النص المفهرس

صفحات 361-380

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤٠) حديث
قَالَ زُرَيْقٌ: وَكَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضاً:
مالك يجيز العفو بعد أن يبلغ الإمام، كما روي عن عمر بن عبد العزيز، قال
في (كتاب ابن الموّاز)): وإن لم يرد به ستراً، قال: ثم رجع مالك، فلم يجزه
عند الإمام إلا أن يريد ستراً.
وجه القول الأول أنه حق من حقوق المقذوف، يجوز له العفو عنه قبل
بلوغ الإمام، فكان له العفو عنه بعد بلوغه، كالديون والقصاص، ووجه القول
الثاني أن الله فيه حقاً، وما تعلق به حق الله لم يجز العفو عنه بعد بلوغ الإمام
كالقطع في السرقة، انتهى.
وفي ((الهداية))(١): لا خلاف أن في حدِّ القذف حق الشرع وحق العبد،
فإنه شرع لدفع العار عن المقذوف، فمن هذا الوجه حق العبد ثم إنه شرع
زاجراً، ومنه سمّي حداً، وهذا آية حق الشرع، وبكل ذلك تشهد الأحكام،
وإذا تعارضت الجهتان، فالشافعي مال إلى تغليب حق العبد تقديماً لحق العبد
باعتبار حاجته وغناء الشرع، ونحن صِرْنا إلى تغليب حق الشرع، لأن ما للعبد
يتولاه مولاه، فيصير حق العبد مرعيا به، ولا كذلك عكسه، لأنه لا ولاية
للعبد في استيفاء حقوق الشرع إلا نيابةً.
وهذا هو الأصل المشهور الذي يتفرع عليه الفروع المختلف فيها. منها
الإرث، إذ الإرث يجري في حقوق العباد، لا في حقوق الشرع، ومنها العفو،
فإنه لا يصح عفو المقذوف عندنا، ويصح عنده، وغير ذلك من الفروع التي
ذكرها صاحب ((الهداية)).
(قال زُرَيْق) المذكور: (وكتبت) بصيغة المتكلم في جيمع النسخ، فما في
نسخة الزرقاني بصيغة الغائب وشدّ الياء في: ((إليَّ)) تحريف من الناسخ (إلى
عمر بن عبد العزيز أيضاً) والأثر هكذا ذكره ابن حزم في ((المحلى)) برواية ابن
وهب عن مالك.
ثم أخرج برواية إسماعيل بن أمية أخبرني رزيق بن حكيم أن عمر بن
(١) (٣٥٧/١).
٣٦١

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤٠) حديث
أَرَأَيْتَ رَجُلاً افْتُرِيَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَبوَيْهِ وَقَدْ هَلَكَا أَوْ أَحَدُهُمَا. قَالَ:
فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ: إِنْ عَفَا فَأَجْزِ عَفْوَهُ فِي نَفْسِهِ. وَإِنِ افْتُرِيَ عَلَى أَبَوَيْهِ
وَقَدْ هَلَكَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَخُذْ لَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ.
عبد العزيز كتب إليه في رجل قذف ابنه أن اجلده إلا أن يعفو ابنه عنه، قال
ابن رزيق: فظننتُ أنها للأب خاصة، فكتبتُ إلى عمر أراجعه للناس عامة أم
للأب خاصة، فكتب إليّ، بل للناس عامة، انتهى. وهذا يوضح المراد في
رواية ((الموطأ)).
وكتبت إليه أيضاً (أرأيت) بصيغة الخطاب (رجلاً) أي أخبرني عن الحكم
في رجل (افتري) ببناء المجهول (عليه أو على أبويه وقد هلكا) أي ماتا جميعاً
(أو) مات (أحدهما قال) رزيق (فكتب إليّ) بشد الياء (عمر) بن عبد العزيز (إن)
شرطية (عفا) المقذوف (فأجز) أي أمضٍ (عفوه في نفسه) أي في حق نفسه؛
لأنه صاحب الحق.
(وإن افتري) ببناء المجهول (على أبويه) أو على أحدهما (وقد هلكا) معا
(أو) هلك (أحدهما) قال عمر: (فخذ) بالخاء والذال المعجمتين بصيغة الأمر
من الأخذ في جيمع النسخ الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها ((فَحُدَّ)» بالحاء.
والدال المهملتين (له) أي للهالك واحداً كان أو كلاهما (بكتاب الله) أي بالحد
الوارد في كتاب الله من ثمانين جلدة.
قال الباجي(١): يريد لا يجوز عفوه إذا وصل إلى الإمام، لأن المقذوف غيره،
وقد قال ابن المواز عن مالك: إنما يجوز العفو إذا قذفه في نفسه، فإذا قذف أبويه أو
أحدهما وقد مات المقذوف لم يجز العفو عنه بعد بلوغ الإمام، انتهى.
وقال الموفق(٢): وإن قُذِفَتْ أمه وهي مَيِّتَةٌ، مسلمة كانت أو كافرة، حرة
أو أمة، حُدَّ القاذف إذا طالب الابنُ، وكان حراً مسلماً، وأما إذا قُذِفَتْ وهي
(١) ((المنتقى)) (١٤٨/٧).
(٢) («المغني)) (١٢/ ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٤).
٣٦٢

