعترافه عنده، فقطعه، والغلام يحتمل أنه كان لا يدخل على عائشة ولا ينزل معها، ولا تأذن له في الدخول إلى موضعها، وأن المولاتين كانتا معه في منزل واحد، فأخذ الغلام البرد من منزل عائشة، ولم تأذن له في الدخول إليه، وما كان بهذه الصفة فهو مأخوذ من حرز، ويحتمل أن يكون الغلام كان يؤذن له في الدخول على عائشة، أو على المولاتين، لكنه كان المنزل منزلاً تسكن فيه عائشة وغيرها مشتركاً، وكان لعائشة - رضي الله عنها - أو للمولاتين موضع منفرد، ولم ينزل فيه الغلام، ولم يؤذن له بالدخول فيه، فسرق منه، فلذلك لزمه القطع، انتهى. (وقالت عائشة: القطع) يجب (في ربع دينار فصاعداً) أي زائداً من الذهب، قال الباجي: تريد أن البرد مما يجب فيه القطع؛ لأنه لا تقصر قيمته عن ذلك، انتهى. وتقدم في بيان اختلاف العلماء في النصاب أن التقدير بربع دينار مسلك الإمام الشافعي ومن وافقه. (١) ((المنتقى)) (١٦٠/٧). ٤١٣ ٤٤ - كتاب السرقة (١) باب (١٥٤٧) حديث وَقَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إِلَيَّ، ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنِ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوِ اتَّضَعَ. وَذُلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لّ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ. وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ. (قال مالك: أحبُّ ما يجب فيه القطع) للسارق (إلي) أي عندي متعلق بأحب (ثلاثة دراهم) من الفضة (وإن) وصلية (ارتفع) زاد (الصرف) أي قيمته (أو اتّضع) أي نقص. قال الباجي(١): يريد فيما يحتاج إلى تقويم مما ليس بذهب ولا ورق، انتهى. وتقدم في بيان النصاب أن التقويم عند الإمام مالك يُعْتبر بالدراهم، ولا عبرة في التقويم عنده للدينار، وهذا إذا سرق من غير الذهب، وفي عين الذهب العبرة ربع دينار شرعيّ (وذلك) أي الدليل على عبرة التقويم بالدراهم (أن رسول الله وَّير قطع في) سرقة (مجنٍ قيمته ثلاثة دراهم) كما تقدم قريباً من حديث ابن عمر - رضي الله عنه -. قال الحافظ في ((الفتح))(٢): تمسك مالك بحديث ابن عمر في اعتبار النصاب بالفضة، وأجاب الشافعية وسائر من خالفه بأنه ليس في طرقه أنه لا يقطع في أقل من ذلك، انتهى. قلت: واضطر الحافظ إلى هذا التأويل؛ لأن العبرة عند الشافعية بربع دينار لا غير. (وأن عثمان بن عفان قطع) في زمان خلافته (في أترجة قومت) ببناء المجهول من التقويم (بثلاثة دراهم) كما تقدم أيضاً قريباً (وهذا) أي التقويم بثلاثة دراهم (أحب ما سمعت إلي) بشد الياء (في ذلك) كرره تأكيداً، وعلم منه أنه رضي الله عنه سمع في ذلك الأقوال المختلفة، واختار منها التقويم بثلاثة دراهم لوجوه ترجحت عنده. (١) ((المنتقى)) (١٦٢/٧). (٢) ((فتح الباري)) (١٠٥/١٢). ٤١٤ ٤٤ - كتاب السرقة (٢) باب (٢) باب ما جاء في قطع الآبق والسارق وتقدم قريباً اختلاف الأئمة في مقدار النصاب، والعبرة عند الإمامين مالك وأحمد لربع دينار أو ثلاثة دراهم في الذهب والفضة. وأما في غيرهما، فالتقويم بأقلهما عند أحمد في المشهور عنه، وبثلاثة دراهم لا غير عند مالك في المشهور عنه، وأما عند الشافعي فالعبرة لربع دينار مطلقاً، سواء كان المسروق من فضة أو غيرها، وعند الحنفية العبرة بعشرة دراهم، سواء كان المسروق ذهباً أو غيره. (٢) ما جاء في قطع الآبق والسارق هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا من الهندية والمصرية من المتون والشروح بحرف العطف بين الآبق والسارق، والأوجه عندي حذفه، والمراد العبد الآبق السارق يعني إذا سرق العبد الآبق، فماذا حكمه؟ كما يظهر من الروايات الواردة في الباب، والمسألة خلافية شهيرة. قال الموفق(١): يُقْطَعُ الآبق بسرقته، وغيره. رُوي ذلك عن ابن عمر، وعمر بن عبد العزير، وبه قال مالك والشافعي، وقال مروان وسعيد بن العاص وأبو حنيفة: لا يقطع؛ لأن قطعه قضاءً على سيده، ولا يُقْضَى على الغائب، ولنا عموم الكتاب والسنة، وأنه مكلف سرق نصاباً من حرز مثله، فيقطع كغير الآبق، انتهى. قلت: مسألة القضاء على الغائب مسألة مستقلة خلافية عند الأئمة، ومسألة قطع الآبق السارق مسألة مستقلة. ولا يمنع الإباق القطع عند الحنفية، قال صاحب ((المحلى)): قال في ((شرح السنة)): العبد إذا سرق قُطع، آبقاً كان أو غيره، وهو قول مالك (١) ((المغني)) (١٢ /٤٥٠). ٤١٥ ٤٤ - كتاب السرقة (٢) باب (١٥٤٨) حدیث ٦/١٥٤٨ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عبداً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَرَقَ وَهُوَ آَبِقٌ. والشافعي وعامة أهل العلم، قلت: وهو قول إمامنا أبي حنيفة، كما ذكره محمد في ((موطئه))(١)، ولكن روى الحاكم عن ابن عباس مرفوعاً ((ليس على العبد الآبق قطعٌ إذا سرق، ولا على الذميّ)) كذا في ((جمع الجوامع))، انتهى. وما حكي عن محمد - رحمه الله - فهو كذلك، فإنه ترجم في ((موطئه))(٢) ((باب العبد يأبق ثم يسرق))، وذكر فيه أثر ابن عمر - رضي الله عنه - في سرقة عبده الآبق الآتي قريباً عند المصنف، ثم قال: قال محمد: تقطع يد الآبق وغير الآبق إذا سرق، ولكن لا ينبغي أن يَقْطَعَ السارق أحدٌ إلا الإمامُ الذي يحكم؛ لأنه حدٌّ لا يقوم به إلا الإمام أو من ولاه الإمام ذلك، وهو قول أبي حنيفة. قال ابن رشد في ((البداية))(٣): أما السارق الذي يجب عليه حدُّ السرقة، فإنهم اتفقوا على أن من شرطه أن يكون مكلفاً، سواء كان حراً أو عبداً، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو ذمياً، إلا ما رُوي في الصدر الأول من الخلاف في قطع يد العبد الآبق إذا سرق، ورُوي ذلك عن ابن عباس وعثمان ومروان وعمر بن عبد العزيز، ولم يختلف فيه بعد العصر المتقدم، فمن رأى أن الإجماع ينعقد بعد وجود الخلاف في العصر المتقدم كانت المسألة عنده قطعيّة، ومن لم ير ذلك تمسك بعموم الأمر بالقطع، انتهى. ٦/١٥٤٨ - (مالك عن نافع) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، وكذا في ((موطأ محمد)) بذكر نافع، فما في نسخة ((المنتقى)) في المتن والشرح من حذف نافع سقوطٌ من الناسخ (أن عبداً) لم يُسمَّ (لعبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (سرق وهو) أي العبد جملة حالية (آبقٌ) يعني سرق في زمان (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٧١/٣). (٢) («موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٧٠/٣). (٣) ((بداية المجتهد)) (٤٤٦/٢). ٤١٦ ٤٤ - كتاب السرقة (٢) باب (١٥٤٨) حديث فَأَرْسَلَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدينَةِ، لِيَقْطَعَ يَدَهُ. فَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ. وَقَالَ: لَا تُقْطَعُ يَدُ الآَبِقِ السَّارِقِ إِذَا سَرَقَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْتَ هُذَا؟ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ. إباقه ثم رجع (فأرسل به) أي بالعبد مولاه (عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه . (إلى) أمير المدينة (سعيد بن العاصي) بن سعيد بن العاصي بن أمية القرشي الأموي، له صحبةٌ وكان سِنُّه يوم موت النبي وَّر تسع سنين، وقتل أبوه يوم بدر كافراً، وكان سعيد مشهوراً بالجود والكرم، ولما مات في قصره بالعقيق سنة ثلاثة وخمسين كان عليه ثمانون ألف دينار، فوفاها عنه ولده عمرو الأشدق، كذا في ((الزرقاني))(١). (وهو) أي سعيد إذ ذاك كان (أمير المدينة) من جهة معاوية، وكان عاتبه على تخلفه عنه في حروبه، فاعتذر، ثم ولآّه المدينة، فكان يعاقب بينه وبين مروان في ولايتها، قاله الزرقاني (ليقطع يده) أي يأمر بقطعه لكونه أميراً (فأبى سعيد أن يقطع يده، وقال) في الاعتذار: (لا تقطع يد الآبق إذا سرق) ولعله بلغه الحديث المرفوع المذكور قبل ذلك. (فقال له) أي لسعيد (عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - منكراً عليه (في أيّ) آية من (كتاب الله وجدت هذا) الأمر الذي تقول به (ثم أمر به) أي بالعبد (عبد الله بن عمر فقطعت) ببناء المجهول (يده) لأن الإباق لم يكن عنده مانعاً من القطع. قال صاحب ((المحلى)): وبه أخذ مالك أنه يقطع يد الآبق، ولكنه قال: لا يقطع السيد يد العبد إذا أبى السلطان أن يقطعه، كذا قال الشافعي في ((الأم))، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٥٦/٤). ٤١٧ ٤٤ - كتاب السرقة (٢) باب (١٥٤٩) حدیث ٧/١٥٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالكِ، عَنْ زُرَيْقِ بْنِ حَكِيم؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ أَخَذَ عَبْداً آبقاً قَدْ سَرَقَ. قَالَ: فَأَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُ، قَالَ: فَكَتَبْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. أَسْأَلُهُ عَنْ ذُلِكَ. وَهُوَ الْوَالِي يَوْمَئِذٍ. قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّنِي كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّ الْعَبْدَ الآبِقَ إِذَا سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ. قلت: لعل مسلك ابن عمر - رضي الله عنه -، كان أن للسيد إقامة الحد على عبده بقطع اليد في السرقة كالشافعية، وإلا فقد تقدم أن المرجح من مسلك الإمام أحمد، وهو مذهب الإمام مالك، أنه ليس للسيد قطع يد عبده في السرقة، وليس ذلك إلا إلى الإمام، وأما الحنفية فليس عندهم للسيد حقٌّ في إقامة الحد على عبده مطلقاً، وبذلك جزم محمد في ((موطئه)) كما تقدم من كلامه قريباً. ٧/١٥٤٩ - (مالك عن زريق) بالتصغير وتقديم الزاي على الراء في جيمع النسخ الموجودة عندي من الهندية والمصرية، إلا الزرقاني، ففيها بتقديم الراء، وقد عرفت فيما سبق أن تقديم الزاي على الراء وعكسه قولان لأهل الرجال(١) (ابن حُكيم) مصغراً، وقيل مكبراً (أنه أخبره) أي أخبر رزيق مالكاً (أنه أخذ) أي رزيق وكان والياً على أيلة (عبداً آبقاً قد سرق) ما يوجب القطع. (قال) رزيق: (فأشكل علي) بشد الياء أي اشتبه علي (أمره) وسيأتي وجه الإشكال من أنه كان قد سمع أن يد الآبق لا تقطع (قال) رزيق: (فكتبت فيه) أي في ذلك الأمر (إلى عمر بن عبد العزيز) أمير المؤمنين (أسأله عن ذلك) الأمر (وهو) أي عمر بن عبد العزيز (الوالي يومئذٍ) على الناس (وأخبرته) أي كتبت إليه وجه الإشكال وهو (أني كنت أسمع) قبل ذلك (أن العبد الآبق إذا سرق وهو آبق) جملة حالية (لم تقطع يده) قال الزرقاني: وكأن شبهة قائل ذلك أن الآبق يجوع غالباً، ولا قطع على سارق زمن المجاعة، انتهى. (١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٢٧٣/٣) و((المشتبه)) (ص٣١٢). ٤١٨ ٤٤ - كتاب السرقة (٢) باب (١٥٤٩) حديث قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَقِيضَ كِتَابِي، يَقُولُ: كَتَبْتَ إِلَيَّ أَنَّكَ كُنْتَ تَسْمَعُ أَنَّ الْعَبْدَ الآبِقَ إِذَا سَرَقَ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ. وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَهُوَاْ أَبْدِيَهُمَا (قال) رزيق: (فكتب إلي) بشد الياء (عمر بن عبد العزيز نقيض كتابي) بفتح النون وكسر القاف على زنة فعيل من النقض، بالضاد المعجمة في جميع النسخ المصرية(١) وهو أوضح مما في النسخ الهندية من لفظ ((يقتصّ))، بفتح المثناة التحتية بصيغة المضارع من القصّ، بالصاد المهملة، وهو تتبع الأثر أي يتبع كلامي، وقال الزرقاني(٢): نقيض كتابي أي إبطاله يقال: تناقض الكلامان تدافعا، كأن كل واحد نقض الآخر، وفي كلامه تناقض إذا كان بعضه يقتضي إيطال بعض، انتهى. (يقول) عمر بن عبد العزيز في جواب كتابي: (كتبت إليّ) بصيغة الخطاب وشدّ الياء (أنك كنت تسمع أن العبد الآبق إذا سرق لم تُقْطَع يده) وكيف تعتمد على سماع مخالف للنص (وأن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه) المجيد: (﴿﴿ وَاُلْسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾(٣)) قرأ الجمهور السارق والسارقة بالرفع، وفيه وجهان: أحدهما: مذهب سيبويه، وهو المشهور من أقوال البصريين أن السارق مبتدأ محذوف الخبر، تقديره فيما يتلى عليكم أي حكم السارق. ويكون قوله تعالى: ﴿فَقْطَعُواْ﴾ بياناً لذلك الحكم المقدر، فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها، ولذلك أتى بها، ولو لم يؤت بالفاء لتوهم أنه أجنبيٍّ، والكلام على هذا جملتان، أولاهما خبريّةٌ، والثانية أمرية. والثاني: مذهب الأخفش، ونقل عن المبرد وغيره أنه مبتدأ أيضاً، والخبر (١) في ((الاستذكار)) (١٧٠/٢٤) ((نقيض كتابي)). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ١٥٧). (٣) سورة المائدة: الآية ٣٨. ٤١٩ ٤٤ - كتاب السرقة (٢) باب (١٥٤٩) حديث جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا الجملة الأمريّة، وإنما دخلت الفاء في الخبر لأنه يُشبه الشرطَ، إذ الألف واللام فيه موصولةٌ بمعنى الذي والتي، والصفة صلتها، فهي في قوة قولك: الذي يسرق، والتي تسرق، وهذا الثاني اختاره صاحب ((الجلالين))، كذا في «الجمل». والمراد بأيديهما: أيمانهما، لقراءة ابن مسعود، فإنه قرأ: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ قال صاحب ((العناية)): وهي مشهورة، جازت الزيادة به على الكتاب، قال صاحب ((الجلالين)): فاقطعوا أيديهما أي يمين كل واحد منهما من الكوع، قال صاحب ((الجمل)): اليمين مستفاد من القراءة الشاذِّة، والكوع مستفادٌ من السنة، انتهى. وفي ((الهداية))(١): الاسم يتناول اليد إلى الإبط، وهذا المفصل أعني الرسغ متيقن به، كيف وقد صحّ أن النبي وَلقر أمر بقطع يد السارق من الزند، والمسألة إجماعية كما سيأتي قريباً في كلام الموفق (﴿جَزَآءً﴾) منصوب على المصدر بفعل مقدر أي جَازُوهُما جزاءً، وذكر صاحب ((الجمل)) فيه أربعة أوجه (﴿بِمَا كَسَبًا﴾) ما مصدرية أو موصولة، والباء سببية أي بسبب كسبهما، والآية من مستدلات الحنفية في عدم الضمان على السارق. قال السرخسي: إذا قطع يد السارق رُدَّتِ السرقة إلى صاحبها، لأن المسروق منه واجدٌ عين ماله، ومن وَجَدَ عينَ ماله فهو أحقُّ به، فإن لم يقدر فلا ضمان على السارق عندنا، وقال الشافعي: هو ضامن لقيمتها، وقال مالك: إن كان السارق ذا مال يؤمر بأداء الضمان في الحال، وإن لم يكن له شيء فلا ضمان عليه في الحال ولا بعد ذلك. وحجتنا قوله تعالى: ﴿جَزَآءٌ بِمَا كَسَبَا﴾ فقد نص أن القطع جميع موجب (١) (٣٦٩/١). ٤٢٠