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤٠) حديث
إِلَّا أَنْ يُرِيدَ سِتْراً.
في الحياة، فليس لولدها المطالبة؛ لأن الحق لها، فلا يطالبُ به غيرُها. وأما
إن قُذِفَتْ وهي ميِّتة، فإنّ لولدها المطالبة؛ لأنه قَدْحٌ في نسبه، ولأنه بقذف أمه
ينسبه إلى أنه من زنا، ولا يستحق ذلك بطريق الإرث، وقال أبو بكر: لا يجب
الحدُّ بقذف مَيِّتَةٍ بحال، وهو قول أصحاب الرأي، لأنه قذف لمن لا تصح منه
المطالبة، فأشبه قذف المجنون.
وقال الشافعي: إن كان الميت محصناً، فلوليه المطالبة، وينقسم بانقسام
الميراث، وإن قذف أباه أوجده أو أحداً من أقاربه غير أمهاته بعد موته لم
يجب الحد بقذفه في ظاهر كلام الخرقي، لأنه إنما وجب بقذف أمه حقاً له
لنفي نسبه لاحقاً للميت، ولهذا لم يعتبر إحصان المقذوفة، واعتبر إحصان
الولد، ومتى كان المقذوف غير أمهاته لم يتضمن نفي نسبه فلم يجب الحد،
وهذا قول أبي بكر وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: إن كان الميت محصناً،
فلوليّه المطالبةُ به، وينقسم انقسام الميراث، لأنه قذف محصناً، فيجب الحد
على قاذفه كالحيٍّ، ولنا أنه قَذْفُ من لا يُتَصوَّرُ منه المطالبة، فلم يجب الحد،
بقذفه کالمجنون، انتھی.
وفي ((الهداية))(١): لا يطالب بحد القذف للميت إلا من يقع القدح في
نسبه، وهو الوالد والولد، لأن العار يلتحق به لمكان الجزئية فيكون القذف
متناولاً له، وعند الشافعي يثبت حق المطالبة لكل وارث، لأن حق القذف
يورث عنده، وعندنا ولاية المطالبة ليس بطريق الإرث، ولهذا يثبت عندنا
للمحروم عن الميراث بالقتل، ويثبت لولد البنت كما يثبت لولد الابن، خلافاً
لمحمد - رحمه الله تعالى -، انتهى.
(إلا أن يريد) الابن (ستراً) بكسر السين وفتحها أي التستر على نفسه أو
على أبويه.
(١) (٣٥٦/١).
٣٦٣

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤٠) حدیث
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: وَذُلِكَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ
الْمُفْتَرَى عَلَيْهِ يَخَافُ إِنْ كُشِفَ ذَلِكَ مِنْهُ، أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. فَإِذَا
كَانَ عَلَى مَا وَصَفْتُ فَعَفَا، جَازَ عَفْوُهُ.
(قال مالك: وذلك) أي المراد بالستر المذكور (أن يكون الرجل المفترى
عليه) ببناء المجهول (يخاف إن) بكسر الهمزة وسكون النون (كُشِفَ) ببناء
المجهول (ذلك) الفعل الذي رمي به (منه) أي من المقذوف (أن) بفتح الهمزة
مفعول يخاف (يقوم عليه بيْنَةٌ) بما رمي به (فإذا كان) الأمر (على ما وصفتُ)
بصيغة المتكلم أي من خوف إقامة البينة (فعفا) المقذوف لأجل ذلك (جاز
عفوه) قال الزرقاني: ولو بلغ الحاكم، انتهى.
قال الباجي(١): روى ابن حبيب عن أصبغ معنى قوله في عفو المقذوف
في نفسه أو أبويه عند الإمام، إن قال: أردت ستراً لم يقبل منه، ويكشف عن
ذلك الإمام، فإن خاف أن يثبت ذلك عليه أجاز عفوه، وإلا لم يجز، وقال ابن
الماجشون عن مالك: معنى قوله: إلا أن يريد ستراً إن كان مثله يفعل ذلك
جاز عفوه، ولا يُكَلَّفُ إلا أن يقول: أردت ستراً، أما العفيف الفاضل فلا
یجوز عفوه، انتهى.
وتعقبه ابن حزم في ((المحلى))(٢)، فقال: قال مالك فيمن قذف آخر،
فثبت ذلك عند الإمام، فأراد المقذوف أن يعفو عن القاذف لا يجوز له العفو.
إلا أن يريد ستراً على نفسه خوف أن يثبت عليه ما رُمي به، فيجوز عفوه
حينئذٍ، قال: فنظرنا في ذلك، فوجدناه ظاهر التناقض، لأنه إن كان حدُّ القذف
عنده من حقوق الله فلا يجوز عفو المقذوف أراد ستراً أو لم يُرِد، لأنه تعالى
لم يجعل له إسقاط حدٍّ من حدود الله، وإن كان من حقوق الناس، فالعفو جائز
لكل أحد في حقه أراد ستراً أو لم يرد.
(١) ((المنتقى)) (١٤٨/٧).
(٢) (٢٥٥/١٢).
٣٦٤

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حدیث
١٩/١٥٤١ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ
قَالَ فِي رَجُلٍ فَذَفَ قَوْماً جَمَاعَةً: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ تَفَرَّقُوا
ويقال لمن نصر هذا القول الظاهر الخطأ: ما الفرق بين هذا، وبين من
عفا عن الزاني بأمته، وهو يريد تستراً على نفسه خوف أن يقيم الواطئ لها بَيَّنَةً
بأنها له غصبها منه الذي هي بيده الآن، وبين من عفا عن سارق متاعه، وهو
يريد ستراً على نفسه خوف أن يقيم الذي سرقه منه بينةً عدلٍ بأن الذي كان بيده
سرقه منه، فهل بين شيء من هذا كله فرقٌ؟ هذا ما لا يُعْرَفُ أصلاً، فسقط هذا
القول جملة، لتناقضه ولتعريه من الأدلة، ولأنه قولٌ لا يُعْرَف عن أحد من
الصحابة - رضي الله عنهم - ولا عن أحد من التابعين.
ثم نظرنا في قول أبي حنيفة، فوجدناه قد تناقض؛ لأنه جعله من
حقوق الله تعالى، ولم يجز العفو عنه أصلاً، فأصاب في ذلك، ثم تناقض
مناقضة ظاهرة، فقال: لا حدَّ على القاذف إلا أن يطالبه المقذوف، فجعله بهذا.
القول من حقوق المقذوف، وهذا تخليط ظاهر، انتهى.
وقد عرفت فيما سبق من كلام الموفق أن مطالبة المقذوف شرط إجماعاً،
فلا يبطله خلاف ابن حزم، وما أورده من التناقض في مسلك الإمام مالك مبنيٌّ
على قلة الإطلاع في مسالك الأئمة، فقد تقدم قريباً من كلام صاحب ((الهداية))
أن لا خلاف في أن في حد القذف حقاً للشرع، وحقاً للعبد كليهما معاً،
واعتبر الفقهاء كلا الحقين، فتأمل.
١٩/١٥٤١ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه) أي عروة بن الزبير (أنه
قال في رجل قذف قوماً) حال كونهم (جماعة) أي مجتمعين بأن قال لهم: إنكم
كلكم زُنَاةٌ (إنه ليس عليه) أي على القاذف (إلا حدّ واحد) للجميع.
(قال مالك: فإن تفرقوا) أي كان المقذوفون متفرقين فقذفهم فرداً فرداً،
٣٦٥

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حديث
فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّ حَدٌّ وَاحِدٌ.
(فليس عليه) أي على القاذف (إلا حدٍّ واحد) أيضاً يعني أن قول عروة: جماعة
في الأثر السابق ليس باحتراز، قال الباجي(١): قوله في قاذف الجماعة: ليس
عليه إلا حدٍّ واحد قاله مالك وأصحابه في غير ما كتاب، سواء قذفهم مجتمعين
أو متفرقين ووجه ذلك أنه حد من الحدود، فتداخل كحدّ الزنا، وبهذا فارق
حقوق الآدميين، فإنها لا تتداخل، انتهى.
قال صاحب ((المحلى)) بعد قول مالك: ليس عليه إلا حدٍّ واحدٌ: وعليه
أبو حنيفة، وقال الشافعي: إذا تعدد المقذوف، فلا بد لكلٍ حدٍّ، انتهى.
قال الموفق(٢): إذا قذف الجماعة بكلمةٍ واحدة، فحدٍّ واحدٌ إذا طالبوا،
أو واحدٌ منهم، وبهذا قال الشعبي والزهري والنخعي ومالك والثوري وأبو حنيفة
وصاحباه وابن أبي ليلى وإسحاق، وقال الحسن وأبو ثور وابن المنذر: لكل
واحد حدٍّ كاملٌ، وعن أحمد مثل ذلك، وللشافعي قولان كالروايتين.
ووجه هذا أنه قذف كل واحد منهم، فلزمه له حدٌّ كامل، كما لو قذفهم
بكلمات، ولنا قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾(٣) الآية، ولم يُفَرِّقْ بين
قذف واحد أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة - رضي الله عنه - قَذَفُوا
امرأة، فلم يَحُدَّهم عمر - رضي الله عنه - إلا حداً واحداً، ولأن الحد إنما
وجب بإدخال المعَرَّة على المقذوف بقذفه، وبحدٍّ واحدٍ يظهر كذب هذا
القاذف، وتزول المعرَّةُ، فوجب أن يكتفى به، بخلاف ما إذا قذف كلُّ واحدٍ
قذفاً مفرداً، فإن كَذِبَه في قذفٍ لا يلزم منه كذبُه في الآخر، ولا تزول المعرَّةُ
عن أحد المقذوفين بحدِّه للآخر.
(١) ((المنتقى)) (١٤٨/٧).
(٢) ((المغني)) (٤٠٥/١٢، ٤٠٦).
(٣) سورة النور: الآية ٤.
٣٦٦

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حديث
فإن قذف الجماعة بكلمات، فلكل واحد حدٍّ، وبهذا قال عطاء والشعبي
وابن أبي ليلى وأبو حنيفة والشافعي، وقال حماد ومالك: لا يجب إلا حد
واحدٌ، لأنها جنايةٌ توجب الحد، فإذا تكررت كفى حدّ واحد، كما لو زنى
بنساء أو شرب أنواعاً من المسكر، ولنا أنها حقوق للآدميين، فلم تتداخل،
كالديون والقصاص، وفارق ما قاسوا عليه، فإنه حق لله تعالى، انتهى.
قلت: قد تقدم في كلام صاحب ((المحلى)) أن الإمام أبا حنيفة يوافق
الإمام مالكاً في ذلك، قال صاحب ((الهداية))(١): من زنى أو شرب أو قذف
غیر مرة فحُدَّ، فهو لذلك كله.
قال ابن الهمام (٢): سواء قذف واحداً مراراً أو جماعة بكلمة، كقوله:
أنتم زنَاةٌ أو بكلمات كأن يقول: يا فلان أنت زانٍ، وفلان زانٍ، حتى إذا حضر
واحد منهم، فادّعى أحد لذلك، ثم حضر آخر فادّعى أنه قذفه لا يقام إذا كان
يقذف قبل أن يحدّ، لأن حضور بعضهم للخصومة كحضور كلهم فلا يُحدّ ثانياً
إلا إذا كان بقذف آخر مستأنف.
وحكي أن ابن أبي ليلى سمع من يقول لشخص: يا ابن الزانيين فحدَّه
حدّين في المسجد، فبلغ أبا حنيفة، فقال: يا للعجب لقاضي بلدنا أخطأ في
مسألة واحدة في خمسة مواضع، الأول: أخذه بدون طلب المقذوف، والثاني:
أنه لو خاصم وجب حدٌّ واحد، والثالث: ينبغي أن يتربص بينهما يوماً أو أكثر
حتى يخفف أثر الضرب الأول، والرابع: ضربه في المسجد، والخامس: ينبغي
أن يتعرف أن والديه في الأحياء أولا، فإن كانا حيّين فالخصومة لهما وإلا
فالخصومة للابن.
(١) (٣٦٠/١).
(٢) ((فتح القدير)) (١٠٨/٥).
٣٦٧

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حديث
حدّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبَّا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ
أَحَدُهُمَا لِلْآَخَرِ: وَاللَّهِ مَا أَبِي بِزَانٍ، وَلَا أُمِّ بِزَانِيَةٍ. فَاسْتَشَارَ فِي
ذلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ قَائِلٌ: مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ. وَقَالَ آخَرُونَ:
قَدْ كَانَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هُذَا. نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ الْحَدَّ.
ثم قال: وعند الشافعية إن قذف جماعة بكلمة، فكذلك في قول، وإن
قذفهم بكلمات أو قذف واحداً مرات بزنا آخر، يجب لكل قذف حدّ، وعندنا
لا فرق ولا تفصيل، بل لا تعدد كيفما كان، وبقولنا قال مالك والثوري
والشعبي والنخعي وأحمد في رواية، وفي رواية كقول الشافعي المذكور، وفي
الجديد للشافعي لا يتداخل، ولو قذفهم بكلمة واحدة، انتهى.
(مالك عن أبي الرجال) بجيم (محمد بن عبد الرحمن بن حارثة) بحاء
وراء مهملتين وثاء مثلثة (ابن النعمان) بالتعريف في النسخ المصرية والتنكير في
الهندية. (الأنصاري ثم من بني النجّار) بفتح النون والجيم الثقيلة بطنٌ من
الخزرج، ولفظ ((ثم)) ليس في بعض النسخ المصرية، ولا ضير فيه، تخصيصٌ
بعد التعميم.
(عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية أنها قالت:
(أن رجلين) لم يسميا (استبًّا) أي سبّ كلُّ واحد منهما الآخر (في زمان) خلافة
(عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: والله ما) نافية (أبي بزان ولا أمي
بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - أهلَ العلم والفهم
من الصحابة، وسيأتي منشأ الاستشارة في كلام الباجي.
(فقال قائل) من أهل المشورة نظراً إلى ظاهر اللفظ: إنه (مدح أباه وأمه)
فلا شيء عليه (وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدحٌ غير هذا) فذكره في مقام
المشاتمة دليل التعريض بالقذف لمخاطبه (نرى أن تجلده الحدّ) حدّ القذف، قال
٣٦٨

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حدیث
فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ، ثَمَانِينَ.
الباجي(١): قوله: والله ما أمي بزانية، يقتضي أنه قال ذلك على وجه المشاتمة،
والمفهوم في لسان العرب من هذا إضافة مثل هذا إلى أم المسبوب، وفخره
عليه بسلامة أمه بذلك مع شاهد الحال من المشاتمة يقتضي أن أم المسبوب
معيبة بذلك، ولو استويا في السلامة لم يكن هذا وقت ذكرها، لأنه لا يتضمن
ذلك مزية للسابِّ على المسبوب.
ولما كان اللفظ فيه بعض احتمال، ويحتاج في كونه قذفاً إلى نوع من
الاستدلال أو العدول عن ظاهر اللفظ استشار عمر - رضي الله عنه - فيه علماءَ
الصحابة، فتعلّق بعضُهم بظاهر اللفظ، وتعلق بعضهم بالمفهوم منه، وقال: كان
لأمه مدٌ غير هذا، يريد ليس هذا مما يقصد به الإنسان مدح أمه، وإنما يقصد
إلى وصفها بهذا البر في فضلها على من يوجد فيها هذه المعائب، لا سيما مع
ما يشهد لذلك من حال المشاتمة، وقصد كل واحد منهما إلى ذمّ الآخر وذم
أبويه، ولذلك أخذ عمر - رضي الله عنه - بقول من أوجب فيه الحد، انتهى.
(فجلده عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (الحد) أي حد القذف
(ثمانين) وهكذا أخرجه البيهقي(٢) برواية يحيى بن بكير عن مالك، وجلده عمر
ثمانين جلدة، لأنه وافق رأيه رأيهم.
قال الباجي(٣): وبه قال مالك، وقد جلد عمر بن الخطاب في التعريض،
وقال: حق الله لا ترعى جوانبه، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وقال أبو حنيفة
والشافعي: ليس في التعريض حدٍّ، والدليل على صحة ما نقوله أنه لفظ يفهم
منه القذف، فوجب أن يكون قذفاً أصله التصريح، فإن منعوا أن يكون قذفاً،
(١) ((المنتقى)) (١٥٠/٧).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٢٥٢/٨).
(٣) ((المنتقى)) (١٥٠/٧)، وانظر ((الاستذكار)) (١٢٧/٢٤).
٣٦٩

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حديث
فقد أحالوا المسألة، لأن الخلاف بيننا وبينهم إنما هو فيما يفهم بالتصريح،
فإذا لم يفهم ذلك فلا خلاف في أنه لا حَدَّ فيه.
وجوابٌ ثانٍ، وهو أن عرف التخاطب ينفي ما قالوا، لأن أهل اللغة
يسمون التعريض بما فُهِمَ منه معنى التصريح، ولذلك أخبر الله تعالى عن قوم
شعيب أنهم قالوا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وإنما أرادوا ضد ذلك، انتهى.
وأثر الباب أخرجه محمد في ((موطئه))(١)، ثم قال: قد اختلف في هذا
على عمر بن الخطاب أصحاب النبي وَلّ، فقال بعضهم: لا نرى عليه حداً،
فأخذنا بقول من درأ عنه الحد، وممن درأ الحد وقال: ليس في التعريض
جَلْدٌ، عليُّ بن أبي طالب، وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من
فقهائنا، انتھی.
وقال الموفق(٢): كلام الخرقي يقتضي أن لا يجب الحد على القاذف إلا
بلفظ صريح، لا يحتمل غير القذف، وهو أن يقول: يا زاني أو ينطق باللفظ
الحقيقي في الجماع، فأما ما عداه من الألفاظ، فيرجع فيه إلى تفسيره، فلو
قال الرجل: يا مخنث أو لامرأة يا قحبةُ، وفسره بما ليس بقذف، مثل أن يريد
بالمخنث أنّ فيه طباع التأنيث والتشبّه بالنساء، وبالقحبة أنها تستعد لذلك فلا
حدَّ عليه، وكذلك إذا قال: يا فاجرة، يا خبيثة، وحكى أبو الخطاب في هذا
رواية أخرى أنه قذفٌ صريحٌ، ويجب به الحد، والصحيح الأول.
واختلفت الرواية عن أحمد في التعريض بالقذف، مثل أن يقول لمن
يخاصمه: ما أنت بزانٍ أو ما يعرفك الناس بالزنا، أو يقول: ما أنا بزان، ولا
أمي بزانية، فروى عنه حنبل لا حدَّ عليه، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٠٤/٣).
(٢) ((المغني)) (٣٩١/١٢).
٣٧٠

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حديث
أبي بكر، وبه قال عطاء وقتادة والثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر
وأصحاب الرأي، لما رُوي أن رجلاً قال للنبي وَّ: إن امرأتي ولدت غلاماً
أسود يُعرِّضُ بنفيه، فلم يلزمه بذلك حدٌّ ولا غيره، وقد فرق الله تعالى بين
التعريض بالخطبة والتصريح بها، فأباح التعريض في العدة، وحرم التصريح
فكذلك في القذف.
ولأن كل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفا، وروى الأثرم وغيره عن
أحمد أن عليه الحد، وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -، وبه قال إسحاق
لحديث ((الموطأ)» هذا، وقال معمر: إن عمر - رضي الله عنه - كان يجلد الحد
في التعريض، وروي أن عثمان - رضي الله عنه - جلد رجلاً قال لآخر: يا ابن
شامَّةِ الوَذْرِ يُعَرِّضُ له بزنا أمه، والوَذْرُ(١): قِدْرُ اللَّحْم يُعَرِّضُ له بَكَمَرٍ(٢)
الرجال، ولأن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاته كالصريح الذي لا
يحتمل إلا ذلك المعنى. ولذلك وقع الطلاق بالكناية.
فإن لم يكن ذلك في حال الخصومة، ولا وُجِدَت قرينة تُصِرف إلى
القذف، فلا شك في أنه لا يكون قذفاً، وذكر أبوبكر بن عبد العزيز أن أبا
عبد الله رجع عن القول بوجوب الحدِّ في التعريض، انتهى.
وما ذكره الموفق من قول ((ابن شامّةِ الوَذْرِ)) ذكره ابن حزم في
(المحلى))(٣) بسياق آخر، وجعله حجة لمن درأ الحدَّ، فأخرج بسنده إلى
حميد بن هلال أن رجلاً شاتم رجلاً، فقال: يا ابن شامَّةِ الْوَذْرِ يعني
ذكور الرجال، فقال له عثمان: أشهد عليه، أشهد عليه؟ فرفعه إلى عمر
(١) الوذر: قطع اللحم الصغيرة.
(٢) واحده كَمَرَة: رأس الذَّكِرَ.
(٣) (٢٤٠/١٢).
٣٧١

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حدیث
- رضي الله عنه - فجعل الرجل يقع في عثمان، فينال منه، فقال عمر
- رضي الله عنه - أعرض عن ذكر عثمان، فجعل لا ينزع، فعلاه عمر
بالدِّرة، وقال: أعرض عن ذكر عثمان، وسأل عن أم الرجل، فإذا هي قد
تزوجت أزواجاً، فدرأ عنه الحد.
وعَدَّ السرخسي في ((المبسوط))(١) عمر - رضي الله عنه - فيمن لم يقل به
الحد، إذ قال: إذا عَرَّض بالزنا، فقال: أما أنا فلستُ بزانٍ فلا حدَّ عليه
عندنا، وقال مالك - رحمه الله -: يُحَدُّ، والاختلافُ بين الصحابة
- رضي الله عنهم - فعمر - رضي الله عنه - كان لا يوجب الحد في مثل هذا،
ويقول في حال المخاصمة مع الغير مقصوده بهذا اللفظ نسبة صاحبه إلى
الشَيْن، وتزكيةٌ لنفسه، لا أن يكون قذفاً للغير، وأخذنا بقوله، لأنه إن تصور
معنى القذف بهذا، فهو بطريق المفهوم، والمفهوم ليس بحجة، انتهى.
وبسط ابن حزم(٢) في ترجيح دلائل من درأ عنه الحد، واستدل لذلك
بروايات مرفوعة، منها: حديث مسلم عن أبي هريرة ((أن أعرابياً قال: يا
رسول الله إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، وأنا أُنْكره)) الحديث(٣)، ومنها:
حديث ابن عباس أن رجلاً قال: ((يا رسول الله إن امرأتي لا تَرُدَّ يدَ لامسٍ،
قال: طَلِّفْها، قال: إني لا أصبر عنها، قال: فأمسكها))(٤)، قال: هذه
الأحاديث في غاية الصحة موجبة أنه لا شيء في التعريض أصلاً، وحديث أبي
هريرة الذي ذكره ابن حزم عن مسلم أخرجه البخاري في صحيحه، وترجم عليه
(١) (١٢٠/٩).
(٢) انظر: ((المحلى)) (٤٣٣/١٢).
(٣) أخرجه البخاري (٦٨٤٧)، ومسلم (٢١٢/٤)، وأبو داود (٢٢٦٢).
(٤) أخرجه النسائي (٣٢٢٩ - ٣٤٦٥).
٣٧٢

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ عِنْدَنَا إِلَّا فِي نَفْي. أَوْ قَذْفٍ. أَوْ تَعْرِيضِ
يُرَى أَنَّ قَائِلَهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذْلِكَ نَفْياً. أَوْ قَذْفَاً. فَعَلَى مَنْ قَالَ ذُلِكَ،
الْحَدُّ تَامًّا .
(باب ما جاء في التعريض))، قال الحافظ (١): استدل الشافعي بهذا الحديث
على أن التعريض بالقذف لا يعطى حكم التصريح، فتبعه البخاري.
(قال مالك: لا حَدَّ عندنا إلا في نفي) النسب عن أبيه كما سيأتي في
القول الآتي مفصلاً (أو قذف) أي رمي بالزنا صريحاً، كما تقدم في أول
الباب، وفي النسخ الهندية ((إلا في قذف أو نفي))، والمؤدى واحد، والأول
أوجه للسياق الآتي من قوله: إنما أراد (أو تعريض) بالقذف كما تقدم قريباً
(يُرى) ببناء المجهول أي يُظَنُّ بظاهر الكلام (أن قائله) الذي نفى أو عَرَّضَ
(إنما أراد بذلك) أي بكلامه الذي قاله (نفياً) عن النسب (أو قذفاً) أي رمياً
بالزنا .
وذلك لما تقدم قريباً من كلام الباجي أن الخلاف إنما هو فيما يُفْهم منه
القذف، فإذا لم يفهم ذلك، فلا خلاف في أنه لا حدَّ فيه (فعلى من قال ذلك)
أي الكلام المذكور الدال على القذف أو النفي (الحدُّ تاماً) ثمانون جلدة إذا
أُريد بالتعريض القذفُ.
قال الحافظ(٢): التعريض بعين مهملة وضاد معجمة، قال الراغب: هو
كلام له وجهان، ظاهرٌ، وباطنٌ، فيقصد قائله الباطن، ويظهر إرادة الظاهر،
انتهى. وقال أيضاً في موضع آخر: التعريض ذكر شيء يفهم منه شيء آخر لم
يذكر، ويفارق الكناية بأنها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع، يقوم مقامه، انتهى.
وقال العيني: التعريض نوع من الكناية ضد التصريح، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (١٧٥/١٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٧٥/١٢).
٣٧٣

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إِذَا نَفَى رَجُلٌ رَجُلاً مِنْ أَبِيهِ. فَإِنَّ
عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الَّذِي نُفِيَ مَمْلُوكَةً. فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
(قال مالك: والأمر عندنا أنه إذا نفى رجل) أي أحد (رجلاً من) نسب
(أبيه فإن عليه) أي على نافي النسب (الحد) أي حد القذف (وإن كانت أم الذي
نفي) ببناء المجهول (مملوكة) أي أمة (فإن عليه) أي على النافي (الحد) تاماً
لأن العبرة في النسب بالأب، ولا دخل في إثبات النسب لكون الأم حرة أو
أمة.
قال الباجي(١): قوله: ينفي الرجل من أبيه، وذلك أنه إذا نفاه عن أبيه
فقد رمى أمه بالزنا وقطع نسبه، وكلا الأمرين يوجب حدَّ القذف، وذلك بأن
ينفيه عن أبيه أو ينسبه إلى غير أبيه، وقوله: إن كانت أمه مملوكة، يريد أن
الحدَّ واجب عليه لقطع نسبه.
وفي ((الموازية)) فيمن قال الرجل: يا ولد الزنا، فالحد في ذلك كله، وإن
كانت أمه مملوكة أو مشركة، لأن القذف توجه إلى المسلم المقذوف، وذلك
بخلاف قوله: يا ابن الزانية، وأمه مملوكة أو ذمية، فإنه لا حدَّ عليه، ووجه
ذلك أن القذف اختص بالأم، وقد تكون زانية، ويثبت ابنها من أبيه، انتهى.
وقال الموفق(٢): إذا نفى رجلاً عن أبيه، فعليه الحد، نص عليه أحمد،
وكذلك إذا نفاه عن قبيلته، وبهذا قال إبراهيم النخعي، وإسحاق، وبه قال
أبو حنيفة، والثوري، وحماد، إذا نفاه عن أبيه، وكانت أمه مسلمة حرة، وإن
كانت رقيقة أو ذمية فلا حدّ عليه؛ لأن القذف لها، وجه الأول ما روي عنه وَلّ
كان يقول: ((لا أُوتَى برجل يقول: إن كنانة ليست من قريش إلا جلدته))(٣) وعن
(١) (المنتقى)) (١٥١/٧).
(٢) («المغني)) (٣٩٤/١٢).
(٣) أخرجه ابن ماجه في: باب من نفى رجلاً من قبيلة، من كتاب الحدود، (٨٧١/٢)
وأخرجه أحمد في «مسنده)) (٢١١/٥، ٢١٢) موقوفاً.
٣٧٤

٤٣ - كتاب الحدود
(٥) باب
(١٥٤١) حديث
ابن مسعود أنه قال: ((لا جلد إلا في اثنتين: رجل قذف محصنة أو نفى رجلاً
عن أبيه))(١) وهذا لا يقوله إلا توقيفاً، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): من نفى نسب غيره، فقال: لست لأبيك، فإنه يُحَدُّ،
وهذا إذا كانت أمه حرة مسلمة؛ لأنه في الحقيقة قذف لأمه، ومن قال لغيره
في غضب: لست بابن فلان لأبيه الذي يُدْعَى له يحد، ولو قال في غير غضب
لا يُحَدُّ، لأن عند الغضب يراد به حقيقة سبّاً له، وفي غيره يراد به المعاتبة
بنفي المشابهة أباه في أسباب المروءة.
قال ابن الهمام(٣): علّله في ((الهداية))، بأنه في الحقيقة قذفٌ لأمه،
وأورد عليه بأنه يجوز أن لا يكون ثابت النسب من أبيه ولا تكون أمه زانية بأن
كانت موطوءة بشبهة أو نكاح فاسد، فالوجه إثباته بالإجماع، انتهى.
وفي ((العناية)): قيل: يجب أن لا يجب الحد ههنا، وإن كان قذفه في
حالة الغضب لجواز أن ينفي النسب عن أبيه من غير أن تكون الأم زانية من كل
وجه بأن تكون موطوءة بشبهة، وأجيب بأن هذا وجه القياس، ووجوب الحد
فیه بالاستحسان بالأثر.
قال في ((المبسوط)): وإنما تركنا هذا القياس لحديث ابن مسعود، قال:
لا حدَّ إلا في قذف محصنة أو نفي رجل عن أبيه، انتهى.
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (٤): اختلف الناس فيمن نفى آخر عن نسبه
فقالت طائفة: فيه الحد، وقالت طائفة: لا حدّ عليه، فأما من أوجب عليه
(١) (السنن الكبرى)) (٢٥٢/٨).
(٢) (٣٥٦/١).
(٣) ((فتح القدير)) (١٩١/٤).
(٤) (٢٢٠/١٢).
٣٧٥

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
(٦) باب ما لا حد فيه
قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الْأَمَةِ يَقَعُ بِهَا الرَّجُلُ. وَلَهُ
فِيْهَا شِرْكٌ. أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
الحدَّ فهو كما قال ابن مسعود: ولا حَدَّ إلا في اثنتين أن يقذف محصنة أو ينفي
رجلاً عن أبيه وإن كانت أمه أمة، وعن الشعبي في الرجل ينفي الرجل عن
فخذه، قال: ليس عليه حدٍّ إلا أن ينفيه من أبيه.
وعن الشعبي والحسن قالا جميعاً: يضرب الحدّ، وعن إبراهيم النخعي
في رجل نفى رجلاً عن أبيه، قال له: لستَ لأبيك، وأمه نصرانية أو مملوكة،
قال: لا يجلد، ورجح ابن حزم بعد بسط الآثار في ذلك أن لا حدَّ عليه.
(٦) ما لا حد فيه
أي بيان الأحوال التي لا يجب فيها حد الزنا.
(مالك إن أحسن ما سمع) ببناء الفاعل والمفعول، والمعنى أنه سمع في
المسألة الآتية أحكاماً مختلفة وأحسنها عنده ما سيأتي (في الأمة) متعلق بسمع
(يقع بها الرجل) أي يطؤها (وله فيها شرك) يعني كانت الأمة الموطوءة مشتركة
بين الواطىء وبين الآخر (أنه لا يقام عليه) أي على الوطء (الحد) لماله فيها
شيء من الملك.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن من وطئ أمة له فيها شرك يريد
حصةً من رقبتها، سواء كانت تلك الحصة قليلة أو كثيرة، وكان الباقي منها
لواحد أو لجماعة، فإنه لا حدّ عليه، وذلك أن حصته التي يملك منها شبهة
تُسقط الحدَّ عنه، وقد قال مالك في ((الموازية)): يعاقب إن لم يعذر بجهل.
وروى مالك عن ابن عمر يعاقب، ولا يُحَدُّ، قال أبو الزناد: يعاقب بمائة
(١) ((المنتقى)) (١٥٣/٧).
٣٧٦

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
وَأَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ. وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ حِينَ حَمَلَتْ. فَيُعْطَى
شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ مِنَ الثَّمَنِ. وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لَهُ. وَعَلَى هَذَا، الْأَمْرُ
عِنْدَنَا .
جلدة. والذي يقضتيه مذهب مالك أنه يعاقب بقدر ما يرى الإمام لما ارتكب
من المحظور.
(وأنه يلحق به الولد) أي يثبت نسبه منه، قال الباجي: يريد أنها إن حملت،
فإن الولد لاحقٌ به، يريد أنه يلحقه في النسب، ويعتق عليه (وتقوم) ببناء المجهول
من التقويم في جميع النسخ المصرية غير الزرقاني، ففيها كالنسخ الهندية تقام
قال: وفي نسخة تُقَوَّمُ (عليه) أي على الواطىء (الجارية حين حملت).
قال الباجي: لا تخلوا الجارية إذا وطئها من أن لا تحمل أو تحمل، فإن
لم تحمل ففي ((الموازية)): أن الشريك مُخَيَّر في قول مالك وأصحابه بين تقويم
حصته على الواطىء وبين استمساكه بها وبقائها على الشركة، وقال مالك: إن
لم تحمل بقيت بينهما، ووجه هذا القول الثاني أن تصرف أحد الشريكين في
الأمة المشتركة تصرفٌ لا ينقص قيمتها، فلا يوجب تقويمها عليه، كما لو
استخدمها .
فأما إن حملت وهي مسألة الكتاب، فإنه لا بد من التقويم شاء الشريك
أو أبى، وذلك لأنه تعلق العتق بحصته، لتعدِّيه، فلزم أن تُقَوَّمَ عليه حصته،
كمالو أعتق حصته من أمة مشتركة (فيعطى) ببناء الفاعل أو المفعول أي يعطي
الواطىء (شركاؤه) واحداً كان أو جماعة (حصصهم من الثمن) الذي قومت به
الجارية (وتكون الجارية) أم ولد (له) أي للواطىء.
(قال مالك: وعلى هذا) الذي ذكر (الأمر عندنا) بالمدينة المنورة، قال
صاحب ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة والجمهور، انتهى. قال الباجي: ذكر في
((الموطأ)) القيمة حين الحمل، وقال في ((الموازية)): وقد قيل: يوم الحكم،
وقيل: يوم الوطء، وقال محمد: الصواب عندنا إن كان وطئ مراراً، فالشريك
بالخيار بین قیمتها یوم وطئت أو یوم حملت، انتهى.
٣٧٧

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
قال الخرقي(١): إذا كانت الأمة بين شريكين، فأصابها أحدهما، وأحبلها
أُدِّبَ، ولم يبلغ به الحدُّ، وضمن نصف قيمتها لشریکه، وصارت أم ولد له،
وولده حرٌّ، وإن كان معسراً، كان في ذمته نصف مهر مثلها، وإن لم تُحبل،
فعليه نصف مهر مثلها، وهي على ملكيهما .
قال الشارح: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في تحريم وطء الجارية
المشتركة، لأن الوطء يصادف ملك غيره، ولم يُحِلُّه الله تعالى بدليل قوله:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾(٢)
الآية، وأكثر أهل العلم لا يوجبون فيه حداً؛ لأنه له فيها ملكاً، فكان ذلك
شبهة دارئة للحد، وأوجبه أبو ثور؛ لأنه وطء مُحَرَّمٌ، لكونه في ملك غيره.
ولنا أنه وطء صادف ملكه، فلم يوجب حداً كوطء زوجته الحائض،
ويُفارق ما لا ملك له فيها، فإنه لا شبهة له فيها، ولهذا لو سرق عينا له نصفها
لم يُقْطع، ولا خلاف في أنه يُعَزَّر، لما ذكرنا في حُجة أبي ثور، ثم لا تخلو من
حالين: إما أن لا تحمل منه فهي باقية على ملكهما، وعليه نصف مهر مثلها؛
لأنه وطء سقط فيه الحدّ للشبهة، فأوجب مهر المثل، سواء كانت مطاوعة أو
مكرهة؛ لأن وطء جارية غيره يوجب المهر وإن طاوعت؛ لأن المهر لسيدها،
فلا يسقط بمطاوعتها، ويكون الواجب النصف بقدر ملك الشريك فيها .
والحال الثاني: أن يُحْبلَها، وتضع ما يُتَبَيَّن فيه بعض خلق الإنسان، فإنها
تصير بذلك أم ولد للواطىء، وتخرج من ملك الشريك كما تخرج بالإعتاق،
سواء كان الواطىء موسراً أو معسراً؛ لأن الإيلاد أقوى من الإعتاق، ويلزمه
نصف قيمتها؛ لأنه أخرج من نصفها من ملك الشريك، فلزمته قيمته كما لو
(١) («المغني)) (٣٧١/١٤).
(٢) سورة المؤمنون: الآية ٥، ٦.
٣٧٨

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
أخرجه بالإعتاق أو الإتلاف، فإن كان موسراً أدّاه، وإن كان معسراً كان في
ذمته، والولد حرٌّ يلحق نسبُه بوالده، لأنه مِنْ وطءٍ في محل له فيه ملكٌ، وقال
القاضي: الصحيح عندي أنه لا يُقَوَّمُ عليه نصف شريكه، إذا كان معسراً، بل
يصير نصفها قِناً باقياً في ملك الشريك، لأن الإحبال كالعتق، فيجري مجراه في
التقويم، والسراية، فاعتبر في سرايته اليسار، وهذا قول أبي الخطاب، ومذهب
الشافعي.
فعلى هذا إذا ولدت احتمل أن يكون الولد كله حراً لاستحالة انعقاد
الولد من حُرِّ وعبد، واحتمل أن يكون نصف الولد حراً ونصفه ◌ِنّا، كولد
المعتق بعضها .
ثم هل تلزمه قيمة الولد ومهرُ الأمة؟ على وجهين؛ أحدهما: لا يلزمه
ذلك، وهو ظاهر قول الخرقي، لأن الأمة صارت مملوكة له، فلم يلزمه
مهرها، ولا قيمة ولدها، لأن الولد خلق حراً.
الثاني: يلزمه لشريكه نصف مهر مثلها ونصف قيمة ولدها، لأن الوطء
صادف ملك غيره، وإنما انتقلت بالوطء الموجب للمهر، وقال القاضي: إن
ولدت بعد التقويم، فلا شيء على الواطىء، لأنها وضعته في ملكه، ووقت
الوجوب وقت الوضع، ولا حَقّ للشريك فيها، وإن وضعته على التقويم فعلى
روايتين، وذكرهما أبو بكر، واختار أنه تلزمه قيمته، انتهى.
وقال ابن رشد (١): أما الزنا فهو كلٌّ وطء وقع على غير نكاح صحيح
ولا شبهة نكاح، ولا ملك يمين، وهذا متفق عليه بالجملة من علماء الإسلام،
وإن كانوا اختلفوا فيما هو شبهةٌ تُدْرَأ الحدودُ مما ليس بشبهة، وفي ذلك
مسائل: منها: الأمة يقع عليها الرجل، وله فيها شرك، فقال مالك: يُدْرَأ عنه
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٣٣/٢).
٣٧٩

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
الحدُّ، وإن ولدت ألحق الولد به، وقومت عليه، وبه قال أبو حنيفة، وقال
بعضهم: يُعَزَّرُ، وقال أبو ثور: عليه الحد كاملاً، إذا علم الحرمة، انتهى.
وفي ((الهداية)) (١): الوطء الموجب للحد هو الزنا، وهو في عرف الشرع:
وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهة الملك، والشبهة نوعان:
شبهة في الفعل، وتسمى شبهة اشتباه، وشبهة في المحل، وتُسَمَّى شبهة
حكمية، والحد يسقط بالنوعين لإطلاق الحديث أي قوله وَلقر: (ادرءوا الحد
بالشُّبُهَات)) والنسب يثبت في الثانية إذا ادّعى الولد، ولا يثبت في الأولى وإن
ادعاه، فشبهة الفعل في ثمانية مواضع، والشبهة في المحل في ستة مواضع،
وعَدَّ في هذه السنة الجارية المشتركة بينه وبين غيره.
وقال أيضاً في موضع آخر: إذا كانت الجارية بين شريكين، فجاءت
بولد، فادّعاه أحدهما ثبت نسبه منه، وصارت أم ولد له، ويضمن نصف
عُقْرِها، لأنه وطئ جارية مشتركة، إذ الملك يثبت حكماً للاستيلاد، فيتعقبه
الملك في نصيب صاحبه، بخلاف الأب إذا استولد جارية ابنه، لأن الملك
ههنا يثبت شرطاً للاستيلاد، فيتقدمه، فصار واطئاً ملك نفسه، ولا يغرم قيمة
ولدها، لأن النسب يثبت مستنداً إلى وقت العلوق، فلم يتعلق شيء منه على
ملك الشريك .
قال ابن الهمام(٢): وتعتبر قيمة نصفها يوم وطئها الذي عَلِقَتْ منه، وكذا
نصف العقر، وإنما وجب نصف العقر على المستولد؛ لأنه وطئ جارية
مشتركة، لأن الملك في نصف شريكه يثبت حكماً للاستيلاد، فيتعقبه، وهو
وإن كان مقارناً للعلوق لاستناده إليه، فهو مسبوق بالوطء، وبابتدائه يثبت
المهر، فلا يسقط بالإنزال، فلزم سبق وجوب المهر الاستيلادُ بالضرورة.
(١) (٣٤٤/١).
(٢) انظر: ((فتح القدير)) (٣٤/٥).
٣٨٠